لفظ (الشَّريف) في الأصل يُراد به عند العرب: الرجل الماجد النبيل، أو مَن كان كريم الآباء من جميع العرب كما في "لسان العرب" (^٣)؛ فهذا هو الذي كان يقصد به في الصدر الأول (السَّيِّد والماجد).
ومن هذا المعنى نجد ابنَ حبيبٍ (ت ٢٤٥ هـ) يُؤلِّف كتابه: "أسماء المغتالين من الأشراف في الجاهلة والإسلام" (^٤)، ويذكر فيه أشراف القوم، ولو كانوا يهودًا.
كذلك صَنَعَ الإمام أبو بكر بن أبي الدُّنيا (ت ٢٨١ هـ)، فنجده ألَّف كتابَا سمَّاه: "الإشراف منازل الأشراف" (^٥)، أورد فيه أشراف الناس، ولو ممن عُرفوا بالظلم والانحراف، وقاموا بقيادة الناس إلى الضَّلال، كالحجَّاج بن يوسف الثَّقفيّ، والمختار الثّقفيّ.
_________________
(١) "تفسير ابن كثير" (٥/ ٤٥٢ - ٤٥٣).
(٢) "تفسير ابن كثير" (٥/ ٤٥٨).
(٣) (٩/ ١٦٩) - مادة (شرَفَ).
(٤) حققه الشيخ عبد السلام هارون، مطبوع ضمن "نوادر المخطوطات" (٢/ ١٢١ - ٢٩٧).
(٥) حققه الدكتور نجم عبد الرَّحمن خلف، دار الرشد (١٤١١ هـ).
[ ١ / ١٣١ ]
وكان غرض ابن أبي الدُّنيا -كما نبَّه عليه محقق الكتاب- الحثّ على التأسّي بجلائل أعمال الصفوة من الأشراف، والتحذير من الأعمال والأقوال السيئة التي صدرت عنهم كحكَّام أو أفراد.
ومن هذا المعنى أيضًا -أعني إطلاق (الشَّريف) على السَّيد الماجد- ما رأيتُهُ في "الموسوعة العربية العالمية- موسوعة الأمير سلطان" (^١) تحت عنوان (الأشراف الرُّومان)، إذ جاء فيها:
أنهم أشراف يعيشون في جمهورية روما القديمة (٥٠٩ - ٢٦٤ ق. م). وكانت كلمة (الأشراف) عندهم تستخدم لتمييز أعضاء مجلس الشيوخ الرُّوماني. وكان (الأشراف) ينتمون إلى أسَرٍ غنيّة، ويفتخرون بأجدادهم، ويُسيطرون على الحكومة والجيش والدِّين، وكانوا يُقاومون محاولات العامة مشاركتهم في سلطانهم، ولم يكن باستطاعة أحدٍ من العامّة التَّزوُّج من الأشراف حتى عام (٤٤٥ ق. م).
ويرى المستشرق جوتين (Goteen) أن الأشراف يُراد بهم: النُّبلاء والعرب الخُلَّص، ومن كان يُفرض له من بيت المال ألفا درهم، أو ألفان وخمسمائة.
ولذا وُجِدَ من لُقِّبَ بـ (الشَّريف) وهو ليس من آل البيت النَّبويَّ؛ من ذلك (الشَّريف العُمَريّ) من ذريَّة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب؛ مذكورٌ في الشَّافعية (^٢).
ويرى محمد سعيد كمال؛ أن الضَّعف الشَّديد الذي انتاب الدولة العباسية، وظهور الدولة الفاطمية وقوتها هو الذي جرَّأ على إطلاق لقب (الشَّريف) على مَنْ كانوا ينتمون إلى نسل علي بن أبي طالب من السَّيِّدة فاطمة -﵄-؛ إذ لا يُعقل أن يُطلق هذا على العلويين في قوة العبّاسيين الذين كانوا يرون أن العمَّ أولى من ابن البنت. ولذلك كان يُطلق على نسل علي بن أبي طالب في أول الأمر (علويّ)، وعلى نسل أبيه (طالبيّ). ثم أطلق
_________________
(١) (٢/ ٢٠٢).
(٢) هو أبو الفتح، ناصر بن الحسين بن محمد، المعروف بـ "الشريف العُمَريّ"، من ولد عمر بن الخطاب -﵁-. كان من فقهاء الشافعية الكبار، تفقَّه به خلق كثير، وصار عليه مدار الفتوى والتدريس والمناظرة، وصنَّف كتبًا كثيرة. مات بنيسابور سنة (٤٤٤ هـ). وله ولدَّ فقيه، ولد سنة (٤١٧ هـ)، ومات (٤٧٧ هـ). "طبقات الشافعية" للإسنوي (٢/ ٧٧، ٧٨)، "العبر" للذهبي (٢/ ٢٨٦).
[ ١ / ١٣٢ ]
(الشَّريف) على مَنْ كان مِنْ آل بيت رسول الله -ﷺ-؛ شاملًا العلويين، والجعفريين، والعَقِيليين والعبَّاسيين فلما وَلِيَ الفاطميون مِصرَ قَصَروا اسم الشَّريف على ذرّيّة الحسن والحسين -﵄-، وبقي هذا متعارفًا عليه في كثير من الأقطار الإسلامية؛ وإلَّا فهو يعمّ العلويَّ، والجَعْفريَّ، والعَقيليَّ، والعبَّاسيَّ (^١).
وقد أشار الحافظ السُّيوطيُّ إلى ذلك في رسالته "العجاجة الزرنبية" (^٢)، قال: "ولهذا تجد تاريخ الحافظ الذهبي مشحونًا في التراجم بذلك؛ يقول: الشريف العبَّاسيّ- الشَّريف العَقِيليّ -الشريف الجعفريّ- الشَّريف الزَّينبيّ "، إلخ كلامه.
وههنا ثمَّة لقب آخر يُقابل لقب (الشَّريف) يُنْعتُ به آل النَّبيِّ -ﷺ- وهو (السَّيِّد).
والسَّيِّد يطلق في اللغة على: (الرَّب، والمالك، والشَّريف، والفاضل، والكريم والحليم، ومُحْتَمِلِ أذى قومه، والزَّوج، والرئيس، والمُقدَّم) (^٣). ويُفيد الشَّريف محمد بن منصور آل عبد الله (^٤)؛ أن لقب (الشَّريف) لا يُطلق في الحجاز إلَّا على مَنْ وَلِيَ إمرة مكة من الحَسنيين، فيُقال: "شريف مكَّة". وأمَّا مَن لم يَلِهَا منهم فيُنعَتُ بـ (السَّيِّد).
ويُؤيدُ كلامه بأنه رأى كثيرًا من وثائق الأشراف القديمة؛ الحال فيها ما ذُكِر؛ مَنْ وَلِيَ إمرة فهو (شريف)، ومَنْ لم يكن كذلك فهو (سيِّد)؛ وبه يُعلم أنْ لا فرق بين (السَّيِّد) و(الشَّريف).
• وزُبْدَةُ القولِ: أنَّ كلَّ هاشميٍّ فهو سيِّدٌ شريفٌ، سواء أكان عَلويًّا -من ذريّة علي بن أبي طالب، ولو لم يكن من فاطمة-، أم فاطميًّا، أم جَعْفريًّا، أم عَقِيليًّا، أم عبَّاسيًّا فالكلُّ منطبقٌ عليه هذا الوصف؛ وهو الذي سار عليه المؤلف في كتابه.
ولذا قال السُّيوطيُّ في "العجاجة الزرنبية" (^٥) بعد أن ذكر أنَّ لقب (الشَّريف) كان
_________________
(١) انظر: مقدّمة الأُستاذ محمد سعيد كمال على "مجموعة الرسائل الكمالية في الأنساب" (٨/ ١٢ - ١٣).
(٢) "العجاجة الزرنبية في السلالة الزينبية"، مطبوعة ضمن "الحاوي" (٢/ ٣٢).
(٣) انظر: "لسان العرب" (٣/ ٢٢٨) (س. و. د).
(٤) في كتابه: "قبائل الطائف وأشراف الحجاز" (ص ٣٩).
(٥) (٢/ ٣٢ - ٣٣).
[ ١ / ١٣٣ ]
يُطلق في الصَّدر الأول على كل هاشمي دون تفريقٍ بين علوي وغيره؛ قال: "ولا شكَّ أن المصطلح القديم أولى، وهو إطلاقه على كلِّ علويٍّ، وجَعفريٍّ، وعَقِيليٍّ، وعبَّاسيٍّ، كما صَنَعَهُ الذَّهبيُّ، وكما أشار إليه الماورديُّ من أصحابنا، والقاضي أبو يعلى بن الفراء من الحنابلة، كلاهما في "الأحكام السُّلطانية". اهـ. وبالله تعالى التوفيق (^١).