بسْمِ اللهِ الرَّحمن الرَحَيَمِ
وصلَّى الله على سيِّدِنا محمَّدٍ (^١) وآله وسلَّم (^٢)
الحمد لله الذي فضَّل أهْلَ البَيْتِ النَّبويِّ بالشَّرف (^٣)، وجَعَلَ المعوَّل على اقتفاءِ مَنْهَلِهِم السَّويِّ المجانب للتَّقتير والسَّرف. وأكْرَمَ بالوقوفِ على مَرْتَبَتِهِم مَنْ اختاره، وألْهَمَ إلى العُكُوف على محبَّتهم من صيَّرها شِعَارَهُ ودِثَارَهُ (^٤). وزَانَ قومًا بالسَّعي في مصالحهم فَهَانَ بما ألفوه لهم (^٥) من الرعيْ قدرُ مكافحهم لتضمُّنِ ذلك الإِجلال لنبيِّنا المطَّلبيِّ الهاشميِّ القرشيِّ.
وتحصَّن كلٌّ منهم بالامتثال في صنيعه من الرَّاشي والمرتشي، خصوصًا إنْ انضمَّ إليه الإحسانُ باللَّحظ للعلماء، لا سيَّما المحدِّثين (^٦) الذين صاروا أقلَّ من القليل بيقين.
_________________
(١) في (م): اللَّهُمَّ صلَّ على سيّدنا محمد. وفي (ك): اللَّهُمَّ صلِّ على محمد وآله وسلِّم.
(٢) جاه في مقدمة (ز)، و(هـ) ما يلي: (قال الشَّيخُ الإمامُ العالمُ العلَّامةُ الحافظُ النَّاقدُ الحُجَّة المُسْنِدُ. شمسُ الدِّين، أبو الخير، محمَّد بنُ عبد الرَّحمن بنِ محمَّد بنِ أبي بكر بنِ عثمان بنِ محمَّد السَّخَاويُّ الشَّافعيُّ؛ أمتع الله الوجود بوجوده؛ آمين). وفي (هـ): (رحمه الله تعالى) بدل (أمتع الله الوجود بوجوده). وفيها أيضًا سياق نسب المؤلف كاملًا وهو لم يرد في (ز)، ولم أثبت هذه المقدِّمة لأنها من كلام النُّسَّاخ.
(٣) (بالشرف) لم ترد في (م).
(٤) الشِّعار: هو الثوب الذي يلي الجسد؛ لإنه يلي ثمره. والدِّثار: هو الثوب الذي فوق الشِّعار، انظر: "النهاية" (٢/ ٤٨٠)، و(٢/ ١٠٠).
(٥) (لهم) لم ترد في (م).
(٦) في (م)، و(ك): للمحدِّثين.
[ ١ / ٢١٩ ]
وكان حريصًا في جَلْبِ ما ينفعهم بالبنان، مع اللفظ والإِجلال المبين، لاختصاصهم عن سائر الفرق نُطْقًا وكتابةً في الورق بكثرة الصَّلاة على مَنْ اختاره الله واصطفاه، وانتصابهم مع الأَرَق لتبْيين ما يندفعُ به اللَّبْس والاشتباه، حتى كأنهم المعنيُّون بقول الشَّارع:
١ - "أَوْلى النَّاسِ بي أَكْثَرُهُمْ عليَّ صَلاةً" (^١).
_________________
(١) إسنادُهُ ضعيفٌ، وهو معلولٌ بالاضطراب، وفيه من لا يُعْرَف. مداره على موسى بن يعقوب الزَّمْعي، وهو سيِّئ الحفظ، وقد تفرَّد به. قال علي بن المديني: "ضعيف، منكر الحديث". وقال النسائي: "ليس بالقوي". أما يحيى بن معين فقد وثَّقه كما في "التاريخ" له (٢/ ٥٩٧). وقال الآجري عن أبي دارد: "هو صالح". وقال ابن عدي فيه: "وهو عندي لا بأس به وبرواياته". وقال الحافظ في "التقريب" (ص ٩٨٧): "صدرق سيَّئ الحفظ". انظر: "التهذيب (١٠/ ٣٣٨)، و"الميزان" (٦/ ٥٧٠)، و"الكامل" (٦/ ٢٣٤٢)، و"المقاصد الحسنة" (ص ١٤٩). قُلْتُ: وقد اضطرب فيه موسى بن يعقوب الزَّمْعي -لسوء حفظه- على وجوه:
(٢) فقد رواه عن عبد الله بن كيسان، عن عبد الله بن شدَّاد بن الهاد، عن ابن سعود ﵁: • أخرجه من هذا الوجه: الترمذيُّ في "سننه" (٢/ ٣٥٤) في أبواب الصلاة -باب ما جاء في فضل الصلاة على النِّبي -ﷺ-، من طريق محمد بن بشارا عن محمد بن خالد، عن موسى بن يعقوب الزَّمعي، عن عبد الله بن كيْسان، عن عبد الله بن شدَّاد بن الهاد، عن عبد الله بن مسعود ﵁؛ ولكنه قال: "يوم القيامة". قال الترمذي عقبه: "هذا حديث حسن غريب".
(٣) ورواه عن عبد الله بن كيسان، عن عبد الله بن شدَّاد، عن أبيه -هكذا بالواسطة- عن ابن مسعود ﵁: • أخرجه من هذا الوجه: ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٦/ ٣٣٠) - رقم (٣١٧٧٨)، وكذا في "مسنده" (١/ ٢٠٧) - رقم (٣٠٦)، وأبو الشيخ في "طبقات المحدثين بأصبهان" (٤/ ٣٥٤)، وأبو الهيثم بن كليب في "مسنده" (١/ ٤٠٨) - رقم (٤١٣ - ٤١٤)، وابن حبان في "صحيحه" (٣/ ١٩٢) - رقم (٩١١) باب ذكر البيان بأنَّ أقرب الناس في القيامة يكون من النبي -ﷺ- من كان أكثر صلاة عليه في الدنيا، وأبو يعلى في "مسنده" (٨/ ٤٢٧) - رقم (٥٠١١) والبزار في "البحر الزخار" (٤/ ٢٧٨) - رقم (١٤٤٦)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٢/ ٢١٢) - رقم (١٥٦٤). =
[ ١ / ٢٢٠ ]
اللَّهُمَّ صلَّ وسلِّم (^١) على سيِّدنا محمد، وعلى أهْلِ بيته الكرام، وتابعيهم
_________________
(١) = ٣ - ورواه عن عبد الله بن كيْسان، عن عتبة بن عبد الله، عن ابن مسعود ﵁: • أخرجه من هذا الوجه: البخاري في "التاريخ الكبير" (٥/ ١٧٧)، من طريق عباس بن أبي شملة، به عنه. وعبَّاس بن أبي شَمْلة لم أجد له ترجمة.
(٢) ورواه عن عبد الله بن كيسان، عن عتبة بن أبي سعيد، عن عتبة بن عبد الله، عن ابن مسعود ﵁: • أخرجه من هذا الوجه: البيهقي في "شعب الإيمان" (٢/ ٢١٢) - رقم (١٥٦٣)، عن طريق أبي القاسم بن أبي الزَّناد عنه به. والقاسم لا بأس به كما في "التقريب" (ص ١١٩٢).
(٣) ورواه عن عبد الله بن كيسان، عن سعيد بن أبي سعيد، عن ابن عتبة بن مسعود، عن عبد الله بن مسعود! هكذا عزاه الدَّارقطني في "العلل" (٥/ ١١٣) بهذا الإسناد. وقد أخرجه البخارى في "التاريخ الكبير" (٥/ ١٧٧) - ووقع في المطبوع تصحيف وسقْط، ومن طريق قاسم بن أبي زياد! عن عبد الله بن كيسان، عن سعيد بن أبي سعيد، عن عتبة بن مسعود، أو عبد الله بن مسعود. • والحديث له شاهدٌ من حديث أبي أُمامة ﵁ لا يخلو من مقال: أخرجه البيهقي في "الكبرى" (٣/ ٢٤٩)، و"الشُّعب" (٣/ ١١٠) - رقم (٣٠٣٢)، و"حياة الأنبياء بعد وفاتهم" (ص ٩٢) - رقم (١٢)، من طريق حماد بن سلمة، عن بُرْد بن سنان، عن مكحول الشامي، عن أبي أمامة؛ ولفظه: "أكثروا عليِّ من الصلاة في كلَّ يوم جمعة، فإنًّ صلاة أُمَّتي تُعرض عليَّ في كلِّ يوم جمعة، فمن كان أكثرهم عليَّ صلاةً، كان أقربهم مني منزلة". قال المنذري في "الترغيب والترهيب" (٣/ ٣٠٣): "رواه البيهقي بإسناد حسن، إلَّا أنَّ مكحولًا قيل لم يسمع من أبي أمامة". وقد جوَّد الحافظُ إسنادَه في "الفتح" (١١/ ١٦٧) فقال "لا بأس بإسناده". وقال المصنِّف في "القول البديع" (ص ٢٣٣) تبعًا لشيخه: "رواه البيهقي بسند لا بأس به، إلَّا أنَّ مكحولًا قيل لم يسمع من أبي أمامة في قول الجمهور، نعم في "مسند الشاميين" للطبراني التصريح بسماعه منه " إلخ كلامه. قلتُ: لم أجده في "مسند الشاميين" في مظانه، وقد ذكر ابن القيم في "جلاء الأفهام" (ص ١٥٩ - ط. دار ابن الجوزي) أنَّ الحديث فيه علَّتين: الأولى: أنَّ بُرْد بن سنان قد تُكلِّم فيه، وقد وثَّقه يحيى بن معين وغيره. العلَّة الثانية: أنَّ مكحولًا قد قيل: إنه لم يسمع من أبي أمامة.
(٤) هكذا في سائر النُّسخ: (اللَّهُم صل وسلِّم)، بينما في (م)، و(ك) دون قوله: (وسلِّم).
[ ١ / ٢٢١ ]
القائمين بنشر سنَّته باهتمام.
وبَعْدُ:
فهذا تصنيفٌ شريفٌ في العِتْرَةِ (^١) العَطِرَةِ الطَّيِّبةِ، والذُّرِّيَّةَ البهيَّة المنتخبة، اشتمل على مقدِّمة، وخاتمة، بينهما فصولٌ وفوائدُ مهمَّة، بالبرهان قائمة من مقبول المنقول؛ جمعتُهُ امتثالًا لإِشارة (^٢) مَن ارْتَقَى بما انْتَقَى من محاسن والده، وذاقَ بفَهْمِهِ الذي رَاقَ حلاوةَ ما استَجْناه من ثمَرِ العلمِ وفوائده، زاده الله حيثُ حَشى من جميل الثَّناء سَمْعَهُ، ومشى بما رأى فيه نَفْعَهُ من طريق الخير وتالده (^٣)، وأبعده سعادة أوليائه، ومتَّع بدوام حياته وبقائه (^٤).
_________________
(١) العِتْرَة قي الأصل: هم ولد الرجل وذرّيّته وعقبه من صلبه، ويقال: رهطه الأدنون. وعترة الرجل: هم أخصّ أقارب، قال ابن الأثير في "النهاية" (٣/ ١٧٧): "وعترة النبي -ﷺ-: بنو عبد المطب. وقيل: أهل بيته الأقربون، وهم أولاده، وعليٌّ وأولاده. وقل: عترته الأقربون والأبعدون منهم". - وانظر: "مختار الصحاح" (ص ٣٠٧) (عَترَ) و"المصباح المنير" (ص ٣٩١).
(٢) (لإشارة)؛ لم ترد في (م).
(٣) يقال الطريف والطارف: وهو في الأصل المال المستحدث والمستطرف. والتالد والتليد والتيلاد بمعنى: المال القديم الأصلي. وقيل: ما ورثْتَه عن الآباء قديمًا. - انظر: "لسان العرب" (٩/ ٢١٤)، و(٣/ ٩٩) - طبعة دار صادر (١٤١٠ هـ). ومراد المصنِّف ههنا: من حديث الخير وقديمه؛ والله أعلم.
(٤) الشخص الذي أشار على المصنِّف تصنيفَ هذا الكتاب وجمعه هو: أبو البقاء ابن الجيْعَان البدر، واسمه محمد بن يحيى بن شاكر بن عبد الغني، المولود سنة (٨٤٧ هـ). وهو من أعيان القرن التاسع، ممن تتلمذ على السَّخَاوي وأخذ عنه. وقد تَرْجَمَهُ في "الضوء اللامع" (١١/ ٨ - ١١) ترجمةً حافلةً. والحقُّ يُقال: إنِّي ظللتُ مدَّةً من الزَّمن أفَكُرُ وأبحثُ علَّني أقفُ على هذا الشخص الذي طلب من الحافظ السَّخَاوي تأليف هذا الكتاب؛ خصوصًا وقد أثنى عليه المؤلف -في مقدِّمته كما رأيتَ- ثناءً عاطرًا. وقد وقع في نفسي أول الأمر أنه النَّجم عمر بن فهدٍ الهاشمي المكي المتوفى سنة (٨٨٥ هـ)، فكثيرًا ما يذكره في "الضوء اللامع" بقوله: (صاجنا النَّجم عمر)، وبخاصَّةٍ أنَّ أباه محمد بن فهد المكي المتوفى سنة (٨٧١ هـ)، كان من العلماء المبرزين في ذلك العصر. فلمَّا رجعتُ إلى ترجمتهما لم أجد =
[ ١ / ٢٢٢ ]
وذلك بعد تطلُّبي "ذَخَائر العُقْبى في مناقب ذوي (^١) القُرْبى"، لشيخ الحجاز المُحِبِّ الطَّبريِّ أبي جعفر (^٢)، الذي طالعتُه فيما مضى وغَبَرَ، فما وجدتُ الآن مَنْ عنه أخْبَر.
ثم بعد إلانتهاء من هذا الجمع، والاقتفاء فيه بما تقرُّ به العين، ويلذُّ في السَّمع؛ رأيتُ المصنَّفَ المشار إليه، والمرغوبَ في الوقوف الآن عليه (^٣)، فوجدتُ غايةَ غرضه، ونهاية منتهضه، تفصيلُ فضائل أكثر من أشَرْتُ لاسمه في الفاتحة،
_________________
(١) = لذلك أيَّ إشارة! انظر: (٦/ ١٢٦ - ١٣١)، و(٩/ ٢٨١ - ٢٨٣). فقلتُ: لعلَّه بإشارةِ ابنِ فَهْدٍ الحفيدِ (عبد العزيز ابن النَّجم عمر) (٤/ ٢٢٤ - ٢٢٦)، ولكنِّي لم أظفر ببُغْيتي! فضربتُ عن ذلك صَفْحًا. ثم إنه بعد مُدَّةٍ جرى اتِّصالٌ هاتفيٌّ بالشيخ أبي عُبيدة مشهور بن حسن آل سلمان حول الكتاب؛ إذ للأخير كتابٌ بعنوان "مؤلَّفات الحافظ السَّخَاوي"، أو "مكتبة الحافظ السَّخَاوي"، فَذَكَرَ لي -جزاه الله خيرًا- المواضع التي ذكر فيها السَّخَاوي "ارتقاء الغُرَف" في "الضوء اللامع". فتتبَّعتُها موضعًا موضعًا، حتى وصلتُ إلى (١١/ ١٠) وفيه ترجمة أبي البقاء بن الجيْعان؛ فرأيتُ ما نصُّه: "وكان قد التمس منِّي في حياة والده وجدِّه تصنيفَ كتاب في "الأشراف"، حين صار يتكلَّمُ في وقف الأشراف رجاءَ رغبة الملك في التَّوجُّه إليهم، ثم بعدهما في "الذَّيل على دول الإسلام للذهبي"؛ فأجبتُه، وذكرت من أوصافه في خطبتها ما يحُسن إثباته هنا. ووقعا عنده موقِعًا، وانتفع بهما الناس؛ فكان مُشاركًا في الثواب بدون إلباس". اهـ. ثم رجعتُ إلى مقدِّمة "وجيز الكلام في الذيل على دول الإسلام" (١/ ٣) فوجدت ما نصُّه: "وبعدُ: فهذا ذيلٌ تامٌّ على دول الإسلام" لشيخ الحفاظ ، جمعتُهُ امتثالًا لإِشارة مَنْ فاق حسًّا ومعنًى، بحيث استحق المزيد من الحُسنى، ورَاقَ وضْعًا ومعنّى، بحسن التَّصور، وصدق اللهجة، وعَليِّ الهِمَّة، والنهضة إلى المحلِّ الأسنى، وسار سيرًا وفيًّا حتى صار أصْلًا عليًّا، وتولَّدتْ محاسنه من أبيه وجدِّه، وتأكَّدت باجتهاده وجِدِّه " إلخ كلامه. فالحمد لله على توفيقه.
(٢) في (ك): ذو القربى!
(٣) هو الإمام الحافظ المحدِّث، فقيه الحرم، أحمد بن عبد الله بن محمد الطبري، ثم المكي الشافعي. ولد بمكة سنة (٦١٥ هـ)، وبها نشأ وطلب العلم وسمع الكثير، ورحل إلى البدان. من أشهر مؤلفاته: "ذخائر العُقبى"، و"الرياض النضرة في مناقب العشرة"، وغيرهما. مات بمكة سنة (٦٩٤ هـ). انظر: "تذكرة الحفاظ" (٤/ ١٤٧٤)، و"الأعلام" (١/ ١٥٩).
(٤) (عليه) سقطت من (م) دون سائر النُّسخ، ولا يتم السياق إلَّا بها.
[ ١ / ٢٢٣ ]
والتَّطويلُ بما لا يُبيِّنه (^١) من الموضوع والمنكر، فضلًا عن الضَّعيف؛ مع سَعَةِ علمه، إلى غير ذلك من التساهل والمسامحة، فعلمتُ بذلك صحَّة مقالة حافظ بلده، حيثُ وَصَفَهُ بهذا، وعدَّه في منتقَده (^٢).
بل قال شيخُنا (^٣) -وناهيك به من مثله-: "إنه كثيرُ الوَهْمِ في عَزْوه للحديثِ ونَقْلِهِ" (^٤)، هذا مع أنه لم يكن في زمنه مثله في الحرم (^٥)، بل قيل: "إنَّ مَكَّةَ لم تُخْرِجْ بعد إمَامِنَا الشَّافعيِّ نَظِيرَهُ! " (^٦)، لكنَّها مقالةٌ مَخْدوشَةٌ، مع أنَّها لا تَشْفِي من
_________________
(١) في (ك): بما يُبيِّنه!
(٢) أراد المؤلفُ بحافظ بلد المحبِّ الطَّبريِّ المكِّيِّ؛ الحافظَ تقيّ الدِّين محمد بن أحمد الحسنيَّ الفاسيَّ المكيَّ المتوفى سنة (٨٣٢ هـ)، وانتقاد التقيِّ الفاسيِّ للمحبِّ الطبَّريِّ، ووصفه بالتساهل والمسامحة في الرواية، مع عدم بيانه للضعيف فضلًا عن الموضوع، مذكورٌ في كتابه: "العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين" (٣/ ٢٦) - تحقيق: فؤاد سيِّد، في ترجمة المحبِّ الطبريِّ المكِّي، إذ قال رحمه الله تعالى ما نصُّه! "وله تواليف حسنة في فنون من العلم، إلَّا أنه وقع له في بعض كتبه الحديثية شيء لا يستحسن. وهو أنه ضمَّنها أحاديث ضعيفة وموضوعة في فضائل الأعمال، وفضائل الصحابة ﵃، من غير تنبيه على ذلك، ولا ذكر إسنادها ليُعلم منه حالها. وغاية ما صنع أنَّ يقول: أخرجه فلان، ويُسمِّي الطبراني مثلًا أو غيره من مؤلفي الكتب التي أخرج منها الحديث المشار إليه، وكان من حقِّه أنَّ يخرِّج الحديثَ بسنده في الكتاب الذي أخرجه منه، ليسلمَ بذلك من الانتقاد كما سلم به مؤلفُ الكتاب الذي أخرج منه المحبّ الطَّبريُّ الحديثَ الذي خرَّجه. أو يقول: أخرجه الطبراني -مثلًا- بسند ضعيف، كما صنع غير واحد من المحدِّثين في بيان حكم سند الحديث الذي يريدرن إخراجه. أو ذكره بإسناد المؤلف الذي يخرِّجونه من كتابه". اهـ.
(٣) هو الحافظ ابن حجر العسقلاني، المولود سنة (٧٧٣ هـ)، والمتوفى سنة (٨٥٢ هـ)؛ فهو شيخه الأول الذي تخرَّج به. بل صرَّح المصنِّف بذلك في مقدِّمة كتابه الشهير "الضوء اللامع" (١/ ٥)، عند بيانه لمصطلحاته في الكتاب المشار إليه، فقال: "وكلُّ ما أطلقتُ فيه (شيخنا)، فمرادي به ابن حجر أستاذنا". قلتُ: بل سار السَّخاوي رحمه الله تعالى على هذا الإطلاق في سائر كتبه وتأليفاته. وانظر: ترجمة ابن حجر في "الضوء اللامع" (٢/ ٣٦)، و"طبقات الحفاظ" (ص ٥٥٢).
(٤) لم أقف على نصِّ كلام ابن حجر فيما بين يدي من المصادر.
(٥) قال التقي الفاسي في "العقد الثمين" (٣/ ٦٦): "وجدت بخط القطب الحلبي، في ترجمة المحبِّ: (إنه لم يكن فى زمانه مثله بالحرم المكِّيِّ)؛ وهذا مما لا ريب فيه".
(٦) صاحب هذه المقالة هو الحافظ صلاح الدين العلائي، كما ذكره التقي الفاسي في "العقد الثمين" =
[ ١ / ٢٢٤ ]
هذا الألم.
على أني لو مشيتُ في هذا المَهْيَعِ (^١) لجاء في عدة مجلّدات، فيها الكفاية والمقنع، مع بيان السَّمين من الهَزِيلِ، والثَّابتِ المَكِينِ من المُزَلْزَلِ العليلِ، إذ قد جمع الأئمةُ (^٢) في كلٍّ من عليٍّ (^٣)، والعبَّاس (^٤)، والسِّبطين (^٥) تصانيفَ منتشرةً في الناس. وكذا أُفرِدَتْ مناقب الزَّهراء (^٦) وغيرها، ممن علا شَرَفًا وفَخْرًا (^٧).
ولكنْ ليس غرضُ السَّائل إلَّا إجمال الفضائل التي يَنْدَرِجُ فيها مَنْ بعدهم،
_________________
(١) = (٣/ ٦٦)، ونصُّ عبارته: "ما أخرجت مكةُ بعد الشافعيِّ مثل المُحِبِّ الطبَّريِّ". قال الفاسي متعِّقبًا هذه المقالة: "وهذه منقبة عظيمة، إلَّا أنها لا تسلم من الاعتراض بمثل الحميدي المكي صاحب الشافعي، وبمثل ابن المنذر، وآخرين من الغرباء".
(٢) المَهْيَعُ -بفتح الميم، بعدها هاء ساكنة، ثم ياء مفتوحة-: "الطريق الواسع الواضح". "القاموس المحيط" (٣/ ٨٦) - مادة (م. هـ. ع). وقد ذكر هذه الكلمة أيضًا في مادة (هـ. ي. ع) وقال: "الطريق البيِّن".
(٣) تحرَّفت (الأئمة) في (ك) إلى: الآية! وهو خطأ قطعًا.
(٤) هو أمير المؤمنين أبو الحسن؛ انظر ترجمته في: "الاستيعاب" (٣/ ١٩٧)، و"الإِصابة" (٤/ ٤٦٤)، و"البداية والنهاية" (٧/ ٢٢٣)، و"التهذيب" (٧/ ٣٣٤)، و"مقاتل الطَّالبيين" (ص ٢٤)، و"عمدة الطالب" (ص ١٦٢).
(٥) انظر ترجمته في: "الاستيعاب" (٢/ ٣٨٥)، و"الإصابة" (٣/ ٥١١)، و"سير أعلام النبلاء" (٢/ ٧٨ - ١٠٣)، و"التاريخ الكبير" (٧/ ٢)، و"تاريخ خليفة" (ص ١٦٨)، و"الجرح والتعديل" (٦/ ٢١٠).
(٦) جاء في "لسان العرب" (٧/ ٣١٠): "السِّبْط والسِّبْطان والأسْباط خاصَّة الأولاد والمُصَاص منهم، وقيل: السِّبْط واحد الأسباط، وهو ولد الولد". قال أبن الأثير في "النهاية" (٢/ ٣٣٤) عند الكلام على مادة (سَبَطَ): " ومنه الحديث الآحر: (الحسن والحسين سِبْطَا رسول الله -ﷺ-)، أي طائفتان وقِطعتان منه. وقيل: الأسباط خاصّة الأولاد، وقيل: أولاد الأولاد، وقيل: أولاد البنات".
(٧) انظر ترجمتها في: "الاستيعاب" (٤/ ١٨٩٣)، و"الإصابة" (١٣/ ٧١)، و"النبلاء" (٢/ ١١٨ - ١٣٤)، و"العبر" (١/ ١٣١)، و"التهذيب" (١٢/ ٤٤٠)، و"أعلام النساء" (٤/ ١٠٨ - ١٣٢)، وتراجم سيِّدات بيت النبوة" (ص ٥٨٩ - ٦٤٧).
(٨) يسَّر الله لي جمع طائفة حسنة من المؤلفات في مناقب أهل البيت النبوي، ستخرج في دراسة مستفيضة عن أهل البيت بعنوان: "دراسات في أهل البيت النَّبوي".
[ ١ / ٢٢٥ ]
ويَبْتَهِجُ بها من جَعَلَ دَيْدَنَه (^١) حبَّ أهْلِ البَيتِ وودَّهم.
وقد أتيتُ من ذلك بما لم أقِفْ عليه في ديوان (^٢)، وقلَّدتُ المُحِبَّ في أشياء أضفْتُها إليه من غير بيان، وسَمَّيتُهُ: "اسْتِجْلابُ ارْتِقَاءِ (^٣) الغُرَفِ بِحُبِّ أَقْرباءِ الرَّسُولِ وَذَوِي الشَّرَفِ".
واللهَ أسألُ أنَّ ينفعَ به مصنِّفَه، وجامعَه، وكاتبَه، وقارئَه، وسامعَه، وجميعَ المسلمين، آمين.
* * *
_________________
(١) الدَّيْدَنُ: هو الدَّأب والعادة. "لسان العرب" (١٣/ ١٥٢).
(٢) في (ل): "ارتقاب الغُرف! ".
(٣) الدِّيوان: بكسر الدال على المشهور، وفي لغة بفتحها، وهو فارسي معرب، معناه: مجتمع الصُّحف. انظر: "لسان العرب" (١٣/ ١٦٥٦)، و"تهذيب الأسماء واللغات"، للنووي (٣/ ١٠٧).
[ ١ / ٢٢٦ ]