تمهيد:
لمَّا كان هذا الكتاب الذي نحن بصدد تحقيقه تناول فضائل ومناقب أهل البيت، ناسب أن أذكر انقسام الناس تجاه هذا البيت الكريم، وما هو الموقف الحق الذي يجب أن يقفه المسلم تجاههم، حتى لا يغلو فيهم، وفي الوقت نفسه لا يجفو عنهم.
ثم إنه لا يشكُّ مُنْصِفٌ أنَّ أهل بيت النَّبيِّ -ﷺ- من أشرف البيوت نسبًا، ومن أكرمها مَحتِدًا (^١)، ومن أنبلها أرومةً (^٢) وقد أوجب الله علينا محبَّة هذا البيت الكريم تبعًا لمحبَّة مُشرِّفهم -ﷺ-، فمحبَّتهم وبرُّهم من محبَّتِه وبرِّه، وبُغْضهم من بغضه (^٣)، فهي عندنا فرضٌ واجبٌ كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية، يُؤجر العبد عليه (^٤).
والعجيب أنَّ النَّاس قد انقسموا تجاه هذا البيت الكريم إلى أصناف ثلاثة، ما بين تفريطٍ وإفراطٍ، ولا شكَّ أنَّ بينهما وسط، وهو الطريق المستقيم، وبيان ذلك:
• الصنف الأول: مُفرِّطون في حقِّهم، وهم الجُفاة فيهم، البُغاة عليهم.
• الثاني: مُفرِطُون في حبَّهم، متجاوزون الحدَّ الشَّرعيَّ فيه، وهم الغُلاة فيهم.
_________________
(١) المَحْتِدُ: الأصل والطَّبع، يُقال: إنه لكريم المَحتِد: أي الأصل. والحَتِدُ: الخالص من كلِّ شيء. جمعه مَحَاتِد. انظر: "لسان العرب" (٣/ ١٣٩)، "المعجم الوسيط" (ص ١٥٤) مادة (حَتِدَ).
(٢) الأرُومة: بالفتح والضمِّ، على وزن الأكُولة: الأصل. انظر: "النهاية في غريب الحديث" (١/ ٤١)، "القاموس المحيط" (ص ٩٧٠)، مادة (أرَمَ).
(٣) انظر: "شجرة المعارف والأحوال وصالح الأعمال والأقوال"، للعز بن عبد السلام (ص ٢٦٦).
(٤) انظر "مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية" (٤/ ٤٨٧).
[ ١ / ١٦٥ ]
• الثالث: معتدلون مُنْصِفُون، مفارقون طريقة الصِّنفين (الغالين والجافين)، وهم الواسطة بينهما وقد جاء في بعض الطرق عبد أبي يعلى في "مسنده" (^١)، من حديث علي بن أبي طالب -﵁- أن النَّبيَّ -ﷺ- قال له: "فيك مَثَلٌ من عيسى، أبْغضتْهُ اليهودُ حتى بهتوا أُمَّه، وأَحبَّتْهُ النَّصارى حتى أنْزلوه بالمنزلة التي ليس به". قال: ثم قال عليُّ: "يهلك فيَّ رجلانِ: محبُّ مُطْرٍ يُفرط لي بما ليس فيَّ، ومُبغِضٌ مُفترٍ يحمله شنآني على أن يَبهتني".
قال العلَّامة محمود شكري الألوسي رحمه الله تعالى: "والكثير من الناس في حقِّ كلٍّ من الآل والأصحاب في طرفيّ التفريط والإفراط، وما بينهما هو الصراط المستقيم، ثبَّتنا الله تعالى على ذلك الصِّراط" (^٢).
ويقول العلَّامة صديق حسن خان رحمه الله تعالى، في هذا السِّيَاق أيضًا:
"وهذه المحبة لهم واجبة متحتِّمة على كلِّ فرد من أفراد الأُمَّة، ومن حُرمها فقد حُرم خيرًا كثيرًا، ولكن لا بدَّ فيها من لَفْظِ الإفراط والتفريط، فإنَّ قومًا غلوا فيها فهلكوا، وفرَّط فيها قوم فهلكوا، وإنما الحقُّ بين العافي والجافي، والغالي والخالي" (^٣).
وسيكون الكلام في هذا المبحث بمشيئة الله تعالى، عن مذهب أهل السُّنَّة والجماعة (السَّلف) في آل البيت، وكيف يتعاملون مع النُّصوص الواردة في فضائلهم؟ وما الحق الذي يرونه واجبًا لهم؟ ثم ما الواجب عليهم؟ ثم أذكرُ شروط تولي أهل السُّنَّة لأهل البيت، وأختم المبحث بطرح سؤال مهم، وهو (هل القول بتفضيل بني هاشم يعدُّ تفضيلًا مطلقًا على جميع الأشخاص وفي كلِّ الأحوال؟).
_________________
(١) (١/ ٤٠٦)، رقم (٥٣٤)، من طريق الحَكَمِ بن عبد الملك، عن الحارث بن حَصيرة، عن أبي صادقٍ، عن ربيعة بن ناجد، عنه ﵁ مرفوعًا إلى النَّبيِّ -ﷺ-. وإسناده ضعيف، انظر تخريجه والكلام عليه مرفوعًا وموقوفًا، في قسم التحقيق، حديث رقم (٤١٩).
(٢) انظر: "تفسير روح المعاني" (٢٥/ ٣٢).
(٣) انظر: "الدين الخالص" (٣/ ٣٥١).
[ ١ / ١٦٦ ]
فأقول وبالله تعالى التوفيق:
موقف السَّلف تجاه أهل بيت النَّبيِّ -ﷺ- موقف الإنصاف والاعتدال، وهو الحقُّ الحقيق بالاتِّباع، فهم بين الجافي والغالي، وهو الصَّواب البَحت، لتوسُّطه بين جانبي الإفراط والتفريط.
قال الشَّاعر:
هُمُ وَسَطٌ يَرضى الأنَامُ بِحُكمِهمْ إذا نَزَلَتْ إحْدى اللَّيالي بِمُعظم
فأهل السُّنَّة أسعد الناس بموالاة أهل البيت، يعرفون فيهم وصية النَّبيِّ -ﷺ- بالإحسان إليهم، ويعتبرون محبَّتهم واجبة محتَّمة على كلِّ فرد من أفراد الأُمَّة (^١).
وسأذكر مجمل عقيدة أهل السّنَّة والجماعة في أهل البيت الكرام على سبيل الإجمال، ثم أسوق جملةً من كلام أئمة السَّلف وأهل العلم مرتَّبين حسب الترتيب الزمني في بيان هذه العقيدة، وبعد ذلك أذكر شرطين وضعهما أهل العلم لولاية أهل بيت رسول الله -ﷺ-، فإذا فُقِدَ شرطٌ منهما سقط حقّ الواحد منهم من الولاية والحبِّ والإكرام والتبجيل.