وهذه أبرز قضايا ومسائل الكتاب، التي ستراها بإذن الله في قسم التحقيق موثَّقة معزوَّةً:
أولًا: ذكر المؤلف في مقدِّمة الكتاب جماعة من قرابة النَّبيِّ -ﷺ- المنسوبين إلى جدِّه
_________________
(١) انظر تخريجه والحكم عليه برقم (٤٢٦).
[ ١ / ١٢٢ ]
الأقرب عبد المطلب، وهي تدلُّ بلا شك على كثرة اطّلاعه، وسعة علمه، وإحاطته بعلم الأنساب، وهذه المقدِّمة تميَّز بها كتاب الحافظ السَّخَاوي دون كتاب "ذخائر العُقبى".
ثانيًا: الكلام على فنِّ الأنساب الذي هو من جملة فنون علم الأثر، وبيان أهمية هذا العلم، وذكر فوائده الشَّرعية، وقد تكلَّم عن هذا الموضوع بكلام مختصر لكنه مستوفٍ للغرض، فقد عرض أقوال العلماء في تعلُّم ومعرفة علم الأنساب، وما جاء في فضيلته وما رُوي في ذمّه، ثم الجمع بين هذين القولين، وساق في ذلك كلام شيخه الحافظ ابن حجر، بأن يُحمل ما ورد في ذمّه على التعمُّق فيه حتى يشغله عما هو أهمّ منه، ويُحمل ما ورد في استحسانه لكثرة الفوائد المرجوة منه.
ومن تلك الفوائد التي ذكرها السَّخاويُّ:
١ - معرفة نسب النَّبيِّ -ﷺ- ومن ينتمي إليه.
٢ - التمييز بين عبد مناف، هاشميها، ومطَّلبيها، ونوفليّها. وبين قريش من كنانة، والأوس من الخزرج، والعربي من العجمي، والمولى من السَّيِّد.
٣ - ومن فوائده الشرعية: الخلافة، والكفاءة.
٤ - القيام على من تجب عليه نفقته.
٥ - معرفة من يتَّصل به ممن يرثه.
٦ - معرفة ذوي الأرحام المأمور بصلتهم ومعاونتهم.
٧ - معرفة الأنصار لقوم بوصية النَّبي -ﷺ- بهم.
ثالثًا: تفسير قول الله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ (^١)، تفسيرًا أثريًّا، إذ نقل أقوال ابن عبَّاس -﵄- في الآية، وكذا أقوال أئمة التفسير من التابعين من تلاميذه، كمجاهد بن جبر، وسعيد بن جبير رحمهما الله، ولقد توسَّع المؤلف في ذلك، وساق الأحاديث والآثار، وذكر سبب نزول الآية وجميع ما يتعلَّق بها.
رابعًا: تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣)﴾ (^٢)، وذِكْر سبب نزول الآية، واختلاف أهل العلم في دخول زوجات
_________________
(١) الشورى (آية: ٢٣).
(٢) الأحزاب (آية: ٣٣).
[ ١ / ١٢٣ ]
النَّبيِّ -ﷺ- في أهل البيت، مع سياق الأحاديث والآثار الواردة في هذه المسألة، وتفسير الآية.
خامسًا: تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (^١)، والتنبيه على ضرورة القيام بالأعمال الصَّالحة، وعدم الاتِّكال على النَّسب أو القرابة. فلقد أورد الأحاديث النَّبويَّة المفسِّرة للآية والمؤكِّدة على معناها، كقولهﷺ-: "مَن بَطَّأ به عَمَلُهُ لَمْ يُسرع بِه نَسَبُهُ" (^٢).
وقوله -ﷺ-: "يا بني هاشم! أنْقِذُوا أنْفُسِكُمْ من النَّار، يا بني عبد المطَّلب! أنْقِذُوا أنْفُسَكُم من النَّار. يا فاطمة! أنْقِذِي نَفْسَك من النَّار، فإنِّي لا أملكُ لكم من الله شيئًا" (^٣).
سادسًا: تتبَّع المؤلف طرق حديث: "إني تارك فيكم الثَّقلين "، تتبُّعًا جيِّدًا، مع الإِشارة إلى اختلاف مخارجه وألفاظه، وإيراد الشواهد والمتابعات حتى إنه ليصحّ لقائل أن يقول: لو أُفْرِدَ هذا التَّتبُّع والاستقصاء في رسالة مستقلة، لكانت متقنة محرَّرة جديرة بالنَّشر والاطِّلاع وقد ختم هذا الجمع بالكلام على فقه الحديث، وبيان معناه، وإيضاح غامضه وغريبه.
سابعًا: اشتمل الكتاب على المتعة والفائدة واللطائف أحيانًا.
فمن ذلك استقصاء المؤلف أشباه النَّبيﷺالذين يشبهونه في صورته-، مما يجعله بعض العلماء من كرامات أهل البيت. فلقد أورد تسعة وعشرين شخصًا يُشبَّهون بالرَّسولﷺ-، أكثرهم من بني هاشم.
وممن ذكر منهم: (إبراهيم ابن النَّبي -ﷺ-، وفاطمة الزَّهراء، والحسن، والحسين ).
_________________
(١) الحجرات (آية: ١٣).
(٢) أخرجه مسلم (٤/ ٢٠٧٤) - رقم (٢٦٩٩)، كتاب الذكر والدعاء والتوبة- باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر، من طريق يحيى بن يحيى وأبي بكر بن أبي شيبة ومحمد بن العلاء، ثلاثتهم عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁.
(٣) أخرجه مسلم (١/ ١٩٢) - رقم (٢٠٤)، من طريق جرير، عن عبد الملك بن عمير، عن موسى بن طلحة، عن أبي هريرة -﵁-.
[ ١ / ١٢٤ ]
وممن ذكر من غير بني هاشم، لكن من قريش: (عبد الله بن عامر بن كُرَيْز، والسَّائب بن عُبيد وغيرهما). ومن غير بني هاشم وقريش: (كابس بن ربيعة بن عدي، وثابت البُناني، وقتادة وغيرهم).
ثامنًا: اشتمل الكتاب على طائفةٍ من أحاديث المهدي، فقد جمع المؤلف طرق الأحاديث الواردة بشأنه، فبلغت ستةً وعشرين طريقًا حسب ترقيمي، من (٢٥٨ إلى ٢٨٤)، ولعلَّها تزيد على ذلك، ويعتبر الحافظ السَّخاوي بهذا الصَّنيع ممن أفرد أحاديث المهدي بالتصنيف، كما أشار إليه العجلوني في"كشف الخفاء" (^١).
تاسعًا: حقَّق المؤلف القول في مسألة أخذ قرابة النَّبيِّ -ﷺ- من الزكاة، وهل يجوز لهم ذلك؟ ثم بيَّن استحقاقهم للخُمُس من الغنائم، وإعطائهم من الفيء.
فلقد ذكر رحمه الله تعالى، هذه المسألة فحرَّرها تحريرًا جيّدًا، مبتدئًا بذكر أقوال أهل العلم واختلافهم فيها، الأمر الذي يدلُّ على سعة اطّلاعه على أقوال أصحاب المذاهب الأُخرى وليس مذهب الشَّافعي الذي تفقَّه عليه، إذ بدأ بذكر مذهب الشَّافعي وأفاد أنها حرامٌ عنده على بني هاشم وبني المطَّلب، وذلك، لأنهم عُوّضوا بدلًا عما حُرِمُوا من ذلك باشتراكهم -دون غيرهم من قبائل قريش- في سهم ذوي القربى.
بعد ذلك حكى قول أبي حنيفة ومالك رحمهما الله، إذ قصرا التحريم على الصَّدقة الواجبة على بني هاشم فقط، ثم نبَّه إلى وجود خلاف عن أبي حنيفة في ذلك على وجهين. ثم ذكر قولًا ثالثًا في المسألة عند الحنفية مرويًا عن القاضي أبي يوسف.
وأشار إلى قول بعض الفقهاء من جواز أخذ بني هاشم صدقة التطوع دون الفرض، وذكر أنه قول أكر الحنفية والمصحَّح عند الشافعية والحنابلة، وهو رواية عند المالكية، بل أشار أنَّ عندهم أخرى في جواز الفرض دون التطوُّع.
عاشرًا: اشتمل الكتاب على كثير من الأبيات الشعرية التي هي من عيون الشعر العربي، من ذلك قصيدة الفرزدق الشهيرة في مدح زين العابدين علي بن الحسين بن علي -في سبع وعشرين بيتًا ساقها بإسناده هو- التي مطلعها:
_________________
(١) (٢/ ٢٨٨).
[ ١ / ١٢٥ ]
هَذَا الَّذِي تَعرِفُ البَطحَاءُ وَطأتَهُ والبَيتُ يَعرِفُه والحِلُّ والحَرَمُ (^١)
• كذلك أبيات أخرى لأبي العتاهية الشاعر الزاهد، وغيره، في الحث على التَّمسُّك بالتقوى والعمل الصالح، وعدم الاتّكال على النَّسب وترك العمل.
كَرَمُ الفَتى التَّقوَى وقُوَّتُهُ مَحضُ اليَقِينِ وَدِينُهُ حَسَبُهْ
والأرْض طِينَتُهُ وكُلُّ بَنِي حَوَّاء فِيهَا وَاحِدٌ نسبُه (^٢)
• ومثله:
ألا إنَّمَا التَّقْوى هي العِزُّ والكَرَم وحُبُّكَ للدُّنيا هو الذُّلُّ والعَدَمْ
وليسَ على حُرٍّ تَقِيٌّ نَقِيصَةٌ إذَا صَحَّحَ التَّقوَى ولَو حَاكَ أو حَجَمْ (^٣)
• ومثله:
لَعَمْرُكَ مَا الإِنسَانُ إلَّا بدِينِهِ فَلا تَتْرُكِ التَّقوَى اتِّكَالًا على النَّسَب
لَقَدْ رَفَعَ الإسلامُ سَلْمَانَ فَارِسٍ وَقَد وَضَعَ الشِّركُ الشَّقِيَّ أبا لَهَب (^٤)
• ومثله:
حَسْبُ الفَتَى أن يَكُوْنَ ذَا حَسَبٍ فِي نَفْسِهِ لَيْس حَسْبُهُ حَسَبُهْ (^٥)
• ومثله الأبيات الشهيرة:
النَّاسُ في صُوَرِ التِّمْثَالِ أكفَاءُ أبُوهُمُ آدَمٌ والأُمُّ حَوَّاءُ (^٦)
فَمَنْ يكُنْ مِنْهُمُ في أصلِهِمْ شرَفٌ يُفاخِرُونَ به فالطِّينُ والماءُ
مما يجعل الكتاب مليئًا بالفوائد واللطائف، ويُدخل على نفس القارئ البهجة والمتعة، ويُذهب عنه السآمة والنُّفرة، وبالله تعالى التوفيق.
_________________
(١) انظر: (ص ٢ - ٥٨٤).
(٢) انظر: (ص ٦٦٠).
(٣) انظر: (ص ٦٦١).
(٤) انظر: (ص ٦٦١).
(٥) انظر: (ص ٦٦١).
(٦) انظر: (ص ٦٦٢).
[ ١ / ١٢٦ ]