وتوضيح ذلك أن مجموعة من المؤذنين والقراء يجلسون على شكل حلقة ثم يبدؤون بالتكبير الجماعي ويرددون بعض الأذكار ثم يصيح أحدهم في نهاية كل وصلة تكبير بصوت مرتفع الفاتحة، وهكذا يعيدون الكرة مرة بعد مرة ثم ينقطعون فيتلو أحد القراء آيات من القرآن الكريم ثم يعودون إلى التكبير ويصيح أحدهم الفاتحة وهكذا دواليك وتستمر المجموعة في الزعق والصياح إلى أن يحين موعد الصلاة فيقوم أحدهم وينادي بقوله: [الصلاة جامعة على مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان يا أمة الهادي ﵇].
وهذه الأمور مبتدعة وبيان ذلك فيما يلي:
إن أصل التكبير مشروع في العيدين وهو من السنن الثابتة عن النبي - ﷺ - وهو نوعان عند أهل العلم.
الأول: التكبيرات الزوائد في صلاة العيد.
الثاني: التكبير في غير صلاة العيد وهو قسمان:
القسم الأول: التكبير المرسل أو المطلق وهو الذي لا يتقيد بحال بل يؤتى به في المنازل والمساجد والطرق ليلًا ونهارًا وفي غير ذلك.
القسم الثاني: المقيد وهو الذي يقصد الإتيان به في أدبار الصلوات وهو مشروع في عيد الأضحى دون عيد الفطر لأنه لم ينقل عن النبي - ﷺ - (١).
ومن الأحاديث الثابتة في التكبير ما جاء في الحديث عن محمد بن أبي بكر الثقفي قال: (سألت أنسًا ونحن غادون من منى إلى عرفات عن التلبية كيف كنتم تصنعون
_________________
(١) المجموع ٥/ ٣١ - ٣٢.
[ ١٤٩ ]
مع النبي - ﷺ -؟ قال: كان الملبي يلبي لا ينكر عليه ويكبر المكبر فلا ينكر عليه) رواه البخاري (١).
وعن أم عطية الأنصارية ﵂ قالت: (كنا نؤمر أن نخرج يوم العيد حتى نخرج البكر من خدرها حتى نخرج الحيض فيكنَّ خلف الناس فيكبرن بتكبيرهم ويدعون بدعائهم يرجون بركة ذلك اليوم وطهرته) رواه البخاري ومسلم (٢).
قال الإمام النووي: [وقولها: (يكبرن مع الناس) دليل على استحباب التكبير لكل أحد في العيدين وهو مجمع عليه] (٣).
وقال الإمام البخاري: [باب التكبير أيام منى وإذا غدا إلى عرفة وكان عمر - ﵁ - يكبر في قبته بمنى فيسمعه أهل المسجد فيكبرون ويكبر أهل الأسواق حتى ترتج منى تكبيرًا، وكان ابن عمر يكبر بمنى تلك الأيام وخلف الصلوات وعلى فراشه وفي فسطاطه ومجلسه وممشاه وتلك الأيام جميعًا وكانت ميمونة تكبر يوم النحر وكان النساء يكبرن خلف أبان بن عثمان وعمر بن عبد العزيز ليالي التشريق مع الرجال في المسجد] (٤).
إذا ثبت هذا فإن التكبير في جملته مشروع فأما قراءة القرآن بين كل وصلة من التكبيرات فلم يرد في ذلك أثر وإنما كان الصحابة يقتصرون على التكبير فقط وما كانوا يقولون بعد انتهاء وصلة التكبير (الفاتحة)،
فإن هذه بدعة فليس هذا المقام محلًا لقراءة الفاتحة وسيأتي تفصيل الكلام على هذه البدعة عند الكلام على البدع المتعلقة بقراءة القرآن الكريم.
_________________
(١) صحيح البخاري مع الفتح ٣/ ١١٤ - ١١٥.
(٢) صحيح البخاري مع الفتح ٣/ ١١٥، صحيح مسلم بشرح النووي ٢/ ٤٨٥.
(٣) شرح النووي على صحيح مسلم ٢/ ٤٨٥.
(٤) صحيح البخاري مع الفتح ٣/ ١١٤.
[ ١٥٠ ]