قد عُلم من هذه المقدِّمة الإِشارة إلى جُمَلٍ من فَنِّ الأنساب الذي هو من جُملة فنون علم الأثر، وهو فنٌّ جليلٌ يتضمَّن معرفة نسب النَّبيِّ -ﷺ-، ومن ينتمي إليه (^١)، والتمييز بين بني عبد مناف، هاشميِّها، ومُطَّلبيِّها، وعَبْشَميِّها، ونَوْفَليِّها، وبين قريش من كنانة، والأَوْس من الخَزْرج، والعربيّ من العَجَميّ، والمَوْلى من الصَّريح (^٢).
• ومن فوائده الشَّرعية:
الخِلافة، والكَفَاءة، وتجنُّب تزويج ما يحرم عليه ممن يلقاه بنَسَبٍ في رَحِمٍ محرَّمة، والقيام بمن تجب عليه نفقته، ومعرفة من يتَّصل به ممن يرثه، وكذا معرفة ذوي الأرحام المأمور بصلتهم، ومعاونتهم. ومعرفة الأنصار ليقوم بوصيَّة النَّبيِّ -ﷺ- بهم (^٣)، وغير ذلك مما يطول شرحه (^٤).
_________________
(١) قال في "كشف الظنون" (١/ ١٧٨): "هو علم يتعرَّف منه أنساب الناس وقواعده الكلية والجزئية، والغرض منه الاحتراز عن الخطأ في نسب شخص، وهو علم عظيم النفع، جليل القدر". وقال بعضهم: هو علم دراسة سلالات العائلات بناءً على سجلات مرتبطة بأحداث مهمة في حياة الأفراد وأسلافهم. يبحث علو الأنساب في الطريقة المستخدمة لمعرفة الأسلاف من سجلات مكتوبة، أو منطوقة، وتحديد صلة القرابة في العائلات. وقد عُني العرب بعلم الأنساب عناية كبيرة، فظهر فيهم عدد كبير من النَّسَّابين في الجاهلية والإسلام، أمَّا الآن فيستخدم علماء الأنساب الحواسيب لإعداد جداول لها علاقة بالأنساب والسِّجلات الأسرية، وذلك لتبادل المعلومات واستعادتها من المكتبات. انظر: "الموسوعة العربية العالمية" (٣/ ٢٢٩).
(٢) الصَّريح: الرجل الخالص النَّسب. ويُجمع على صُرحاء. "لسان العرب" (٢/ ٥٠٩) - مادة (صَرَحَ).
(٣) (بهم) سقطت من الأصل، وأثبتُّها من (م)، و(ك) لمقتضى السياق.
(٤) انظر فوائد علم الأنساب بالتفصيل في: "نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب" للقلقشندي (ص ١٣ - ١٧)، و"سبائك الذهب في معرفة قبائل العرب" لمحمد أمين السويدي (ص ٧ - ٨)، ومقدِّمة "الرسائل الكمالية في الأنساب" لمحمد سعيد كمال (ص ١٥ - ١٦).
[ ١ / ٢٩٧ ]
وقد قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ (^١)، أي ليحصلَ التَّعارف بينكم كلٌّ يرجع إلى قبيلته (^٢).
وقال مجاهد (^٣): "أي ليعرف بعضكم بعضًا بالنَّسب، كما يقال: فلان بن فلان من كذا وكذا، أي من قبيلة كذا وكذا" (^٤).
وقال الثَّوريُّ (^٥): "كانت حِمْيَر ينتسبون إلى مَخاليفها، وكانت [ح ١٥/ ب] عرب الحجاز ينتسبون (^٦) إلى قبائلها" (^٧).
وكان أبو بكر الصِّدِّيق -﵁- علَّامة بالأنساب؛ ولهذا لمَّا أمر -ﷺ-، حسَّان بن ثابت -﵁- (^٨) بهجاء المشركين وقال له: إنه لا علم لي بقريش.
١٩ - قال -ﷺ- لأبي بَكْرٍ -﵁-: "أخْبِرْهُ عنهم، ونقِّبْ له في مَثَالِبِهم" (^٩)؛ فَفَعَلَ.
_________________
(١) الحجرات (آية: ١٣).
(٢) في (م): قبيلة.
(٣) هو مجاهد بن جبر المكي، المقرئ المفسِّر الإِمام، أحد الأعلام الأثبات، وُلِد في خلافة عمر سنة (٢١ هـ)، ومات بمكة سنة (١٠٤ هـ) على الأشهر، وهو ساجد. "سير أعلام النبلاء" (٤/ ٤٤٩)، و"البداية والنهاية" (٩/ ٢٢٤).
(٤) أخرجه ابن جرير في "تفسيره" (٢٦/ ١٤٠)، من طريق ابن أبي نجيح، عن مجاهد.
(٥) هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، أبو عبد الله الكوفي، أحد الأئمة الأعلام. ولد سنة (٩٧ هـ). قال غير واحد من العلماء: سفيان أمير المؤمنين في الحديث. كان إمامًا، ثقة ثبتًا، ورعًا زاهدًا، فقيهًا عالمًا، وفضائله كثيرة جدًا. مات سنة (١٦١ هـ). "تهذيب التهذيب" (٤/ ١٠١)، و"طبقات المفسرين" (١/ ١٩٣).
(٦) في (م): ينتسبون.
(٧) انظر: "تفسير ابن كثير" (٦/ ٣٨٧).
(٨) هو الصحابي الجليل، حسَّان بن ثابت بن المنذر بن حرام الأنصاري الخزرجي، شاعر رسول الله -ﷺ-، يكنى أبا الوليد. مات سنة أربعين، وقيل قبلها، وقيل سنة خمسين، وقيل سنة أربع وخمسين، والجمهور أنه عاش مائة وعشرين سنة، وقيل غير ذلك. "أسد الغابة" (٢/ ٦)، و"الإِصابة" (٢/ ٥٥).
(٩) أخرجه عبد الرزاق في "مصنَّفه" (١١/ ٢٦٤) - رقم (٢٠٥٠٢)، من طريق معمر، عن أيوب، =
[ ١ / ٢٩٨ ]
وحينئذٍ قال حسَّان -﵁-: لأسُلَّنَّك (^١) -أي لأُخلِّصنَّ (^٢) نسَبَك- من هَجْوِهم بحيث لا يبقى شيءٌ من نَسَبكَ فيما ناله الهجو، كالشَّعرة إذا انسلَّت لا يبقى عليها شيءٌ من أثر العجين (^٣).
٢٠ - وفي "جامع التَّرمذيِّ" (^٤)، و"مسند أحمد" (^٥) من حديث يزيد مَوْلى
_________________
(١) = عن محمد بن سيرين، بنحوه مرسلًا، وذكر الحافظ ابن حجر في "الفتح" (١٠/ ٥٤٧) روايةً للحديث عزاها لعبد الرزاق في "مصنَّفه" ولم أجدها فيه؛ بلفظ: "هجا رهط من المشركين النَّبيَّ -ﷺ- وأصحابه، فقال المهاجرون: يا رسول الله! ألا تأمر عليًّا فيهجو هؤلاء القوم؟ فقال: إنَّ القوم الذين نصروا بأيديهم أحقّ أن ينصروا بألسنتهم، فقالت الأنصار: أرادنا والله؛ فأرسلوا إلى حسان، فأقبل فقال: يا رسول الله! والذي بعثك بالحقِّ ما أحبّ أن لي بمقولي ما بين صنعاء وبُصْرى، فقال: أنت لها. فقال: لا علم لي بقريش، فقال لأبي بكر: أخبره عنهم، ونقَّب له في مثالبهم". - وقد رواه البخاري ومسلم موصولًا في "صحيحيهما". أما البخاري في كتاب الأدب -باب هجاء المشركين (١٠/ ٥٤٦ - فتح) - رقم (٦١٥٠)، من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة. وأما مسلم ففي فضائل الصحابة -باب فضائل حسان بن ثابت (٤/ ١٩٣٥) - رقم (٢٤٩٠)، من طريق عُمارة بن غَزِية، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة -﵂-. وهو حديث طويل؛ وفيه أن النبي -ﷺ- أرسل إلى حسان ليهجو المشركين بعد أن هجاهم عبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك فلم يُرْضيا! فلما دخل حسان قال: قد آن لكم أن ترسلوا إلى هذا الأسد الضارب بذَنَبه، ثم أدلع لسانه فجعل يُحَرِّكه، فقال: والذي بعثك بالحقِّ! لأفرِينَّهم بلساني فرُي الأديم. فقال رسول الله -ﷺ-: "لا تعْجلْ؛ فإن أبا بكر أعلمُ قريشٍ بأنسابها، وإنَّ لي فيهم نسبًا حتى يُلخِّص لك نسبي"، فأتاه حسان، ثم رجع فقال: يا رسول الله! قد لخَّصَ لي نسبك، والذي بعثك بالحقِّ! لأسُلَّنَّك منهم كما تُسلُّ الشَّعرة من العجين إلى إلخ الحديث. وهذا لفظ مسلم.
(٢) في (م): لأنسلنَّك.
(٣) في (م)، و(ك): لأُخلِّص.
(٤) انظر العبارة بنصِّها في: "فتح الباري" (١٠/ ٥٤٧) دون قوله: (أثر)، وقارنه بـ (٦/ ٥٥٤). قال النووي في "شرح مسلم" (١٦/ ٤٨): "معناه: لأتلطَّفنَّ في تخليص نسبك من هجوهم؛ بحيث لا يبقى جزءٌ من نسبك في نسبهم الذي ناله الهجو، كما أن الشعرة إذ سُلَّت من العجين لا يبقى منها شيءٌ، بخلاف ما لو سُلَّت من شيء صلب؛ فإنها ربَّما انقطعت فبقيت منها بقية".
(٥) (٤/ ٣٠٩) - رقم (١٩٧٩).
(٦) (٢/ ٣٧٤).
[ ١ / ٢٩٩ ]
المُنبعِث عن أبي هريرة -﵁- عن النَّبيِّ -ﷺ- قال:
"تَعَلَّمُوا مِنْ أنْسَابِكُمْ ما تَصِلُونَ به أرْحَامَكُمْ؛ فإنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ محبةٌ في الأهلِ، مَثْرَاةٌ في المال، مَنْشَأةٌ في الأثرِ". وقال (^١): "إنه غريب لا نعرفه إلَّا (^٢) من هذا الوجه" (^٣).
_________________
(١) يعني الترمذي.
(٢) (إلَّا) ناقصة من (م).
(٣) إسنادُهُ حسن بمجموع طرقه وشواهده. وهو يُروى من طرقٍ بعضها فيه ضعف، وبعضها فيه انقطاع؛ ولكن بمجموع طرقه وشواهده يرقى إلى درجة الحسن أو الصحيح، وهو يُروى من أربعة طرق: الأول: عن عبد الله بن المبارك، عن عبد الملك بن عيسى الثقفي، عن يزيد مولى المنبعث، عن أبي هريرة. أخرجه أحمد في "مسنده"، والترمذي في كتاب البر والصلة -باب ما جاء في تعليم النسب. الطريق الثاني: عن عبدان، عن عبد الله بن عبد الملك بن عيسى الثقفي، عن يزيد مولى المنبعث، عن أبي هريرة. أخرجه الحاكم في "مستدركه" وصحَّحه ووافقه الذهبي (٤/ ١٧٩) - رقم (٧٢٨٤). الطريق الثالث: عن حاتم بن إسماعيل، عن أبي الأسباط، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. أخرجه الطبراني في "الأوسط" (٨/ ٢١٢) - رقم (٨٣٠٨). قال الطبراني عقبه: "لم يرو هذا الحديث عن يحيى بن أبي كثير إلَّا أبو الأسباط، تفرَّد به حاتم"، وابن عدي في "الكامل" (٢/ ٤٤٥) في ترجمة أبي الأسباط. قلت: في هذا الطريق أبو الأسباط، واسمه بشر بن رافع النَّجراني. قال البخاري: لا يُتابع في حديثه. وقال أحمد: ضعيف. وقال ابن معين: حدَّث بمناكير. وقال مرةً: ليس به بأس. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال ابن عدي: لا بأس بأخباره، لم أجد له حديثًا منكرًا، انظر: "ميزان الاعتدال" (٢/ ٢٨). وقال الهيثمي في "المجمع" (١/ ١٩٢): "وفيه أبو الأسباط بشر بن رافع، وقد أجمعوا على تضعيفه". وبنحوه في (٨/ ١٥٢)، ويشهد له ما قبله وما بعده. الطريق الرابع: عن الحسن بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، عن أبيه، عن أبي ضَمْرة أنس بن عياض، عن عبد الملك بن عيسى الثقفي، عن عبد الله بن يزيد مولى المنبعث، عن أبي هريرة، عن النبي -ﷺ- وزاد: "مرضاة للرَّب"؛ أخرج هذا الطريق ابن حزم في "الجمهرة" (ص ٢).
[ ١ / ٣٠٠ ]
قُلْتُ: لكن له شاهدٌ عند البَغَويِّ (^١)، والطَّبرانيِّ (^٢)، وابنِ شاهين (^٣)، وغيرهم، من حديث عبد الملك بن يعلى، عن العلاءِ بنِ خارجةَ:
٢١ - أن النَّبيَّ -ﷺ- قال: وذكر مثله، لكنه قال: "مَنْسَأة في الأجل" (^٤). إلا أنه كما قرَّرتُ فيما كَتَبْتُه من "شرح التِّرمذيِّ" (^٥) معضلٌ أو منقطع (^٦).
_________________
(١) في "مصابيح السنَّة" (٣/ ٣٦٠) - رقم (٣٨٤٠).
(٢) في "الكبير" (١٨/ ٩٨) - رقم (١٧٦). والطَّبرانيّ: هو أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمي الطبراني، إمام حافظ ثقة متقن. ولد عام (٢٦٠ هـ). كان إليه المنتهى في كثرة الرواية. من أشهر مؤلفاته: "المعاجم الثلاثة"، و"الدعاء"، و"الأوائل". مات سنة (٣٦٠ هـ). "سير أعلام النبلاء" (١٦/ ١١٩)، و"تهذيب تاريخ دمشق" (٦/ ٢٤٠).
(٣) هو الإمام الحافظ، عمر بن أحمد بن عثمان بن شاهين. وُلِد ببغداد سنة (٢٩٧ هـ). صنَّف في التفسير والحديث والتاريخ والعقائد والزهد، حتى بلغت مؤلفاته (٣٣٠ مؤلفًا)، من أشهرها: "الكتاب اللطيف لشرح مذاهب أهل السنَّة"، و"تاريخ أسماء الثقات". مات سنة (٣٨٥ هـ). "تاريخ بغداد" (١١/ ٢٦٤)، و"سير أعلام النبلاء" (١٦/ ٣٤١).
(٤) أخرجه الطبراني في "الكبير"، والبغوي، وابن شاهين، وابن قانع في "معجم الصحابة" (١٢/ ٤١٧٣) - رقم (١٤٨١)، جميعهم من طريق وهيب، عن عبد الرحمن بن حرملة، عن عبد الملك ابن يعلى، عن العلاء بن خارجة، عن النبي -ﷺ-. لكنه قال: "منسأة للأجل". قال في "مجمع الزوائد" (٨/ ١٥٢): "ورجاله قد وُثِّقوا". وقال المنذري في "الترغيب والترهيب" (٣/ ٢٢٣): "لا بأس بإسناده". وقوَّاه ابن حجر في "الفتح" (٦/ ٥٢٧).
(٥) ذكره المؤلف في "الضوء اللامع" (٨/ ١٦) من جملة مؤلفاته، وسمَّاه: "تكملة شرح الترمذي للعراقي"، وذكَرَ أنه كتب منه أكثر من مجلدين، والظاهر أنه لم يتمَّه؛ مضى ذكره في مؤلفات السخاوي. وانظر: "مؤلفات السخاوي" لمشهور سلمان رقم (١٠٦)، ولم يُشِرْ إلى شيء من مخطوطاته.
(٦) قال المصنِّف في "التحفة اللطيفة" (٢/ ٢٧٠): "قال البغوي: قال المخزومي: هو خطأ، والصواب: ابن العلاء بن حارثة". وانظره في: "الإصابة" (٤/ ٤٤٦)، و"أسد الغابة" (٤/ ٧٢). قلتُ: ووجه كون الحديث معضل أو منقطع؛ أنَّ في بعض طرقه (عن عبد الله بن عبد الملك بن عيسى، عن يزيد مولى المنبعث)؛ وليس فيه عبد الملك بن عيسى؛ فإنه هو الذي يروي عن يزيد، وليس ولده عبد الله. وفي بعض الطرق (عن عبد الملك بن عيسى، عن عبد الله بن يزيد مولى المنبعث، عن أبي هريرة)؛ وعبد الله بن يزيد لم يدرك أبا هريرة؛ فهذا انقطاع في الإسناد، والله أعلم.
[ ١ / ٣٠١ ]
والصَّواب فيه: عبد الملك بن عيسى بن العلاء بن جارية (^١)، راويه عن يزيد مولى المنبعث، أو عن ولده عبد الله بن يزيد (^٢)؛ والله الموفق.
٢٢ - [ح ١٦/ أ] وفي "الأدب المفرد" (^٣) للبخاريِّ من حديث محمد بن جُبَيْر بن مُطْعِم (^٤)، عن أبيه ﵁ أنه سمع عمر بن الخطَّاب ﵁ على المنبر يقول:
"تَعَلَّمُوا أَنْسَابَكُمْ ثمَّ صِلُوا أَرْحَامَكُمْ. والله! إنه لَيَكونُ بين الرَّجُلِ وأخيهِ
_________________
(١) هو عبد الملك بن عيسى بن عبد الرحمن بن العلاء بن جاريه الثقفي، روى عن يزيد مولى المنبعث، وابنه عبد الله، وعكرمة مولى ابن عباس. وعنه الدراوردي، وابن المبارك، وحاتم بن إسماعيل. قال في "التقريب" (ص ٦٢٥): "مقبول من السادسة". وانظر: "التهذب" (٦/ ٣٦١).
(٢) قلتُ: وبهذا رجع الحديث إلى طريقه الأولى التي مدارها على عبد الملك بن عيسى الثقفي؛ ولكنه هنا معضل فقد سقط من الإِسناد يزيد مولى المنبعث، وأبو هريرة، وبهذا لا يكون هذا الطريق شاهدًا. وإنما شاهده من حديث ابن عباس ﵄ مرفوعًا وموقوفًا؛ وهو صحيح. • أمَّا المرفوع: فقد أخرجه أبو داود الطيالسي (ص ٣٦٠) - رقم (٢٧٥٧)، من طريق إسحاق بن سعيد بن عمرو بن العاص، عن أبيه قال: كنت عبد ابن عباس فأتاه رجل، فسأله؛ مَنْ أنتَ؟ قال: فَمَتَّ له برحم بعيدة، فألان له القول؛ فقال: قال رسول الله -ﷺ-: "اعرفوا أنسابكم تصلوا أرحامكم؛ فإنه لا قرب بالرحم إذا قطعت وإن كانت قريبة، ولا بُعْدَ بها إذا وُصلَت وإنْ كانت بعيدة". - ومن طريقه أخرجه الحاكم (٤/ ١٧٨) - رقم (٧٢٨٣)، وقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرِّجاه"، ووافقه الذهبي على ذلك. وتعقَّبه الألباني في "الصحيحة" (١/ ٤٩٩) بأنه على شرط مسلم؛ فإنَّ أبا داود الطيالسي لم يحتجَّ به البخاري، وإنما روى له تعليقًا. • وأمَّا الموقوف: فقد أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" (ص ٣٩) - رقم (٧٣)، من طريق أحمد ابن يعقوب، عن إسحاق بن سعيد بن عمرو، عن ابن عباس موقوفًا عليه، ولكنه قال: "احفظوا أنسابكم .. " إلخ، وزاد: "وكلُّ رحم آتية يوم القيامة أمام صاحبها تشهد له بصلة، إن كان وصلها، وعليه بقطيعة، إن كان قطعها".
(٣) (ص ٣٩) - رقم (٧٢).
(٤) محمد بن جُبيْر، تابعي جليل، روى عن أبيه، وعمر، وابن عباس، ومعاوية، وغيرهم. مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وقيل غير ذلك. قال الحافظ: "ثقة، عارف بالنَّسب". "التهذيب" (٩/ ٧٧)، و"التقريب" (ص ٨٣٢).
[ ١ / ٣٠٢ ]
الشَّيء، ولو يَعْلمُ الذي بَيْنَهُ وبَيْنَهُ مِنْ داخِلةِ الرَّحم لأوْزَعَه ذلكَ عَنِ انْتِهَاكِهِ" (^١).
٢٣ - وأمَّا ما ورد عن أبي هريرة ﵁ أنه -ﷺ- قال: "عِلْمُ النَّسبِ علمٌ لا ينفع وجهالةٌ لا تضرُّ"، فرواه أبو نُعَيْم (^٢)، وابن عبد البرِّ (^٣).
٢٤ - ومن طريق أولهما أورده الرُّشاطيُّ (^٤)، وأوَّله: "مرَّ برجل فقال: ما
_________________
(١) إسناده حسنٌ، رجالُهُ رجال الصَّحيح. أخرجه في "الأدب المفرد" من طريق عمر بن خالد، عن عتَّاب بن بشير، عن إسحاق بن راشد، عن الزهري، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، أنه سمع عمر بن الخطاب ﵁ على المنبر وساقه. عتَّاب بن بشير، هو الجَزَري (صدوق يخطئ). "التقريب" (ص ٦٥٦)، أخرج له البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي. وإسحاق بن راشد، هو الجزري (ثقة، في حديثه عن الزهري بعض الوهْم). "التقريب" (ص ١٢٨)، أخرج له البخاري، والأربعة، وبقية رجاله ثقات معروفون. - وأخرجه ابن وهب في "جامعه" (١/ ٦٢) - رقم (١٥) من طريق ابن لهيعة، عن عُقَيْل بن خالد، عن ابن شهاب به. وإسنادُهُ حسنٌ بشاهده السابق، وعُقَيْل بن خالد بن عُقَيل الأيلي، وثَّقه أحمد والنسائي كما في "التذكرة" للحُسيني (٢/ ١١٨٠). قال في "التقريب" (ص ٦٨٧): (ثقة ثبت). - وابن حزم في "الجمهرة" (ص ٥)، من طريق موسى بن معاوية، عن وكيع، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: قال عمر بن الخطاب: "تعلَّموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم". وإسناده منقطع؛ فإنَّ عروة بن الزبير لم يدرك عمر بن الخطاب، فلا تصح له عنه رواية. ولذا قال الحافظ في "الفتح" (٦/ ٥٢٧): "رجاله موثَّقون، إلَّا أن في انقطاعًا". - وأخرجه أبو بكر النَّجاد في "مسند عمر بن الخطاب" (ص ٧٢) - رقم (٤١)، من طريق مبارك بن فضالة. عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، أن عمر قال: "تعلَّموا من النُّجوم ما تهتدوا به في ظلمات البرِّ والبحر، ثم انتهوا. وتعلَّموا من الأنساب قدر ما تصلون به أرحامكم "، الحديث. وفيه مبارك بن فُضَالة، قال في "التقريب" (ص ٩١٨): "صدوق يدلِّس ويوِّي". وقد عنعنه، ويتقوَّى بالطرق السابقة.
(٢) لم أقف عليه عند أبي نُعيم فيما لدي من المصادر.
(٣) في "جامع بيان العلم وفضله" (١/ ٧٥٢ - المحقَّقة) - رقم (١٣٨٥) / (٢/ ٢٣) - ط المنيرية.
(٤) هو الإمام الحافظ المتقن النَّسَّابة، أبو محمد عبد الله بن علي بن عبد الله الأندلسي الرُّشاطي - بضمِّ الراء- نسبةً إلى رُشاطة، بلد بالغرب. وُلِد سنة (٤٦٦ هـ). وإن حافظًا للتاريخ والأنساب، من مؤلفاته: "اقتباس الأنوار والتماس الأزهار في أنساب رواة الآثار". مات شهيدًا سنة (٥٤٢ هـ). "سير =
[ ١ / ٣٠٣ ]
هذا؟ قالوا: علَّامة بالنَّسب "؛ فكلامٌ لا يثبت (^١).
_________________
(١) = أعلام النبلاء" (٢٠/ ٢٥٨)، و"لب اللباب" (١/ ٣٥٣). وكتابه في الأنساب له مختصر. انظر نُسَخَةُ الخطية في: "معجم ما ألَّف في رسول الله -ﷺ-" للمنجد (ص ٤٥ و١٤٤).
(٢) حديثٌ باطلٌ. أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" من طريق أبي أيوب سليمان بن محمد الخزاعي، عن هشام بن خالد، عن بقيه، عن ابن جُريج، عن عطاء، عن أبي هريرة، أن النَّبيَّ -ﷺ- دخل المسجد فرأى جمعًا من الناس على رجل، فقال: "ما هذا؟ " قالوا: يا رسول الله! رجل علَّامة. قال: "وما العَلامة؟ ". قالوا: أعلم الناس بأنساب العرب، وأعلم الناس بعربية، وأعلم الناس بشعر وأعلم الناس بما اختلف فيه العرب. فقال رسول الله -ﷺ-: "هذا علمٌ لا ينفع وجهلٌ لا يضرّ". هذا الحديث لا يثبت، كما صرَّح بذلك المصنف، وقد سبقه إلى الحكم عليه شيخُه الحافظ ابنُ حجر كما في "الفتح" (٦/ ٥٢٧). وهو منكرٌ متنًا، وقد أعلَّه ابن عبد البر برجلين في إسناده، قال إنه لا يُحتجُّ بهما. قال أبو عمر: "في إسناد هذا الحديث رجلان لا يُحتجُّ بهما، وهما: سليمان، وبقيَّة؛ فإنْ صحَّ كان معناه أنه علم لا ينفع مع الجهل بالآية المحكمة والسنَّة القائمة والفريضة العادلة، أو ينفع في وجهٍ ما، ولذلك لا يضرّ جهله في ذلك المعنى وشبهه، وقد ينفع ويضرّ في بعض المعاني؛ لأنَّ العربية والنَّسب عنصرا الأدب". أما سليمان بن محمد الخُزَاعي، فقد ذكره الحافظ ابن حجر في "لسان الميزان" (٣/ ١١٨) ولم يترجمه، سوى أنه ساق الحديث، وأشار إلى أن ابن عبد البر أخرجه كتاب "العلم" وأنه قال في سليمان هذا؛ لا يُحتجّ به، ثم عقَّب الحافظ بقوله: "قلتُ: وهذا الباطل لا يحتمله بقيَّة، وإن كان مدلسًا، فإن تُوبع سليمان عليه احتمل أن يكون بقيَّة دلَّسه على ابن جُريج، وما عرفتُ سليمان هذا بعد". اهـ. قلتُ: وجدتُ مَنْ تابع سليمان بن محمد الخزاعي عليه، فقد تابعه محمد بن أحمد بن داود المؤدِّب، عن هشام بن خالد به، أخرج هذا المتابع أبو نُعيم، والسمعاني في "الأنساب" (١/ ٢٢)، ومحمد بن أحمد المؤدِّب، هو أبو بكر المؤدِّب البغدادي، له ترجمة في "تاريخ بغداد" (١/ ٣١٦)، وهو من شيوخ الإمام الطبراني. قال فيه الدارقطني: لا بأس به. فترجَّح -والله أعلم- أنَّ بقيَّة بن الوليد دلَّسه على ابن جُريج. وأما بقيَّة، فهو بقيَّة بن الوليد بن صائد، أبو يُحْمد الحميري الكلاعي الحمصي. قال أبو حاتم: لا يُحتجُّ بحديثه. وقال أبو مسهر الغسَّاني: أحاديث بقيَّة ليست نقيَّة، فكنْ منها على =
[ ١ / ٣٠٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = تقيَّة. وقال النسائي وغيره: إذا قال حدَّثنا وأخبرنا فهو ثقة. وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: يُكتب حديث بقيَّة ولا يُحتجُّ به. انظر: "الميزان" (٢/ ٤٦)، و"الأباطيل والمناكير" للجوزقاني (١/ ٣٥٢). قال ابن عساكر كما في "تهذيب تاريخ دمشق" (٣/ ٢٧٩): "وحاصل ما يُقال في هذا الرجل: أنه إذا روى عن الشاميين فهو ثبت، وإذا روى عن أهل العراق والحجاز خالف الثقات في روايته عنهم. فإنْ روى عن المجهولين فالعهدة عليهم لا عليه، وإذا روى عن غير الشاميين فربَّما أوهم عليه، وربَّما كان الوهم من الراوي عنه". اهـ. قلتُ: ورواية بقيَّة التي نحن بصددها عن غير الشاميين فإنَّ ابن جُريج -كما هو معلوم- مكيّ. والله تعالى أعلم. - وأخرجه الدَّيلمي كما في "زهر الفردوس" (٤/ ١٣٧)، من طريق أبي نُعيم، عن محمد بن يعمر، عن محمد بن أحمد الغدادي، عن هشام به، وقال: عن ابن عباس، وأبي هريرة، ولم أقف على رواية أبي نعيم في المصادر المتوفرة بين يديّ. • وللحديث طريقٌ آخر عن ابن عبَّاس؛ لكنه موضوعٌ: أخرجه السمعاني في "الأنساب" (١/ ٢٢) بإسناده من طريق الحكم بن سليمان الجبَّلي، عن إسحاق ابن نُجَيْح، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس قال: دخل رسول الله -ﷺ- المسجد، فإذا جماعة، فقال: "ما هذا؟ " وذكره، وقال في آخره: "هذا علمٌ لا يضرُّ أهله". هذا الطريق آفته إسحاق بن نُجَيْح المَلطي، أبو صالح أو أبو يزيد؛ أكثر الحفَّاظ على تكذيبه. قال الإمام أحمد فيما رواه عنه ابنه عبد الله كما في "الميزان" (١/ ٣٥٤): كان من أكذب الناس! وفي "تاريخ بغداد" (٦/ ٣٢١) عن ابن معين أنه قال فيه: كذاب، عدو الله، رجل سوء خبيث! وذكره ابنُ معين في "تاريخه" (٢/ ٢٧) فضعَّفه وقال: لا ﵀! وقال البخاري في "التاريخ الكبير" (١/ ٤٠٤): منكر الحديث. وقال النسائي في "الضعفاء" (ص ١٥٣): متروك الحديث. وقال ابن عدي في "الكامل" (١/ ٣٢٤): وإسحاق بن نُجَيْح قد يصل بهذا الإسناد (ابن جريج، عن عطاه، عن ابن عباس)، فيأتي بكلِّ حديث منكر عنه وعن غيره. وقال في آخر ترجمته: وإسحاق بن نُجيْح بَيِّن الأمر في الضعفاء، وهو يضع الحديث. • وله طريقٌ ثالثٌ ضعيفٌ: أخرجه ابن وهب في "جامعه" (١/ ٧٣) - رقم (٣١) من طريق هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم قال: قيل: يا رسول الله! ما أعلم فلانًا، قال: "بم؟ "، قيل: بأنساب الناس، قال: "علم لا ينفع وجهل لا يضر". - وأبو سعد السَّمْعانيُّ في مقدّمة "الأنساب" (١/ ٢٢) من طريق أبي عامر العَقَدي، عن هشام به. =
[ ١ / ٣٠٥ ]
٢٥ - وكذا رُويَ عن عمر أيضًا؛ ولا يثبت (^١).
_________________
(١) = - وأبو داود في "المراسيل" (ص ١٨٦) - رقم (٤٣٨) باب ما جاء في العصبية وتعلُّم النسب. وهذا إسناد منقطع؛ فإنَّ زيد بن أسلم من التابعين. • وفي الحديث علَّةٌ أخرى؛ وهي نكارة المتن: فمَنْ هذا الرجل الذي يجلس في مسجد رسول الله -ﷺ- يُحدِّث الناسَ -الصَّحابة بالطبع-، ويلتفُّون حوله، ويأخذون عنه! ويمرُّ -ﷺ- ولا يعرفه! لا شكَّ أن ذلك مِنْ أبعدِ ما يكون! ! وهو في الوقت نَفْسِهِ معارضٌ للأحاديث الصَّحيحة في هذا الباب. وبهذا نصل إلى أنَّ جميع طرق هذا الحديث لا يصحُّ منها شيء، وأنَّ في متنه نكارةً، يَلْمَسُها مَنْ له أدنى معرفة بحديث رسول الله -ﷺ-، فالحديثُ غيرُ ثابتٍ كما قال المؤلف. قلتُ: وقد توسَّع ابن حزم الظاهري -رحمه الله تعالى- في رَدِّ هذا الحديث وبطلانه في كتابه "جمهرة أنساب العرب" (ص ٣ - ٥)، وأيَّد القول ببطلانه ببرهانين ذكَرَهُما: أولهما: أن الحديث لا يصحُّ من جهة النقل أصلًا. وقد بيَّنت ذلك جليًّا بحمد الله. ثانيهما: أن البرهان قد قام -خصوصًا بعد ذكر فوائده الشرعية- على أنَّ علم النَّسب علم ينفع، وجهل يضرُّ في الدُّنيا والآخرة. ثم ساق -﵀- الأدلة الثابتة على أنَّ علم النَّسب علم ينفع، وجهالة تضرُّ، ولذا كان واجبًا على العبد أن يعلم أن النبي -ﷺ- هو ابن عبد الله الهاشمي، ومن زعم أنه -ﷺ- لم يكن هاشميًّا فهو كافر. ثم ذكر أدلةً تثبت أن النبي -ﷺ- كان يتكلَّم في النَّسب؛ فمن ذلك:
(٢) ما قصَّه الله تعالى علينا في القرآن من ولادات كثير من الأنبياء ﵈؛ وهذا علم نسب.
(٣) قوله -ﷺ-: "نحن بنو النَّضر بن كنانة" - "ابن ماجه" (٢٦١٢)، وأحمد (٥/ ٢١١، ٢١٢).
(٤) أن النَّبيَّ -ﷺ- ذكر أفخاذ الأنصار وفاضل بينهم، فقدَّم بني النَّجار، ثم بني عبد الأشهل، ثم بني الحارث بن الخزرج، نم بني ساعدة؛ ثم قال ﵊: "وفي كلِّ دور الأنصار خير" - "البخاري" (١٤٨٢، ٣٧٩١ - فتح)، و"مسلم" (٢٥١١). وانظر ما ذكره الحافظ الهيثمي من الأحاديث في "مجمع الزوائد" (١/ ١٩٢) تحت: باب في علم النَّسب. مما يدلّ على أن علم النَّسب علم ينفع، وجهل قد يضرّ، وأنَّ النبي -ﷺ- ممن كان يتكلَّم في النسب. وأخيرًا أختم الكلام بقول أبي محمد الرُّشاطيِّ -رحمه الله تعالى- إذ يقول: "الحضُّ على معرفة الأنساب ثابتٌ بالكتاب والسُّنَّة وإجماع الأُمَّة". انظر: "عمدة القارئ" (١٦/ ٦٩).
(٥) هذا ظاهر البطلان أيضًا، فقد سبق -قريبًا- قول عمر بن الخطاب ﵁: "تعلَّموا أنسابكم ثم صلوا أرحامكم"، بل ما فرض عمر بن الخطاب ﵁ الديوان إلَّا على القبائل، ولولا علْمُهُ بالنَّسب لما أمكنه ذلك. انظر: "جمهرة أنساب العرب" (ص ٥)، و"فتح الباري" (٦/ ٥٢٧).
[ ١ / ٣٠٦ ]