في التعليق على "المسند"
* في "المسند" (١) عند حديث أبي هريرة المرفوع إليه - ﷺ - قال: "احتجَّت الجنة والنار، فقالت الجنة: يا رب مالي لا يدخلني إلا فقراء الناس وسقَطُهم؟ وقالت النار: يا رب مالي لا يدخلني إلا الجبارون والمتكبرون؟ فقال للنار: أنتِ عذابي أُصيب بك من أشاء، وقال للجنة: اتتِ رحمتي أُصيب بك من أشاء، ولكل واحدةٍ منكما ملؤها، فأمَّا الجنة، فإن الله ينشيءُ لها ما يشاء، وأما النار فيلقون فيها، وتقول: هل من مزيد؟ حتى يضع قدمه فيها، فهنالك تمتليء، ويُزوى بعضها إلى بعض، وتقول: قط، قط، قط" الحديث مخرج في "الصحيحين" (٢).
_________________
(١) (١٣/ ١٥٠ - ١٥٢).
(٢) "صحيح البخاري" (٤٨٥٠) كتاب التفسير: باب قوله: ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [سورة ق، الآية: ٣٠]، "صحيح مسلم" (٢٨٤٦) [٣٥]، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها: باب النار يدخلها الجبارون، والجنة يدخلها الضعفاء.
[ ١٢١ ]
• جاء في حاشية المحققين شعيب الأرنؤوط وعادل مرشد:
""قدمه" وجاء "رجله" هو من المتشابه، وقيل: تأويل الرِّجْل بالجماعة، والقدم: بالذين قدمهم لها من شرار خلقه، كما أن المسلمين قدمه إلى الجنة".
وقيل: هو كناية عن الرَّوع والقَمْع، أي: حتى يأتيها أمر الله، فيكفها عن طلب المزيد، وقيل: أراد تسكين فورتها، كما يقال لأمر أراد إبطاله: وضعته تحت قدمي.
وقال أبو حاتم ابن حبان في "صحيحه" (٢٦٨) بإثر حديث أنس بن مالك رفعه: "يلقى في النار، فتقول: هل من مزيد؟ حتى يضع الربُّ جل وعلا قدمه فيها فتقول: قط قط": هذا الخبر من الأخبار التي أُطلِقت لتمثيل المجاورة، وذلك أن يوم القيامة يلقى في النار من الأُمم والأمكنة التي عُصِيَ الله عليها، فلا تزال تستزيد حتى يضع الرب -جل وعلا- موضعًا من الكفار والأمكنة في النار فتمتليء فتقول: قط قط، تريد: حسبي حسبي؛ لأن العرب تطلق في لغتها اسم القدم على الموضع، قال الله -جل وعلا-: ﴿لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [سورة يونس، الآية: ٢]، يريد: موضع صدق، لا أن الله -جَلَّ
[ ١٢٢ ]
وعلا- يضع قَدَمه في النار، جل رَبُّنا وتعالى عن مثل هذا وأشباهه" ا. هـ.
* قلت:
وهذا الذي قرره المحققان مجانب للصواب وكذا ما نقلاه عن ابن حبان - ﵀ -، فصفة القَدِمِ وكذا الرَّجْل ثبت بها الحديث عن المصطفى- صلى الة عليه وسلم - فوجب إثباتها لله تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته ﷾ من غير تكييف ولا تمثيل ولا تشبيه (١).
وهذا الحديث أورده الإِمام الحافظ أبو إسماعيل الهروي المتوفى عام (٤٨١ هـ) - ﵀ - في كتابه: "الأربعين في دلائل التوحيد" (٢) وبوَّب عليه فقال: باب إثبات القدم لله -﷿-.
_________________
(١) ينظر: "كتاب التوحيد" (١/ ٢٠٢ - ٢٣١) للإمام ابن خزيمة - ﵀ - بتحقيق الشيخ عبد العزيز الشهوان. و"الروضة الندية شرح العقيدة الواسطية" (ص ١٨٢ - ١٨٦) لشيخنا العلاَّمة زيد بن عبد العزيز الفياض - ﵀ -.
(٢) (٢/ ٧٧) بتحقيق الشيخ علي بن محمَّد الفقيهي.
[ ١٢٣ ]
قال الحافظ البغوي - ﵀ - في "شرح السنة" (١):
"القدم والرِّجلان (٢) المذكوران في هذا الحديث من صفات الله -﷾- المنزَّه عن التكييف والتشبيه، وكذلك كُلُّ ما جاء من هذا القبيل في الكتاب أو السنة كاليد، والإصبع، والعين، والمجيء والإتيان، فالإيمان بها فرض، والامتناع عن الخوض فيها واجب، فالمهتدي من سلك فيها طريق التسليم، والخائض فيها زائغ، والمنكِرُ معطِّل، والمكيف مشبه، تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [سورة الشورى، الآية: ١١]. اهـ (٣).
_________________
(١) (١٥/ ٢٧٥) ط المكتب الإِسلامي، وهو خاتمة كلامه في "شرح السنة".
(٢) كذا في الأصل (الرِّجلان) بالتثنية، وصححها سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز إلى (الرِّجْل) بالإفراد.
(٣) وهذا الذي قاله الإِمام البغوي - ﵀ - هو قولُ أهل السُّنَّة والجماعة، كما ذكر ذلك شيخ الإِسلام ابن تيمية - ﵀ - في كتبه الثلاثة: "الحموية" و"التدمرية" و"الواسطية". والله ولي التوفيق، وصلى الله وسلم على نبينا محمَّد. (عبد العزيز بن عبد الله بن باز).
[ ١٢٤ ]
فتوى حول تأويل آيات الصفات
وحديث: " من تقرَّب إليَّ شبرًا تقرَّبت إليه ذراعًا "
من إجابات سماحة الشيخ العلاَّمة عبد العزيز بن عبد الله بن باز - نفع الله به-
[ ١٢٥ ]