شاعت تسمية المسجد الأقصى المبارك بالحرم عند عامة الناس في ديار فلسطين وعند بعض الكاتبين المعاصرين فنجدهم يطلقون على المسجد الأقصى الحرم أو الحرم الشريف (١).
وهذه التسمية غير صحيحة لأن المعلوم عند أهل العلم أنه لا يوجد عند المسلمين إلا حرمان وهما حرم مكة وحرم المدينة وهذا باتفاق أهل العلم وعند الشافعية أضافوا ثالثًا وهو وادي وج بالقرب من الطائف وإليك تفصيل ذلك:
أولًا: قال الله تعالى: (وَقَالُوا إِنْ نتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًاءَامِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ) (٢).
والمقصود بالحرم في هذه الآية الكريمة هو حرم مكة المكرمة (٣).
_________________
(١) انظر على سبيل المثال الحضرة الأنسية ١/ ٢٨٩، ٤٨٤، ٤٨٥، ٤٩١ وغيرها والعناوين من عمل محقق الكتاب.
(٢) سورة العنكبوت الآية ٦٧.
(٣) انظر تفسير القرطبي ١٣/ ٣٠٠.
[ ٢٠١ ]
وقال تعالى: (أو لم يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًاءَامِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ
يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ) (١).
والمقصود أيضًا بالحرم في هذه الآية الكريمة هو حرم مكة المكرمة (٢).
وثبت في الحديث عن عبد الله بن زيد - ﵁ - عن النبي - ﷺ -: (أن إبراهيم حرّم مكة ودعا لها وحرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة ودعوت لها في مدها وصاعها مثل ما دعا إبراهيم لمكة) متفق عليه (٣).
وحرم مكة وحرم المدينة ثابتان بالأدلة الصحيحة واتفق أهل العلم على ذلك وأما وادي وج بالقرب من الطائف فقد اعتبره الشافعية حرمًا وخالفهم بقية العلماء (٤).
واحتج الشافعية بما ورد في حديث الزبير - ﵁ - قال: (لما أقبلنا مع رسول الله - ﷺ - من لية حتى إذا كنا عند السدرة وقف رسول الله - ﷺ - في طرف القرن الأسود حذوها فاستقبل نخبًا ببصره وقال: مرةً وادِيَهٌ ووقف حتى اتقف الناس كلهم ثم قال: إن صيد وج وعضاهه حرم محرم لله وذلك قبل نزوله الطائف وحصاره لثقيف) رواه أبو داود وأحمد والبيهقي (٥).
_________________
(١) سورة القصص الآية ٥٧.
(٢) انظر تفسير القرطبي ١٣/ ٣٦٣.
(٣) صحيح البخاري مع الفتح ٥/ ٢٥٠، صحيح مسلم بشرح النووي ٣/ ٤٩١.
(٤) المجموع ٧/ ٤٨٣، زاد المعاد ٣/ ٥٠٨.
(٥) سنن أبي داود مع شرحه عون المعبود ٦/ ٩، سنن البيهقي ٥/ ٢٠٠، الفتح الرباني ٢٣/ ٣٠٠.
[ ٢٠٢ ]
وقوله: (من لية) هو جبل قرب الطائف، (وطرف القرن) جبل قرب الطائف أيضًا وقوله: (فاستقبل نخبًا) هو واد بالطائف، وقوله: (وقال مرة واديه) أي قال الراوي مرة أخرى واديه أي استقبل وادي الطائف، وقوله: (اتقف) أي حتى وقف الناس وقوله: (وعضاهه) هو كل شجر فيه شوك (١).
وهذا الحديث ضعيف ضعفه جماعة من أهل العلم.
قال البخاري: لا يصح. ونحوه قال الأزدي وذكر الخلال أن أحمد ضعّفه، وضعّفه ابن حبان وضعّفه النووي (٢).
والراجح من أقوال أهل العلم أن " وج " ليس بحرم لضعف الحديث كما سبق.
وبناءً على ما تقدم لا يصح إطلاق اسم الحرم إلا على الحرمين حرم مكة وحرم المدينة ولا يجوز شرعًا إطلاق اسم الحرم على المسجد الأقصى المبارك ولا على المسجد الإبراهيمي في الخليل وتسميتهما حرمًا بدعة لا أصل لها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [وليس ببيت المقدس مكان يسمى حرمًا ولا بتربة الخليل ولا بغير ذلك من البقاع إلا ثلاثة أماكن أحدها: هو حرم باتفاق المسلمين وهو حرم مكة شرفها الله تعالى والثاني حرم عند جمهور العلماء وهو حرم النبي - ﷺ - من عير إلى ثور بريد في بريد فإن هذا حرم عند جمهور العلماء كمالك والشافعي وأحمد وفيه أحاديث صحيحة مستفيضة عن النبي - ﷺ - والثالث " وج " وهو واد بالطائف فإن هذا روي فيه حديث رواه أحمد في المسند وليس في الصحاح وهذا حرم عند الشافعي لاعتقاده صحة الحديث وليس حرمًا عند أكثر العلماء وأحمد ضعف الحديث المروي فيه فلم يأخذ به وأما ما سوى هذه الأماكن الثلاثة فليس حرمًا عند
_________________
(١) عون المعبود ٦/ ٩.
(٢) المجموع ٧/ ٤٨٠، التلخيص الحبير ٢/ ٢٨٠، الجوهر النقي ٢/ ٢٠٠، زاد المعاد ٣/ ٥٠٨ بذل المجهود ٩/ ٣٧٨.
[ ٢٠٣ ]
أحد من علماء المسلمين فإن الحرم ما حرّم الله صيده ونباته ولم يحرم الله صيد مكان ونباته خارجًا عن هذه الأماكن الثلاثة] (١).
وقال شيخ الإسلام أيضًا: [ والأقصى اسم للمسجد كله ولا يسمى هو ولا غيره حرمًا وإنما الحرم بمكة والمدينة خاصة. وفي وادي وج بالطائف نزاع بين العلماء] (٢).
ولم تثبت تسمية المسجد الأقصى حرمًا عن أحد من العلماء المحققين ولما تكلم الإمام بدر الدين الزركشي عن الأحكام المتعلقة بالمسجد الأقصى لم يذكر منها شيئًا في تسميته حرمًا وإنما سماه المسجد الأقصى كما هو شأن بقية العلماء (٣).
كما أن الشيخ مجير الدين الحنبلي لم يستعمل كلمة الحرم في وصف المسجد الأقصى في كتابه " الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل " وكذلك الشيخ عبد الغني النابلسي في كتابه " الحضرة الأنسية في الرحلة القدسية ".
_________________
(١) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ٢٧/ ١٤ - ١٥.
(٢) اقتضاء الصراط المستقيم ص ٤٣٤.
(٣) إعلام الساجد بأحكام المساجد ص ١٩١ فما بعدها.
[ ٢٠٤ ]