لو سلمنا جدلًا أن قبر موسى ﵇ معلوم وأنه في المكان المعروف اليوم بمقام النبي موسى فيحرم شد الرحال إليه لما ثبت في الحديث عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي قال: (لا تُشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجد الرسول - ﷺ - ومسجد الأقصى] رواه البخاري ومسلم (١).
قال الحافظ ابن حجر: [قوله: (لا تشد الرحال) بضم أوله بلفظ النفي والمراد النهي عن السفر إلى غيرها. قال الطيبي: هو أبلغ من صريح النهي كأنه قال: لا يستقيم أن يقصد بالزيارة إلا هذه البقاع لاختصاصها بما اختصت به] (٢).
وكذلك فإنه يحرم شرعًا اتخاذ القبور مساجد سواء أكانت قبور أنبياء أو غيرهم فلا يجوز أن تبنى المساجد والمقامات على القبور وتتخذ محلًا للصلاة ومحلًا للزيارة والدعاء وغير ذلك. فقد جاء في الحديث عن عائشة وابن عباس ﵃ أن الرسول - ﷺ - قال: (لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) يحذر ما صنعوا. رواه البخاري ومسلم (٣).
وفي رواية أخرى عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: (قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) رواه البخاري ومسلم (٤).
وثبت في الحديث عن جندب قال: (سمعت النبي - ﷺ - قبل أن يموت بخمس وهو يقول: إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل فإن الله تعالى قد اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا ولو كنت متخذًا من أمتي خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، ألا
_________________
(١) صحيح البخاري مع الفتح ٣/ ٣٠٦، صحيح مسلم بشرح النووي ٣/ ٥١٧.
(٢) فتح الباري ٣/ ٣٠٦.
(٣) صحيح البخاري مع الفتح ٢/ ٧٨، صحيح مسلم بشرح النووي ٢/ ١٨٤ - ١٨٥.
(٤) صحيح البخاري مع الفتح ٢/ ٧٩، صحيح مسلم بشرح النووي ٢/ ١٨٤.
[ ١٩٦ ]
وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك) رواه مسلم (١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية معقبًا على هذه الأحاديث: [ولهذا اتفق السلف على أنه لا يستلم قبرًا من قبور الأنبياء وغيرهم ولا يتمسح به ولا يستحب الصلاة عنده ولا قصده للدعاء عنده أو به لأن هذه الأمور كانت من أسباب الشرك وعبادة الأوثان] (٢).
وقال شيخ الإسلام أيضًا: [ولا تستحب الصلاة لا الفرض ولا النفل عند قبر نبي أو غيره بإجماع المسلمين بل ينهى عنه وكثير من العلماء يقول هي باطلة لما ورد في ذلك من النصوص وإنما البقاع التي يحبها الله ويحب الصلاة والعبادة فيها هي المساجد التي قال الله تعالى فيها: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالاصَالِ) وقال تعالى: (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الاخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَءَاتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ) وسئل النبي - ﷺ -: (أي البقاع أحب إلى الله؟ قال: المساجد. قيل: فأي البقاع أبغض إلى الله؟ قال: الأسواق). وقال - ﷺ -: (من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له نزلًا كلما غدا أو راح).وقال - ﷺ -: (إن العبد إذا تطهر فأحسن الوضوء ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة كانت خطوتاه إحداهما ترفع درجة والأخرى تحط خطيئة).
فدين الإسلام هو اتباع ما بعث الله به رسوله من أنواع المحبوبات واجتناب ما كرهه
_________________
(١) صحيح مسلم بشرح النووي ٢/ ١٨٥.
(٢) مجموع الفتاوى ٢٧/ ٣١.
[ ١٩٧ ]
الله ورسوله من البدع والضلالات وأنواع المنهيات] (١).
وروى الحافظ ابن وضاح القرطبي بإسناده عن الأعمش قال: [حدثني مروان بن سويد الأسدي قال: خرجت مع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب من مكة إلى المدينة فلما أصبحنا صلَّى بنا الغداة ثم رأى الناس يذهبون مذهبًا فقال: أين يذهب هؤلاء؟ قيل: يا أمير المؤمنين مسجد صلى فيه رسول الله - ﷺ - هم يأتون يصلون فيه. فقال: إنما هلك من كان قبلكم بمثل هذا يتبعون آثار أنبيائهم فيتخذونها كنائس وبيعًا من أدركته الصلاة في هذه المساجد فليصل ومن لا فليمض ولا يعتمدها] (٢).
وذكر رواية أخرى عن المعرور بن سويد قال: [خرجنا حجاجًا مع عمر بن الخطاب فعرض لنا في بعض الطريق مسجد فابتدره الناس يصلون فيه. فقال عمر: ما شأنهم؟ فقالوا: هذا مسجد صلَّى فيه رسول الله - ﷺ - فقال عمر: أيها الناس إنما هلك من كان قبلكم باتباعهم مثل هذا حتى أحدثوها بيعًا، فمن عرضت له فيه صلاة فليصل ومن لم تعرض له فيه صلاة فليمض ] ثم قال ابن وضاح: [وكان مالك بن أنس وغيره من علماء المدينة يكرهون إتيان تلك المساجد وتلك الآثار للنبي - ﷺ - ما عدا قباء وحده. قال ابن وضاح: وسمعتهم يذكرون أن سفيان الثوري دخل مسجد بيت المقدس فصلى فيه ولم يتبع تلك الآثار ولا الصلاة فيها وكذلك فعل غيره ممن يقتدى به، وقدم وكيع أيضًا مسجد بيت المقدس فلم يَعْدُ فعل سفيان] (٣).
_________________
(١) المصدر السابق ٢٧/ ٦٢ - ٦٣.
(٢) البدع والنهي ص ٤٨.
(٣) المصدر السابق ص ٤٩ - ٥٠.
[ ١٩٨ ]