لا يخلو أي عمل من أعمال بني آدم من وجود بعض النقص والتقصير؛ فإنَّ الله أبى العصمة إلَّا لكتابه وأنبيائه. ومن الطبعي أن يقف الباحث على بعض المآخذ والملاحظات على أي كتاب من كتب أهل العلم قام بدراسته وتحقيقه والعناية به.
ومما ينبغي أن يُعلم أنه ليس لمثلي -وأنا قصير الباع في العلم والتَّحصيل- أن ينتقد إمامًا كبيرًا كالحافظ السَّخَاويِّ، وإنما هي مجرد ملاحظات قد أصيب فيها وقد أخطئ -ولعلَّ خطئي أكثر من صوابي-، ورائدي في ذكرها تجلية الصَّواب في تلك القضايا، وهذه المآخذ لا تنتقص من المؤلف ولا المؤلف بحالٍ؛ والله المستعان.
وهذه المآخذ تتلخَّص في الآتي:
١ - وَهْمُهُ في عزو بحض الأحاديث:
ومن ذلك:
(أ) عزا حديث رقم (٢٩٩) أنَّ أبا بكرٍ ﵁ قال لعليٍّ ﵁: "والذي نَفْسِي بيده، لَقَرَابَةُ رسولِ اللَّهِ -ﷺ- أَحَبُّ إليَّ أنْ اصِلَ مِنْ قرابتي".
عزاه لـ "صحيح البخاري" (٧/ ٤٩٣ - مع الفتح)، رقم (٤٢٤١)، وفي مواطن أخرى فقط، والواقع أن الحديث متَّفق عليه، فقد أخرجه مسلم في "صحيحه" (٣/ ١٣٨٠)، رقم (١٧٥٩).
(ب) عزا حديث أبي هريرة ﵁، رقم (٣٦٩) قال:
سُئِل رسولُ اللَّهِ -ﷺ-؛ أيُّ النَّاسِ أكرم؟ فقال: "أَكْرَمُهُمْ عند اللَّهِ أَتقَاهُم "، الحديث.
[ ١ / ٢٠٨ ]
عزاه لـ "صحيح البخاري" فقط (٧/ ٣٦٢ - مع الفتْح)، رقم (٤٦٨٩)، وفي مواضع أخرى. والواقع أنَّ الحديث متفق عليه، فقد أخرجه مسلم في "صحيحه" (٤/ ١٨٤٦)، رقم (٢٣٧٨).
(ج) عزا حديث أنس بن مالك ﵁، رقم (٥٣) يرفعه إلى النَّبيِّ -ﷺ-: "أَلا إنَّ لكلِّ نَبيٍّ تَرِكَةً وضَيْعَةً، وإنَّ تَرِكَتِي وَضَيْعَتِي الأَنصارُ، فاحْفَظُوني فيهم"؛ للطَّبرانيِّ في "المعجم الكبير"، والواقع أنَّ الحديث في "المعجم الأوسط" (٥/ ٤٦٤)، رقم (٥٣٩٨).
٢ - تساهله في الحكم على بعض الأحاديث:
مضى الإِشارة فيما سبق أنَّ المؤلف وصف المحبَّ الطبَّريَّ بالتساهل والمسامحة في إيراد الأحاديث وهذا الذي عابه المؤلف على المحبِّ وقع في شيء منه.
فهناك أحاديث ضعيفة جدًّا حكم عليها بالضَّعف فقط، ومثلها لا ينجبر بغيره
وهناك أحاديث موضوعة فيها كذَّابون أو متَّهمون بالكذب، حكم على بعضها بأنها ضعيفة جدًّا، وأخرى سكت عنها
ومثلها أحاديث منكرة سكت عنها المؤلف ولم يحكم عليها بشيء، مع أنه اشرط على نفسه البيان كما سبق في منهجه.
• وسأذكر على ذلك ثلاثة أمثلة، وإنْ شئتَ فانظر الأرقام التالية: (١٧٥، ٢٢٤، ٣٢٣، ٣٤٦):
(أ) حديث الحسن بن عليٍّ ﵄ برقم (٣٣٨)، أنَّه قال لمعاوية بن حُدَيْج:
"يا معاوية! إيَّاك وبُغْضَنَا، فإنَّ رسول الله -ﷺ- قال: "لا يُبْغِضُنَا، ولا يَحْسِدُنا أَحَدٌ إِلَّا ذِيدَ عن الحَوْضِ يَوْمَ القِيامَةِ بِسِيَاط من النَّارِ".
قال المؤلف في تخريجه: "أخرجه الطَّبرانيُّ في "الأوسط" [٣/ ٩٩]؛ وسنده ضعيف".
ولي على كلام المؤلف رحمه الله تعالى ملاحظتان:
• الأولى: اقتصاره في عزو الحديث على "المعجم الأوسط" فحسب، فإنَّ الحديث أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" أيضًا (٣/ ٨١)، رقم (٢٧٢٦) بإسناده سواء، وفيه قصة؛ فكان الأولى عزوه إلى المعجميْن.
[ ١ / ٢٠٩ ]
الملاحظة الثانية: قول المؤلف: "وسنده ضعيف"؛ والواقع أنه ضعيف جدًّا، ولقائلٍ أنَّ يقول: هو موضوع؛ فإنَّ فيه كذَّابًا.
آفته عبد الله بن عمرو الواقِفيّ، كما وقع في الطبراني -بفتح الواو وكسر القاف والفاء- نسبةً إلى بطن في الأوس من الأنصار، كما في "الأنساب" (٥/ ٥٦٧). وقيل: الواقِعيّ -بعد القاف عين مهملة، كما في "تكملة الإكمال" (٧/ ٣٠٦) - وهو الذي رجَّحه ابن نقطة، وهو بهذه النِّسبة في سائر كتب الرجال التي اطَّلعت عليها. وهو كذَّاب، وهو المتَّهم بوضْعه، وقد انفرد به.
قال علي بن المدينيّ، "كان يضع الحديث". وقال الدّارقطنيّ: "بصريّ يكذب".
وقال أبو حاتم: "ليس حديثه بشيء، ضعيف الحديث، كان لا يصدق".
وقال ابن عدي: "أحاديثه كلُّها مقلوبة، وهو إلى الضَّعف أقرب منه إلى الصِّدق".
وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٩/ ١٧٢): "رواه الطبراني في "الأوسط" (٣/ ٩٩)، وفيه عبد الله بن عمرو الواقفي، وهو كذَّاب". وأورده في (٤/ ٢٧٨) من طريق الطبراني في "الكبير" وأعاد نفس المقال.
انظر: "الجرح والتعديل" (٥/ ١١٩)، و"الضعفاء الكبير" (٢/ ٢٨٤)، و"الكامل" (٤/ ١٥٦٩)، "ضعفاء الدارقطني" (ص ٢٦٤)، و"ضعفاء ابن الجوزي" (٢/ ١٣٤)، و"الكشف الحثيث" (ص ١٥٥)، و"الميزان" (٤/ ١٥٥)، و"اللسان" (٣/ ٣٧٤.
قلت: فمن هذه حاله لا يُقال في حقِّه إنه ضعيف! والله تعالى أعلم.
(ب) حديث أنس ﵁ رقم (١٩٩) قال: قال رسول الله -ﷺ-:
"وعَدَنِي ربِّي في أَهْلِ بيْتي مَنْ أَقرَّ منهم بالتَّوحيدِ، ولي بالبلاغِ أنْ لا يُعَذِّبَهم".
قال المؤلف عقبه: "رواه الحاكم، وقال: صحيح الإِسناد ولم يخرِّجاه! "، وسكت!
وهذا الحكم على الإِسناد والسكوت عليه، فيه نظر، ومتابعة المؤلف للحاكم ههنا ليست بجيدة؛ فإنه منكر لا يصحُّ، ولذا تعقَّب المذَّهبيُّ الحاكمَ بقوله؛ "بل منكر لم يصحّ".
وهو كما قال الحافظ الذَّهبيُّ، فإنَّ مداره على عمر بن سعيد الأبحّ، وهو منكر
[ ١ / ٢١٠ ]
الحديث. قال البخاري في "التاريخ الكبير" (٦/ ١٤٣): "منكر الحديث ". وقال ابن عدي في "الكامل": "في بعض ما يرويه عن سعيد بن أبي عَروبة إنكار". انظر: "مختصر الكامل" (ص ٥١٩)، وراجع "الضعفاء الكبير" (٣/ ١٦٦)، والميزان (٥/ ٢٤٠)، و"المغني" (٢/ ١١٧)، و"ضعفاء ابن الجوزي" (٢/ ٢١٠).
• كما أنَّ في الحديث علةً أُخرى:
وهي اختلاط سعيد بن أبي عَروبة، فقد اختلط في آخر عمره، وطالت مدة اختلاطه، فقيل: خمس سنين، وقيل: عشر، وقيل: ثلاث عشرة. وقد صرَّح الأئمة يحيى بن معين، وأبو أحمد ابن عدي بأنه خلَّط، وأنَّ من سمع منه قديمًا فسماعه صحيح، كسماع يزيد بن زُريع، ومن سمع منه بعد اختلاطه فليس بشيء ولا يُعتمد (^١).
وعمر بن سعيد الأبحّ مع نكارة حديثه فقد سمع من سعيد بن أبي عَروبة قبل وفاته بسبعة أيام لا غير، فيكون حديثه ليس بشيء كما قال ابن معين. قال الحاكم (٣/ ١٦٣) عقب رواية الحديث: "قال عمر بن سعيد الأبحّ: ومات سعيد بن أبي عَروبة يوم الخميس، وكان حدَّث بهذا الحديث يوم الجمعة مات بعده بسبعة أيام في المسجد؛ فقال قوم: لا جزاك الله خيرًا، صاحب رفض وبلاء. وقال قوم: جزاك الله خيرًا، صاحب سنَّة وجماعة، أدَّيت ما سمعتَ". اهـ.
(ج) حديث علي بن أبي طالب ﵁ (رقم ١٩٦) يرفعه إلى النَّبيِّ -ﷺ- أنه قال:
"أمَا ترضى أَنْ تكونَ رابعَ أرْبَعَةٍ، أوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الجَنَّةَ أَنَا، وأَنْتَ، والحَسَن والحُسَيْن ﵃، وأزوَاُجنا عن أيْمَانِنا وشمائِلنا، وذُرِّيَّتُنا خَلْفَ أَزوَاجِنا".
قال المؤلف عقبه: "أخرجه الثَّعلبيُّ بنسدٍ فيه الكُدَيْمِيُّ، وهو ضعيف".
وهذا الحكم على الحديث فيه نظر، وذلك أنَّ قوله في حقِّ الكُدَيْمِيُّ، (وهو محمد بن يونس بن موسى) ضعيف، فيه شيء من التساهل! وهو في ذلك تَابَع شيخه الحافظ ابن حجر كما في "التقريب" (ص ٩١٢)؛ والذي عليه أكثر الأئمة اتِّهام الكُدَيْميّ وترك روايته.
_________________
(١) انظر: "الكواكب النيرات" (ص ٤٢ - ٤٦)، و"كتاب المختلطين" (ص ٤١ - ٤٣).
[ ١ / ٢١١ ]
قال الذهبي في "الميزان": "أحد المتروكين". وقال في "التذكرة": "هو واهٍ". وقال ابن عدي: "قد اتُّهم بالوضع، وادَّعى الرِّواية عمن لم يرهم، ترك عامةُ شيوخنا الرِّواية عنه". وقال ابن حبان: "لعلّه وضع أكثر من ألف حديث! "، وقال الحاكم: "ذاهب الحديث، تركه ابن صاعد، وابن عُقْدة، وسمع منه ابن خزيمة ولم يُحدِّث عنه". وقال الإِمام أحمد: "حسن المعرفة ما وُجِدَ عليه إلَّا لصحبته للشاذكوني".
وقال موسى بن هارون وهو متعلِّق بأستار الكعبة: "اللَّهُمَّ إني أشهد أنَّ الكُدَيميّ كذَّابٌ يضع الحديث".
وقال قاسم المطرز: "أنا أجاثي الكُدَيميّ بين يدي الله وأقول: يكذب على نبيِّك! ".
واتَّهمه الدَّارقطنيُّ بالوضع. وقال الحافظ ابن حجر كما مضى: "ضعيف".
وأما إسماعيل الخطبيّ فقال: "ثقة! ما رأيت جمعًا أكثر من مجلسه"؛ فخالف جميع مَنْ سبق!
- انظر: "الميزان" (٦/ ٣٧٨)، و"التهذيب" (٩/ ٥٣٩)، و"تذكرة الحفاظ" (٢/ ٦١٨)، و"التقريب" (ص ٩١٢).
ثم إنَّ الإسناد مسلسل بالضُّعفاء، فقد فات المؤلف النظر في حال رجلين من رجال الإسناد، أحدهما أضعف من الآخر، وهما:
• الأول: إسماعيل بن عمرو البَجَليّ. ضعَّفه أبو حاتم والدَّارقطنيُّ.
وقال ابن عدي: "حدَّث بأحاديث لا يُتابع عليها". وذكره ابن حبان في "ثقاته"! وأثنى عليه إبراهيم بن أروْمة. انظر: "الثقات" (٨/ ١٠٠)، و"الميزان" (١/ ٣٩٩).
• الثاني: هو عمر بن موسى بن وجيه الوجيهيّ الحمصيّ.
قال أبو حاتم: "متروك الحديث، ذاهب الحديث، كان يضع الحديث ويروي المناكير". وقال البخاري: "منكر الحديث". وقال النسائي: "متروك الحديث". وقال ابن معين: "ليس بثقة". وقال الدَّارقطنيّ: "متروك". وقال ابن عدي: "هو بيِّن الأمر في الضعفاء، وهو في عداد من يضع الحديث متنًا وسندًا". انظر: "الميزان" (٥/ ٢٧١)، و"مختصر الكامل" (ص ٥١١)، و"الإِكمال فيمن له رواية في المسند" (ص ٣٠٨).
[ ١ / ٢١٢ ]
٣ - وَهْمُهُ في سياق قصةٍ لأبي جعفر المنصور مع الأوزاعي رحمهما الله: فقد أورد (ص ٢٩٥) خبرًا مفاده أنَّ الرَّشيد سأل الأوزاعيَّ عن لُبْسِ السَّواد، فقال: "إني لا أحَرِّمُهُ؛ ولكن أكرهه". قال: "ولِمَ؟ ".
قال: "لأنه لا تُحلَّى فيه عروسٌ، ولا يُلبِّي فيه مُحْرِمٌ، ولا يُكفَّن فيه ميِّتٌ " إلخ القصة (^١).
ويظهر أنَّ المؤلف وَهِمَ في عزو هذا الخبر لهارون الرَّشيد؛ فإن القصة المذكورة وقعت بين الخليفة أبي جعفر المنصور والإمام الأوزاعيِّ، وليس بين الرَّشيد والثاني، وذلك لأمور:
الأول: أنَّ الإِمام الأوزاعيَّ لم يدرك خلافة هارون الرَّشيد قطعًا؛ فإنَّ وفاته كانت سنة (١٥٧ هـ) في خلافة المنصور (^٢)، والرَّشيد لم يبايَع بالخلافة إلَّا سنة (١٧٠ هـ)، فكيف يكون ذلك اللقاء؟ !
الثاني: أنَّ ولادة هارون الرَّشيد كانت سنة (١٤٩ هـ) في خلافة المنصور (^٣)، فعلى هذا يكون اللقاء قد حصل بينهما وعمر الخليفة الرَّشيد آنذاك ثمان سنين؛ وهذا مستبعد جدًّا!
الثالث: أنَّ الحافطين الذهبي وابنَ كثيرٍ ذكرا هذه القصة، وأنها وقعت للأوزاعي مع أبي جعفر المنصور، فقد دخل على المنصور ووعظه، فأحبَّه المنصور وعظَّمه، ولما أراد الانصراف استعفى من لُبْس السَّواد، فأجابه المنصور وأذِنَ له.
فلما خرج، قال المنصور للرَّبيع: الحقه فاسأله لِمَ كره السَّواد؟ ولا تُعلِمُهُ أني قلتُ لك.
فسأله الرَّبيع فقال: لأني لم أرَ مُحْرِمًا أحرم فيه، ولا ميتًا كُفِّن فيه، ولا عروسًا جُلِّيتْ فيه؛ فلهذا أكرهه. والله تعالى أعلم.
_________________
(١) انظر: "سير أعلام النبلاء". (٧/ ١٢٦)، و"البداية والنهاية" (١٠/ ١٢٢).
(٢) انظر ترجمة الأوزاعي في: "سير أعلام النبلاء" (٧/ ١٠٧ - ١٣٤)، و"البداية والنهاية" (١٠/ ١١٨). وستأتي في (ص ٢٩٥).
(٣) انظر ترجمة هارون الرشيد في: "الجوهر الثمين" (١/ ١٢٥ - ١٣٠)، و"تاريخ الخلفاء" (ص ٢٤٩ - ٢٦١). وستأتي في (ص ٢٩٥).
[ ١ / ٢١٣ ]
٤ - أنَّ المؤلف عقد بابًا كاملًا على أساس أحاديث ضعيفة أو موضوعة!
فمثلًا الباب التاسع: (باب مكافأة الرَّسول ﵇ لمن أحسن إليهم في يوم القيامة)، فمجموع أحاديث هذا الباب أربعة. ثلاثة موضوعات، وواحد ضعيف. فلو أنه ترك ذلك لكان أولى في نظري، إلَّا أنَّ يُقال -ما سبق الإِشارة إليه- إنَّ مراده معرفة جميع ما ورد في هذا الباب.
٥ - إيراده بعض الحكايات الغريبة في الترغيب في إكرام أهل البيت:
فلقد أورد عدة حكايات فيها شيء من النكارة، وأكثرها رؤى منامية، لا تقدِّم ولا تؤخِّر. ولذا فإني علَّقت على كل حكاية وما فيها من الملاحظات -خاصة المتعلقة بالعقيدة- بما يناسبها في موضعها.
وقد يُعتذر للمؤلف بأنَّ جميع ما ذكره من تلك الحكايات إنما نقله عن المقريزي وعزاه إليه، وهو -أعني المقريزي- ممن عُرِفَ بميله الشَّديد لآل البيت، حتى إنه اتَّهمه البعض بالتَّشيُّع (^١)؛ فكون الحافظ السَّخَاويِّ يحيل إليه؛ فإنه يجعل العهدة عليه.
_________________
(١) وممن اتَّهمه بذلك المصنِّف فيما ذُكِرَ، فلقد أجهد نفسه -أعني المقريزي- بما لا طائل تحته، وصحَّح نسب الخلفاء العلويين العُبيديين الفاطميين الدَّعيَّ، وأشاد بذكر مناقب خلفائهم، وفخَّم من شأنهم! وحاول جاهدًا إثبات نسبهم إلى رسول الله -ﷺ-، وناقش المُشكّكين في هذا النَّسب! وله في ذلك كتاب خاصّ سمّاه: "اتِّعاظ الحُنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخُلفا". وكتاب آخر سمَّاه: "النزاع والتخاصم فيما بين بني أُميَّة وبني هاشم". وقد نفاه عنه بعض الباحثين المعاصرين؛ والقضية تحتاج مزيدَ بحثٍ. - انظر مقدمة الدكتور محمد عاشور لتحقيق كتاب: "معرفة ما يجب لآل البيت"، للمقريزي (ص ١١ - ١٣). بل إنه جعل نفسه حُسينيًّا عُبيديًّا لأجل حكايةٍ حكيتْ له! ولم يُسلِّم بهذه النِّسبةِ المصنِّفُ فى "الضوء اللامع". ولذا كان ينشر محاسن العُبيدية في كتابه "الخطط المقريزية"، ويُفخِّم من شأنهم بذكر مناقبهم! الأمر الذي جعل العلَّامة الشَّوكانيّ يتعجَّب منه! كما ذكره في "البدر الطالع" (١/ ٧٩). تجدر الإِشارة: أنَّ سائر العلماء ببغداد نفوا هذا النسب، وذلك في شهر ربيع الآخر سنة (٤٠٢ هـ)، وكتبوا محضرًا يتضمَّن نفي نسبهم، وأنهم لا نسب لهم إلى علي بن أبي طالب، ولا إلى فاطمة كما يزعمون! بل هم أدعياء كذبة، عُبيديون كفار فسَّاق فجَّار، ملحدون زنادقة معطِّلون، وللإِسلام جاحدون، ولمذهب المجوسية والثَّنَوية معتقدون. =
[ ١ / ٢١٤ ]
وقد نبَّه المؤلف في ترجمته من "الضوء" (^١)، و"التبر" (^٢) أنه كان يُكْثر الاعتماد على مَنْ لا يُوثق به من غير عزو!
قلتُ: وأكثر تلك الحكايات لم يَعْزُها المقريزي لأحد وما جاء في أبواب الكتاب من الأحاديث والآثار يُغني عن كلِّ ذلك، وفي الصَّحيح غُنْية عن الضَّعيف كما هو مقرَّر.
• وعلى كلٍّ فكما قال الأول:
وَمَن ذَا الذي تُرْضَى سجاياه كلّها كفى المرء نبلًا أن تعدَّ معايبُه
وبالله تعالى التوفيق، وعليه وحده التكلان، ولا حول ولا قوة إلَّا بالله.
* * *
_________________
(١) = انظر: "المنتظم" لابن الجوزي (١٥/ ٨٢ - ٨٣)، و"الكامل في التاريخ" لابن الأثير (٨/ ٧٣)، و"البداية والنهاية" لابن كثير (١١/ ٣٦٩)، و"مرآة الجنان"، لليافعي (٣/ ٤)، و"النجوم الزاهرة" لابن تغري بردي (٤/ ٢٣٠). ثم عُمِلَ ببغداد حضرٌ آخر سنة (٤٤٤ هـ)، يتضمَّن القدح في نسبهم، وعُمِلَ به عدة نُسخ، وسُيِّر في البلاد، وشُيّع بين الحاضر والباد. انظر: "المنتظم" (١٥/ ٣٣٦)، و"الكامل في التاريخ" (٨/ ٣١٠)، و"البداية والنهاية" (١٢/ ٦٨)، و"مرآة الجنان" (٣/ ٤٨).
(٢) انظر: "الضوء اللامع لأهل القرن التاسع" (٢/ ٢٣).
(٣) انظر: "التبر المسبوك في الذيل على دول الملوك" (ص ٢١).
[ ١ / ٢١٥ ]
اسْتجلابُ ارتَقَاءِ الغُرَفِ
بِحُبِّ أَقْرِبَاءِ الرَّسُولِ -ﷺ-
وَذَوِي اِلشَّرَفِ
تَألِيفُ
الحَافِظِ شَمْسِ الدِّينِ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ الرَّحمنِ السَّخَاوِيِّ
(٨٣١ - ٩٠٢ هـ)
تحقِيق وَدَراسَة
خالد بنْ أحمد الصُّمِّي بابطينْ
الجُزءُ الأوّلُ
(الجزء المحقق)
[ ١ / ٢١٧ ]