رغم كثرة مؤلفات الحافظ السَّخَاويِّ، وجودتها، وبراعتها، وانتشارها بين أهل العلم، ووجودها في مكتبات العالم؛ إلَّا أني ألْحَظُ عدم شهرة هذا الكتاب بين العلماء والباحثين، حتى أكاد أرى كثيرًا ممن كتب في هذا الموضوع (مناقب أهل البيت) لا يذكرون الكتاب، لا من قريب، ولا من بعيد.
مع أنَّ الكتاب كان مشهورًا متداولًا في حياة المؤلف، بين أيدي أهل العلم وطلبته، في مصر والحجاز، وغيرهما. فإنَّ لدينا نصوصًا في موسوعة المؤلف التاريخية "الضوء اللامع"، تدل على عظيم احتفاء المؤلف بهذا الكتاب والاهتمام به، حيث إنه كان يقوم بإقرائه وتدريسه مع أُمَّهات الكتب، في مدارس القاهرة، وفي الحرم المكي الشَّريف، وفي المدينة النَّبويَّة المباركة، على ساكنها أفضل الصَّلاة وأتم التَّسليم. كذلك كان يكتب لبعض طلابه ومحبِّيه إجازات بجملةٍ من كتبه، منها كتاب: "استجلاب ارتقاء الغُرَف".
ومما يشير إلى ذلك:
• ما ذكره في ترجمة علي بن محمد بن أبي بكر الحسيني الدِّمشقي، سبط البرهان الباعوني -من علماء وأعيان القرن التاسع-، فقد جاء ما يلي: " وطالع من تصانيفي جملةً، "كالجواهر والدُّرر"، و"شرح الألفية"، و"ارتقاء الغُرَف"، و"الذَّيل على دول الإِسلام"، و"مناقب العبَّاس"، وما لا ينحصر". اهـ (^١).
_________________
(١) "الضوء اللامع" (٥/ ٢٩٥).
[ ١ / ٢٠٢ ]
• وكان بعض الأعيان من معاصريه يكتب للمؤلف يطلب منه أن يرسل له نسخة من الكتاب، مما يدلُّ على انتشاره بين الناس، كما حصل من إسحاق بن عبد الجبار الحسيني القزويني، فقد أرسل إليه الحافظ السَّخَاويُّ نسخة منه (^١).
• وذكر في ترجمة حسين بن عبد الله الكرماني، المعروف بـ (ابن أصيل الدَّين) (^٢): " وسمع عليَّ "أربعين النووي" وغيرها، بل قرأ عليَّ "مسند الشَّافعي"، و"عدة الحصن الحصين". ومن تصانيفي: "التوجه للرَّبِّ"، و"الابتهاج" وكَتَبَهما، و"استجلاب ارتقاء الغرف". اهـ.
• وجاء في ترجمة مرشد بن محمد الحسني المكي الشَّافعي، المعروف بـ (ابن المصري) (^٣):
" ولازمني في سنة ستٍّ وثمانين بمكة، حتى قرأ عليَّ "القول البديع"، و"استجلاب ارتقاء الغُرَف" من نُسْخَتَيْه". اهـ.
• وهناك ما يُشير إلى اهتمام علماء العصر بالكتاب ومحاولة إفادتهم منه ومن غيره من كتب الحافظ السَّخَاويِّ النافعة، فلقد جاء في ترجمة الشَّريف نور الدِّين السَّمهوديِّ (ت ٩١١ هـ) من كتابه "التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشَّريفة" (^٤)، ما يبرز هذا الجانب:
" ولا زالت كتبه ترد عليَّ بالسَّلام، وطيب الكلام، بل يُشافه بما هو أعلى -كما كان يسمعه من شيخه المحلي والمناوي-، ويستمدُّ مما لعلَّه يقف عليه من تصانيفي، كـ "القول البديع"، و"ارتقاء الغُرَف"، و"مناقب العبّاس"، و"المقاصد الحسنة"، و"شرح الألفية" ". اهـ
ولا زال عجبي -من عدم شهرة هذا الكتاب- لا ينقضي! خصوصًا إذا علمتَ أنَّ عصريَّه جلال الدِّين السُّيوطَّي رحمه الله تعالى تكاد كتبه أن تكون مخدومة مطبوعة، إلَّا ما ندر.
_________________
(١) "الضوء اللامع" (٢/ ٢٧٨).
(٢) "المرجع السابق" (٣/ ١٤٧).
(٣) "المرجع السابق" (١٠/ ١٥٤).
(٤) (٢/ ٢٨٤).
[ ١ / ٢٠٣ ]
بينما لا زال كثير من مؤلفات الحافظ السَّخَاويِّ حبيس المكتبات في عالم المخطوطات؛ مع أنه "لا يشكُّ باحثٌ منصفٌ أنَّ السَّخَاويَّ أمتن من السُّيوطيِّ في التاريخ والحديث، وأكثر أصالةً في تآليفه" (^١).
ولعلَّ السبب في عدم شهرته؛ كثرة المؤلفات في مناقب الآل، فكأنّ العالم أو الباحث يظنّ أنَّ كتاب السَّخَاويِّ كسائر الكتب المؤلفة في هذا الباب، التي دخلها الواهي والمنكر، دون تمييز أو إشارة إلى ذلك؛ فنتج عن ذلك ضعف همَّة الباحثين لقراءة الكتاب أو مطالعته هذا ما بدا لي، ولعلَّ السب غير ذلك، والله أعلم.
أمَّا من عاصر المؤلف كابن الدَّيبع الشَّيبانيّ (ت ٩٤٤ هـ)، وهو من تلاميذه، فقد نقل عن الكتاب في موضع واحد، وذلك في كتابه المسمَّى "تمييز الطيب من الخبيث فيما يدور على ألسنة الناس من الحديث" (ص ١٤٦).
وفي نفس الفترة الزمنية -القرن العاشر الهجري- يأتي الفقيه المحدِّث أحمد بن محمد بن حجر الهيتميّ (ت ٩٧٤ هـ)، فيطَّلع على الكتاب، فيُعجب به وبما احتواه من فوائد؛ فيقوم باختصاره، ويجعله ذيلًا لكتابه: "الصواعق المحرقة".
ثم جاء القرن الثاني عشر، وجاء الشيخ إسماعيل العجلونيّ (ت ١١٦٢ هـ) صاحب كتاب "كشف الخفاء ومزيل الإِلباس فيما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس"، فاطَّلع على الكتاب واستفاد منه، ونقل عنه في ثلاثة مواضع من كتابه: (٢/ ١٤٢، ٢٢٥، ٢٨٨).
أمَّا ما عدا هؤلاء العلماء، فلم أرَ من صرَّح بالنقل عن الكتاب.
وتجدر الإِشارة؛ أني ومن خلال قراءتي لكتاب: "جواهر العقدين في فضل الشَّرفين" للشَّريف السَّمهوديِّ (ت ٩١١ هـ)، وهو من معاصري المؤلف؛ رأيت نقولاتٍ كثيرةً تكاد تكون منقولة بالحرف الواحد، من كتاب الحافظ السَّخَاويِّ، دون إشارة السَّمهوديِّ إلى ذلك!
_________________
(١) من كلام الدكتور بشار عواد في مقدمة تحقيق كتاب: "وجيز الكلام في الذيل على دول الإِسلام" للسَّخَاويّ (١/ ١٣).
[ ١ / ٢٠٤ ]
ويغلب على ظني -والعلم عند الله- أن هذه النُّقول مأخوذة من هذا الكتاب، وعندي على ذلك دلائل، منها:
١ - أنَّ الحاظ السَّخَاويَّ أشار -كما مضى قريبًا- في "التحفة اللطيفة" (^١) في ترجمة السَّمهوديِّ. أنَّ الأخير كان يستمد بعض تصانيفه، وذكر منها كتابه "ارتقاء الغرف".
٢ - أنَّ السَّمهوديَّ فرغ من تأليف كتابه سنة (٨٩٧ هـ)، أي بعد تأليف السَّخَاويِّ لكتابه بعشرين سنة، ومن ثمَّ بعد انتشاره في الآفاق، ووقوف القاصي والدَّاني عليه؛ فقد سبقت الإشارة عند التعريف بالكتاب أنه ألَّفه سنة (٨٧٧ هـ).
٣ - استرعى انتباهي أمرٌ لاحظته في كتاب السَّمهوديِّ، ألا وهو اتفاقه في ترتيب الأحاديث في الباب الواحد! بل واتِّفاقه في ترتيب مصادر التخريج للحديت الواحد، مع ما هو موجود في هذا الكتاب! مما لا يمكن أن يكون مصادفة، إنما بعد اطّلاع مؤلفه على كتاب السَّخَاويِّ ومتابعته في النقل.
ويمكنك النظر في أبواب الكتابيْن لترى التشابه العجيب بينهما!
• وهذا أُنموذج على ما أقول:
بوَّب السَّمهوديُّ (ص ٢٩٩) بقول: (باب دعائه ﵌ بالبركة في نسل البتول والمرتضى ﵄).
وهو يشبه تمامًا تبويب السَّخَاويِّ: (بَابُ دُعَائِهِ -ﷺ- بالبَرَكَةِ في هذا النَّسْلِ المُكَرَّمِ).
ثم بدأ السَّمهوديُّ الباب بإيراد الأحاديث:
• فذكر حديث عبد الكريم بن سَليط وأورده من طريق النسائي في "عمل اليوم والليلة"
• ثم ساق رواية الروياني له في "مسنده"
• ثم أورد طريق سمُّويه في "فوائده"
• ثم من طريق الدُّولابيِّ في "الذرية الطاهرة"
_________________
(١) (٢/ ٢٨٤).
[ ١ / ٢٠٥ ]
• ثم ساق كلام ابن ناصر الدِّين -أحد رواة كتاب الدُّولابيِّ- في تصويب كلمةٍ وردت في لفظ الحديث.
• ثم أشار أنَّ الرِّواية باللفظين أوردهما في "المختارة".
وإيراد الأحاديث بهذا الترتيب، وبتلك الطرق المذكورة، موجود بحروفه في الباب الرابع من هذا الكتاب، بالأرقام (١٨٩، ١٩٠، ١٩١، ١٩٢)، ولا يختلف عما عند السَّمهوديِّ بشيء؛ مما يدلُّ على أنَّ الأمر ليس مجرد توافق في الأفكار، وإنما اقتباسٌ من الكتاب ومتابعةٌ لمؤلفه.
٤ - أني رأيت نصوصًا ليست بالقليلة، اتَّفقت فيها عبارة صاحب "جواهر العقدين" بما هو موجود في هذا الكتاب. وسأورد بعضها، وأقارنها بما هو موجود في "الارتقاء": فمثلًا:
• ذكر (ص ٢٥٩) في تخريج حديثٍ أورده: " أخرجه مسدَّد، وابن أبي شيبة، وأبو يعلى في مسانيدهم، والطبراني؛ كلّهم بسند ضعيف".
وهو بنصِّه في هذا الكتاب بنفس ترتيب مخرِّجي الحديث! انظر رقم: (٢١٠).
• قال في (ص ٢١٥) في تخريج حديثٍ ذكره: " أخرجه الحاكم في "مستدركه" وأشار إلى أنه استدركه مع كونه في "الصحيحين" من هذا الوجه؛ لإِفادته أنَّ أهل البيت هم الآل".
وهو بنصِّه في كتاب السَّخَاويّ. انظر رقم: (١٧٥).
• وقال في (ص ٣٤٥) في تخريج حديثٍ ما نصُّه: " أخرجه الطبراني في "الأوسط"، والعقيلي في "الضعفاء" بسند مظلم، والخطيب بآخر فيه كذَّاب، ومن أجله حكم ابن الجوزي بوضعه، وسبقه العقيلي فقال: إنه ليس له أصل".
وهذا العزو موجود بنصِّه في "ارتقاء الغرف" وبنفس ترتب المخرِّجين. انظر رقم: (٣٤٠)، إلَّا أنه قال: "ولذلك"، و"بل سبقه"؛ بدل: "ومن أجله"، و"سبقه".
ولا يُقال إنَّ هذا توارد في الأفكار والمعلومات فحسب!
فإنه وبهذا التوافق العجيب في ترتب مصادر التخريج، والتعليق على الحديث بهذه
[ ١ / ٢٠٦ ]
العبارات المشتركة، لا يتأتَّى هكذا بمجرد توارد وتوافق الكلمات؛ وإنما الواقع أنَّ الشَّريف السَّمهوديَّ اطّلع على كتاب السَّخَاويِّ، ولم يرد التَّصريح بذلك.
ولا يخفى عليك مسألة المعاصرة بينهما، وحساسيتها في كثير من الأحيان!
• وهناك أمثلة كثيرة في الكتاب، مثل: (ص ٢٢٥، ٢٣٢، ٢٦٠، ٢٧٢، ٢٧٩، ٢٩١، ٣٠٠، ٣١٠، ٣٢٦، ٣٣٢، ٣٣٧، ٣٣٨، ٣٤٢، ٣٤٧، ٣٧١، ٣٨٨).
وقارنه بالأرقام التالية: (١٨٣، ١٨٤، ١٨٥ - تعقيب حديث ٥٢ - ٢١٣ - ٢٤١ - ٢١٥، ٢١٦، ٢١٧، ٢١٨ - تعقيب حديث ٢٢٩ - تعقيب حديث ٢٤٢ - تعقيب حديث ٢٠٧ - ١٨٩ - ١٩٠، ١٩١، ١٩٢ - ٢٨١ - ٤١ - ١٢٨، ١٢٩، ١٣٠، ١٣١ - تعقيب ١٥٨ - تعقيب ١٥٩ - ٣٣٨ - تعقيب ٣٥١ - ٣٠٣).
٥ - ومما يشير إلى أخذ السَّمهوديِّ ونقله من "ارتقاء الغرف"، أنه تابع السَّخَاويَّ في بعض ما يؤخذ عليه! ومن ذلك أنه عزا في (ص ٣٧٦) كلام أبي بكرٍ الصِّدِّيق ﵁: "والذي نفسي بيده، لقرابة رسول الله -ﷺ- أحبّ إليَّ من أصل قرابتي"؛ عزاه إلى "صحيح البخاري" وحده!
والأثر كما هو معلوم في "الصحيحين" وليس في البخاري فقط؛ ومردُّ ذلك متابعته للسَّخَاويِّ في هذا العزو. انظر رقم: (٢٩٩).
ومن خلال هذه النقاط الخمس يمكن القول باطمئنان؛ إنَّ الشَّريف السَّمهوديَّ استفاد من كتاب "ارتقاء الغرف" للحافظ السَّخَاويِّ -وإنْ لم يُشر إلى ذلك ولو مرةً واحدةً-، وأنَّ هذا الكتاب من الكتب التي لها أثر بعد وفاة مؤلفيها.
* * *
[ ١ / ٢٠٧ ]