بعد دفن الميت وتسوية القبر عليه يقوم رجل ويلقن الميت بقوله: [كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام، كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة، الموت باب وكل الناس داخله الموت كأس وكل الناس شاربه واعلم يا عبد الله وابن أمته أنك مت وأن الموت حق وأن دخول القبر حق وأن الجنة حق وأن النار حق وأن سؤال الملكين حق، فإذا جاءك الملكان الموكلان بك وبالناس أجمعين فلا يزعجاك ولا يرعباك واعلم أنهما خلق من خلق الله كما أنت خلق من خلقه، فإذا سألاك ما ربك، وما قبلتك، وما دينك، وما منهاجك، وما الذي عشت ومت عليه؟ فقل لهما بلسان طلق لبق من غير تلجلج ولا وجل ولا خوف منهما ولا جزع فقل لهما الله ربي حقًا، الله ربي حقًا، الله ربي حقًا، ومحمد نبيي صدقًا، وإبراهيم الخليل أبي وملته ملتي والكعبة قبلتي، وعشت ومت على قول لا إله إلا الله، محمد رسول الله فإذا عادا وسألاك ثانيةً ماذا تقول في الرجل المبعوث فينا وفيكم وفي الخلق أجمعين فاعلم أنهما يعنيان النبي محمد - ﷺ - فقل لهما هو نبينا وشفيعنا ورسولنا محمد أتانا بالحق دين الهدى فاتبعناه وآمنا برسالته وصدقناه آمين آمين آمين، يا مؤنس كل وحيد ويا حاضرًا لست تغيب آنس اللهم وحدته وارحم غربته ولقنه حجته وعرِّفه نبيه.
اللهم إن كان محسنًا فزد في إحسانه وإن كان مسيئًا فتجاوز عن سيئاته اللهم أبدله دارًا خيرًا من داره وأهلًا خيرًا من أهله ونقه من خطاياه كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس واغسله بالماء والثلج والبرد ووسع مدخله وأكرم نزله اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده، واغفر لنا وله وللمسلمين] ثم يقول الملقن للناس: انصرفوا مأجورين والتعزية من السنة يرحمكم الله.
[ ١٥٧ ]
وهذا التلقين مبتدع وليس له سند من السنة عن الرسول - ﷺ - وقد نص على أنه بدعة طائفة من أهل العلم، قال العز بن عبد السلام ﵀: [لم يصح في التلقين شيء وهو بدعة وقوله - ﷺ -: (لقنوا موتاكم لا إله إلا الله) محمول على من دنا موته ويئس من حياته] (١).ونُقِل عن الإمام مالك القول بكراهة التلقين بعد الموت (٢).
وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [فأما التلقين بعد الدفن فلم أجد فيه عن أحمد شيئًا ولا أعلم فيه للأئمة قولًا سوى ما رواه الأثرم قال: قلت لأبي عبد الله: فهذا الذي يصنعون إذا دفن الميت: يقف الرجل ويقول: يا فلان ابن فلان اذكر ما فارقت عليه شهادة أن لا إله إلا الله؟! فقال: ما رأيت أحدًا فعل هذا إلا أهل الشام حين مات أبو المغيرة جاء إنسانٌ فقال ذلك، قال: وكان أبو المغيرة يروي فيه عن أبي بكر بن أبي مريم عن أشياخهم أنهم كانوا يفعلونه ] (٣).
وقال الشيخ المرداوي بعد أن ذكر أن مذهب الحنابلة إثبات التلقين بعد الدفن: [ والنفس تميل إلى عدمه ] (٤).
وقال شمس الحق العظيم آبادي: [والتلقين بعد الموت قد جزم كثير أنه حادث] (٥).
وقال العلامة ابن القيم: [ولم يكن يجلس - أي الرسول - ﷺ - يقرأ عند القبر ولا يلقن الميت كما يفعله الناس اليوم] (٦).
_________________
(١) فتاوى العز بن عبد السلام ص ٤٢٧.
(٢) نقله صاحب كفاية الطالب الرباني نقلًا عن الآيات البينات للألوسي ص ٦٣.
(٣) المغني ٢/ ٣٧٧.
(٤) الإنصاف ٢/ ٥٤٩.
(٥) عون المعبود ٨/ ٢٦٨.
(٦) زاد المعاد ١/ ٥٢٢.
[ ١٥٨ ]
وقد احتج المثبتون للتلقين بعد الدفن بما روي في الحديث عن جابر بن سعيد الأزدي قال: [دخلت على أبي أمامة وهو في النزع فقال لي: يا أبا سعيد إذا أنا مت فاصنعوا بي كما أمر رسول الله - ﷺ - أن نصنع بموتانا فإنه قال: إذا مات الرجل منكم فدفنتموه فليقم أحدكم عند رأسه فليقل: يا فلان ابن فلانة! فإنه يستوي قاعدًا فليقل: يا فلان ابن فلانة فإنه سيقول أرشدني رحمك الله فليقل: اذكر ما خرجت عليه من دار الدنيا: شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور فإن منكرًا ونكيرًا يأخذ كل واحد منهما بيد صاحبه ويقول له ما نصنع عند رجل قد لقن حجته؟ فيكون الله حجيجهما دونه] قال الشيخ الألباني: منكر، أخرجه القاضي الخلعي في الفوائد ٥٥/ ٢. قلت - أي الألباني -: [وهذا إسناد ضعيفٌ جدًا لم أعرف أحدًا منهم غير عتبة بن السكن. قال الدارقطني: متروك الحديث. وقال البيهقي: واهٍ منسوبٌ إلى الوضع. والحديث أورده الهيثمي وقال: [رواه الطبراني في الكبير وفي إسناده جماعة لم أعرفهم]. فالعجب من قول الحافظ في التلخيص بعد أن عزاه للطبراني: وإسناده صالح فأنى لهذا الإسناد الصلاح والقوة وفيه هذا الرجل المجهول؟! بل فيه جماعة آخرون مثله في الجهالة ثم ذكر الشيخ الألباني أن النووي وابن الصلاح والحافظ العراقي وابن القيم قد ضعفوا الحديث (١).
وقال العلامة ابن القيم بعد أن ساق الحديث: [فهذا حديث لا يصح رفعه] (٢). وذكر ابن علان قول الحافظ ابن حجر بعد تخريج حديث أبي أمامة: [هذا حديث غريب وسند الحديثين من الطريقين ضعيفٌ جدًا] (٣).
_________________
(١) السلسلة الضعيفة ٢/ ٦٤ - ٦٥.
(٢) زاد المعاد ١/ ٥٢٣.
(٣) الفتوحات الربانية على الأذكار النووية ٤/ ١٩٦.
[ ١٥٩ ]
وقال الصنعاني: [ويتحصل من كلام أئمة التحقيق أنه حديث ضعيف والعمل به بدعة ولا يغتر بكثرة من يفعله] (١).
وقال الشيخ الألباني: [واعلم أنه ليس للحديث ما يشهد له، وكل ما ذكره البعض إنما هو أثر موقوف على بعض التابعين الشاميين لا يصلح شاهدًا للمرفوع بل هو يعله وينزل به من الرفع إلى الوقف وفي كلمة ابن القيم السابقة ما يشير إلى ما ذكرته عند التأمل، على أنه شاهد قاصر إذ غاية ما فيه: أنهم كانوا يستحبون أن يقال للميت عند قبره: يا فلان قل لا إله إلا الله، قل أشهد أن لا إله إلا الله " ثلاث مرات " قل: ربي الله وديني الإسلام ونبيي محمد.
فأين فيه الشهادة على بقية الجمل المذكورة في الحديث مثل "ابن فلانة " و"أرشدني " وقول الملكين "ما نصنع عند رجل " وجملة القول أن الحديث منكر عندي إن لم يكن موضوعًا ولا يرد هنا ما اشتهر من القول بالعمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال فإن هذا محله فيما ثبت مشروعيته بالكتاب أو السنة الصحيحة، وأما ما ليس كذلك فلا يجوز العمل فيه بالحديث الضعيف لأنه تشريع ولا يجوز ذلك بالحديث الضعيف لأنه لا يفيد إلا الظن المرجوح اتفاقًا فكيف يجوز العمل بمثله؟! فليتنبه لهذا من أراد السلامة في دينه فإن الكثيرين عنه غافلون نسأل الله تعالى الهداية والتوفيق] (٢).
وقد احتج المثبتون للتلقين بما جاء في الحديث عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: (لقنوا موتاكم لا إله إلا الله) رواه مسلم (٣).
_________________
(١) سبل السلام ٢/ ٢٣٤.
(٢) سلسلة الأحاديث الضعيفة ٢/ ٦٥.
(٣) صحيح مسلم بشرح النووي ٢/ ٥١٩.
[ ١٦٠ ]
وهذا الحديث ليس فيه التلقين بعد الموت وبعد الدفن وإنما هو في التلقين عند الاحتضار.
قال الإمام النووي: [قوله: (لقنوا موتاكم لا إله إلا الله) معناه من حضره الموت والمراد ذكروه لا إله إلا الله لتكون آخر كلامه كما في الحديث: (من كان آخر كلامه لا إله الله دخل الجنة) والأمر بهذا التلقين أمر ندب وأجمع العلماء على هذا التلقين] (١).
وسبق كلام العز بن عبد السلام أن هذا الحديث محمولٌ على من دنا موته ويئس من حياته.
وقال صاحب الهداية الحنفي: [ولُقن الشهادتين لقوله - ﷺ -: (لقنوا موتاكم شهادة أن لا إله إلا الله) والمراد الذي قرب من الموت] (٢).
ومما يؤيد تفسير الميت بالمحتضر كما ذهب إليه كثير من أهل العلم ما ورد في الحديث عن معاذ بن جبل - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة) رواه أبو داود والحاكم وقال صحيح الإسناد ووافقه الذهبي وحسنه الشيخ الألباني (٣).
ومما يؤيد ذلك أيضًا ما جاء في الحديث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (لقنوا موتاكم لا إله إلا الله فإنه من كان آخر كلمته لا إله إلا الله عند الموت دخل الجنة يومًا من الدهر وإن أصابه قبل ذلك ما أصابه) رواه ابن حبان والبزار وقال محقق صحيح ابن حبان: حديث صحيح (٤).
_________________
(١) شرح النووي على صحيح مسلم ٢/ ٥١٩.
(٢) الهداية ٢/ ٦٨.
(٣) سنن أبي داود مع شرحه عون المعبود ٨/ ٢٦٧، المستدرك ٢/ ١٧٥، إرواء الغليل ٣/ ١٤٩
(٤) صحيح ابن حبان ٧/ ٢٧٢.
[ ١٦١ ]
والمشروع عند الانتهاء من دفن الميت هو الاستغفار للميت والدعاء له، قال العلامة ابن القيم: [وكان - أي الرسول - ﷺ - إذا فرغ من دفن الميت قام على قبره هو وأصحابه وسأل له التثبيت وأمرهم أن يسألوا له التثبيت] (١).
ويدل على ذلك ما ورد في الحديث عن عثمان - ﵁ - قال: (كان النبي - ﷺ - إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه فقال: استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل) رواه أبو داود والبيهقي والحاكم وصححه ووافقه الذهبي وقال النووي إسناده جيد وصححه الألباني أيضًا (٢).
فيجوز الوقوف عند قبر الميت بعد دفنه وإهالة التراب عليه للاستغفار والدعاء له بل ذلك مستحب كما دل عليه الحديث السابق ولم يرد في بيان صفة الاستغفار والدعاء للميت بعد الدفن حديث يعتمد عليه فيما نعلم وإنما ورد الأمر بمطلق الاستغفار والدعاء له بالتثبيت فيكفي في أمثال هذا الأمر أي صفة استغفار ودعاء له كأن يقول: اللهم اغفر له وثبته على الحق ونحو ذلك (٣).
_________________
(١) زاد المعاد ١/ ٥٢٢.
(٢) سنن أبي داود مع شرحه عون المعبود ٩/ ٣٠، سنن البيهقي ٤/ ٥٦، المستدرك؟؟، المجموع ٥/ ٢٩٢، صحيح سنن أبي داود ٢/ ٦٢٠.
(٣) فتاوى إسلامية ١/ ٣٠٨.
[ ١٦٢ ]