في التعليق على "صحيح ابن حبان"
* علَّق الشيخ شعيب الأرنؤوط في "صحيح ابن حبان" (١) على الحديث المخرج في "الصحيحين" (٢) وغيرهما وهو ما رواه عبد الله بن مسعود -﵁ - قال: "جاء حَبْرٌ من اليهود إلى رسول اللهﷺ - فقال: يا رسول الله: إذا كان يومُ القيامة جعل الله السموات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والخلائق كلَّها على
_________________
(١) "الإحسان" (١٦/ ٣٢١) رقم الحديث (٧٣٢٦).
(٢) "صحيح البخاري" (٤٨١١) كتاب التفسير: باب قوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [من سورة الزمر، الآية: ٦٧]، و(٧٤١٤) كتاب التوحيد: باب قول الله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [سورة ص، الآية: ٧٥]، و(٧٥١٣) باب كلام الرب -﷿- يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم. "صحيح مسلم" (٢٧٨٦) كتاب صفة القيامة والجنة والنار.
[ ١١١ ]
إصبع، ثم يَهُزُهُنَّ، ثم يقول: أنا المَلِكٌ، فلقد رأيت رسول الله - ﷺ - ضحك حتى بدت نواجذه تعجبًا لما قال اليهودي، تصديقًا له، ثم قرأ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [سورة الزمر، الآية: ٦٧].
• علَّق الشيخ شعيب الأرنؤوط في الحاشية بما يلي:
قال الخطابي - ونقله عنه البيهقي في "الأسماء والصفات" (ص ٣٣٥ - ٣٣٨) ولخصه الحافظ في "الفتح" (٣/ ٣٩٨): وذكر الأصابع لم يوجد في شيء من الكتاب ولا من السنة المقطوع بصحتها، وليس معنى اليد في الصفات بمعنى الجارحة حتى يتوهم بثبوتها ثبوت الأصابع، بل هو توقيف شرعي أطلقنا الاسم فيه على ما جاء به الكتاب من غير تكييف ولا تشبيه، ولعل ذكر الأصابع من تخليط اليهود، فإن اليهود مشبهة، وفيما يَدَّعونه من التوراة ألفاظ تدخل في باب التشبيه، ولا تدخل في مذاهب المسلمين، وأما ضحكه - ﷺ - من قول الحبر، فيحتمل الرضا والإنكار، وأما قول الراوي: "تصديفا له" فظنٌ منه وحسبان، وقد جاء الحديث من عدة طرق ليس فيها هذه الزيادة، وعلى تقدير صحتها، فقد يستدل بحمرة الوجه على الخجل، وبصفرته على الوجل،
[ ١١٢ ]
ويكون الأمر بخلاف ذلك، فقد تكون الحمرة لأمرٍ حدث في البدن كثوران الدم، والصفرة لثوران خلط ونحوه، فالاستدلال بالتبسم والضحك في مثل هذا الأمر الجسيم قَدْرُه، الجليلِ خَطْرُه، غير سائغ مع تكافؤ وجهي الدلالة المتعارضين فيه.
وعلى تقدير أن يكون ذلك محفوظًا، فهو محمول على تأويل قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [سورة الزمر، الآية: ٦٧]، أي: قدرته على طيها وسهولة الأمر عليه في جمعها، بمنزلة من جمع شيئًا في كفه، واستقلَّ بحمله من غير أن يجمع كفَّه عليه، بل يُقِلُّهُ ببعض أصابعه، وقد جرى في أمثالهم: فلانٌ يُقِلُّ كذا بأصبعه ويعمله بخنصره، ويؤكد ما ذهبنا إليه حديث أبي هريرة رفعه "يقبض الله الأرض، ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض" رواه البخاري في "الصحيح"، وهذا قول النبي - ﷺ - ولفظه جاء على وفاق الآية من قوله ﷿ ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ وليس فيه ذكر الأصابع، وتقسيم الخليقة على أعدادها، فدلَّ أن ذلك من تخليط اليهود وتحريفهم وأن ضحك النبي - ﷺ - إنما كان على التعجب منه
[ ١١٣ ]
والنكير له (١)، والله أعلم.
* قلت:
هذا الكلام ليس على الجادَّة، بل هو تحريفٌ للكلم عن مواضعه، وتأويلٌ قبيح لصفات الربَّ -سبحانه-، فصفة اليد ثابتة لله تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته -سبحانه- ثبتت بذلك الأدلة من القرآن والسنة "الصحيحة" قال الله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [سورة ص، الآية: ٧٥]، وعن أبي موسى الأشعري -﵁ - أن رسول اللهﷺ - قال: "إنَّ الله -﷿- يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها" أخرجه مسلم (٢).
_________________
(١) قال الإِمام أبو بكر بن خزيمة - ﵀ -: "قد أَجَلَّ اللهُ قَدْرَ نبيه - ﷺ - عن أن يوصف الخالق البارئ بحضرته بما ليس من صفاته، فيسمعه فيضحك عنده، ويجعل بدل وجوب النكير والغضب على المتكلم به ضحكًا تبدو نواجده، تصديقًا وتعجبًا لقائله، لا يصف النبي - ﷺ - بهذه الصفة مؤمنٌ مصدقٌ برسالته" ا. هـ "كتاب التوحيد" (١/ ١٧٨).
(٢) "صحيح مسلم" (٢٧٦٠) كتاب التوبة: باب غيرة الله. ولينظر ما =
[ ١١٤ ]
وقد أثبت أئمة أهل السُّنَّة من الصحابة وتابعيهم صفة الأصابع لله تعالى، مع تنزيهه عن مشابهة خلقه أو تكييف ذلك، واسترشدوا في هذا بخبر المعصوم - ﷺ -.
فعن عمرو بن العاص -﵄- أنه سمع رسول اللهﷺ - يقول: "إنَّ قُلوبَ بني آدم كُلِّها بين إصْبَعَين من اصابع الرحمن، كقلبٍ واحدٍ، يُصَرِّفُه حيث يشاء" خَرَّجه مسلم (١).
وعن أنس -﵁ - أن رسول اللهﷺ - قال: "إن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن، يقلِّبها كيف يشاء، أخرجه الترمذي وغيره (٢).
_________________
(١) = تقدم في صدر هذه الرسالة في بحث إثبات اليد لله -سبحانه-.
(٢) "صحيح مسلم" (٢٦٥٤) كتاب القدر: باب تصريف الله تعالى القلوب كيف شاء.
(٣) "جامع الترمذي" (٢١٤١) كتاب القدر: باب ما جاء أن القلوب بين أصبع الرحمن. ورواه ابن ماجه (٣٨٣٤) كتاب الدعاء: باب دعاء رسول اللهﷺ -، وأحمد في "المسند" (٣/ ١١٢، ٢٥٧). وهو في "سنن ابن ماجه" أيضًا برقم (١٩٩) في =
[ ١١٥ ]
وإثبات الأصابع لله -سبحانه- لا يقتضي مشابهته في ذلك لخلقه، بل الأمر في هذا وفي سائر صفاته -تعالى- كما قال -جل وعلا- عن نفسه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [سورة الشورى، الآية: ١٤].
ولما سُئل سفيان بن عيينة - ﵀ - عن هذا الحديث -الذي ذكر فيه الأصابع- في عِدَّةٍ من أحاديث الصفات قال ﵀: هي كما جاءت، نُقِرُّ بها، ونُحَدَّثُ بها بلا كيف (١).
_________________
(١) = المقدمة: بابٌ فيما أنكرت الجهمية، من حديث النواس بن سمعان الكِلابي -﵁ -. قال الترمذي - ﵀ -: "وفي الباب عن النواس بن سمعان وأم سلمة وعبد الله بن عمرو وعائشة -﵃ -".
(٢) ينظر: "كتاب الصفات" (ص ٣٨) للدارقطني، ط مكتبة الدار بالمدينة ١٤٠٢هـ، تحقيق الشيخ عبد الله الغنيمان. وينظر أيضًا: "الأربعين في دلائل التوحيد" (٢/ ٧٥) لأبي إسماعيل الهروي، ط الشيخ علي الفقيهي، و"مجموع الفتاوى" (٥/ ٤٣) و(٤/ ١٨٣). و"بيان تلبيس الجهمية" (١/ ٤٢٣) و"درء التعارض" (٣/ ٣١٢) و(٩/ ٣٤) لشيخ الإِسلام ابن تيمية. و"القصيدة النونية" مع شرحها لابن عيسى (١/ ٤٦٢ و٤٧٤) و(٢/ ٢٩٨) ط المكتب الإِسلامي، =
[ ١١٦ ]
وقال الإِمام الحافظ البغوي - ﵀ -: والأصبع المذكورة في الحديث صفةٌ من صفات الله -﷿- وكذلك كُلُّ ما جاء به الكتابُ أو السُّنَّةُ من هذا القبيل في صفات الله -تعالي- كالنَّفْسِ، والوجه، والعين، واليد، والرِّجْل، والإتيان، والمجيء، والنزول إلى السماء الدنيا، والاستواء على العرش، والضحك، والفرح، فهذه ونظائرها صفاتٌ لله -تعالى- وَرَدَ بها السمع ويجب الإيمانُ بها، وإمرارُها على ظاهرها، مُعْرِضًا فيها عن التأويل، مجتنبًا عن التشبيه، معتقدًا أنَّ الباري -﷾- لا يشبهُ شيء من صفاته صفات الخَلْق، كما لا تشبه ذاتُه ذوات الخلق، قال الله -﷾- ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ سورة الشورى، الآية: ١١] ا. هـ (١).
_________________
(١) = وينظر -لزامًا- "كتاب التوحيد" (١/ ١٨٧ وما بعدها) للإمام. أبو بكر بن خزيمة - ﵀ -.
(٢) ينظر: "شرح السُّنَة" (١/ ١٦٨ - ١٧٠) ط المكتب الإِسلامي، بتحقيق: زهير الشاويش، وشعيب الأرنؤوط.
[ ١١٧ ]
الموضع السادس عشر تأويل صفة القَدَم لله- تعالى-
في التعليق على "المسند"
[ ١١٩ ]