الله ﷿ الظاهر والباطن كما وصف نفسه بذلك، هو الظاهر لظهور آياته ودلائله الدالة عليه ووضوحها وبيانها، وقد مضى القول على ذلك فيما تقدم. وهو
[ ٢٠٨ ]
الباطن لأنه غير مدرك بالحواس كالأشياء المخلوقات التي تدرك بالحواس نحو اللمس، والحس [] (١) والباطن خلاف الظاهر، والباطن أيضًا في كلام العرب: الخبير العالم بما بطن من أمور بعض من يصحبه، ويداخله كقولك: «قد بطن فلان أمر فلان»: أي اختبر باطنه ووقف منه على ما لم يقف عليه غيره.
ويقال: «بطن الدابة فهو باطن»: إذا ضرب بطنها. قال الشاعر:
إذا ضربت موقرًا فابطن له فوق قصيراه وتحت الجلة
ويقال: «بطن الأمر بطونًا»: خلاف ظهر ظهورًا، والبطن: المكان الغامض من الأرض، والبطن: مصدر بطنت الإنسان وغيره أبطنه بطنًا كما ذكرت لك: إذا ضربت بطنه.
والبطن: بطن الإنسان مذكر، فأما قول الشاعر:
فإن كلابًا هذه عشر أبطن وأنت بريء من قبائلها العشر
فإنما أنث لأنه ذهب بالبطن إلى القبيلة فحمل على المعنى وبين ذلك بقوله: «وأنت بريء من قبائلها العشر». وكما قال ابن أبي ربيعة:
_________________
(١) هكذا بياض بالأصل.
[ ٢٠٩ ]
فكان مجنى دون من كنت أتقي ثلاث شخوص كاعبان ومعصر
فقال: «ثلاث شخوص» فأنث، والشخص مذكر لأنه ذهب إلى النساء، وبين ذلك بقوله: «كاعبان ومعصر».
وباطن كل شيء: خلاف ظاهره. وتقول العرب: «نزلنا ببطن الوادي» «وبظهر الجبل». «وبطنت الثوب»: جعلت له بطانة، فالظهارة: ما ظهر واستبان وبطانته: ما بطن وفخي.
وقال الفراء في قوله ﷿: ﴿بطائنها من استبرق﴾: «قد تكون البطانة ظهارة والظهارة بطانة وذلك أن كل واحد منهما يكون وجهًا، قال: وذلك أن العرب تقول: هذا ظهر السماء، للذي تراه وتقول أيضًا: هذا بطن السماء الذي تراه.
قال: وقال ابن الزبير وذكر قتلة عثمان: «فقتلهم الله كل قتلة ونجا من نجا منهم تحت بطون الكواكب: يعني هربوا ليلا». وهذا تعسف عظيم كيف يجوز أن يسمي ظهارة الجبة والحشية والمسورة وما أشبه ذلك بطانة وباطنتها ظهارة؟. و«البطانة»: ما بطن من الثوب وكان من شأن الناس إخفاؤه، وظهارته: ما ظهر منه وكان من شأن الناس إظهاره وإبداؤه، ولذلك قيل: ظهارة وبطانة من الظهور والبطون».
[ ٢١٠ ]
ولو قال لوجه مصلى: «هذا بطانته»، ولما ولي الأرض منه: «هذا ظهارته» لكان غير بعيد من أن يقال: هذيت، وأحلت، وإنما أراد الله ﵎ أن يفهم عباده من حيث يفهمون، ويعرفهم فضل هذه الفرش، وأن ما ولي الأرض منها هو البطانة من الاستبرق وهو الغليظ من الديباج فإذا كانت البطانة كذلك، والظهارة أعلى وأشرف لأن العادة بذلك جرت عند الآدميين.
ومنه قول النبي ﷺ: «لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أخشن من هذه الحلة».
فذكر المناديل دون غيرها لأنها أخشن من الثياب، وكذلك البطائن أحسن من الظواهر.
فأما قولهم: ظهر السماء، وبطن السماء جميعًا لما ولينا فإن مثل هذا قد يجوز في ذي الوجهين المتساويين إذا ولي كل واحد منهما قومًا كقولك لحائط بينك وبين قوم: «هذا ظهر الحائط» لما وليك، ويقول الآخرون لما وليهم: «هذا ظهر الحائط» لأنه لا فرق بينهما، وكل واحد من الوجهين ظهر وبطن لتساويهما. وكذلك تقول لما وليك: «هذا بطن الحائط» تريد أنه بطن لما وراءه، وتقول: «اضطرب بطن هذا الحائط» «وقد أعطى بطنًا» فهذا سائغ في ذي الوجهين المتساويين مما لم تجر العادة بأن يكون ظاهره خلاف باطنه في تفضيل وتشريف، فأما في الفرش واللباس فغير جائز. وكذلك أيضًا يقال لما ولينا من السماء: «هذا ظهرها» وهو لمن فوقها من الملائكة بطن.
وإنما ذهب الفراء في قوله: قد تكون الظهارة بطانة والباطنة ظهارة في قوله: «بطائنها من استبرق» فيما أرى إلى أن الظهارة والبطانة متساويان في الجلالة ليس
[ ٢١١ ]
لأحدهما فضل على الآخر والله أعلم بالمراد من ذلك، ولكنه قد ذكر في هذه السورة التي ذكر فيها هذا الحرف وهي السورة التي يذكر فيها الرحمن شيئًا ما أحسب له مخرجًا في تأويل ولا تفسير، ولا يصح بوجه ولا تقدير، وذلك أنه قال في قوله ﷿: ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان﴾ إنه قد يكون في العربية جنة واحدة فقيل: «كجنتان» كما قال الشاعر:
ومهمهين قذفين مرتين قطعته بالام لا بالسمتين
قال: إنما أراد مهمنا واحدًا ولذلك قال: «قطعته»، وإنما ثنى للقافية. قال وأنشد لبعضهم:
يسعى بكبداء ولهذمين قد جعل الأرطاة جنتين
أراد بكبداء ولهذم فثنى للقافية. قال: «وروؤس القوافي تحتمل الزيادة والنقصان»، كأنه ذهب إلى أنها جنة واحدة فقيل «جنتان» لتتفق رؤوس الآي، وهذا قبيح جدًا وتعسف عظيم. ومثله غير جائز إطلاقه على الله ﷿ أن يعد من خاف مقامه بجنتين ويصفهما ﴿ذواتا أفنان﴾ وفيهما كذا وكذا فيصفهما وما فيهما. ويعتقد معتقد أن المراد جنة واحدة وإنما ثنى ذلك للفاصلة وليس بينه وبيني «من» عارضه.
[ ٢١٢ ]
وقال: في خزنة النار عشرون وأكثر وإنما قال «تسعة عشر» لرأس الآية فرق بل ينشعب من هذا أشياء قبيحة جدًا والإمساك عنها أولى، وإنما يقع من الزيادة في القوافي وفي رؤوس الآي ما لا يغير المعنى بزيادته نحو هاء الاستراحة في الوقف في قوله: ﴿ما أغنى عني ماليه. هلك عني سلطانيه﴾. ونحو الألف للمد في مثل قوله: ﴿ويظنون بالله الظنونا﴾، ﴿فأضلونا السبيلا﴾ وما أشبه ذلك مما يكثر في القوافي ورؤوس الآي، مما لا يغير المعنى كما يحذف فيها ما لا يفسد المعنى بحذفه نحو قوله: ﴿والليل إذا يسر﴾، وحذف الواو والياء اللتين يتبعان هاء الإضمار وما أشبه ذلك مما يطول تعداده ولشهرته وكثرته أمسكنا عن ذكره.
وتقول: «رجل مبطن»: خميص البطن، «ورجل بطين»: عظيم البطن، و«مبطون»: عليل البطن، و«بطن»: منهوم كثير الأكل شره.
وكذلك يقال: «رجل مبطن»: للشديد الظهر، و«رجل ظهر»: يشتكي ظهره مثل «فقر»: إذا اشتكى فقاره، قال طرفة:
وإذا تلسنني ألسنها إنني لست بموهون فقر
وقال أبو عمرو الشيباني: إنما أراد بالفقر من الفقر وسوء الحال. وكذلك يقال: «رجل مصدر»: شديد الصدر، و«مصدور»: يشتكي صدره ومنه قولهم:
[ ٢١٣ ]
لا بد للمصدور من أن ينفث
ويقال: «استبطن الرجل سيفه»: إذا اشتمل عليه تحت ثيابه فستره، و«تبطن الرجل المرأة» إذا غشيها، وينشد لأمرئ القيس:
كأني لم أركب جوادًا للذة ولم أتبطن كاعبًا ذات خلخال
وكذلك يقال: «تبطنت الوادي»: سرت في بطنه.
وقال امرؤ القيس:
وغيث من الوسمي حو نباته تبطنته بشيظم صلتان
الغيث: المطر وإنما أراد هنا النبات، سماه غيثًا لأنه عنه يكون، والأحوى: الذي يضرب إلى السواد بخضرته، والشيظم: الفرس الطويل، وصلتان: صافي الوجه قليل اللحم ومنه قيل: «صلت الجبين»، وقيل: «صلتان ماض»، تبطنته: سرت في بطنه.