ومما يؤيد هذا الأصل ويدل عليه وقوف الصحابة ﵃ ومن بعدهم من السلف عند ما حدَّ رسول الله - ﷺ - فمن ذلك:
١. ما ثبت عن عمر بن الخطاب - ﵁ -: (أنه قبل الحجر الأسود وقال: إني لأقبلك وإني لأعلم أنك حجر ولكني رأيت رسول الله - ﷺ - يقبلك) متفق عليه (٢).
قال الإمام النووي: [وأما قول عمر - ﵁ -: (لقد علمت أنك حجر وإني لأعلم أنك حجر وأنك لا تضر ولا تنفع) فأراد به بيان الحث على الاقتداء برسول الله - ﷺ - في تقبيله ونبه على أنه لولا الاقتداء به لما فعله.
وإنما قال: (وإنك لا تضر ولا تنفع) لئلا يغتر بعض قريبي العهد بالإسلام الذين كانوا ألفوا عبادة الأحجار وتعظيمها رجاء نفعها وخوف الضرر بالتقصير في تعظيمها وكان العهد قريبًا بذلك، فخاف عمر - ﵁ - أن يراه بعضهم يقبله ويعتني به فيشتبه عليه فبين أنه لا يضر ولا ينفع بذاته وإن كان امتثال ما شرع فيه ينفع بالجزاء والثواب ] (٣).
_________________
(١) إعلام الموقعين ١/ ٣٤٤.
(٢) صحيح البخاري مع الفتح ٤/ ٢١٧، صحيح مسلم بشرح النووي ٣/ ٣٩٦.
(٣) شرح النووي على صحيح مسلم ٣/ ٣٩٧.
[ ٤٧ ]
٢. وثبت عن عمر - ﵁ - في حادثة تقبيل الحجر الأسود وما قال فيه أنه قال بعد ذلك: (فما لنا وللرمل؟ إنما كنا راءينا المشركين وقد أهلكهم الله ثم قال: شيء صنعه النبي - ﷺ - فلا نحب أن نتركه) رواه البخاري (١).
ومعنى قوله (راءينا) من الرؤية أي أريناهم بذلك أنا أقوياء قاله الحافظ ابن حجر (٢).
وجاء في رواية أخرى عن عمر - ﵁ - قوله: (فيم الرملان الآن والكشف عن المناكب وقد أظهر الله الإسلام ونفى الكفر وأهله؟ ومع ذلك لا ندع شيئًا كنا نفعله على عهد رسول الله - ﷺ -) رواه ابن ماجة بنحوه ورواه أحمد (٣).
٣. وعن يعلى بن أمية قال: (طفت مع عمر بن الخطاب فلما كنت عند الركن الذي يلي الباب مما يلي الحجر أخذت بيده ليستلم فقال: أما طفت مع رسول الله؟ قلت: بلى. قال: فهل رأيته يستلمه قلت لا؟ قال: فأبعد عنه فإن لك في رسول الله - ﷺ - أسوة حسنة) رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح ورواه الطبراني في الأوسط كما قال الهيثمي، ورواه البيهقي أيضًا (٤).
٤. وفي رواية عند الإمام أحمد أن يعلى بن أمية قال:
(طفت مع عثمان ) فذكر نحو الحديث السابق، قال الساعاتي: [فلعل القصة وقعت ليعلى بن أمية مرتين مرة مع عمر ومرة مع عثمان. ورواه أبو يعلى بإسنادين أحدهما رجاله رجال الصحيح وسند الإمام أحمد فيه راوٍ لم يسمَّ] (٥).
_________________
(١) صحيح البخاري مع الفتح ٤/ ٢١٧.
(٢) فتح الباري ٤/ ٢١٧.
(٣) سنن ابن ماجة ٢/ ٩٨٤، الفتح الرباني ١٢/ ٢٠.
(٤) مجمع الزوائد ٣/ ٢٤٠، الفتح الرباني ١٢/ ٣٢، سنن البيهقي ٥/ ٧٧.
(٥) مجمع الزوائد ٣/ ٢٤٠، الفتح الرباني ١٢/ ٣٢.
[ ٤٨ ]
٥. وعن مجاهد عن ابن عباس ﵄ أنه طاف مع معاوية - ﵁ - بالبيت فجعل معاوية يستلم الأركان كلها فقال له ابن عباس: (لم تستلم هذين الركنين ولم يكن رسول الله - ﷺ - يستلمهما؟ فقال معاوية: ليس شيء من البيت مهجورًا. فقال ابن عباس: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) فقال معاوية: صدقت) رواه أحمد والترمذي، وقال: (حسن صحيح، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم أن لا يستلم إلا الحجر الأسود والركن اليماني) ورواه البخاري تعليقًا (١).
قال الشيخ الساعاتي معلقًا على كلام ابن عباس ومعاوية ﵃: [يعني - أي معاوية - أنها كلها أركان البيت فلا نستلم البعض ونترك البعض.
يريد ابن عباس أننا لم نترك استلام الركنين هجرًا للبيت ولكننا رأينا رسول الله - ﷺ - يفعل ذلك ففعلنا مثله (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) فرجع معاوية إلى قول ابن عباس ﵄ حينما ظهر له الدليل وقال صدقت. وهكذا شأن المؤمن إذ ظهر له الحق وكان مخالفًا لرأيه طرح رأيه واتبع الحق والرجوع إلى الحق فضيلة] (٢).
قال الحافظ ابن حجر: [وأجاب الشافعي عن قول من قال ليس شيء من البيت مهجورًا بأنا لم ندع استلامهما هجرًا للبيت وكيف يهجره وهو يطوف به؟ ولكن
_________________
(١) الفتح الرباني ١٢/ ٤١، تحفة الأحوذي ٣/ ٥٠٥، صحيح البخاري مع الفتح ٤/ ٢١٩ - ٢٢٠.
(٢) الفتح الرباني ١٢/ ٤١.
[ ٤٩ ]
نتبع السنة فعلًا أو تركًا ولو كان ترك استلامهما هجرًا لهما لكان ترك استلام ما بين الأركان هجرًا ولا قائل به] (١).
٦. وعن حذيفة بن اليمان - ﵁ - قال: (كل عبادة لا يتعبدها أصحاب رسول الله - ﷺ - فلا تعبدوها فإن الأول لم يدع للآخر مقالًا فاتقوا الله يا معشر القراء وخذوا طريق من كان قبلكم) وقد مضى.
٧. وقد ورد عن نافع أن رجلًا عطس إلى جنب ابن عمر فقال: [الحمد لله والسلام على رسول الله. قال ابن عمر: وأنا أقول الحمد لله والسلام على رسول الله وليس هكذا علمنا رسول الله - ﷺ -، علمنا أن نقول: الحمد لله على كل حال] رواه الترمذي والحاكم وقال الحاكم: صحيح الإسناد غريب ووافقه الذهبي وحسنه الشيخ الألباني (٢).
٨. وورد عن سعيد بن المسيب أنه رأى رجلًا يصلي بعد طلوع الفجر أكثر من ركعتين يكثر فيهما الركوع والسجود فنهاه فقال: [يا أبا محمد يعذبني الله على الصلاة؟! قال: لا ولكن يعذبك على خلاف السنة] رواه البيهقي وعبد الرزاق والخطيب (٣).
٩. وحكى ابن العربي عن الزبير بن بكار قال: [سمعت مالك بن أنس وأتاه رجل فقال: يا أبا عبد الله من أين أحرم؟ قال: من ذي الحليفة من حيث أحرم رسول الله - ﷺ -. فقال: إني أريد أن أحرم من المسجد. فقال: لا تفعل. قال: فإني أريد أن أحرم من المسجد من عند القبر. قال: لا تفعل فإني أخشى عليك الفتنة.
فقال: وأي فتنة هذه؟ إنما هي أميال أزيدها. قال: وأي فتنة أعظم من أن ترى أنك سبقت إلى فضيلة قصَّر عنها رسول الله - ﷺ -؟ إني سمعت الله يقول: (فَلْيَحْذَرِ
_________________
(١) فتح الباري ٤/ ٢٢٠.
(٢) سنن الترمذي ٥/ ٧٦، المستدرك ٥/ ٣٧٧، صحيح سنن الترمذي ٢/ ٣٥٣.
(٣) سنن البيهقي ٢/ ٤٦٦، مصنف عبد الرزاق ٣/ ٥٢، الفقيه والمتفقه ١/ ١٤٧.
[ ٥٠ ]
الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)] ذكره الخطيب البغدادي والشاطبي (١).
١٠. قال الشيخ الألباني: [روى الطبراني بسند صحيح عن طلحة بن مصرف قال: [زاد ربيع بن خيثم في التشهد وبركاته:" ومغفرته "! فقال علقمة نقف حيث عُلِّمنا: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته.
وعلقمة تلقى هذا الاتباع من أستاذه عبد الله بن مسعود - ﵁ - فقد ثبت عنه أن كان يعلم رجلًا التشهد فلما وصل إلى قوله:" أشهد أن لا إله الله " قال الرجل: وحده لا شريك له. فقال عبد الله: هو كذلك ولكن ننتهي إلى ما عُلِّمنا أخرجه الطبراني في الأوسط بسند صحيح] (٢).
١١. وعن علي - ﵁ - قال: (لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه وقد رأيت رسول الله - ﷺ - يمسح على ظاهر خفيه) رواه أبو داود والدارمي وصححه الحافظ ابن حجر والألباني (٣).
وبناء على هذا الأصل المهم فإنه يشترط في العبادات الاتباع ولا يجوز الابتداع وحتى يكون الاتباع صحيحًا لا بد أن يكون العمل موافقًا للشريعة في الأمور الستة التالية: [الأول: السبب فإذا تعبد الإنسان لله عبادة مقرونة بسبب ليس شرعيًا فهي بدعة مردودة على صاحبها مثال ذلك أن بعض الناس يحيي ليلة السابع والعشرين من رجب بحجة أنها الليلة التي عرج فيها برسول الله - ﷺ - فالتهجد عبادة ولكن لما قرن بهذا السبب كان بدعة لأنه بنى هذه العبادة على سبب لم يثبت شرعًا وهذا الوصف
_________________
(١) الفقيه والمتفقه ١/ ١٤٨، الاعتصام ١/ ١٣٢.
(٢) انظر صفة صلاة النبي - ﷺ - ص ١٤٥ هـ ٢.
(٣) سنن أبي داود مع شرحه عون المعبود ١/ ١٩٢، سنن الدارمي مع شرحه فتح المنان ٤/ ٢٦٤ التلخيص الحبير ١/ ١٦٠، صحيح سنن أبي داود ١/ ٣٣.
[ ٥١ ]
-موافقة العبادة للشريعة في السبب- أمر مهم يتبين به ابتداع كثير مما يظن أنه من السنة وليس من السنة.
الثاني: الجنس فلا بد أن تكون العبادة موافقة للشرع في جنسها فلو تعبد إنسان لله بعبادة لم يشرع جنسها فهي غير مقبولة مثال ذلك أن يضحي رجل بفرس فلا يصح أضحية لأنه خالف الشريعة في الجنس فالأضاحي لا تكون إلا من بهيمة الأنعام الإبل، البقر، الغنم.
الثالث: القَدْر فلو أراد إنسان أن يزيد صلاة على أنها فريضة فنقول: هذه بدعة غير مقبولة لأنها مخالفة للشرع في القدر ومن باب أولى لو أن الإنسان صلى الظهر مثلًا فصلى خمسًا فإن صلاته لا تصح بالاتفاق.
الرابع: الكيفية فلو أن رجلًا توضأ فبدأ بغسل رجليه ثم مسح رأسه ثم غسل يديه ثم وجهه فنقول: وضوؤه باطل لأنه مخالف للشرع في الكيفية.
الخامس: الزمان فلو أن رجلًا ضحى في أول أيام ذي الحجة فلا تقبل الأضحية لمخالفة الشرع في الزمان وسمعت أن بعض الناس في شهر رمضان يذبحون الغنم تقربًا لله تعالى بالذبح وهذا العمل بدعة على هذا الوجه لأنه ليس هناك شيء يتقرب به إلى الله بالذبح إلا الأضحية والهدي والعقيقة أما الذبح في رمضان مع اعتقاد الأجر على الذبح كالذبح في عيد الأضحى فبدعة وأما الذبح لأجل اللحم فهذا جائز.
السادس: المكان فلو أن رجلًا اعتكف في غير مسجد فإن اعتكافه لا يصح وذلك لأن الاعتكاف لا يكون إلا في المساجد ولو قالت إمرأة أريد أن أعتكف في مصلى البيت فلا يصح اعتكافها لمخالفة الشرع في المكان. ومن الأمثلة لو أن رجلًا أراد أن يطوف فوجد المطاف قد ضاق ووجد ما حوله قد ضاق فصار يطوف من وراء المسجد فلا يصح
[ ٥٢ ]
طوافه لأن مكان الطواف البيت، قال الله تعالى لإبراهيم الخليل: (وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ)] (١).
فائدة لطيفة: قال الشيخ تاج الدين عبد الوهاب بن السبكي: [وجدت بخط الوالد - ﵁ - يقصد والده وهو الإمام علي بن عبد الكافي السبكي -: فكرت عند الاضطجاع في قول المضطجع: باسمك اللهم وضعت جنبي وباسمك أرفعه، فأردت أن أقول: إن شاء الله تعالى، في " أرفعه " لقوله تعالى: (وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) ثم قلت في نفسي: إن ذلك لم يرد في الحديث في هذا الذكر المنقول عند النوم ولو كان مشروعًا لذكره النبي - ﷺ - الذي أوتي جوامع الكلم فتطلبت فرقًا بينه وبين كل ما يجريه الإنسان من الأمور المستقبلة المستحب فيها ذكر المشيئة.
ولا يقال: إن " أرفعه " حال ليس بمستقبل لأمرين: أحدهما: أن لفظه وإن كان كذلك لكنا نعلم أن رفع جنب المضطجع ليس حال اضطجاعه.
والثاني: أن استحباب المشيئة عام فيما ليس بمعلوم الحال أو المضي. وظهر لي أن الأولى الاقتصار على الوارد في الحديث في الذكر عند النوم بغير زيادة وأن ذلك ينبه على القاعدة ويفرق بها بين تقدم الفعل على الجار والمجرور وتأخره عنه فإنك إذا قلت: أرفع جنبي باسم الله كان المعنى بالإخبار الرفع وهو عمدة الكلام وجاء الجار والمجرور بعد ذلك تكملة وإذا قلت: باسم الله أرفع جنبي كان المعنى الإخبار بأن الرفع كائن باسم الله وهو عمدة الكلام.
فافهم هذا السر اللطيف وتأمله في جميع موارد كلام العربية تجده يظهر لك به شرف كلام المصطفى - ﷺ - وملازمة المحافظة على الأذكار المأثورة عنه عليه أفضل الصلاة والسلام] (٢).
_________________
(١) الإبداع في كمال الشرع ص ٢٠ - ٢٣.
(٢) طبقات الشافعية ١٠/ ٢٨٧.
[ ٥٣ ]