في التعليق على "رياض الصالحين" للإمام النووي - ﵀ -
* لمَّا أورد المؤلف الإِمام النووي (١) - ﵀ - حديث أبي هريرة -﵁ - قال: قال رسول الله -ﷺ-: "مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تمرةٍ مِنْ كَسْبٍ طيِّبٍ، ولا يَقْبَلُ اللهُ إلَّا الطَّيِّبَ، فإنَّ اللهَ يَقْلُهَا بِيَمِينِهِ، ثم يُرَبِّيها لصاحِبِهَا، كما يُرَبِّي أَحَدُكُم فَلُوَّهُ، حتَّى تكونَ مثلَ الجَبَل" متفق عليه (٢).
_________________
(١) "رياض الصالحين" (ص ٢٧٦). رقم الحديث (٥٦١) ط مؤسسة الرسالة، بيروت ١٤٠٨ هـ.
(٢) "صحيح البخاري" (١٤١٠) كتاب الزكاة: باب لا يقبل الله صدقة من غُلول، ولا يقبل إلَّا من كسب طيب، و(٧٤٣٠) في كتاب التوحيد: باب قول الله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [سورة المعارج، الآية: ٤]، وقوله -جلَّ ذكره-: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [سورة فاطر، الآية:١٠]. و"صحيح مسلم" (١٠١٤) كتاب الزكاة: باب قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيتها.
[ ١٩ ]
• قال الشيخ شعيب الأرنؤوط في الحاشية:
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (٣/ ٢٢٢): قال المازري: هذا الحديث وشبهه إنما عبَّر به النبي - ﷺ - على ما اعتادوا في خطابهم، ليفهموا عنه، فكنَّى عن قبول الصدقة باليمين، وعن تضعيف أجرها بالتربية، وقال الترمذي: قال أهل العلم من أهل السنة والجماعة: نؤمن بهذه الأحاديث، ولا نتوهم فيها تشبيهًا، ولا نقول: كيف؟ انتهى ما نقله الشيخ شعيب الأرنؤوط.
* قلت:
وكلام الترمذي - ﵀ - فيه إثبات صفات الله التي وصفَ بها نفسه أو وصفه بها نبيه - ﷺ - من غير أن يشبَّه الله فيها بأحد من خلقه، وتنزيهه عما لا يليق به تعالى من غير تعطيل، وكلام الترمذي ذلك هو في "جامعه" وله تتمة وسأنقله بتمامه بعد قليل -إن شاء الله تعالى-.
أما ما نقله الشيخ شعيب الأرنؤوط عن الحافظ ابن حجر عن المازري فلا يتفق مع ما قرره السلف، فإنَّ النبي - ﷺ - خاطبهم بلسانٍ عربي مبين، ودلَّ بوضوح كما
[ ٢٠ ]
دلَّت نصوص أخرى على إثبات صفة اليد لله تعالى.
وسياق الحديث دلَّ -أيضًا- على أن الله تعالى يقبل تلك الصدقة قبولًا حسنًا، ويجزل العطاء لصاحبها ويضاعف مثوبته، كما قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ الآية [سورة البقرة، الآية: ٢٤٥].
ولسماحة الشيخ العلاَّمة عبد العزيز بن عبد الله بن باز -حفظه الله ونفع به- حاشية نفيسة عَقَّب بها على ما نقله الحافظ ابن حجر - ﵀ - في "فتح الباري" من نقولات في معنى "فإن الله يقبلها بيمينه" بأن ذلك كناية عن الرضى والقبول أو سرعة القبول، وليس المراد بقوله: "بيمينه" الجارحة، قال الشيخ ابن باز معقبًا على ذلك:
"هذه التأويلات ليس لها وجه، والصواب إجراء الحديث على ظاهره، وليس في ذلك -بحمد الله- محذورٌ عند أهل السنة والجماعة، لأن عقيدتهم الإيمان بما جاء في الكتاب والسنة الصحيحة من أسماء الله -سبحانه- وصفاته وإثبات ذلك على وجه الكمال، مع تنزيهه -تعالى- عن مشابهة المخلوقات، وهذا هو الحق الذي لا يجوز العدول عنه، وفي هذا الحديث دلالة على إثبات اليمين لله -﷾-
[ ٢١ ]
وعلى أنه يقبل الصدقة من الكسب الطيب ويضاعفها، وانظر ما يأتي من كلام الإِمام الترمذي يتضح لك ما ذكرته آنفًا، والله الموفق". ا. هـ (١).
وكلام الترمذي الذي يقصده الشيخ ذكره الحافظ ابن حجر - ﵀ - في شرح الحديث المذكور ولكن باختصار، ونقله الشيخ شعيب الأرنؤوط على اختصاره، ويا ليته اقتصر على ذلك فإنه وافٍ بالمقصود، وأنا أنقله لك هنا بتمامة كما ذكره الترمذي - ﵀ - في جامعه كاملًا.
قال - ﵀ - معقبًا على الحديث المذكور آنفًا:
"وقد قال غير واحدٍ من أهل العلم في هذا الحديث وما يشبه هذا من الروايات من الصفات، ونزول الرب ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا، قالوا: قد ثبتت الروايات في هذا، ويُؤْمَنُ بها، ولا يُتَوَهَّمُ ولا يُقَال: كيف، هكذا روي عن مالك وسفيان بن عيينة وعبد الله بن المبارك أنهم قالوا في هذه الأحاديث: أَمِرُّوها بلا كيف، وهكذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة، وأما الجهمية فأنكرت هذه الروايات، وقالوا:
_________________
(١) حاشية "فتح الباري" (٣/ ٢٨٠) ط السلفية الأولى.
[ ٢٢ ]
هذا التشبيه، وقد ذكر الله ﷿ في غير موضع من كتابه اليد والسمع والبصر، فتأولت الجهمية هذه الآيات، وفسروها على غير ما فسَّر أهل العلم، وقالوا: إن الله لم يخلق آدم بيده! وقالوا: إن معنى اليد هنا القوة!
وقال إسحاق بن إبراهيم: إنما يكون التشبيه إذا كان يَدٌ كَيَدٍ، أو مِثْلُ يَدٍ، أو سَمْعٌ كَسَمْعٍ، أو مِثْلُ سَمْعٍ، فإذا قال: سمع كسمع أو مثل سمع فهذا التشبيه، وأما إذا قال كما قال الله تعالى: يَدٌ وسَمْعٌ وبَصَرٌ، ولا يقول كيف، ولا يقول: مثل سمعٍ ولا كسمعٍ، فهذا لا يكون تشبيهًا، وهو كما قال الله تعالى في كتابه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [سورة الشورى، الآية: ١١]. ا. هـ (١).
_________________
(١) "جامع الترمذي- مع شرحه الأحوذي لابن العربي" (٣/ ١٦٥ - ١٦٦). ط بيروت. وينظر -أيضًا- "كتاب التوحيد" (١/ ١١٨ وما بعدها) للإمام أبو بكر بن خزيمة - ﵀ - و"مختصر الصواعق المرسلة" (ص ٣٧٠) للعلَّامة ابن القيم - ﵀ - ط دار الحديث بالقاهرة، تحقيق: سيد إبراهيم.
[ ٢٣ ]
الموضع الثاني تأويل صفة الغضب والرضا والرحمة
في التعليق على "رياض الصالحين" للإمام النووي - ﵀ -
[ ٢٥ ]