أقارب النَّبيِّ -ﷺ- الذين هم آله فيهم المؤمن والكافر، والبرُّ والفاجر، فإن كان فاضلًا منهم كعليٍّ ﵁، وجعفر، والحسن، والحسين، ففضلهم ﵃ بما فيهم من الإِيمان والتقوى، فهم أولياؤه بهذا الاعتبار لا بمجرد النَّسب.
أمَّا أولياؤه فهم الأَتقياء من أُمَّته، كما ثبت في "الصحيحين" (^٢): "إنَّ آل بني فلان ليسوا لي بأولياء، إنما وليي الله وصالح المؤمنين". فبيَّن ﵊ أنَّ أولياءه صالح المؤمنين.
وقال في حديث آخر: "إنَّ أوليائي منكم المتقون حيث كانوا وأين كانوا" (^٣). وقد قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (^٤).
ولذا كان أولياؤه أعظم درجةً من آله، وإن صُلِّي على آله تبعًا، لم يقتضِ ذلك أن يكونوا أفضل من أوليائه الذين لم يصل عليهم، فإنَّ الأنبياء والمرسلين هم من أوليائه، وهم أفضل من أهل بيته، وإن لم يدخلوا في الصَّلاة معه تبعًا.
_________________
(١) انظر: "منهاج السُّنَّة النَّبوية" (٧/ ٧٦، ٧٨) بتصرُّف، وراجع: "آل رسول الله -ﷺ- وأولياؤه" (ص ٧، ٨).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الأدب، باب تُبلُّ الرَّحم ببلاها (١٠/ ٤١٩، مع الفتح)، رقم (٥٩٩٠)، من طريق عمرو بن عبَّاس، عن محمد بن جعفر، عن شعبة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس ابن أبي حازم به. ومسلم في كتاب الإِيمان، باب موالاة المؤمنين (١/ ١٩٧)، رقم (٢١٥)، من طريق الإِمام أحمد، عن محمد بن جعفر به. وهو في "المسند" (٤/ ٢٠٣). وسيورده المؤلف برقم (٣٨١).
(٣) أخرجه بهذا اللفظ الطبراني في "المعجم الكبير" (٢٠/ ١٢٠)، رقم (٢٤١)، من طريق أبي المغيرة، ثنا صفوان، حدَّثني راشد بن سعد، عن عاصم بن حُميد، عن معاذ بن جبل -﵁-. وسنده صحيح، انظر الكلام عليه في القسم المحقق برقم (٤٠١).
(٤) التحريم (آية: ٤).
[ ١ / ١٧٧ ]
فالمفضول قد يختصُّ بأمر ولا يلزم أن يكون أفضل من الفاضل، ودليل ذلك أنَّ أزواجه هم ممن يُصلَّى عليه، كما ثبت باتِّفاق النَّاس كلّهم أنَّ الأنبياء أفضل منهنَّ كلّهنَّ.
وإذا كان كذلك فأولياؤه المتقون بينه وبينهم قرابة الدِّين والإِيمان والتقوى، وهذه القرابة الدِّينية أعظم من القرابة الطِّينية، والقُرب بين القلوب والأرواح أعظم من القُرب بين الأبدان.
وعليه، فإنَّ الأنبياء والمرسلين كما سبق، والصِّدِّيقين والشُّهداء والصَّالحين، كلُّ أولئك أولياء النَّبيِّ -ﷺ-، فأبو بكر الصِّدِّيق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان -﵃- من أعظم أولياء النَّبيِّ -ﷺ-، وهم أفضل من علي بن أبي طالب -﵁- الهاشمي، مع أنَّ أبا بكر تَيمي، وعمر عَدَوي، وعثمان أُموي -﵁- أجمعين.
وقد ذكر ابن تيمية في معرض ردِّه على الرَّافضي في زعمه اختصاص أئمة أهل البيت بالعلم دون غيرهم، أن كثيرًا من أهل السُّنَّه أعلم بحديث رسول الله -ﷺ- مع العناية والاهتمام من كثير من بني هاشم، فالزُّهري مثلًا أعلم بأحاديث النَّبيِّ -ﷺ- وأحواله وأقواله وأفعاله من أبي جعفر محمد بن علي الباقر، وكان معاصرًا له.
أمَّا موسى بن جعفر الكاظم، وابنه علي بن موسى الرِّضا، وابنه محمد بن علي بن موسى الجواد، فلا يستريب من له من العلم نصيب أنَّ مالك بن أنس، وحمَّاد بن زيد، وحمَّاد بن سلمة، والليث بن سعد، والأوزاعي، ويحيى بن سعيد القطَّان، ووكيع بن الجرَّاح، وعبد الله بن المبارك، والشَّافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأمثالهم، أعلم بأحاديث النَّبيِّ -ﷺ- من هؤلاء. وهذا أمر تشهد به الآثار التي تُعَاين وتُسمع (^١). ولولا أنَّ الناس وجدوا عبد مالك والشَّافعي وأحمد أكثر مما وجدوه عند هؤلاء لما عدلوا عن هؤلاء إلى هؤلاء (^٢).
_________________
(١) انظر: "منهاج السُّنَّة النَّبويَّة" (٢/ ٤٦٠، ٤٦٢)، بتصرُّف.
(٢) "آل رسول الله -ﷺ- "وأولياؤه" (ص ٢٠٠).
[ ١ / ١٧٨ ]