بدعة المصافحة بعد الصلاة
وقول المصلي للآخر: تقبل الله منا ومنكم
كثيرٌ من المصلين وبمجرد انتهاء الإمام من التسليم يمدون أيديهم لمن هم على أيمانهم وشمائلهم لمصافحتهم قائلين: تقبل الله منَّا ومنكم.
وهذه بدعة مخالفة لهدي النبي - ﷺ - وبيان هذا من وجوه:
الأول: إن المصافحة من السنن المتفق عليها عند لقاء المسلم مع أخيه المسلم.
فقد روى الإمام البخاري بإسناده عن قتادة قال - ﵁ -: (قلت لأنس - ﵁ - أكانت المصافحة في أصحاب النبي - ﷺ - قال: نعم) (١).
وجاء في الحديث عن البراء بن عازب - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر الله لهما قبل أن يتفرقا) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة وقال الشيخ الألباني: صحيح (٢).
ووردت أحاديث أخرى في المصافحة، ويؤخذ من هذه الأحاديث أن المصافحة سنة عند كل لقاء بين مسلمين.
الثاني: إن ما اعتاده الناس من المصافحة بعد الصلوات لا أصل له في الشرع على هذا الوجه بل هو بدعة لأن المصافحة مشروعة عند القدوم واللقاء ويستثنى من هذا من
_________________
(١) صحيح البخاري مع الفتح ١٣/ ٢٩٤.
(٢) سنن أبي داود مع شرحه عون المعبود ١٤/ ٨٠، سنن الترمذي مع شرحه التحفة ٧/ ٤٢٩ سنن ابن ماجة ٢/ ١٢٢٠، صحيح سنن الترمذي ٢/ ٣٥٣، السلسلة الصحيحة ٢/ ٤٤.
[ ١٢٣ ]
قدم إلى الصلاة ولم يجتمع بمن يصافحه قبل الصلاة فالمصافحة في حقهما مشروعة حينئذ.
وما قاله بعض العلماء من أن المصافحة عقب الصلوات بدعة مباحة فقد أجاب عليه الحافظ ابن حجر بقوله: [قلت: وللنظر فيه مجال فإن أصل صلاة النافلة سنة ومع ذلك فقد كره المحققون تخصيص وقت بها دون وقت، ومنهم من أطلق تحريم مثل ذلك كصلاة الرغائب التي لا أصل لها] (١).
وأجاب على ذلك أيضًا العلامة علي القاري فقال: [إن إتيان السنة في بعض الأوقات لا يسمى بدعة مع أن عمل الناس في الوقتين المذكورين ليس على وجه الاستحباب المشروع فإن محل المصافحة المشروعة أول الملاقاة وقد يكون جماعة يتلاقون من غير مصافحة ويتصاحبون بالكلام ومذاكرة العلم وغيره مدة مديدة ثم إذا صلوا يتصافحون فأين هذا من السنة المشروعة؟ ولهذا صرح بعض علمائنا بأنها مكروهة حينئذ وأنها من البدع المذمومة، نعم لو دخل أحد في المسجد والناس في الصلاة أو على إرادة الشروع فيها فبعد الفراغ لو صافحهم لكن بشرط سبق السلام للمصافحة فهذا من جملة المصافحة المسنونة بلا شبهة] (٢).
إذا تقرر هذا فأقول إن المصافحة عقب الصلاة بدعة وليس لها دليل من سنة ولا أثر والالتزام بها هدي لم يدل عليه الشرع فيكون بدعة (٣).
وقد نص على بدعتيها كثير من أهل العلم قال العز بن عبد السلام: [المصافحة عقيب الصبح والعصر من البدع إلا لقادم لم يجتمع بمن يصافحه قبل الصلاة فإن المصافحة مشروعة عند القدوم] (٤).
_________________
(١) فتح الباري ١٣/ ٢٩٤.
(٢) مرقاة المفاتيح ٨/ ٤٥٨.
(٣) معجم المناهي اللفظية ص ٢٠٦.
(٤) فتاوى العز بن عبد السلام ص ٣٨٩.
[ ١٢٤ ]
وقال التركماني: [وأما المصافحة في الصلاتين بعد صلاة العصر وبعد صلاة الصبح فبدعة من البدع التي استوى طرفاها لا أصل لها في الشرع واختار بعض العلماء تركها لأنها زيادة في الدين] (١).
وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن المصافحة عقيب الصلاة هل هي سنة أم لا؟ فأجاب: الحمد لله، المصافحة عقيب الصلاة ليست مسنونة بل هي بدعة] (٢).
ونقل ابن عابدين عن بعض فقهاء الحنفية قوله: [تكره المصافحة بعد أداء الصلاة بكل حال لأن الصحابة ﵃ ما صافحوا بعد أداء الصلاة ولأنها من سنن الروافض] (٣).
وقال ابن الحاج: [وينبغي أن يمنع ما أحدثوه من المصافحة بعد صلاة الصبح وبعد صلاة العصر وبعد صلاة الجمعة بل زاد بعضهم في هذا الوقت فعل ذلك بعد الصلوات الخمس وذلك كله من البدع وموضع المصافحة في الشرع إنما هو عند لقاء المسلم لأخيه لا في أدبار الصلوات الخمس وذلك كله من البدع فحيث وضعها الشرع نضعها فينهى عن ذلك ويزجر فاعله لما أتى من خلاف السنة] (٤).
وقال اللكنوي: [إنهم قد اتفقوا على أن هذه المصافحة ليس لها أصل في الشرع ثم اختلفوا في الكراهة والإباحة والأمر إذا دار بين الكراهة والإباحة ينبغي الإفتاء بالمنع فيه لأن دفع مضرّة أولى من جلب مصلحة فكيف لا يكون أولى من فعل أمر مباح على أن المصافحين في زماننا يظنونه أمرًا حسنًا ويشنعون على مانعه تشنيعًا بليغًا ويصرون
_________________
(١) اللمع في الحوادث والبدع ١/ ٢٨٣.
(٢) مجموع الفتاوى ٢٣/ ٣٣٩.
(٣) حاشية ابن عابدين ٦/ ٣٨١.
(٤) المدخل ٢/ ٢٢٣.
[ ١٢٥ ]
عليه إصرارًا شديدًا وقد مرّ أن الإصرار على المندوب يبلغه إلى حدّ الكراهة فكيف إصرار البدعة التي لا أصل لها في الشرع وعلى هذا فلا شك في الكراهة وهذا هو غرض من أفتى بالكراهة مع أن الكراهة إنما نقلها من نقلها من عبارات المتقدمين والمفتين فلا يوازيها روايات مثل صاحب " جمع البركات " و" السراج المنير " و" مطالب المؤمنين " من تساهل مصنفيها في تحقيق الروايات أمر مشهود وجمعهم كل رطب ويابس معلوم عند الجمهور والعجب من صاحب " خزانة الرواية " حيث قال فيها في عقد اللآلئ، قال ﵇: (صافحوا بعد صلاة الفجر يكتب الله لكم بها عشرًا) وقال ﵊: (صافحوا بعد العصر تؤجروا بالرحمة والغفران) ولم يتفطن أن هذين الحديثين وأمثالهما موضوعان وضعهما المصافحون فإن لله وإنا إليه راجعون] (١).
الثالث: إن قول المصلي لمن هو على يمينه وشماله عند مصافحته " تقبل الله " بدعة أيضًا [ولم نعلم عن أحد من الصحابة أو السلف الصالح ﵃ أنهم كانوا إذا فرغوا من صلاتهم التفت أحدهم عن يمينه وشماله مصافحًا من حوله مباركًا له بقبول الصلاة ولو فعل ذلك أحد منهم لنقل إلينا ولو بسند ضعيف ولنقله لنا أهل العلم الذين خاضوا في كل بحر فغاصوا في أعماقه واستخرجوا منه أحكامه الكثيرة ولم يفرطوا في سنة قولية أو فعلية أو تقريرية أو صفة] (٢).
الرابع: إن هذه المصافحة وقولهم تقبل الله منا ومنكم تقطع على كثير من المصلين تسبيحهم وذكرهم المشروع ولا ينبغي للمسلم أن يقطع تسبيح أخيه المسلم إلا بسبب شرعي وهذه المصافحة ليست كذلك (٣).
_________________
(١) القول المبين ص ٢٩٦.
(٢) القول المبين ص ٢٩٣.
(٣) المصدر السابق ص ٢٩٦.
[ ١٢٦ ]
الخامس: إن كثيرًا من المصلين الذين يداومون على هذه البدعة يتركون في مقابلها سنة ثابتة عن الرسول - ﷺ - فنراهم يصافحون من حولهم من المصلين ثم بعد ذلك يقومون إلى صلاة السنة البعدية ثم يخرجون من المسجد ويتركون سنة التسبيح والأذكار الواردة بعد الصلوات المفروضات فهؤلاء أساءوا حيث إنهم التزموا البدعة وتركوا السنة ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
[ ١٢٧ ]