إن هذه الاحتفالات بدعة ولا يجوز فعلها ولا يصح اعتبار المولد عيدًا من أعياد المسلمين ويدل على عدم جواز كل ذلك ما يلي:
أولًا: إن هذا العمل ليس له أصل في الكتاب ولا في السنة ولم يفعله السلف الصالح بل ذلك من [البدع المحدثة في الدين لأن الرسول - ﷺ - لم يفعله ولا خلفاؤه الراشدون ولا غيرهم من الصحابة رضوان الله على الجميع ولا التابعون لهم بالإحسان في القرون المفضلة وهم أعلم الناس بالسنة وأكمل حبًا لرسول الله - ﷺ - ومتابعة لشرعه ممن بعدهم وقد ثبت عن النبي - ﷺ - أنه قال: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) أي مردود عليه وقال في حديث آخر: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة) ففي هذين الحديثين تحذير شديد من إحداث
[ ٢١٩ ]
البدع والعمل بها وقد قال الله سبحانه في كتابه المبين: (وَمَاءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) وقال ﷿: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) وقال سبحانه: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الاخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) وقال تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الاوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالانْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الانْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) وقال تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الاسْلامَ دِينًا)، والآيات في هذا المعنى كثيرة وإحداث مثل هذه الموالد يفهم منه أن الله سبحانه لم يكمل الدين لهذه الأمة وأن الرسول ﵊ لم يبلغ ما ينبغي للأمة أن تعمل به حتى جاء هؤلاء المتأخرون فأحدثوا في شرع الله ما لم يأذن به زاعمين أن ذلك مما يقربهم إلى الله وهذا بلا شك فيه خطر عظيم واعتراض على الله سبحانه وعلى رسوله - ﷺ - والله سبحانه قد أكمل لعباده الدين وأتم عليهم النعمة] (١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية عن المولد: [فإن هذا لم يفعله السلف مع قيام المقتضي له وعدم المانع منه ولو كان هذا خيرًا محضًا أو راجحًا لكان السلف ﵃ أحق به منَّا فإنهم كانوا أشد محبة لرسول الله - ﷺ - وتعظيمًا له منَّا وهم على الخير أحرص] (٢).
_________________
(١) التحذير من البدع ص ٣ - ٤.
(٢) اقتضاء الصراط المستقيم ص ٢٩٥.
[ ٢٢٠ ]
وقال الشيخ تاج الدين الفاكهاني: [لا أعلم لهذا المولد أصلًا في كتاب ولا سنة ولا ينقل عمله عن أحد من علماء الأمة الذين هم القدوة في الدين المتمسكون بآثار المتقدمين] (١).
وقال الونشريسي تحت عنوان " التحبيس - الوقف - على إقامة ليلة المولد ليس بمشروع ": [وسئل الأستاذ أبو عبد الله الحفار عن رجل حبس أصل توت على ليلة مولد سيدنا محمد - ﷺ - ثم مات المحبس فأراد ولده أن يتملك أصل التوت المذكور فهل له ذلك أم لا؟
فأجاب: وقفت على السؤال فوقه - وليلة المولد لم يكن السلف الصالح وهم أصحاب رسول الله - ﷺ - والتابعون لهم يجتمعون فيها للعبادة ولا يفعلون فيها زيادة على سائر ليالي السنة لأن النبي - ﷺ - لا ُيعظم إلا بالوجه الذي شرع فيه تعظيمه، وتعظيمه من أعظم القرب إلى الله لكن يتقرب إلى الله ﷻ بما شرع، والدليل على أن السلف لم يكونوا يزيدون فيها زيادة على سائر الليالي أنهم اختلفوا فيها، فقيل إنه - ﷺ - ولد في رمضان، وقيل في ربيع، واختلف في أي يوم ولد فيه على أربعة أقوال، فلو كانت تلك الليلة التي ولد في صبيحتها تحدث فيها عبادة بولادة خير الخلق - ﷺ - لكانت معلومة مشهورة لا يقع فيها اختلاف، ولكن لم تشرع زيادة تعظيم ألا ترى أن يوم الجمعة خير يوم طلعت عليه الشمس وأفضل ما يفعل في اليوم الفاضل صومه وقد نهى النبي - ﷺ - عن صوم يوم الجمعة مع عظيم فضله فدل هذا على أنه لا تحدث عبادة في زمان ولا في مكان إلا إن شرعت، وما لم يشرع لم يفعل، إذ لا يأتي آخر هذه الأمة بأهدى مما أتى به أولها ولو فتح هذا الباب لجاء قوم فقالوا: يوم هجرته إلى المدينة يوم أعز الله فيه الإسلام فيجتمع فيه ويتعبد، ويقول آخرون
_________________
(١) عمل المولد ص ٢٠ - ٢١ نقلًا عن التبرك أنواعه وأحكامه ص ٣٦٢، وانظر الحاوي ١/ ١٩٠ - ١٩١ فقد نقل كلام الفاكهاني.
[ ٢٢١ ]
الليلة التي أسري به فيها حصل له من الشرف مالا يقدر قدره فتحدث فيها عبادة، فلا يقف ذلك عند حدّ، والخير كله في اتباع السلف الصالح الذين اختارهم الله له فما فعلوا فعلناه وما تركوا تركناه فإذا تقرر هذا ظهر أن الاجتماع في تلك الليلة ليس بمطلوب شرعًا بل يؤمر بتركه ووقوع التحبيس عليه مما يحمل على بقائه واستمراره ما ليس له أصل في الدين فمحوه وإزالته مطلوب شرعًا] (١).
وقال الونشريسي أيضًا: [وسئل سيدي أحمد القباب عما يفعله المعلمون من وقد الشمع في مولد النبي - ﷺ - واجتماع الأولاد للصلاة على النبي - ﷺ - ويقرأ بعض الأولاد ممن هو حسن الصوت عشرًا من القرآن وينشد قصيدة في مدح النبي - ﷺ - ويجتمع الرجال والنساء بهذا السبب
فأجاب بأن قال: جميع ما وصفت من محدثات البدع التي يجب قطعها ومن قام بها أو أعان عليها أو سعى في دوامها فهو ساعٍ في بدعة وضلالة، ويظن بجهله أنه بذلك معظم لرسول الله - ﷺ - قائم بمولده، وهو مخالف سنته مرتكب لمنهيات نهى عنها - ﷺ -، متظاهر بذلك محدث في الدين ما ليس منه، ولو كان معظمًا له حق التعظيم لأطاع أوامره فلم يحدث في دينه ما ليس منه، ولم يتعرض لما حذر الله تعالى منه حيث قال: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)] (٢).
_________________
(١) المعيار المعرب ٧/ ٩٩ - ١٠٠.
(٢) المعيار المعرب ١٢/ ٤٨ - ٤٩.
[ ٢٢٢ ]
ثانيًا: إن الاحتفال بالمولد النبوي واتخاذه عيدًا فيه تشبه بأهل الكتاب فالنصارى يحتفلون بعيد مولد عيسى ﵇ كما يزعمون في نهاية كل عام ميلادي، وكذلك اليهود يحتفلون بأعياد زعموها لأنبيائهم فإذا احتفل المسلمون بعيد المولد النبوي غير المشروع فقد تشبهوا بأهل الكتاب وقد نهينا عن التشبه بهم، قال العلامة ابن القيم: [ومن خص الأمكنة والأزمنة من عنده بعبادات لأجل هذا وأمثاله كان من جنس أهل الكتاب الذين جعلوا زمان أحوال المسيح مواسم وعبادات كيوم الميلاد ويوم التعميد وغير ذلك من أحواله] (١).
ثالثًا: إن الاحتفال بالمولد أمر محدث لم تعرفه القرون الأولى الفاضلة وأول من أحدث هذه البدعة أحد خلفاء الدولة الفاطمية من الرافضة وهو المعز لدين الله وذلك سنة ٣٦٢ هـ بالقاهرة فقد أحدث ستة موالد وهي: المولد النبوي ومولد الإمام علي ومولد فاطمة ومولد الحسن والحسين ومولد الخلفية المعاصر وبقيت هذه الموالد إلى أن أبطلها الأفضل أمير الجيوش بن بدر الجمالي سنة ٤٨٨ هـ ثم أعيد الاحتفال بها سنة في خلافة الآمر بأحكام الله سنة ٥٢٤ هـ، وكان أول من أحدث الاحتفال بالمولد النبوي بالعراق صاحب إربل الملك أبو سعيد كوكبوري في القرن السابع الهجري (٢).
والسؤال أين كان المسلمون خلال عدة قرون عن هذا الاحتفال لو كان مشروعًا؟ وأين كان الصحابة والتابعون وسلف الأمة عن هذا الاحتفال لو كان مشروعًا؟
والله لو كان الاحتفال بالمولد النبوي مشروعًا لسبقونا إليه فإنهم أشد حبًا لله ولرسوله - ﷺ - ممن جاء بعدهم وهم أشد إتباعا ممن خلفهم.
_________________
(١) زاد المعاد ١/ ٥٩.
(٢) الإبداع ص ٢٥١، التبرك أنواعه وأحكامه ص ٣٦٠ - ٣٦١، وانظر البدع الحولية ص ١٣٧ فما بعدها.
[ ٢٢٣ ]
رابعًا: إن يوم مولد النبي - ﷺ - ليس معلومًا على الوجه القطعي فقد اختلف العلماء في تعيين يوم مولده فمنهم من قال ولد يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول وهذا القول هو المشهور.
وقيل في الثاني منه وقيل في الثامن منه وقيل في العاشر وقيل في السابع عشر منه وقيل في الثامن عشر منه.
ورجح بعض العلماء المحدثين أنه - ﷺ - ولد في التاسع من ربيع الأول وحسب ذلك فلكيًا (١).
وبناء على هذا الاختلاف فإن جعل الاحتفال بالمولد في الثاني عشر من ربيع الأول لا أصل له من الناحية التاريخية فهو تحكم بدون مستند (٢).
ووقوع هذا الخلاف في يوم مولده يدل على أن الصحابة ﵃ لم يروا أن لذلك اليوم شعارًا خاصًا به لأنهم لو كانوا يعلمون أن لهذا اليوم شعارًا خاصًا لعينوه واهتموا به ولصار معلومًا مشهورًا ولما لم يكن ذلك دل على عدم مشروعية الاحتفال من أصله.
خامسًا: إن احتفال كثير من المحتفلين بالمولد النبوي يتضمن في الغالب مفاسد ومنكرات عديدة منها:
أ. إن كثيرًا من القصائد والمدائح التي يُتَغَنى بها في المولد لا تخلو من ألفاظ الشرك وعبارات الغلو في الرسول - ﷺ - كما في قصيدة البوصيري:
يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به سواك عند حدوث الحادث العمم
إن لم تكن آخذًا يوم المعاد يدي صفحًا وإلا فقل يا زلة القدم
_________________
(١) انظر تفصيل ذلك في المواهب اللدنية ١/ ١٤٠ - ١٤٢، شرح الزرقاني على المواهب ١/ ٢٤٦ - ٢٤٨، لطائف المعارف ص ١٨٤ - ١٨٥.
(٢) انظر فتاوى العقيدة ص ٦٢١.
[ ٢٢٤ ]
فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم
فمثل هذه الأوصاف لا تصح إلا لله ﷿ فكيف تكون الدنيا والآخرة من جود النبي - ﷺ -؟ وكيف يكون علم اللوح والقلم من علم النبي - ﷺ -؟ وماذا أبقى هذا الشاعر لله تعالى؟!! (١)
لا شك أن هذا من الغلو وقد نهى النبي - ﷺ - عن الغلو بقوله: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبده فقولوا عبد الله ورسوله) رواه البخاري (٢).
وصح عن النبي - ﷺ - أنه قال: (إياكم والغلو في الدين فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين) رواه أحمد والنسائي وابن ماجة وابن حبان وهو حديث صحيح صححه الحاكم ووافقه الذهبي وصححه النووي والألباني وغيرهم (٣).
ب. ومن البدع القبيحة التي تقع في بعض الاحتفالات بالمولد النبوي قيام الحاضرين تعظيمًا وإكرامًا عند ذكر ولادته - ﷺ - وخروجه إلى الدنيا لأنهم يعتقدون حضور الرسول - ﷺ - لاحتفالهم كما زعموا.
قال العلامة الشيخ عبد العزيز باز في إبطال هذه البدعة: [ومن ذلك أن بعضهم يظن أن رسول الله - ﷺ - يحضر المولد ولهذا يقومون له محيين ومرحبين وهذا من أعظم الباطل وأقبح الجهل فإن الرسول - ﷺ - لا يخرج من قبره قبل يوم القيامة ولا يتصل بأحد من الناس ولا يحضر اجتماعاتهم بل هو مقيم في قبره إلى يوم القيامة وروحه في أعلى عليين عند ربه في دار الكرامة كما قال الله تعالى في سورة المؤمنين:
(ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ) وقال النبي - ﷺ -: (أنا أول
_________________
(١) فتاوى العقيدة ص ٦١٩ - ٦٢٠، التبرك أنواعه وأحكامه ص ٣٦٥ - ٣٦٦.
(٢) صحيح البخاري مع الفتح ٧/ ٣٠٠.
(٣) الفتح الرباني ١٢/ ١٦٩، سنن النسائي ٥/ ٢٦٨، سنن ابن ماجة ٢/ ١٠٠٨، صحيح ابن حبان ٩/ ١٨٣، المستدرك ٢/ ١٢٠، المجموع ٨/ ١٧١، السلسلة لصحيحة ٣/ ٢٧٨.
[ ٢٢٥ ]
من ينشق عنه القبر يوم القيامة وأنا أول شافع وأول مشفع) عليه من ربه أفضل الصلاة والسلام فهذه الآية الكريمة والحديث الشريف وما جاء في معناهما من الآيات والأحاديث كلها تدل على أن النبي - ﷺ - وغيره من الأموات إنما يخرجون من قبورهم يوم القيامة وهذا أمر مجمع عليه بين علماء المسلمين ليس فيه نزاع بينهم فينبغي لكل مسلم التنبه لهذه الأمور والحذر مما أحدثه الجهال وأشباههم من البدع والخرافات التي ما أنزل الله بها من سلطان والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا به] (١).
_________________
(١) التحذير من البدع ص ٦.
[ ٢٢٦ ]