تمهيد:
لا يَشكُّ باحثٌ أنَّ المصنَّفات التي أُلِّفتْ في أهل بيت النَّبيِّ -ﷺ- وذكر مناقبهم وفضائلهم وأخبارهم من الكثرة بمكان، ما لم يُكتب في غيره من الموضوعات، وذلك تبعًا -والله تعالى أعلم- لكثرة ما ورد في فضائل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -﵁-.
حتى قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: "ما جاء لأحد من أصحاب رسول الله -ﷺ- من الفضائل ما جاء لعليِّ بن أبي طالب ﵁" (^١).
وقال إسماعيل القاضي، والنَّسائي، وأبو علي النيسابوري رحمهم الله تعالى: "لم يرد في حقِّ أحد من الصَّحابة بالأسانيد الحسان أكثر مما جاء في عليٍّ" (^٢).
ويبيِّن شيخ الإسلام سبب نشر فضائل علي بن أبي طالب -﵁- وانتشارها بين أهل السُّنَّة بقوله:
"واشتهر رواية أهل السُّنَّة لها ليدفعوا بها قَدْحَ مَنْ قَدَحَ في عليٍّ وجعلوه كافرًا أو ظالمًا، من الخوارج وغيرهم" (^٣).
_________________
(١) أخرجه الحاكم في "المستدرك" (٣/ ١١٦) - رقم (٤٥٧٢) من طريق محمد بن هارون الحضرمي، عن محمد بن منصور الطوسي، عنه.
(٢) "الصواعق المحرقة" (٢/ ٣٥٣).
(٣) "منهاج السُّنَّة النَّبويَّة" (٤/ ٣٧١).
[ ١ / ١٨٣ ]
ويقول السَّمْهوديُّ في بيان السَّبب نفسه: "والسَّبب في ذلك -والله أعلم- أنَّ الله تعالى أطلعَ نبيَّه ﵌ على ما يكون بعده مما ابتُلي به عليٌّ ﵁، وما وقع من الاختلاف لمَّا آل إليه أمر الخلافة؛ فاقتضى ذلك نصح الأُمَّة بإشهاره لتلك الفضائل لتحصل النَّجاة لمن تمسَّك به ممن بلغته، ثم لمَّا وقع ذلك الاختلاف والخروج عليه نَشَرَ من سمع من الصَّحابة تلك الفضائل، وبثَّها نصْحًا للأُمَّة أيضًا. ثمَّ لمَّا اشتدَّ الخطب واشتغلتْ طائفةٌ من بني أميَّة بنقْصه وسبِّه على المنابر! ووافقهم الخوارج، بل قالوا بكفره! فاشتغل جهابذة الحُفَّاظ من أهل السُّنَّة ببثِّ فضائله حتى كثُرتْ، نُصْحًا للأُمَّة، ونُصْرةً للحقِّ". اهـ (^١).
وقد أشار الحافظ السَّخَاويُّ إلى كثرة المصنَّفات في مناقب أهل البيت في مقدِّمة هذا الكتاب بقوله: " إذ قد جمع الأئمةُ في كلٍّ من عليٍّ، والعبَّاس، والسِّبْطين تصانيفَ منتشرة في الناس. وكذا أفرِدَتْ مناقب الزَّهراء وغيرها، ممن علا شَرَفًا وفَخْرًا" (^٢).
وهي -أعني المصنَّفات في أهل البيت- متنوعة متعددة في جميع ما يتعلَّق بهم:
١ - فمنها ما أُلِّف في ذكر مناقبهم، ونشر فضائلهم، والتنبيه على عظيم حقِّهم؛ وعامَّة ما سوف أذكره من هذا الضرب.
٢ - ومنها ما تناول أخبارهم وتراجم سيرهم فحسب، فهي عبارة عن سرد تاريخي لحياتهم قد يشتمل على شيء من فضائلهم (^٣).
_________________
(١) انظر: "جواهر العقدين" (ص ٢٥١). و"الجوهر الشَّفَّاف" (ق ٣٩/ ب) له. وكذلك: "الصواعق المحرقة" (٢/ ٣٥٣).
(٢) انظر: (ص ٢٢٥) من القسم المحقق.
(٣) منها كتاب: "حدائق الأذهان في أخبار أهل بيت النَّبيِّ المختار -ﷺ- وتفرُّقهم في الأمصار" للمسعودي (ت ٣٤٥ هـ). ذكره لنفسه في "مروج الذهب" (٣/ ٣٥٥)، ونسبه له حاجي خليفة (١/ ٦٣٢). ومنها كتاب: "تحفة الرَّاغب في السِّيرة الجامعة من أعيان أهل البيت الطَّيِّب" للقيلوبي الشافعي (ت ١٠٦٩ هـ). طُبع بمصر قديمًا (١٣٠٧ هـ) في مطبعة محمد مصطفى. وله نسخة خطية بمكتبة حسن حسني عبد الوهاب- رقم (١ - ٩٠٤). انظر: "معجم المطبوعات العربية" (٢/ ١٥٢٥)، و"معجم المنجد" (ص ٢٢٧)، و"معجم المؤلفين" (١/ ١٤٨)، "معجم الشَّيباني" رقم (٣٢٣).
[ ١ / ١٨٤ ]
٣ - ومنها ما عالج ما حصل عليهم من المحن والقتل والتشريد؛ خصوصًا تفاصيل مقتل الحسين بن علي ﵄، فهي من الكثرة بمكان (^١)!
٤ - ومنها ما لا يتطرَّق إلَّا لأنسابهم وذكر أُصولهم وفروعهم، وهي متنوعة حسب الأماكن التي سكنوها، فمنها ما يذكر أنساب أشراف مكة، وأخرى تذكر أنساب أشراف المدينة، وثالثة تُعرِّف بأنساب أشراف اليمن وحضرموت، ورابعة تتناول أنساب أشراف المغرب العربي وهكذا (^٢).
وهي مع هذا متعددة: فمنها (النَّسب الحَسَنيّ والحُسَيْنيّ -النَّسب الجعفريّ- النَّسب العلويّ -النَّسب الفاطميّ- أنساب الأدارسة -النَّسب العبَّاسيّ -أنساب السَّادة).
٥ - ومنها ما يهتم بذكر النُّقباء من الأشراف فقط دون غيرهم (^٣).
ولا يغيب عن ذهن القارئ أنَّ الصَّحاح، والسُّنن، والمسانيد، وغيرها من الكتب الحديثية، أورد فيها مصنِّفوها شيئًا من أحاديث مناقب وفضائل أهل البيت، وسأُمثِّل على ذلك بالصحيحين، وعليك أن تنظرَ في "السُّنن" و"المسانيد" وغيرها فهي مليئة بذلك: