من المقرَّر عند أهل العلم والباحثين أن كتب العلَّامة الحافظ شمس الدِّين السَّخَاويّ قويّة ومحرَّرة بعامَّة، فهو ذو قلم سيَّال، يفيض علمًا غزيرًا، وتحقيقًا وتحريرًا. ومن جملة كتبه الموصوفة بهذا الوصف؛ "استجلاب ارتقاء الغُرَف"، فهو من أحسن ما ألِّف في مناقب قرابة النَّبيِّ -ﷺ-؛ إن لم يكن أفضلها.
وأبرز ما يُميِّز الكتاب ويُعطيه قيمةً علميةً:
١ - المكانة العلمية المرموقة لمؤلفه:
_________________
(١) وانظر للاستزادة في موضوع النِّقابة: "الأحكام السُّلطانية" للماوردي (ص ١٢١ - ١٢٥)، و"الأحكام السلطانية"، لأبي يعلى الفرّاء (ص ٩٠ - ٩٤)، و"مآثر الإناقة في معالم الخلافة" (٣/ ١٥٧ - ١٦٥) للقلقشندي، ومقدِّمة محمد سعيد كمال على "مجموعة الرسائل الكمالية في الأنساب" (٢/ ١٣ وما بعدها).
[ ١ / ١٣٦ ]
فلقد احتلَّ الحافظ شمس الدِّين السَّخَاويّ مكانةً علمية عاليةً، وأجمع من تَرْجَمَهُ على وصفه بـ "الحافظ"، "المحدِّث"، "المحقِّق"، "المؤرِّخ"، "النَّسابة".
قال تلميذه الشَّيخ جار الله بن فهد المكّي: "ولقد والله العظيم لم أرَ في الحفاظ المتأخرين مثله، ويعلم ذلك كلّ من اطَّلع على مؤلفاته، أو شاهده، وهو عارف بفنِّه، ومنصف في تراجمه .. "، إلخ (^١).
٢ - الكتاب مرجعٌ مهمٌّ في بيان الأحاديث المشتهرة في فضائل أهل البيت، وعليه؛ فهو عمدة لمن أتى بعده:
يعتبر كتاب "ارتقاء الغرَفُ" مرجعًا مهمًّا في بيان الأحاديث المشتهرة المرويّة في مناقب أهل بيت رسول الله -ﷺ- والكلام عليها، وبخاصةٍ تلك الأحاديث التي يرويها الرَّافضة، أو بعض المتساهلين والمتسامحين في الرِّواية؛ بل صار الكتاب عمدةً لمن جاء بعده. فإنَّ أكثر الأحاديث الي تُروى في هذا الباب؛ تكلَّم عليها الحافظ السَّخَاويُّ، وبيَّن أحوال رواتها، وذكر أقوال أئمة الجرح والتعديل فيهم.
وقد كان المؤلف نفسه محتفيًا بكتابه هذا، فكثيرًا ما يُحيل عليه، ويذكره في سائر كتبه. انظر تلك المواضع في كتاب "مؤلفات السَّخَاويّ" (^٢).
أمَّا كون الكتاب صار عمدة لمن أتى بعده من الحفّاظ، فسأسوق إليك هذين المثالين:
• فهذا تلميذه ابن الدِّيبع الشَّيبانيّ (ت ٩٤٤ هـ) ينقل عنه في "تميز الطيب من الخبيث" (^٣) فيقول: "حديث: (لعن الله الدَّاخل فينا بغير نسب، والخارج منا بغير سبب).
"قال شيخنا [يعني السَّخاويّ]: بيَّض له شيخنا (^٤)، وله شواهد ورد الكثير منها في (استجلاب ارتقاء الغُرَف) ".
• وهذا العلَّامة العجلونيّ (ت ١١٦٢ هـ) ينقل عنه في "كشف
_________________
(١) انظر: "البدر الطالع" للشوكاني (٢/ ١٨٥).
(٢) (ص ٤٠ - ٤١).
(٣) (ص ١٤٦).
(٤) القائل: السخاوي، يريد شيخه الحافظ ابن حجر.
[ ١ / ١٣٧ ]
الخفاء" (^١) في مواضع عدة:
منها نقله: " (من أسدى إلى هاشميٍّ أو مطَّلبيٍّ معروفًا ولم يكافئه كنت مكافئه يوم القيامة). قال في "المقاصد": بيَّض له شيخنا في بعض أجوبته وقد بيَّنه السَّخَاويُّ في (استجلاب ارتقاء الغُرَف) " (^٢).
٣ - جمعه واستقصاؤه للأحاديث الواردة بشأن المهدي:
ومما يمتاز به الكتاب؛ اشتماله على طائفةٍ حسنة من الأحاديث الواردة في أهل بيت النَّبيِّ -ﷺ-، وخصوصًا المروية في المهدي- وهو كما هو معلوم من أهل بيت النَّبيِّ -ﷺ-، حسنيّ الأب، حُسينيّ الأُم-، فلقد استوعب المؤلف أكثر طرق أحاديث المهدي، وتكلَّم على جملة منها.
ويعتبر السَّخَاويّ بهذا الصَّنيع ممن أفرد أحاديث المهدي بالتأليف، ولذا قال العجلوني في "كشف الخفاء" (^٣) في الكلام على أحاديث المهدي: " ورد ذكره في أحاديث أفردها بعض الحفّاظ بالتأليف: منهم الحافظ السَّخَاويّ في كتاب سمَّاه: (ارتقاء الغُرَف) "، إلخ كلامه.
٤ - الكتاب مصدرٌ هامٌ من مصادر الجرح والتَّعديل، والتَّصحيح والتَّضعيف في أحاديث الباب:
مما يُعطي الكتاب قيمةً علميةً؛ أنَّ المؤلف يتكلَّم على الأحاديث صحةٌ وضعفًا، ولذا فهو بهذا الاعتبار كتاب جرحٍ وتعديلٍ، وتصحيحٍ وتضعيفٍ.
وإليك هذه النماذج:
• قال عقب إيراد حديثٍ أورده (رقم ١٥٨) "إنَّ أهل شيعتنا يخرجون من قبورهم يوم القيامة على ما بهم من الذُّنُوب والعُيُوب وجوههم كالقمر ليلة البدر ".
" وفيه كلام أكثر من هذا، وكلُّه كذب، وقد أورده ابن الجوزي في "الموضوعات" [١/ ٣٢٢] ".
_________________
(١) "كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس" (٢/ ٢٢٥).
(٢) وانظر: موضعين آخرين في "كشف الخفاء" (٢/ ١٤٢، ٢٨٨).
(٣) "كشف الخفاء" (٢/ ٢٨٨).
[ ١ / ١٣٨ ]
• وقال عقب إيراد حديث عند الثعلبي (رقم ١٥٩): "أخرجه الثعلبي في "تفسيره" قال: أنا عبد الله بن محمد بن علي البلخي، ثنا يعقوب بن يوسف بن إسحاق، ثنا محمد بن أسلم، ثنا يعلى بن عبيد، عن إسماعيل، عن قيس بن أبي حازم، عنه؛ ورجاله من محمد إلى منتهاه أثبات؛ لكن الآفة فيمن بين الثعلبي وبين محمد، وآثار الوضع كما قال شيخنا ﵀ عليه لائحة".
• قال عقب حديث (١٦١): "رواه نُعيم بن حمَّاد، من طريق سفيان بن الليل، عن الحسن بن علي، عن أبيه، به. وابن الليل كان غاليًا في الرَّفض، بل في الطريق إليه السَّريّ بن إسماعيل؛ أحد الهلكى". وانظر رقم (٢٠٧).
• وقال معلقًا على حديث أخرجه البزار (رقم ١٣٢): "قال البزار: لا نعلمه بهذا اللفظ إلَّا بهذا الإسناد. قلتُ: وفيه غير واحد من الضُّعفاء: شيخه إبراهيم، وأبوه إسماعيل، وجدُّه يحيى بن سلمة ابن كُهَيل، وهو أشدُّهم ضعفًا. قال العجلي: إنه كان يغلو في التَّشيُّع".
والكتاب -كما أسلفتُ- كتاب تصحيح وتضعيفٍ، ومن أمثة ذلك:
• قوله عند تخريج قصة زواج عمر بن الخطاب أُمّ كلثوم بنت علي -﵁-، (رقم ٢٢٩): "وأخرجه الطَّبرانيُّ في ترجمة الحسنِ من "معجمه الكبير" (٣/ ٤٤) من طريق بشْرٍ، مقتصرًا منه على قوله: "كلُّ بني أُنثَى فإنَّ عَصبَتَهُم "، وذكر باقيه مثله. ورجاله موثَقون، وشريكٌ استشهد به البخاريُّ، وروى له مسلمٌ في المتابعات".
• ومن ذلك قوله تعليقًا على حديث (٢٥٤): "إنَّا آل محمد لا تحل لنا الصَّدقة": "وإسناده قوي".
• ومنه قوله عقب رواية حديث (٢١١): "النُّجوم أمان لأهل السَّماء، وأهل بيتي أمان لأُمَّتي": "أخرجه مُسَدَّدٌ، وابنُ أبي شيبة، وأبو يعلى، في "مسانيدهم"، والطبرانيُّ؛ كلُّهم بسندٍ ضعيفٍ".
كذلك يُنبِّه المؤلف على الأحاديث التي تُروى ولا تصحُّ؛ تحذيرًا منها، وتنبيهًا لقارئها، فمن ذلك:
[ ١ / ١٣٩ ]
• قوله في (ص ٥٤٢ وما بعدها): "وأمَّا ما أسنده الدَّيلميُّ [٤/ ٢٢١] عن عثمانَ بنِ عفَّان -﵁-، عن النَّبيِّ -ﷺ- أنَّه قال: "المَهدِيُّ مِن وَلَدِ العبَّاسِ عَمِّي"؛ فما تقدَّم أصحُّ منه وأكثر.
ومن الضَّعيف في ذلك؛ ما رواه السَّمَرْقَنْدِيُّ من حديث أبي جعفر المنصور، عن أبيه، عن جدَّه، عن ابنِ عباسٍ ﵄، أن النَّبيَّ -ﷺ- إليه- يعني العبَّاس- مقبلًا، فقال له:
"هذا عمِّي أَبُو الخلفاء، أجوَدُ قريْشٍ كفًّا وأجملها، وإنَّ مِنْ وَلَدِهِ السَّفَّاحَ، والمنْصُورَ، والمَهْدِيَّ. يا عمُّ! بي فتَحَ الله هذا الأمْرَ، ويَخْتِمُهُ برجل من وَلَدِكَ" ".
• وقال في (ص ٥٤٥): "وما رُويَ من حديث الحَسَنِ البصْريِّ، عن أنسِ بنِ مالكٍ -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: "لا يَزْدَادُ الأَمرُ إلا شِدَّة، ولا الدُّنيا إلَّا إدبارًا، ولا النَّاسُ إلَّا شُحًّا. ولا تقومُ السَّاعةُ إلَّا على شرار الخَلْقِ، ولا مَهدِيّ إلَّا عيسى بن مَرْيم". فأخرجه الشَّافعيُّ، وابنُ ماجه في "سننه" [٢/ ٣٤٠]، والحاكمُ في "مستدركه" [٤/ ٤٨٨]، وقال: "أوردتُه تعجُّبًا لا مُحتجًّا به"، وآخرون. وصرَّح النَّسائيُّ بأنَّه منكرٌ. وجَزَمَ غيرُهُ من الحفَّاظ بأنَّ الأحاديث التي قبله أصحُّ إسنادًا؛ والله الموفِّق".
٥ - براعة الحافظ السَّخاويِّ في الصِّناعة الحديثية:
تظهر في الكتاب براعة المؤلف في الصناعة الحديثية التي استفادها من شيخه الأول الحافظ ابن حجر، كما يظهر كثرة اطّلاعه على كتب الحديث، واقتناص الفوائد والفرائد من كلام المحدِّثين، وهذه بعض النماذج للدلالة على ذلك:
• قال المؤلف في (ص ٢٩٩ وما بعدها): "وفي "جامع التِّرمذيِّ" [٤/ ٣٠٩]، و"مسند أحمد" [٢/ ٣٧٤] من حديث يزيد مَوْلى المُنبعِث عن أبي هريرة -﵁- عن النَّبيِّ -ﷺ- قال: "تَعَلَّموا مِنْ أنْسَابكُمْ ما تَصِلُونَ به أرْحامَكُمْ؛ فإنَّ صِلَةَ الرَّحمِ محبَّةٌ في الأَهلِ، مَثْرَاةٌ في المال، مَنْسَأةٌ في الأَثرِ". وقال: "إنه غريب لا نعرفه إلَّا من هذا الوجه".
"قُلْتُ: لكن له شاهدٌ عند البَغَويِّ [٣/ ٣٦٠]، والطَّبراني [١٨/ ٩٨]، وابنِ شاهين، وغيرهم، من حدث عبد الملك بن يعلى، عن العلاء بن خارجة أنَّ النَّبيَّ -ﷺ- قال: وذكر مثله؛ لكنه قال: "مَنسَأة في الأجل". إلَّا أنه كما قرَّرتُ فيما كتَبْتُه من "شرح الترمذي"
[ ١ / ١٤٠ ]
معضل أو منقطع. والصَّواب فيه: عبد الملك بن عيسى بن العلاء بن جارية، راويه عن يزيد مولى المنبعث، أو عن ولده عبد الله بن يزيد؛ والله الموفق".
• وقال في (ص ٦٤٠) مما يدلُّ على براعته في الصِّناعة الحديثية، ومعرفته العلل: "ولابنِ خُزَيْمَةَ (٤/ ٢٤٠)، وابن حبَّانَ (٩/ ١٣٧) في "صحيحيهما"، وابنِ مَرْدُويه، وابنِ أبي حاتم (١٠/ ٣٣٠٦)، وعَبدٍ في "تفاسيرهم" من حديثِ موسى بن عُقبة، عن عبد الله بنِ دينار، عن ابنِ عُمَرَ -﵄- قال: "طاف رسولُ الله -ﷺ- يَومَ فتح مَكَّةَ على ناقته القَصواء، يَستلِمُ الأركانَ بمِحجَنٍ في يده، فما وَجَدَ لها مناخًا في المسجد، حتى نزل على أيدي الرِّجال، فخرج بها إلى بطن المسيل، فَأُنيخَتْ. ثم إنَّ رسولَ الله -ﷺ- خَطَبَهُم على راحلته، فَحَمِدَ الله ﷿، وأثنى عليه بما هو له أهلٌ، ثم قال:
"يا أَيُّها النَّاسُ! إنَّ الله قَدْ أَذْهَبَ عَنكُم عُبيّةَ الجَاهِلِيَّةِ وَتَعَظُّمها بآبائِها؛ فالنَّاسُ رَجُلانِ: رَجُلٌ بَرٌّ تَقِيٌّ، كَرِيمٌ على الله، وفَاجرٌ شقِيٌّ هَيِّنٌّ على الله. إنَّ اللهَ يقولُ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: ١٣] ". ثم قال: "أقُولُ قَولي هذا، واسْتَغْفِرُ الله لي وَلَكُمْ".
"وَرجَالُهُ ثقاتٌ؛ بحيث إنَّ الضِّياءَ المَقْدِسيَّ أورده في "المختارة" من هذا الوجه.
"لكن قد أعلَّه ابن مَردُويه بأَنَّ محمَّد بنَ المقرئ راويه عن عبدِ الله بنِ رجاء، عن موسى بنِ عُقبة وَهِمَ في قوله: "موسى بن عُقبة"، وإنَّما هو "موسى بن عُبيْدة". وحينئذٍ فهو ضعيف، لضَعْفِ موسى بن عُبيْدة. قلتُ: لكن له متابعٌ عند التِّرمذيِّ "، إلخ كلامه.
٦ - مناقشتة العلمية وتعقُّبه لنقَّاد الحديث:
ومن مزايا الكتاب؛ مناقشة المؤلف وتعقُّبه لنقَّاد الحديث؛ لا سيما ابن الجوزي في "موضوعاته" و"علله"؛ الأمر الذي يدل على سعة اطِّلاعه وتمكِّنه من علم الحديث والإسناد، وهذه بعض الأمثلة:
• قال تعليقًا على حديث رقم (٦١): عند أحمد (٣/ ١٧)، والطبراني في "الأوسط" (٤/ ٨١)، وأبي يعلى (٢/ ٢٩٧)، وآخرين؛ قال: "وتعجَّبتُ من إيراد ابنِ الجَوزِيِّ له في في "العلل المتناهية" [١/ ٢٦٨]؛ بل أعجب من ذلك قوله: "إنه حديث لا يصحُّ"، مع ما سيأتي من طرقه التي بعضها في "صحيح مسلم" [٤/ ١٨٧٣] ".
[ ١ / ١٤١ ]
• وقال في موضع آخر متعقِّبا الإمام الحاكم تصحيحه حديث (٣١٦): "إِنَّ أَهْلَ بَيْتِي سَيَلقَونَ بَعدِي مِنْ أُمَّتِي قَتْلًا وتشريدًا": "رواه الحاكم (٤/ ٥٣٤) وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرِّجاه. قلتُ: وهذا من عجائبه؛ فالجمهور على ضَعفِ إسماعيل! ".
• وقال -﵀- في (ص ٣٧٥): "وفي "صحيح مسلم" [٤/ ٨٨٣] من حديث مُصْعبِ بنِ شَيية، عن صفيَّةَ ابنةِ شَيْبةَ قالت: قالت عائشة -﵂-:
"خرج النَّبيُّ -ﷺ- ذاتَ غداةٍ وعليه مِرْطٌ مُرَحَّلٌ "، ثم ساقه بتمامه، وقال: "وغفل الحاكم [٣/ ١٥٩] فاستدركه! ".
٧ - الكتاب قام على تلخيصه واختصاره أحد العلماء الأفذاذ:
ومما يُميِّز الكتاب ويُعطيه قيمةً علمية؛ أنَّ الإمام الفقيه المحدِّث أحمد بن محمد بن حجر الهيتميّ (ت ٩٧٤ هـ) قام باختصاره اختصارًا متقنًا، وجعله ذيلًا لكتابه "الصواعق المحرقة"؛ الأمر الذي يشير إلى أهمية الكتاب ونفاسته.
قال ابن حجر الهيثمي في "مقدِّمة تلخيصه" (^١) المشار إليه: "لمَّا فرغتُ من هذا الكتاب، أعني "الصواعق المحرقة"، رأيتُ -بعد أربع عشرة سنة، وكُتب منه النُّسخ ما لا أُحصي، ونُقل إلى أقاصي البلدان والأقاليم، كأقصى المغرب، وما وراء النهر سمرقند وبُخارى وكشمير وغيرها، والهند واليمن - كتابًا في مناقب أهل البيت، فيه زيادات على ما مرَّ، لبعض الحفّاظ من معاصري مشايخنا، وهو الحافظ السَّخَاويّ -﵀-. وكان يمكن إلحاق زياداته لقلَّتها على حواشي النُّسخ، لكن لتفرُّقها تعذَّر ذلك.
"فأردت أن ألخِّص هذا الكتاب مع زيادات في ورقات، إنْ أُفردت فهي كافية في التنبيه على كثير من مآثرهم، وإنْ ضُمَّتْ لهذا الكتاب فهي مؤكّدة تارة، ومؤسّسة أخرى".
٨ - اهتمامه بشرح الغريب:
مما يُميِّز الكتاب أنَّ المؤلف يقوم بشرح الكلمات الغريبة الواردة في بعض الأحاديث، ممَّا يُجلِّي معناها بوضوح، وهاك نماذج على ذلك:
• قال في (ص ٣٩١) مبيِّنًا معنى كلمة (ارقبوا) الواردة في قول أبي بكر الصِّدِّيق
_________________
(١) انظر: "الصواعق المحرقة" (٢/ ٦٤٧ - مؤسسة الرسالة)، وفي الطبعة القديمة (ص ٣٣٩).
[ ١ / ١٤٢ ]
-﵁-: "ارقبوا محمدًا في أهل بيته": "والمراقبة للشيء: المحافظة عليه (^١).
وخاطب أبو بكر -﵁- النَّاسَ بذلك يُوصِيهم بأَهْلِ بيتِ نبيِّهم -ﷺ- يقول: "احفظوه فيهم، فلا تُؤذُهم، ولا تُسيئُوا إليهم"؛ والله أعلم".
• وقال في بيان غريب حديث رقم (١٣٢): "وقوله هَجِّر": أي بكِّر بالصلاة أول وقتها (^٢).
و"الكِبَا" بالكسر والقصر، جمع أكباء، الكُنَاسَة (^٣).
و"أبَرْنَا": بموحدة، أي أهْلَكنا، فإنْ كانت همزتُه أصلية؛ فهو أبَرْتُ الكلبَ إذا أطْعَمتُه الإبْرَةَ في الخبز، وإنْ كانت زائدة؛ فهو من الجَوَار (^٤) ".
• وقال في (ص ٦١١) في بيان كلمتي "صفَنَ"، و"نُجَداء":
"وقوله: "صَفَنَ": بالمهملة، ثم فاء خفيفة، وآخره نون؛ أي جمع بين قدميه (^٥).
ووقع في رواية: "صَفَّ قدميه".
وكذا فيها: "نُجَدَاء" بدل "نُجَبَاء"، وهي من النَّجدَةِ: الشَّجاعة وشدَّة البأس (^٦) ".
والأمثلة في هذا لا تنحصر.
* * *
_________________
(١) انظر: "النهاية في غريب الحديث والأثر" (٢/ ٢٤٨).
(٢) "النهاية" (٥/ ٢٤٦).
(٣) "الفائق في غريب الحديث" (٣/ ١٣٨)، "النهاية في غريب الحديث" (٤/ ١٤٦).
(٤) "النهاية في غريب الحديث" (١/ ١٤) - مادة (أبَرَ). (١/ ١٦١) - مادة (بَوَرَ).
(٥) "النهاية" (٣/ ٣٩).
(٦) "النهاية" (٥/ ١٨).
[ ١ / ١٤٣ ]