من البدع المنتشرة في بلادنا إقامة حفلات التأبين للميت وخاصة إذا كان الميت ذا مكانة رفيعة في المجتمع فيعين يوم للاحتفال بتأبينه وتوزع رقاع الدعوة فإذا حانت ساعة الاحتفال استهله قارئ بتلاوة آيات من الذكر الحكيم وفي أحيان أخرى استهلوه بالوقوف دقيقة لذكرى الميت أو قراءة الفاتحة على روحه، ثم تلقى الكلمات والخطب.
وهذا الاحتفال بدعة تدور بين الكراهة والحرمة والغالب عليها التحريم لما يقع فيها من المخالفات الشرعية والكذب في وصف حال الميت ومدح الفسقة تاركي الصلاة ووصفهم بأوصاف عظيمة ويزداد الأمر سوءًا عندما يكون المؤبن المادح من المنتسبين للعلم الشرعي المتزيين بزي المشايخ فيذكرون في الميت من الأوصاف جلها من الكذب الصراح وفيها تزوير للحقائق كقولهم إن الأمة قد خسرت بموته خسارة لا تعوض وأن العلم قد تيتم وأنه قد قضى حياته في أعمال البر والتقوى ويعددون من المحاسن ما هو كذب وافتراء محض فالناس يعلمون أن الميت كان على العكس من ذلك فقد كان معلومًا من أمره ترك الصلوات وما دخل المسجد وإلا وهو في النعش (١).
وذكر الشيخ علي محفوظ أنه لما توفي الخليفة ببغداد أيام الملك الصالح عمل الملك له عزاءً جمع فيه الأكابر والأعيان والقراء والشعراء فأنشد بعض الشعراء في مرثيته:
مات من كان بعض أجناده الموت ومن كان يختشيه القضاء
فأنكر عليه الشيخ عز الدين بن عبد السلام رحمه الله تعالى وأمر بتأديبه وحبسه وأقام بعد التعزير في الحبس زمانًا طويلًا ثم استتابه بعد شفاعة الأمراء والرؤساء فيه وأمره أن ينظم قصيدة يثني فيها على الله تعالى كفارة لما تضمنه شعره من التعرض للقضاء
_________________
(١) انظر الإبداع ص ٢٤٢ - ٢٤٣.
[ ١٦٩ ]
بقوله: من كان بعض أجناده الموت، تعظيمًا لشأن هذا الميت، وأن مثله ما كان ينبغي أن يخلو منه منصب الخلافة ومتى تأتي الأيام بمثل هذا ونحو ذلك.
وقوله: يختشيه القضاء، يشير إلى أن الله تعالى كان يخاف منه وهذا كفرٌ أو قريبٌ منه، رحم الله الشيخ فهكذا تكون الرجال وهكذا تكون العلماء وحسبك أن الله تعالى وصف الشعراء بقوله: (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ) هي أودية الهجاء المحرم ونحوه مما لا يحل قوله] (١).
والتأبين بدعة سواء كان قبل الدفن حيث يقف المشيعون على المقبرة فيقوم المؤبنون بإلقاء الكلمات أو كان التأبين بعد الدفن مباشرة أو في ذكرى الأربعين أو غير ذلك.
كما أن افتتاح الاحتفال بالوقوف دقيقة حدادًا على الميت أمر غير جائز شرعًا وقد أجاب العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز مفتي الديار السعودية عن سؤال يتعلق بالوقوف حدادًا مع الصمت تحيةً للأموات فأجاب: [ما يفعله بعض الناس من الوقوف زمنًا مع الصمت تحية للشهداء أو الوجهاء أو تشريفًا وتكريمًا لأرواحهم من المنكرات والبدع المحدثة التي لم تكن في عهد النبي - ﷺ - ولا في عهد أصحابه ولا السلف الصالح ولا تتفق مع آداب التوحيد ولا إخلاص التعظيم لله بل اتبع فيها بعض جهلة المسلمين بدينهم من ابتدعها الكفار وقلدوهم في عاداتهم القبيحة وغلوهم في رؤسائهم ووجهائهم أحياءً وأمواتًا وقد نهى النبي - ﷺ - عن مشابهتهم.
والذي عرف في الإسلام من حقوق أهله الدعاء لأموات المسلمين والصدقة عنهم وذكر محاسنهم والكف عن مساويهم إلى كثير من الآداب التي بينها الإسلام وحث المسلم
_________________
(١) الإبداع ص ٢٤٣.
[ ١٧٠ ]
على مراعاتها مع إخوانه أحياءً وأمواتًا وليس منها الوقوف حدادًا مع الصمت تحية للشهداء أو الوجهاء بل هذا مما تأباه أصول الإسلام] (١).
_________________
(١) فتاوى إسلامية ١/ ٣١١.
[ ١٧١ ]