العزيز في كلام العرب على أربعة أوجه، العزيز: الغالب القاهر، والعزة: الغلبة، والمعازة: المغالبة. ومنه قوله ﷿: ﴿وعزني في الخطاب﴾، أي غلبني في محاورة الكلام، ومنه قولهم: «من عزيز»: أي من غلب سلب، وينشد للخنساء:
وكنا قديمًا حمى يتقى إذ الناس إذ ذاك من عزبزا
والعزازة: مصدر العزيز أيضًا، قال عمارة:
تنوخهم نمير كل يوم كفعل أخي العزازة بالذليل
والعزيز: الجليل الشريف، ومنه قولهم: «إذا عز أخوك فهن» وقولهم: «فلان يعتز بفلان: أي يتجالل به ويتشرف ويتكبر. وكذلك قوله ﷿: ﴿لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل﴾: أي ليخرجن الجليل الشريف منها الذليل.
[ ٢٣٧ ]
وذكر صاحب العين أنه يؤثر عن بعض السلف أنه قرأ «ليخرجن الأعز منها الأذل» أي ليخرجن الأعز منها ذليلًا. وهذه القراءة في مذاهب العربية رديئة مردودة لأن في الأذل الألف واللام فلا تكون حالًا لأنها معرفة والحال لا تكون إلا نكرة، وإنما القراءة التي عليها الجماعة: «ليخرجن الأعز منها الأذل» أي ليخرجن العزيز الذليل من المدينة، وهذا قول المنافقين للنبي ﷺ وأصحابه - ﵏ -».
فإن قال قائل: فقد جاءت عن العرب أشياء من الأحوال معارف مثل قولهم: «رجع عوده على بدئه» و«الناس فيها الجماء الغفير»، و«دخلوا الأول فالأول» فقد يجوز أن يكون أيضًا مذهب من قرأ «ليخرجن الأعز منها الأذل» بتأويل ليخرجن العزيز منها ذليلًا على هذا الوجه الذي جاءت فيه بعض الأحوال معرفة.
قيل له: هذه الأشياء التي جاءت معارف من الأحوال شواذ لا يقاس عليها، ولا يحمل كتاب الله على الشواذ وعلى ما مجراه مجرى المطروح المتروك الذي لا يقاس، ومع ذلك فإن سيبويه يذهب إلى أن هذه الأشياء التي جاءت بلفظ المعارف من الأحوال تقدر تقدير النكرات بتأويلات قد ذكرها. والخليل يذهب إلى مثل ذلك إلا في قوله: «دخلوا الأول فالأول» فإنه ذكر أن العرب تكلمت به على إلغاء الألف واللام كأنهما لم يذكرا. وهذا شاذ جدًا، وما كان هذا سبيله فلا يحمل عليه كتاب الله ﷿ لا سيما والقراء المأخوذ عنهم الأعلام متفقون على القراءة الجيدة وهي: «لنخرجن الأعز منها الأذل» أي: ليخرجن العزيز منها الذليل. والمعنى يدل على صحة هذا وفساد تلك القراءة لأن المنافقين إنما توعدوا أصحاب النبي ﷺ بأنهم يخرجونهم من المدينة لعزهم واقتدارهم لضعف الإسلام والمسلمين إذ ذاك ولم يريدوا أنه يخرج العزيز منها ذليلًا لأنه لم يكن عندهم أن أصحاب النبي ﷺ أعزاء فيقصدوا لإذلالهم.
والوجه الثالث: أن يكون العزيز بمعنى القوي، يقال: «عز فلان بعد ضعف»
[ ٢٣٨ ]
أي قوي يعز عزًا، و«أعزه الله بولده» أي: قواه بهم. كذلك حكى الخليل عن العرب.
والوجه الرابع: أن يكون العزيز بمعنى الشيء القليل الوجود المنقطع النظير يقال: «عز الشيء عزة فهو عزيز»: غير موجود. فهذه أربعة أوجه في العزيز يجوز وصف الله ﷿ بها، يقال: «الله العزيز»: بمعنى الغالب القاهر و«الله العزيز»: أي هو الجليل العظيم، و«الله العزيز»: بمعنى القوي. وقد مضى معنى وصفه بالقوي واشتقاق ذلك وتصريفه فيما مضى من الكتاب.
والله العزيز: أي هو غير موجود النظير والمثل جل وتعالى عن ذلك علوًا كبيرًا. وأصل هذا كله في اللغة راجع إلى الشدة والامتناع لا يخرج شيء منه عن ذلك، وهو مأخوذ من قولك: «أرض عزاز»: إذا كانت صلبة لا يعلوها الماء كذلك يقول الخليل.
وغيره يقول: العزاز: الأرض الغليظة الصلبة الشديدة.
وقال الأصمعي: العزاز: المكان الصلب السريع السيل في المطر لصلاته ويقال: «أعززنا»: صرنا إلى العزاز، كما يقال «أنجدنا»: إذا صاروا إلى نجد، و«أعرقنا»: صرنا إلى العراق، و«أشأمنا»، «أيمنا»: كل هذا بالألف. ويقال: «جلس الرجل»: إذا أتى جلسًا بغير ألف، قال الشاعر:
إذا ما جلسنا لا نزول ترومنا سليم لدى أبياتنا وهوازن
وأخبرنا نفطويه عن ثعلب عن ابن الأعرابي قال: تقول العرب: «ما أدري أغار أم مار»، غار: أتى الغور، ومار: أتى نجدًا.
[ ٢٣٩ ]
والعزوز: الشاة الضيقة الأحليل تحلب بجهد. يقال: «قد تعززت» وهو من الامتناع أيضًا. والعزازة: مصدر في القلة. ويقال: «عازني فلان فعززته»: أي غالبني فغلبته. والعزاء: السنة الشديدة. و«المطر يعزز الأرض تعزيزًا»: إذا لبدها.