في التعليق على "رياض الصالحين" للإمام النووي - ﵀ -
* لمَّا أورد المؤلف الإِمام النووي (١) - ﵀ - حديث أبي هريرة -﵁ - قال: جاء رجلٌ إلى النبي - ﷺ - فقال: إني مجهود، فأرسلَ إلى بعض نسائه، فقالت: والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء، ثم أرسلَ إلى أخرى فقالت مثل ذلك، حتى قُلنَ كلُّهن مثل ذلك: لا والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء، فقال النبي -ﷺ-: "من يُضَيِّفُ هذا الليلة"؟ فقال رجل من الأنصار: أنا يا رسول الله، فانطلق به إلى رَحْلِهِ، فقال لامرأته: أكرمي ضيف رسول الله -ﷺ-.
وفي رواية قال لامرأته: هل عندك شيء؟ فقالت: لا، إلَّا
_________________
(١) "رياض الصالحين" (ص ٢٧٨ - ٢٧٩)، الحديث رقم (٥٦٤). ط مؤسسة الرسالة، بيروت، ١٤٠٨ هـ.
[ ٤١ ]
قوت صبياني، قال: عَلِّلِيهم بشيء، وإذا أرادوا العَشَاءِ فنوِّميهم، وإذا دخل ضيفُنا فأطفئي السراج، وأَرِيهِ أَنَّا نأكل، فقعدوا وأكل الضيف، وباتا طاويين، فلما أصبح، غدا على النبيﷺ - فقال: "لقد عَجِبَ الله من صنيعِكُمَا بضيفِكمَا الليلة" متفق عليه (١).
• ثم أورد الشيخ شعيب الأرنؤوط في الحاشية نقلًا عن الخطابي - ﵀ - فقال:
قال أبو سليمان الخطابي: المراد بالعجب الرضا، فكأنه قال: إن ذلك الصنيع قد حلَّ من الرضى عند الله حلول العجب عندكم، وقد يكون المراد بالعجب هنا أنَّ الله يُعَجِّب ملائكته من صنيعهما لندور ما وقع منهما في العادة. ا. هـ.
* قلت:
وهذا الذي نقله الشيخ الأرنؤوط عن الخطابي - ﵀
_________________
(١) "صحيح البخاري" (٣٧٩٨) كتاب مناقب الأنصار: باب قول الله ﷿: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [سورة الحشر، الآية: ٩]،. و(٤٨٨٩) في كتاب التفسير: باب ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية. و"صحيح مسلم" (٢٠٥٤) كتاب الأشربة: باب إكرام الضيف وفضل إيثاره.
[ ٤٢ ]
تعالى- تأويل للصفة عن ظاهرها، وهو خلاف ما قرره أهل السنة والجماعة، حيث يثبتون لله -﷿- صفة العجب، على ما يليق بجلاله -سبحانه-، وأنها من صفاته الاختيارية سبحانه وأنه عجب حقيقي يليق به -تعالى- (١).
قال شيخ الإِسلام ابن تيمية - ﵀ - كما في "مجموع الفتاوى" (٢):
أما قوله: "التعجب استعظام للمتعجب منه":
فيقال: نعم، وقد يكون مقرونًا بجهل سبب التعجب، وقد يكون لما خرج عن نظائره، والله تعالى بكل شيء عليم، فلا يجوز عليه أن لا يعلم سبب ما تعجب منه؛ بل يتعجب لخروجه عن نظائره تعظيمًا له، والله تعالى يعظم ما هو عظيم، إمَّا لعظمة سببه أو لعظمته.
فإنه وصف بعض الخير بأنه عظيم، ووصف بعض الشر بأنه عظيم، فقال تعالى: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [سورة التوبة، الآية: ١٢٩]،
_________________
(١) كالرضا والغضب وغيرهما من صفاته -سبحانه- (عبد العزيز بن عبد الله بن باز).
(٢) (٦/ ١٢٣ - ١٢٤).
[ ٤٣ ]
وقال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧)﴾ [سورة الحجر، الآية: ٨٧]، وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧)﴾ [سورة النساء، الآيتان: ٦٦، ٦٧]، وقال: ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (١٦)﴾ [سورة النور، الآية: ١٦]، وقال: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾ [سورة لقمان، الآية: ١٣].
ولهذا قال تعالى: ﴿بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ﴾ [سورة الصافات، الآية: ١٢] على قراءة الضم (١)، فهنا هو عجب من كفرهم مع وضوح الأدلة.
وقال النبي - ﷺ - للذي آثر هو وامرأته ضيفهما: "لقد عجب الله" وفي لفظ في "الصحيح": "لقد ضحك الله الليلة من صُنعكما البارحة" (٢)، وقال: "إن الرَّبَّ ليعجب من عبده إذا قال: رب اغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلَّا أنت، يقول: عَلِمَ عبدي أنه لا يغفر الذنوب إلا
_________________
(١) وهي قراءة صحيحة متواترة، قرأ بها الأئمة حمزة والكسائي وخلف. ينظر: "المبسوط في القراءات العشر" (ص ٣٧٥) لابن مهران الأصفهاني.
(٢) هو الحديث المذكور في صدر هذا التعقيب وهو من المتفق عليه.
[ ٤٤ ]
أنا" (١)، وقال: "عَجِبَ رَبُّكَ من شابٍّ ليست له صَبْوَة" (٢)، وقال: "عَجِبَ رَبُّك من راعي غنم على رأس شَظِيَّة يؤذن ويقيم، فيقول الله: انظروا إلى عبدي" (٣) أو كما قال، ونحو ذلك. ا. هـ.
_________________
(١) جزء من حديث رواه أبو داود (٢٦٠٢) في الجهاد: باب ما يقول الرجل إذا ركب، والترمذي (٣٤٤٣) في الدعوات: باب ما جاء ما يقول إذا ركب دابة، وأحمد في "المسند" (١/ ٩٧ و١١٥ و١٢٨) من حديث علي بن أبي طالب -﵁ - وفيه قصة. وهو حديث صحيح.
(٢) رواه الإِمام أحمد في "المسند" (٤/ ١٥١)، وأبو يعلى الموصلي في "مسنده" (٣/ ٢٨٨) رقم (١٧٤٩)، والطبراني في "الكبير" (١٧/ ٣٠٩) رقم (٨٥٣)، ورواه أيضًا ابن أبي عاصم في "السُّنة" (ص ٢٥٠) رقم (٥٧١) من حديث عقبة بن عامر -﵁ - وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/ ٢٧٠): "إسناده حسن"، مع أن في إسناده عبد الله بن لهيعة - ﵀ -.
(٣) رواه أبو داود (١٢٠٣) في الصلاة: باب الأذان في السفر. والنسائي (٢/ ٢٠) في الأذان: باب الأذان لمن يصلي وحده. وأحمد في "المسند" (٤/ ١٤٥ و١٥٧) من حديث عقبة بن عامر -﵁ -.
[ ٤٥ ]
الموضع الخامس تأويل إدناء المؤمن من ربه يوم القيامة
في التعليق على "رياض الصالحين" للإمام النووي - ﵀ -
[ ٤٧ ]