أولهما: قوله - ﷺ -: (صلوا كما رأيتموني أصلي) وهذا بعض حديث رواه الإمام البخاري في صحيحه بسنده عن أبي قلابة قال: حدثنا مالك - هو ابن الحويرث - ﵁ - قال: (أتينا رسول الله - ﷺ - ونحن شببة متقاربون فأقمنا عنده عشرين يومًا وليلة وكان رسول الله - ﷺ - رحيمًا رفيقًا فلما ظن أنا قد اشتهينا أهلنا أو قد اشتقنا سألنا عمن تركنا بعدنا فأخبرناه. قال: ارجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم وعلموهم ومروهم وذكر أشياء أحفظها أو لا أحفظها وصلوا كما رأيتموني أصلي فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم) (١).
فهذا الحديث الصحيح الصريح يقرر هذا الأصل وهو لزوم الاتباع في الصلاة كما كان النبي - ﷺ - يصلي. فنؤدي الصلاة كما وردت عن رسول - ﷺ - بلا زيادة ولا نقصان.
ثانيهما: قول الرسول - ﷺ -: (خذوا عني مناسككم) وهو حديث صحيح رواه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة وغيرهم بألفاظ متقاربة (٢).
_________________
(١) صحيح البخاري مع الفتح ٢/ ٢٥٢.
(٢) صحيح مسلم بشرح النووي ٣/ ٤١٩، سنن أبي داود مع شرحه عون المعبود ٥/ ٣١٠، سنن النسائي ٥/ ٢٧٠، سنن ابن ماجة ٢/ ١٠٠٦.
[ ٤٤ ]
روى الإمام مسلم في صحيحه بسنده عن أبي الزبير أنه سمع جابرًا يقول: (رأيت النبي - ﷺ - يرمي على راحلته يوم النحر ويقول: لتأخذوا مناسككم فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه) (١).
قال الإمام النووي في شرحه للحديث: (وأما قوله - ﷺ -: (لتأخذوا مناسككم) فهذه اللام لام الأمر ومعناه خذوا مناسككم وهكذا وقع في رواية غير مسلم، وتقديره هذه الأمور التي أتيت بها في حجتي من الأقوال والأفعال والهيئات هي أمور الحج وصفته وهي مناسككم فخذوها عني واقبلوها واحفظوها واعملوا بها وعلموها الناس.
وهذا الحديث أصل عظيم في مناسك الحج وهو نحو قوله - ﷺ -: (صلوا كما رأيتموني أصلي)] (٢).
ولفظ رواية النسائي: (رأيت رسول الله - ﷺ - يرمي الجمرة وهو على بعيره وهو يقول يا أيها الناس خذوا عني مناسككم فإن لا أدري لعلي لا أحج بعد عامي هذا) (٣).
فهذان الحديثان يدلان على أن الأصل في العبادات هو التوقيف على رسول الله - ﷺ - فلا يثبت شيء من العبادات إلا بدليل من الشرع.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [وجماع الدين أصلان أن لا يعبد إلا الله ولا نعبده إلا بما شرع لا نعبده بالبدع، كما قال تعالى:
(فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) (٤).
_________________
(١) صحيح مسلم بشرح النووي ٣/ ٤١٩.
(٢) شرح النووي على صحيح مسلم ٣/ ٤٢٠.
(٣) سنن النسائي ٥/ ٢٧٠.
(٤) سورة الكهف الآية ١١٠.
[ ٤٥ ]
وذلك تحقيق الشهادتين شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمدًا رسول الله، ففي الأولى: أن لا نعبد إلا إياه.
وفي الثانية: أن محمدًا هو رسوله المبلغ فعلينا أن نصدق خبره ونطيع أمره وقد بين لنا ما نعبد الله به ونهانا عن محدثات الأمور وأخبر أنها ضلالة، قال تعالى: (بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)] (١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية أيضًا: [إن تصرفات العباد من الأقوال والأفعال نوعان عبادات يصلح بها دينهم وعادت يحتاجون إليها.
فباستقراء أصول الشريعة نعلم أن العبادات التي أوجبها الله أو أحبها لا يثبت الأمر بها إلا بالشرع.
وأما العادات فهي ما اعتاده الناس في دنياهم مما يحتاجون إليه والأصل فيه عدم الحظر فلا يحظر منه إلا ما حظره الله ﷾.
وذلك لأن الأمر والنهي هما شرع الله والعبادة لا بد أن تكون مأمورًا بها فما لم يثبت أنه مأمور به كيف يحكم عليه بأنه محظور؟ ولهذا كان أحمد وغيره من فقهاء أهل الحديث يقولون: إن الأصل في العبادات التوقيف فلا يشرع منها إلا ما شرعه الله وإلا دخلنا في معنى قوله تعالى: (أم لهم شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ)] (٢).
وقال العلامة ابن القيم: [ ولا دين إلا ما شرعه الله فالأصل في العبادات البطلان حتى يقوم دليل على الأمر.
والأصل في العقود والمعاملات الصحة حتى يقوم دليل على البطلان والتحريم.
_________________
(١) العبودية ص ١٧٠ - ١٧١.
(٢) القواعد النورانية ص ٧٨ - ٧٩.
[ ٤٦ ]
والفرق بينهما أن الله ﷾ لا يعبد إلا بما شرعه على ألسنة رسله فإن العبادة حقه على عباده وحقه الذي أحقه هو ورضي به وشرعه. وأما العقود والشروط والمعاملات فهو عفو حتى يحرمها.
ولهذا نعى الله ﷾ على المشركين مخالفة هذين الأصلين وهو تحريم ما لم يحرمه والتقرب إليه بما لم يشرعه ] (١).