اعتاد كثير من الناس أن يضعوا جريد النخيل على القبور وخاصة في يومي العيد عند زيارتهم للقبور وبعضهم يضع أكاليل الزهور والورود على القبور في يومي العيد وفي غيرهما كما اعتاد كثير من الناس أن يحملوا أكاليل الورود في الجنازة ثم بعد الدفن توضع على القبر.
وبعضهم وخاصة من الحكام وأتباعهم يذهبون إلى ما يسمى نصب الجندي المجهول أو نصب زعيم أو كبير فيضعون عليه أكاليل الزهور، وهذه كلها من البدع والمحدثات وبيان ذلك بما يلي:
إن حمل أكاليل الورود في الجنازات ووضعها على القبر بعد الدفن ما هو إلا تقليد أعمى لغير المسلمين وكذلك وضع الأكاليل على ما يسمى نصب الجندي المجهول أو نصب الشهداء أو قبور الزعماء هو تقليد لغير المسلمين وقد نهينا عن تقليدهم.
وقد يستدل بعضهم على جواز وضع الجريد على القبور بما جاء في الحديث عن ابن عباس عن النبي - ﷺ -: (أنه مر بقبرين يعذبان فقال: إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير أما أحدهما فكان لا يستتر من البول وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة ثم أخذ جريدة رطبة فشقها نصفين ثم غرز في كل قبر واحدة فقالوا: يا رسول الله لم صنعت هذا؟ فقال: لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا) رواه البخاري ومسلم (١).
والاستدلال بهذا الحديث على أن وضع الجريد على القبور مشروع غير مسلم، قال الإمام الخطابي: [وأما غرسه - ﷺ - شق العسيب على القبر وقوله (ولعله يخفف عنهما ما لم ييبسا) فإنه من ناحية التبرك بأثر النبي ودعائه بالتخفيف عنهما وكأنه - ﷺ - جعل مدة بقاء النداوة فيهما حدًا لما وقعت به المسألة من تخفيف العذاب
_________________
(١) صحيح البخاري مع الفتح ٣/ ٤٦٨، صحيح مسلم مع شرح النووي ١/ ٥٣٢.
[ ١٧٢ ]
عنها وليس ذلك من أجل أن في الجريد الرطب معنىً ليس في اليابس والعامة في كثير من البلدان تفرش الخوص في قبور موتاهم وأراهم ذهبوا إلى هذا وليس لما تعاطوه من ذلك وجه والله أعلم] (١).
وما قاله الخطابي يدل على أن وضع الجريد على القبر خاص بالنبي - ﷺ - لأن الله ﷾ أعلمه أن الميتين يعذبان في قبرهما ولا أحد بعد رسول الله - ﷺ - يعلم هل الأموات يعذبون في قبورهم أم ينعمون؟ لأنه لا وحي بعد محمد - ﷺ -.
وقال ابن الحاج: [فالجواب عن قوله ﵊: (لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا) راجع إلى بركة ما وقع من لمسه ﵊ لتلك الجريدة وقد نص على ذلك الإمام الطرطوشي ﵀ في كتاب " سراج الملوك " له، لمَّا ذكر هذا الحديث فقال عقبه: وذلك لبركة يده ﵊ وما نقل عن واحد من الصحابة ﵃ فلم يصحبه عمل باقيهم ﵃ إذ لو فهموا ذلك لبادروا بأجمعهم إليه ولكان يقتضي أن يكون الدفن في البساتين مستحبًا] (٢).
وذكر صاحب عون المعبود أن مما يؤيد ما ذهب إليه الخطابي: [ما ذكره مسلم في آخر الكتاب في الحديث الطويل حديث جابر في صاحبي القبر فأحببت بشفاعتي أن يرفع ذلك عنهما ما دام العودان رطبين] (٣).
وقال الشيخ أحمد محمد شاكر معقبًا على كلام الخطابي المذكور سابقًا: [وصدق الخطابي وقد ازداد العامة إصرارًا على هذا العمل الذي لا أصل له وغلوا فيه خصوصًا في بلاد مصر تقليدًا للنصارى حتى صاروا يضعون الزهور على القبور ويتهادونها بينهم فيضعها الناس على قبور أقاربهم ومعارفهم تحيةً لهم ومجاملةً للأحياء وحتى صارت
_________________
(١) معالم السنن ١/ ١٨.
(٢) المدخل ٣/ ٢٩٤ - ٢٩٥.
(٣) عون المعبود ١/ ٢٥.
[ ١٧٣ ]
عادة شبيهة بالرسمية في المجاملات الدولية فتجد الكبراء من المسلمين إذا نزلوا بلدةً من بلاد أوروبا ذهبوا إلى قبور عظمائها أو إلى قبر من يسمونه الجندي المجهول وضعوا عليها الزهور وبعضهم يضع الزهور الصناعية التي لا نداوة فيها تقليدًا للإفرنج واتباعًا لسنن من قبلهم ولا ينكر ذلك عليهم العلماء أشباه العامة بل تراهم أنفسهم يصنعون ذلك في قبور موتاهم ولقد علمت أن أكثر الأوقاف التي تسمى أوقافًا خيريةً موقوفٌ ريعها على الخوص والريحان الذي يوضع في القبور وكل هذه بدع ومنكرات لا أصل لها في الدين ولا مستند لها من الكتاب والسنة ويجب على أهل العلم أن ينكروها وأن يبطلوا هذه العادات ما استطاعوا] (١).
وقال الشيخ أحمد محمد شاكر أيضًا: [والصحيح أن وضع الجريدة كان خاصًا بالنبي - ﷺ - وخاصًا بهذين القبرين بدليل أنه - ﷺ - لم يفعلها إلا هذه المرة ولم يفعلها أصحابه لا في حياته ولا بعده وهم أفهم للدين وأحرص على الخير] (٢).
وقال الشيخ محمود خطاب السبكي: [ولم يثبت أنه ﵊ فعل هذا الوضع على قبر أحد غير هذين فدل ذلك على أنها واقعة حال وشفاعة خاصة وليست سنة عامة ويدل على ذلك أنه لم يثبت عن أحد من الصحابة غير بريدة ولا سيما الخلفاء الراشدين أنه وضع جريدًا ولا غيره على القبور ولو كان ذلك سنة ما تركه أولئك الأئمة وقد قال - ﷺ -:
(فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ) الحديث رواه المصنف - أي أبو داود - وابن ماجة وابن حبان في صحيحه والترمذي وقال حديث حسن صحيح.
_________________
(١) تعليق الشيخ أحمد شاكر على سنن الترمذي ١/ ١٠٣.
(٢) تعليق الشيخ أحمد شاكر على إحكام الأحكام ١/ ١٠٧.
[ ١٧٤ ]
وحجة بريدة - ﵁ - ليست حجة على غيره كما هو معلوم فما قاله الخطابي ومن ذكر معه هو الأولى ولا سيما أن غالب الناس اعتقد في وضع الجريدة ونحوه اعتقادًا تأباه الشريعة المطهرة كما هو معروف من حالهم ونطقهم] (١). وأثر بريدة الذي أشار إليه السبكي هو ما ذكره البخاري تعليقًا: [وأوصى بريدة الأسلمي أن يجعل في قبره جريدتان] (٢).
قال الحافظ ابن حجر: [وقد وصله ابن سعد من طريق مورق العجلي وكأن بريدة حمل الحديث على عمومه ولم يره خاصًا بذينك الرجلين قال ابن رشيد: [ويظهر من تصرف البخاري أن ذلك خاص بهما فلذلك عقبه بقول ابن عمر إنما يظله عمله] (٣).
وذكر الإمام العيني أن ابن عمر ﵄ كان يرى أن وضع الجريد على القبرين خاص بهما (٤).
وقال الشيخ محمد رشيد رضا عن حديث الجريدتين [فإنه واقعة حال في أمرٍ غيبي غير معقول المعنى والظاهر أنه من خصائص النبي - ﷺ -] (٥).
وقال الشيخ الألباني: [لو كانت النداوة مقصودة بالذات لفهم ذلك السلف الصالح ولعملوا بمقتضاه ولوضعوا الجريد والآس ونحو ذلك على القبور عند زيارتها ولو فعلوا
_________________
(١) المنهل العذب المورود ١/ ٨٣ - ٨٤.
(٢) صحيح البخاري مع الفتح ٣/ ٤٦٥.
(٣) فتح الباري ٣/ ٤٦٦.
(٤) عمدة القاري ٦/ ٢٥٢.
(٥) تفسير المنار ٨/ ٢٦٤.
[ ١٧٥ ]
لاشتهر ذلك عنهم ثم نقله الثقات إلينا لأنه من الأمور التي تلفت النظر وتستدعي الدواعي نقله فإذ لم ينقل دل على أنه لم يقع وأن التقرب به إلى الله بدعة ] (١).
وأجابت اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء على السؤال المتعلق بوضع الجريد على القبور ونصه: [قال ابن عباس: مرّ النبي - ﷺ - بقبرين فقال: (إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير أما أحدهما فكان لا يستتر من البول وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة. ثم أخذ جريدة رطبة فشقها نصفين فغرز في كل قبر واحدة، قالوا: يا رسول الله: لم فعلت؟ قال: لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا) رواه البخاري.
فهل يصح لنا الاقتداء بالنبي - ﷺ - في ذلك؟ وهل يجوز وضع ما شابه الجريدة من الأشياء الرطبة الخضراء قياسًا على الجريدة أو يجوز غرس شجرة على القبر لتكون دائمة الخضرة لهذا الغرض؟
الجواب: إن وضع النبي - ﷺ - الجريدة على القبرين ورجاءه تخفيف العذاب عمن وضعت على قبرهما واقعة عين لا عموم لها في شخصين أطلعه الله على تعذيبهما وأن ذلك خاص برسول الله - ﷺ - وأنه لم يكن منه سنة مطردة في قبور المسلمين وإنما كان مرتين أو ثلاثًا على تقدير تعدد الواقعة لا أكثر ولم يعرف فعل ذلك عن أحد من الصحابة وهم أحرص المسلمين على الاقتداء به - ﷺ - وأحرصهم على نفع المسلمين إلا ما روي عن بريدة الأسلمي: أنه أوصى أن يجعل في قبره جريدتان ولا نعلم أن أحدًا من الصحابة ﵃ وافق بريدة على ذلك، وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم] (٢).
_________________
(١) أحكام الجنائز ص ٢٠١.
(٢) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية ٣/ ٣٢٦ - ٣٢٧.
[ ١٧٦ ]
ويجب أن يعلم أنه ليس من منهج الإسلام في إكرام الشهداء الذين يستشهدون في سبيل الله إقامة ما يسمى بنصب الشهداء أو نصب الجندي المجهول أو نحو ذلك من المسميات فهذه أمور مبتدعة ووافدة إلى ديار الإسلام.
[ ١٧٧ ]