المقدمة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] .
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١] .
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠-٧١] .
أما بعد:
فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدى هدى محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، ثم أما بعد.
فإن من أولى ما شغلت به الأوقات، تعلم العلم وتعليمه، ونشره بين الناس، ولاسيما علم أصول الدين الذي به يعرف الله ﷿، وأسماؤه وصفاته، وما يجب له على خلقه، وما ينبغي في حقه وما لا يجوز، وغير ذلك من مسائل الإيمان، والقدر، واليوم الآخر، وغيرها كثير وقد اجتهدت طوائف المبتدعين في الانتصار لعقائدها، ونشرها بين الناس وأهل السنة والجماعة، من سلف هذه الأمة الصالحين ومن تبعهم -أولى بذلك منهم، فإنهم على الحق والهدى.
هذا ومما يؤسف له أن بعض الجامعات الإسلامية في كثير من البلدان، لم تعط عقائد السلف ما تستحقه من العناية والدراسة، والبحث والنشر، وإذا
[ ٩ ]
نشرت شيئًا من الكتب والبحوث في مجال العقيدة، فإنما هي عقيدة الأشعرية والماتريدية وأشباههم، وإن كان هناك وجود لكتب تتحدث عن عقيدة السلف. أهل السنة والجماعة- فإنها مشوبة بكلام المتكلمين ومصطلحاتهم الحادثة المبتدعة، وليست بصفاء عقائد السلف المأثورة عنهم، البعيدة عن التكلف والكلام والجدل، المقصورة على ما جاء في كتاب الله، وحديث رسوله ﷺ.
وقد أحببت- مستعينًا بالله تعالى- أن أسهم بهذا الجهد المتواضع في نشر عقيدة السلف الصالح والذب عنها، وإظهار ما كانوا عليه في مسائل أصول الدين، وما ردُّوا به على أصناف المبتدعة والملحدين.
وقد بدأت في جمع أقوال عدد من أئمة السلف أهل السنة والجماعة في مسائل أصول الدين، وذلك من مصادر مختلفة، حيث حكى كل منهم ما يعتقده من مسائل أصول الدين، وما يدين به لله رب العالمين، ورتبت ذكر هؤلاء الأئمة وكلامهم على حسب الزمن، فبدأت بأقدمهم ثم الذي يليه وهكذا وقد بلغت عدتهم ثمانية وعشرون إمامًا مرتبة أقوالهم وعقائدهم، وذلك على الترتيب الآتي:
١- أبو حنيفة "١٥٥" هـ.
٢- الأوزاعي "١٥٧" هـ.
٣- الثوري "١٦١" هـ.
٤- مالك "١٧٩" هـ.
٥- ابن المبارك "١٨١" هـ.
٦- ابن عيينه "١٩٨" هـ.
٧- الشافعي "٢٠٤" هـ.
٨- الحميدي "٢١٩" هـ.
٩- بشر بن الحارث "٢٢٧" هـ.
١٠- ابن المديني "٢٣٤" هـ.
[ ١٠ ]
١١- أبو ثور "٢٤٠" هـ.
١٢- أحمد بن حنبل "٢٤١" هـ.
١٣- البخاري "٢٥٦" هـ.
١٤- الذهلي "٢٥٨" هـ.
١٥- أبو زرعة الرازي "٢٦٤" هـ.
١٦- أبو حاتم الرازي "٢٧٧" هـ.
١٧- ابن أبي حاتم "٣٢٧" هـ.
١٨- ابن جرير "٣١٠" هـ.
١٩- أبو بكر بن أبي داود "٣١٦" هـ.
٢٠- نصر المقدسي "٤٩٠" هـ.
٢١- القادر بالله "٤٢٢" هـ.
٢٢- الهاشمي "٤٢٨" هـ
٢٣- الصابوني "٤٤٩" هـ
٢٤- الخطيب البغدادي "٤٦٣" هـ
٢٥- الزنجاني "٤٧١" هـ.
٢٦- الكلوذاني "٥١٠" هـ.
٢٧- الكرجي "٥٣٢" هـ.
٢٨-السلفي "٥٧٦" هـ.
كما قمت بعمل ترجمة مختصرة لكل واحد منهم أذكرها عند الكلام عن عقيدته، وذلك لبيان منزلته عند أهل العلم.
[ ١١ ]
١- اعتقاد الإمام أبي حنيفة
أ- أقوال الإمام أبي حنيفة في التوحيد:
أولًا: عقيدته في توحيد الله وبيان التوسل الشرعي وإبطال التوسل البدعي:
قال أبو حنيفة: "لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به والدعاء المأذون فيه المأمور به ما استفيد من قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ١ "٢.
٢- قال أبو حنيفة: "يكره أن يقول الداعي أسألك بحق فلان أو بحق أنبيائك ورسلك وبحق البيت الحرام والمشعر الحرام"٣.
٣- وقال أبو حنيفة: "لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به وأكره أن يقول بمعاقد العز من عرشك٤، أو بحق خلقك"٥.
_________________
(١) ١ سورة الأعراف، الآية ١٨٠. ٢ الدر المختار مع حاشية رد المحتار "٦/ ٣٩٦- ٣٩٧". ٣ شرح العمدة الطحاوية ص ٢٣٤، وإتحاف السادة المتقين ٢/٢٨٥، وشرح الفقه الأكبر للقاري ص ١٩٨. ٤ كره الإمام أبو حنيفة ومحمد بن الحسن أن يقول الرجل في دعائه: "اللهم إني أسألك بمعاقد العزّ من عرشك" لعدم وجود النص في الإذن به، وأما أبو يوسف فقد جوّزه لوقوفه على نص من السنة، وفيه أن النبي ﷺ، كان من دعائه: "اللهم إني أسألك بمعاقد العزَّ من عرشك ومنتهى الرحمة من كتابك".. وهذا الحديث أخرجه البيهقي في كتاب الدعوات الكبيرة كما في البناية ٩/٣٨٢، ونصب الراية "٤/٢٧٢"، وفي إسناده ثلاثة أمور قادحة: ا- عدم سماع داود بن أبي عاصم لابن مسعود.
(٢) عبد الملك بن جريج مدلس ويرسل.
(٣) عمر بن هارون متهم بالكذب من أجل ذلك قال ابن الجوزي كما في البناية "٩/٣٨٢"، "هذا حديث موضوع بلا شك وإسناده محبط كما ترى". انظر تهذيب التهذيب "٣/١٨٩"، "٦/٤٠٥"، "٧/٥٠١"، وتقريب التهذيب "١/٥٢٠". ٥ التوسل والوسيلة، ص ٨٢، وانظر شرح الفقه الأكبر ص ١٩٨.
[ ١٢ ]
ثانيًا: قوله في إثبات الصفات والرد على الجهمية:
٤- وقال: "لا يوصف الله تعالى بصفات المخلوقين، وغضبه ورضاه صفتان من صفاته بلا كيف، وهو قول أهل السُّنَّة والجماعة وهو يغضب ويرضى ولا يقال: غضبه عقوبته ورضاه ثوابه، ونصفه كما وصف نفسه أحدٌ صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، حيُّ قادر سميع بصير عالم، يد الله فوق أيديهم ليست كأيدي خلقه ووجهه ليس كوجوه خلقه"١.
٥-وقال: "وله يد ووجه ونفس، كما ذكره الله تعالى في القرآن، فما ذكره الله تعالى في القرآن من ذكر الوجه واليد والنفس، فهو له صفات بلا كيف ولا يقال إن يده قدرته أو نعمته، لأن فيه إبطال الصفة وهو قول أهل القدر والاعتزال"٢.
٦- وقال: "لا ينبغي لأحد أن ينطق في ذات الله بشيء بل يصفه بما وصف به نفسه ولا يقول فيه برأيه شيئًا تبارك الله وتعالى رب العالمين"٣.
٧- ولما سئل عن النزول الإلهي قال: "ينزل بلا كيف"٤.
٨- وقال أبو حنيفة: "والله تعالى يدعى من أعلى لا من أسفل لأن الأسفل ليس من وصف الربوبية والألوهية في شيء"٥.
٩- وقال: "وهو يغضب ويرضى ولا يقال غضبه عقوبته ورضاه ثوابه"٦.
_________________
(١) ١ الفقه الأبسط ص ٥٦. ٢ الفقه الأكبر ص ٣٠٢. ٣ شرح العقيدة الطحاوية "٢/٤٢٧"، تحقيق د. التركي، جلاء العينين ص ٣٦٨. ٤ عقيدة السلف أصحاب الحديث ص ٤٢، ط دار السلفية، الأسماء والصفات للبيهقي ص ٤٥٦ د وسكت عليه الكوثري، وشرح العقيدة الطحاوية ص ٢٤٥، تخريج الألباني، وشرح الفقه الأكبر للقاري ص ٦٠. ٥ الفقه الأبسط ص ٥١. ٦ الفقه الأبسط ص٥٦، وسكت عليه محقق الكتاب الكوثري
[ ١٣ ]
١٠- وقال: "ولا يشبه شيئًا من الأشياء من خلقه ولا يشبهه شيء من خلقه، لم يزل ولا يزال بأسمائه وصفاته"١.
١١- وقال: "وصفاته بخلاف صفات المخلوقين يعلم لا كعلمنا، ويقدر لا كقدرتنا، ويرى لا كرؤيتنا، ويسمع لا كسمعنا، ويتكلم لا ككلامنا"٢.
١٢- وقال: "لا يوصف الله تعالى بصفات المخلوقين"٣.
١٣- وقال: "ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر"٤.
١٤- وقال: "وصفاته الذاتية والفعلية، أما الذاتية فالحياة؟ والقدرة والعلم والكلام والسمع والبصر والإرادة، وأما الفعلية فالتخليق والترزيق والإنشاء والإبداع والصنع وغير ذلك من صفات الفعل لم يزل ولا يزال بأسمائه وصفاته"٥.
١٥- وقال: "ولم يزل فاعلًا بفعله والفعل صفة في الأزل والفاعل هو الله تعالى والفعل صفة في الأزل والمفعول مخلوق وفعل الله تعالى غير مخلوق"٦.
١٦- وقال: "من قال لا أعرف ربي في السماء أو في الأرض فقد كفر، وكذا من قال إنه على العرش ولا أدري العرش أفي السماء أم في الأرض"٧.
_________________
(١) ١ الفقه الأكبر ص ٣٠١. ٢ الفقه الأكبر ص ٣٠٢. ٣ الفقه الأبسط ص ٥٦. ٤ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص ٢٥. ٥ الفقه الأكبر ص ٣٠١. ٦ الفقه الأكبر ص ٣٠١. ٧ الفقه الأبسط ص ٤٦. نقل نحو هذا اللفظ شيح الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٥/٤٨)، وابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية ص ١٣٩، والذهبي في العلو ص ١٠١- ١٠٢، وابن قدامة في العلو ص ١١٦، وابن أبي العزّ في شرح الطحاوية ص ٣٠١.
[ ١٤ ]
١٧- وقال للمرأة التي سألته أين إلهك الذي تعبده قال: "إن الله ﷾ في السماء دون الأرض، فقال له رجل: أرأيت قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ ١ قال: هو كما تكتب للرجل إني معك وأنت غائب عنه"٢.
١٨- وقال كذلك: "يد الله فوق أيديهم ليست كأيدي خلقه"٣.
١٩- وقال: "إن الله ﷾ في السماء دون الأرض، فقال له رجل: أرأيت قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ ٤ قال: هو كما تكتب لرجل إني معك وأنت غائب عنه"٥.
٢٥- وقال: "قد كان متكلمًا ولم يكن كلم موسى ﵇"٦.
٢١- وقال: "ومتكلمًا بكلامه والكلام صفة في الأزل"٧.
٢٢- وقال: "وتكلم لا ككلامنا"٨.
٢٣- وقال: "وسمع موسى ﵇ كلام الله تعالى كما قال الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ ٩ وقد كان الله تعالى متكلمًا ولم يكن كلم موسى ﵇"١٠.
٢٤- وقال: "والقران كلام الله في المصاحف مكتوب وفي القلوب محفوظ، وعلى الألسن مقروء، وعلى النبي ﷺ، أنزل"١١.
_________________
(١) ١ سورة الحديد، الآية ٤. ٢ الأسماء والصفات ص ٤٢٩. ٣ الفقه الأبسط ص ٥٦. ٤ سورة الحديد، الآية ٤. ٥ الأسماء والصفات (٢/ ١٧٠) . ٦ الفقه الأكبر ص ٣٠٢. ٧ الفقه الأكبر ص ٣٠١. ٨ الفقه الأكبر ص ٣٠٢. ٩ سورة النساء، الآية ١٦٤. ١٠ الفقه الأكبر ص ٣٠٢. ١١ الفقه الأكبر ص ٣٠١.
[ ١٥ ]
٢٥- وقال: "والقرآن غير مخلوق"١.
ب- أقوال الإمام أبي حنيفة في القدر
١- جاء رجل إلى الإمام أبي حنيفة يجادله في القدر فقال له: "ما علمت أن الناظر في القدر كالناظر في عيني الشمس كلما إزداد نظرًا إزداد تحيرًا"٢.
٢- يقول الإمام أبو حنيفة: "وكان الله تعالى عالمًا في الأزل بالأشياء قبل كونها"٣.
٣- وقال: "يعلم الله تعالى المعدوم في حالة عدمه معدومًا، ويعلم أنه كيف يكون إذا أوجده، ويعلم الله تعالى الموجود في حال وجوده موجودًا ويعلم كيف يكون فناؤه"٤.
٤- يقول الإمام أبو حنيفة: "وقدره في اللوح المحفوظ"٥.
٥- وقال: "ونقر بأن الله تعالى أمر القلم أن يكتب فقال القلم: ماذا أكتب يا رب؟ فقال الله تعالى: أكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة لقوله تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ * وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ ٦"٧.
٦- وقال الإمام أبو حنيفة: "ولا يكون في الدنيا ولا في الآخرة شيء إلا بمشيئته"٨.
_________________
(١) ١ الفقه الأكبر ص ٣٠١. ٢ قلائد عقود العقيان (ق- ٧٧- ب) . ٣ الفقه الأكبر ص ٣٠٢، ٣٠٣. ٤ الفقه الأكبر ص ٣٠٢، ٣٠٣. ٥ الفقه الأكبر ص ٣٠٢. ٦ سورة القمر، الآيتان ٥٢- ٥٣. ٧ الوصية مع شرحها ص ٢١. ٨ الفقه الأكبر ص ٣٠٢.
[ ١٦ ]
٧- ويقول الإمام أبو حنيفة: "خلق الله الأشياء لا من شيء"١.
٨- وقال: "وكان الله تعالى خالقًا قبل أن يخلق"٢.
٩- وقال: "نقر بأن العبد مع أعماله وإقراره ومعرفته مخلوق، فلما كان الفاعل مخلوقًا فأفعاله أولى أن تكون مخلوقة"٣.
١٠- وقال: "جميع أفعال العباد من الحركة والسكون كسبهم والله تعالى خالقها وهي كلها بمشيئته وعلمه وقضائه وقدره"٤.
١١- قال الإمام أبو حنيفة: "وجميع أفعال العباد من الحركة والسكون كسبهم على الحقيقة والله تعالى خلاقها وهي كلها بمشيئته وعلمه وقضائه وقدره، والطاعات كلها كانت واجبة بأمر الله تعالى وبمحبته وبرضاه وعلمه ومشيئته وقضائه وتقديره، والمعاصي كلها بعلمه وقضائه وتقديره، ومشيئته لا بمحبته ولا برضاه ولا بأمره"٥.
١٢- وقال: "خلق الله تعالى الخلق سليمًا من الكفر والإيمان٦ ثم خاطبهم وأمرهم ونهاهم، فكفر من كفر بفعله وإنكاره وجحوده الحق بخذلان الله تعالى إياه، وآمن من آمن بفعله وإقراره وتصديقه بتوفيق الله تعالى ونصرته له"٧.
١٣- وقال: "وأخرج ذرية آدم من صلبه على صور الذر، فجعلهم عقلاء فخاطبهم وأمرهم بالإيمان ونهاهم عن الكفر، فأقروا له بالربوبية فكان ذلك منهم إيمانًا فهم يولدون على تلك الفطرة، ومن كفر بعد
_________________
(١) ١ الفقه الأكبر ص ٣٠٢. ٢ الفقه الأكبر ص ٣٠٤. ٣ الوصية مع شرحها ص ١٤. ٤ الفقه الأكبر ص ٣٠٣. ٥ الفقه الأكبر ص ٣٠٣. ٦ الصواب: خلق الله تعالى الخلق على فطرة الإسلام كما سيبينه أبو حنيفة في قوله الآتي. ٧ الفقه الأكبر ص ٣٠٢ – ٣٠٣.
[ ١٧ ]
ذلك فقد بذل وغيّر، ومن آمن وصدّق فقد ثبت عليه وداوم"١.
١٤- وقال: "وهو الذي قدّر الأشياء وقضاها ولا يكون في الدنيا ولا في الآخرة شيء إلا بمشيئته وعلمه وقضائه وقدره، وكتبه في اللوح المحفوظ"٢.
١٥- وقال: "لم يجبر أحدًا من خلقه على الكفر ولا على الإيمان، ولكن خلقهم أشخاصًا والإيمان والكفر فعل العباد، ويعلم تعالى من يكفر في حال كفره كافرًا، فإذا آمن بعد ذلك فإذا علمه مؤمنًا أحبه من غير أن يتغيّر علمه"٣.
ج- أقوال الإمام أبن حنيفة في الإيمان
١- قال: "والإيمان هو الإقرار والتصديق"٤.
٢- وقال: "الإيمان إقرار باللسان وتصديق بالجنان والإقرار وحده لا يكون إيمانًا"٥. ونقله الطحاوي عن أبي حنيفة وصاحبه"٦.
٣- وقال أبو حنيفة: "والإيمان لا يزيد ولا ينقص"٧.
قلت: قوله في عدم زيادة الإيمان ونقصانه وقوله في مسمى الإيمان وأنه تصديق بالجنان وإقرار باللسان وأن العمل خارج عن حقيقة الإيمان.
قوله هذا هو الفارق بين عقيدة الإمام أبي حنيفة في الإيمان وبين عقيدة سائر أئمة الإسلام مالك والشافعي وأحمد وإسحاق والبخاري وغيرهم والحق معهم، وقول أبي حنيفة مجانب للصواب وهو مأجور في
_________________
(١) ١ الفقه الأكبر ص ٣٠٢. ٢ الفقه الأكبر ص ٣٠٢. ٣ الفقه الأكبر ص ٣٠٣. ٤ الفقه الأكبر ص ٣٠٤. ٥ كتاب الوصية مع شرحها ص ٢. ٦ الطحاوية مع شرحها ص ٣٦٠. ٧ كتاب الوصية مع شرحها ص ٣.
[ ١٨ ]
الحالين، وقد ذكر ابن عبد البر وابن أبي العزّ ما يشعر أن أبا حنيفة رجع عن قوله والله أعلم١.
د- أقوال الإمام أبي حنيفة في الصحابة:
١- قال الإمام أبو حنيفة: "ولا نذكر أحدًا من صحابة الرسول ﷺ إلا بخير"٢.
٢- وقال: "ولا نتبرأ من أحد من أصحاب الرسول ﷺ، ولا نوالي أحدًا دون أحد"٣.
٣- ويقول: "مقام أحدهم مع رسول الله ﷺ، ساعة واحدة خير من عمل أحدنا جميع عمره وإن طال"٤.
٤- وقال: "ونقر بأن أفضل هذه الأمة بعد نبينا محمد ﷺ أبو بكر الصديق ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضوان الله عليهم أجمعين"٥.
- وقال: "أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، ثم نكف عن جميع أصحاب رسول الله ﷺ، إلا بذكر جميل"٦.
هـ- نهيه عن الكلام والخصومات في الدين
١- قال الإمام أبو حنيفة: "أصحاب الأهواء في البصرة كثير، ودخلتها عشرين مرة ونيفًا وربما أقمت بها سنة أو أكثر أو أقل ظانًا أن علم
_________________
(١) ١ التمهيد لابن عبد البر (٩/٢٤٧)، شرح العقيدة الطحاوية ص ٣٩٥. ٢ الفقه الأكبر ص ٣٠٤. ٣ الفقه الأبسط ص ٤٠. ٤ مناقب أبي حنيفة للمكي ص ٧٦. ٥ الوصية مع شرحها ١٤. ٦ كما في النور اللامع (ق ١١٩- ب) عنه.
[ ١٩ ]
الكلام أجل العلوم"١.
٢- وقال: "كنت أنظر في الكلام حتى بلغت مبلغًا يشار إليّ فيه بالأصابع، وكنا نجلس بالقرب من حلقة حماد بن أبي سليمان فجاءتني امرأة فقالت: رجل له امرأة أمة أراد أن يطلقها للسنة كم يطلقها؟.
فلم أدر ما أقول فأمرتها أن تسأل حمادًا ثم ترجع فتخبرني فسألت حمادًا فقال: يطلقها وهي طاهر من الحيض والجماع تطليقة ثم يتركها حتى تحيض حيضتين فإذا اغتسلت فقد حلّت للأزواج، فرجعت فأخبرتني فقلت: لا حاجة لي في الكلام وأخذت نعلي فجلست إلى حماد"٢.
٣- وقال: " لعن الله عمرو بن عبيد فإنه أحدث للناس الطريق إلى الكلام فيما لا ينفعهم في الكلام"٣.
وسأله رجل وقال: "ما تقول فيما أحدثه الناس في الكلام في الأعراض والأجسام، فقال: "مقالات الفلاسفة عليك بالأثر وطريق السلف، وإيّاك وكل محدثة فإنها بدعة"٤.
٤- قال حماد ابن أبي حنيفة: "دخل عليّ أبي﵀- يومًا وعندي جماعة من أصحاب الكلام ونحن نتناظر في باب، قد علت أصواتنا فلما سمعت حسَّه في الدار خرجت إليه فقال لي يا حماد من عندك؟ قلت: فلان وفلان وفلان، سمَّيتُ من كان عندي، قال: وفيم أنتم؟ قلت: في باب كذا وكذا، فقال لي: يا حماد دع الكلام- قال: ولم أعهد أبي صاحب تخليط ولا ممن يأمر بالشيء ثم ينهي
_________________
(١) ١ مناقب أب حنيفة للكردي ص ١٣٧. ٢ تاريخ بغداد ١٣/٣٣٣. ٣ ذم الكلام للهروي ص ٢٨-٣١. ٤ ذم الكلام للهروي (١٩٤/ ب) .
[ ٢٠ ]
عنه. فقلت له: يا أبت ألست كنت تأمرني به، قال: بلى يا بني وأنا اليوم أنهاك عنه، قلت: ولم ذاك، فقال: يا بني إن هؤلاء المختلفين في أبواب من الكلام ممن ترى كانوا على قول واحد ودين واحد حتى نزغ الشيطان بينهم فألقى بينهم العداوة والاختلاف فتباينوا" ١.
٥- وقال أبو حنيفة لأبي يوسف: "إيّاك أن تكلم العامة في أصول الدين من الكلام فإنهم قوم يقلدونك فيشتغلون بذلك"٢.
هذه طائفة من أقواله﵀- وما يعتقده في مسائل أصول الدين وموقفه من الكلام والمتكلمين.
_________________
(١) ١ مناقب أبي حنيفة للمكي ص ١٨٣-١٨٤. ٢ مناقب أبي حنيفة للمكي ص ٣٧٣.
[ ٢١ ]
٢- اعتقاد أبي عمرو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي١-٢ المتوفى ١٥٧هـ
قال اللالكائي أخبرنا الحسن بن عثمان قال أخبرنا أحمد بن حمدان قال حدثنا بشر بن موسى قال حدثنا معاوية بن عمرو قال حدثنا أبو إسحاق قال: سألت الأوزاعي فقال: اصبر نفسك على السنة وقف حيث وقف القوم وقل بما قالوا وكف عما كفوا عنه واسلك سبيل سلفك الصالح فإنه يسعك ما وسعهم.
وقد كان أهل الشام في غفلة من هذه البدعة حتى قذفها إليهم بعض أهل العراق ممن دخل في تلك البدعة- القول بخلق القرآن- بعدما ردها عليهم فقهاؤهم وعلماؤهم فأشربها قلوب طوائف من أهل الشام واستحلتها ألسنتهم (وأصابهم) ما أصاب غيرهم من الاختلاف فيه.
ولو كان هذا خيرًا ما خصصتم به دون أسلافكم فإنه لم يدخر عنهم خير خبىء لكم دونهم لفضل عندكم وهم أصحاب نبيه ﷺ الذين اختارهم وبعثه فيهم ووصفهم (بما وصفهم) به فقال: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح: ٢٩] .
_________________
(١) ١ أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي الفقيه كان رأسًا في العلم والعمل جم المناقب. قال إسماعيل بن عباس: سمعت الناس سنة أربعين ومائة يقولون: الأوزاعي اليوم عالم الأمة. وقال عبد الله الخريبي: أفضل أهل زمانه. وقال الوليد بن مسلم: ما رأيت أكثر اجتهادًا في العبادة من الأوزاعي، وفي تهذيب النووي عن عبد الرحمن بن مهدي قاد: الأئمة في الحديث أربعة الأوزاعي ومالك وسفيان الثوري وحماد بن زيد، ولد سنة ثمان وثمانين كما قال ابن ناصر الدين وتوفي ﵀ سنة سبع وخمسين ومائة. شذرات الذهب ١/٢٤١، ٤٢. ٢ شرح اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي ٢/١٧٤.
[ ٢٢ ]
٣- اعتقاد أبي عبد الله سفيان بن سعيد الثوري رضي الله عنه١ المتوفى سنة ١٦١
قال اللالكائي أخبرنا محمد بن عبد الرحمن بن العباس قال حدثنا أبو الفضل شعيب بن محمد بن الراجيان قال حدثنا علي بن حرب الموصلي- بسر من رأي سنة سبع وخمسين ومائتين- قال سمعت شعيب بن حرب يقول: قلت لأبي عبد الله سفيان بن سعيد الثوري: حدثني بحديث من السنة ينفعني الله ﷿ به فإذا وقفت بين يدي الله ﵎ وسألني عنه فقال لي من أين أخذت هذا؟ قلت يا رب حدثني بهذا الحديث سفيان الثوري وأخذته عنه فأنجو أنا وتؤاخذ أنت.
فقال يا شعيب هذا توكيد وأي توكيد اكتب:
بسم الله الرحمن الرحيم
القرآن كلام الله غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود من قال غير هذا فهو كافر.
والإيمان قول وعمل ونية يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. ولا يجوز القول إلا بالعمل ولا يجوز القول والعمل إلا بالنية ولا يجوز القول والعمل والنية إلا بموافقة السنة.
قال شعيب:
فقلت له يا أبا عبد الله وما موافقة السنة؟
قال: تقدمة الشيخين: أبي بكر وعمر ﵄.
_________________
(١) ١ أبو عبد الله سفيان بن سعيد الثوري الفقيه سيد أهل زمانه علمًا وعملًا قال عنه أحمد بن حنبل: لا يتقدم على سفيان في قلبي أحد. وقال شعبة ويحيى بن معين وغيرها: سفيان أمير المؤمنين في الحديث. وقال يحيى القطان: ما رأيت أحفظ من الثوري، وأثنى عليه أئمة عصره بما يطول ذكره، مات ﵀ بالبصرة عام ١٦١هـ وله ست وستون سنة، شذرات الذهب ١/٢٥٠.
[ ٢٣ ]
يا شعيب: لا ينفعك ما كتبت حتى تقدم عثمانًا وعليًا على من بعدهما.
يا شعيب بن حرب: لا ينفعك ما كتبت لك حتى لا تشهد لأحد بجنة ولا نار إلا للعشرة الذين شهد لهم رسول الله ﷺ وكلهم من قريش.
يا شعيب بن حرب: لا ينفعك ما كتبت لك حتى ترى المسح على الخفين دون خلعهما أعدل عندك من غسل قدميك.
يا شعيب بن حرب: ولا ينفعك ما كتبت حتى يكون إخفاء بسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة أفضل عندك من أن تجهر بهما.
يا شعيب بن حرب: لا ينفعك الذي كتبت حتى تؤمن بالقدر خيره وشره، وحلوه ومره كل من عند الله ﷿.
يا شعيب بن حرب: والله ما قالت القدرية ما قال الله ولا ما قالت الملائكة ولا ما قالت النبيون (ولا ما قال أهل الجنة) ولا ما قال أهل النار ولا ما قال أخوهم إبليس لعنه الله.
قال الله ﷿ ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: ٢٣] . وقال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠] . وقال تعالى: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ٣٢] .
وقال نوح ﵇: ﴿وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [هود: ٣٤] .
وقال شعيب ﵇:
﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الأعراف: ٨٩] .
[ ٢٤ ]
وقال أهل الجنة:
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣] .
وقال أهل النار:
﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ﴾ [المؤمنون: ١٠٦] .
وقال أخوهم إبليس لعنه الله:
﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر: ٣٩] .
يا شعيب: لا ينفعك ما كتبت حتى ترى: الصلاة خلف كل بر وفاجر. والجهاد ماض إلى يوم القيامة، والصبر تحت لواء السلطان جار أم عدل.
قال شعيب: فقلت لسفيان يا أبا عبد الله: الصلاة كلها؟
قال: لا. ولكن صلاة الجمعة والعيدين صل خلف من أدركت وأما سائر ذلك فأنت مخير لا تصل إلا خلف من تثق به وتعلم أنه من أهل السنة والجماعة.
يا شعيب بن حرب: إذا وقفت بين يدي الله ﷿ فسألك عن هذا الحديث فقل: يا رب حدثني بهذا الحديث سفيان بن سعيد الثوري ثم خل بيني وبين ربي ﷿.
[ ٢٥ ]
٤- اعتقاد الإمام مالك بن أنس (١٧٩) هـ
أ- قوله في التوحيد:
(١) أخرج الهروي عن الشافعي قال: سُئل مالك عن الكلام والتوحيد، فقال مالك: "محال أن يظن بالنبي ﷺ، أنه علَّم أمته الاستنجاء ولم يعلمهم التوحيد، والتوحيد ما قاله النبي ﷺ: "أُمرت أن أُقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" ١ فما عصم به المال والدم حقيقة التوحيد"٢.
(٢) وأخرج الدارقطني عن الوليد بن مسلم قال: "سألت مالكًا والثوري والأوزاعي والليث بن سعد عن الأخبار في الصفات فقالوا أمروها كما جاءت"٣.
(٣) وقال ابن عبد البر: "سُئل مالك أيُرى الله يوم القيامة؟ فقال: نعم. يقول الله ﷿: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ٤. وقال لقوم آخرين: ﴿كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ٥.٦
وأورد القاضي عياض في ترتيب المدارك٧ عن ابن
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري كتاب الزكاة باب وجوب الزكاة (٣/ ٢٦٢) ح (١٣٩٩)، ومسلم كتاب الإيمان باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله (١/٥) ح (٣٢)، والنسائي كتاب الزكاة باب مانع الزكاة (٥/١٤) ح (٢٤٤٣)، جميعهم من طريق عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن أبي هريرة وأخرجه أبو داود كتاب الجهاد باب على ما يقاتل المشركون (٣/١٠١) ح (٢٦٤٠) من طريق أبي صالح عن أبي هريرة. ٢ ذم الكلام (ق- ٢١٠) . ٣ أخرج هذا الأثر الدارقطني في الصفات ص ٧٥، والآجري في الشريعة ص ٣١٤، والبيهقي في الاعتقاد ص ١١٨، وابن عبد البر في التمهيد (٧/١٤٩) . ٤ سورة القيامة، الآية ٢٢. ٥ سورة المطففين، الآية ١٥. ٦ الانتقاء ص ٣٦. (٢/٤٢) .
[ ٢٦ ]
نافع١ وأشهب٢ قالا: وأحدهم يزيد على الآخر يا أبا عبد الله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ينظرون إلى الله؟ قال: نعم بأعينهم هاتين؛ فقلت له: فإن قومًا يقولون لا ينظر إلى الله، إن ناظرة بمعنى منتظرة إلى الثواب قال: كذبوا بل ينظر إلى الله، أما سمعت قول موسى ﵇: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ ٣ أفترى موسى سأل ربه محالًا؟ فقال الله: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ ٤ أي في الدنيا لأنها دار فناء، ولا ينظر ما يبقى بما يفنى، فإذا صاروا إلى دار البقاء نظروا بما يبقى إلى ما يبقى وقال الله: ﴿كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ٥.
وأخرج أبو نعيم عن جعفر بن عبد الله قال: "كنا عند مالك بن أنس فجاءه رجل فقال: يا أبا عبد الله، الرحمن على العرش استوى، كيف استوى؟
فما وجد٦ مالك من شيء ما وجد من مسألته، فنظر إلى الأرض وجعل ينكت بعود في يده حتى علاه الرحضاء -يعني العرق- ثم رفع رأسه ورمى بالعود وقال: الكيف منه غير معقول، والاستواء منه
_________________
(١) ١ الذي يروي عن الإمام مالك باسم ابن نافع رجلان، أما الأول فهو عبد الله بن نافع بن ثابت الزبيري أبو بكر المدني قال عنه ابن حجر: "صدوق مات سنة ٢١٦ هـ "، وأما الثاني فهو عبد الله بن نافع بن أبي نافع المخزومي مولاهم أبو محمد المدني قال عنه ابن حجر: "ثقة صحيح الكتاب في حفظه ليّن مات سنة ٢٠٦ هـ وقيل بعدها"، تقريب التهذيب (١/ ٤٤٥-٤٥٦)، وتهذيب التهذيب (٦/٥٠-٥١) . ٢ هو أشهب بن عبد العزيز بن داود القيسي أبو عمر المصري قال عنه ابن حجر: "ثقة فقيه مات سنة ٢٠٤هـ"، تقريب التهذيب (١/٨٠)، وانظر ترجمته في تهذيب التهذيب (١/٣٥٩) . ٣ سورة الأعراف، الآية ١٤٣. ٤ سورة الأعراف، الآية ١٤٣. ٥ سورة المطففين، الآية ١٥. ٦ جاء في لسان العرب (٣/٤٤٦) (وجد عليه في الغضب يجد ويجد وجدًا مَوْجِدَة ووجدانًا غضب وفي حديث الإيمان أفي سائلك فلا تجد علي، أي لا تغضب من سؤالي) .
[ ٢٧ ]
غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة وأظنك صاحب بدعة وأمر به فأخرج"١.
(٥) وأخرج أبو نعيم عن يحيى بن الربيع قال: "كنت عند مالك بن أنس ودخل عليه رجل فقال يا أبا عبد الله، ما تقول فيمن يقول القرآن مخلوق؟
فقال مالك: زنديق٢ فاقتلوه، فقال: يا أبا عبد الله إنما أحكي كلامًا سمعته، فقال: لم أسمعه من أحد إنما سمعته منك، وعظم هذا القول"٣.
(٦) واخرج ابن عبد البر عن عبد الله بن نافع قال: "كان مالك بن أنس يقول من قال القرآن مخلوق يوجع ضربًا ويحبس حتى يتوب"٤.
(٧) وأخرج أبو داود عن عبد الله بن نافع قال: "قال مالك: الله في السماء وعلمه في كل مكان"٥.
_________________
(١) ١ الحلية (٦/ ٣٢٥، ٣٢٦) وأخرجه أيضًا الصابوني في عقدة السلف أصحاب الحديث ص ١٧- ١٨، من طريق جعفر بن عبد الله عن مالك وابن عبد البر ني التمهيد (٧/١٥١) من طريق عبد الله بن نافع عن مالك والبيهقي في الأسماء والصفات ص ٤٠٨. من طريق عبد الله بن وهب عن مالك قال الحافظ بن حجر في الفتح (١٣/٤٠٦، ٤٠٧) إسناده جيد وصححه الذهبي في العلو ص ١٠٣. ٢ الزنديق: كلمة معربة عن الفارسية استعملها المسلمون أولًا في الدلالة على القائلين بالأصلين النور والظلمة على مذهب المانوية وغيرهم ثم اتسع معناها عندهم فشمل الدهريين والملحدين وسائر أصحاب المعتقدات الضالة بل أطلق على المتشككين وكل متحرر عن أحكام الدين فكرًا وعملًا. انظر الموسوعة الميسرة (١/٩٢٩) وتاريخ الإلحاد لعبد الرحمن بدوي ص ١٤-٣٢. ٣ الحلية (٦/ ٣٢٥) وأخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (١/٢٤٩) من طريق أبي محمد يحيى بن خلف عن مالك، وأورده القاضي عياض في ترتيب المدارك (٢/٤٤) . ٤ الانتقاء ص ٣٥. ٥ رواه أبو داود في مسائل الإمام أحمد ص ٢٦٣، وأخرجه عبد الله بن أحمد في السنة ص١١، الطبعة القديمة، وابن عبد البر في التمهيد (٧/١٣٨) .
[ ٢٨ ]
ب- قوله في القدر:
(١) أخرج أبو نعيم عن ابن وهب١ قال: "سمعت مالكًا يقول لرجل سألتني أمس عن القدر؟ قال: نعم، قال: إن الله تعالى يقول: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ ٢.
فلا بد أن يكون ما قال الله تعالى"٣.
(٢) وقال القاضي عياض: "سُئل الإمام مالك عن القدرية مَن هم؟ قال: من قال: ما خلق المعاصي، وسُئل كذلك عن القدرية؟ قال: هم الذين يقولون إن الاستطاعة إليهم إن شاءوا أطاعوا وإن شاءوا عصوا"٤.
(٣) وأخرج ابن أبي عاصم عن سعيد بن عبد الجبار قال: "سمعت مالك بن أنس يقول: رأي فيهم أن يستتابوا فإن تابوا وإلا قتلوا- يعني القدرية-"٥.
(٤) وقال ابن عبد البر: "قال مالك: ما رأيت أحدًا من أهل القدر إلا أهل سخافة وطيش وخفة"٦.
(٥) وأخرج ابن أبي عاصم عن مروان بن محمد الطاطري قال: "سمعت مالك بن أنس يسأل عن تزويج القدري؟ فقرأ: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ﴾ ٧ "٨.
_________________
(١) ١ هو عبد الله بن وهب القرشي مولاهم المصري قال عنه ابن حجر: "الفقيه ثقة حافظ عابد مات سنة ١٩٧هـ"، تقريب التهذيب (١/٤٦٠) . ٢ سورة السجدة، الآية ١٣. ٣ الحلية (٦/٣٢٦) . ٤ ترتيب المدارك (٢/٤٨)، وأنظر شرح أصول اعتقاد أهل السُّنّة والجماعة (٢/٧٠١) . ٥ السنة لابن أبي عاصم (١/ ٨٧، ٨٨) وأخرجه أيضًا أبر نعيم في الحلية (٦/٣٢٦) . ٦ الانتفاء ص ٣٤. ٧ سورة البقرة، الآية ٢٢١. ٨ السُّنّة لابن أبي عاصم (١/٨٨) الحلية (٦/٣٢٦)
[ ٢٩ ]
(٦) وقال القاضي عياض: قال مالك: لا تجوز شهادة القدري الذي يدعو١، ولا الخارجي والرافضي"٢.
(٧) وقال القاضي عياض: "سُئل مالك عن أهل القدر أنكف عن كلامهم؟ قال: نعم إذا كان عارفًا بما هو عليه، وفي رواية أخرى قال: لا يصلي خلفهم ولا يقبل عنهم الحديث وإن وافيتموهم في ثغر فأخرجوهم منه"٣.
جـ- قوله في الإيمان:
(١) أخرج ابن عبد البر عن عبد الرزاق بن همام قال: "سمعت ابن جريج٤ وسفيان الثوري ومعمر بن راشد وسفيان بن عيينة ومالك بن أنس يقولون: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص"٥.
(٢) وأخرج أبو نعيم عن عبد الله بن نافع قال: "كان مالك بن أنس يقول: الإيمان قول وعمل"٦.
(٣) وأخرج ابن عبد البر عن أشهب بن عبد العزيز قال: "قال مالك: فقام الناس يصلون نحو بيت المقدس ستة عشر شهرًا، ثم أُمروا بالبيت الحرام فقال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ ٧ أي صلاتكم إلى بيت المقدس، قال مالك: وإني لأذكر بهذه قول المرجئه:
_________________
(١) ١ يدعو إلى بدعته. ٢ ترتيب المدارك (٢/٤٧) . ٣ ترتيب المدارك (٢/٤٧) . ٤ هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الرومي الأموي مولاهم المكي، قال عنه الذهبي: "الإمام الحافظ فقيه الحرم أبو الوليد" مات سنة ١٥٠هـ، تذكرة الحفاظ (١/١٦٩)، وانظر ترجمته في تاريخ بغداد (١٠/٤٠٠) . ٥ الانتقاء ص ٣٤. ٦ الحلية (٦/٣٢٧) . ٧ سورة البقرة، الآية ١٤٣.
[ ٣٠ ]
إن الصلاة ليست من الإيمان"١.
د- قوله في الصحابة:
(١) أخرج أبو نعيم عن عبد الله العنبري٢ قال: "قال مالك بن أنس: من تَنَقَّصَ أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ، أو كان في قلبه عليهم غِل، فليس له حق في فيء المسلمين، ثم تلا قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٣. فمن تَنَقَّصهم أو كان في قلبه عليهم غل، فليس له في الفيء حق"٤.
(٢) وأخرج أبو نعيم عن رجل من ولد الزبير٥ قال: "كنا عند مالك - فذكروا رجلًا يَتَنَقَّص أصحاب رسول الله ﷺ، فقرأ مالك هذه الآية: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْأِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ ٦. فقال مالك: "من أصبح في قلبه غيظ على أحد من أصحاب رسول الله ﷺ، فقد أصابته الآية"٧.
_________________
(١) ١ الانتقاء ص ٣٤. ٢ هو عبد الله بن سوار بن عبد الله العنبري البصري القاضي، قال عنه ابن حجر: "ثقة مات سنة ٢٢٨ هـ" وقيل غير ذلك. تقريب التهذيب (١/٤٢١)، وتهذيب التهذيب (٥/٣٤٨) . ٣ سورة الحشر، الآية ١٠. ٤ الحلية (٦/٣٢٧) . ٥ الذي تتلمذ على مالك وسمع منه من ولد الزيير بن العوام هو عبد الله بن نافع بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام، وقد تقدم التعريف به، ومصعب بن عبد الله بن مصعب، وسيأتي التعريف به. ٦ سورة الفتح، الآية ٢٩. ٧ الحلية (٦/٣٢٧) .
[ ٣١ ]
(٣) وأورد القاضي عياض عن أشهب بن عبد العزيز قال: "كنا عند مالك إذ وقف عليه رجل من العلويين وكانوا يقبلون على مجلسه فناداه: يا أبا عبد الله فأشرف له مالك، ولم يكن إذا ناداه أحد يجيبه أكثر من أن يشرف برأسه، فقال له الطالبي: إني أريد أن أجعلك حجة فيما بيني وبين الله، إذا قدمت عليه فسألني، قلت له: مالك قال لي.
- فقال له: قل.
- فقال: من خير الناس بعد رسول الله ﷺ؟
- قال: أبو بكر، قال العلوي: ثم مَن؟ قال مالك: ثم عمر. قال العلوي: ثم مَن؟ قال: الخليفة المقتول ظلمًا، عثمان قال العلوي: والله لا أجالسك أبدًا.
- قال له مالك: فالخيار إليك"١.
هـ- نهيه عن الكلام والخصومات في الدين:
(١) أخرج ابن عبد البر عن مصعب بن عبد الله الزبيري٢ قال: "كان مالك بن أنس يقول: الكلام في الدين أكرهه ولم يزل أهل بلدنا يكرهونه وينهون عنه، نحو الكلام في رأي جهم والقدر وكل ما أشبه ذلك، ولا يحب الكلام إلا فيما تحته عمل، فأما الكلام في دين الله وفي الله ﷿ فالسكوت أحَبُّ إليَّ لأني رأيت أهل بلدنا ينهون عن الكلام في الدين إلا فيما تحته عمل"٣.
(٢) وأخرج أبو نعيم عن عبد الله بن نافع قال: "سمعت مالكًا يقول: لو
_________________
(١) ١ ترتيب المدارك (٢- ٤٤- ٤٥) . ٢ هو مصعب بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام الأسدي المدني نزيل بغداد قال عنه ابن حجر: "صدوق عالم بالنسب مات سنة ٢٣٦ هـ"، تقريب التهذيب (٢/٢٥٢)، وانظر ترجمته في تهذيب التهذيب (١٠/ ١٦٢) . ٣ جامع بيان العلم وفضله ص ٤١٥، ط/ دار الكتب الإسلامية.
[ ٣٢ ]
أن رجلًا ركب الكبائر كلها بعد ألا يشرك بالله ثم تخلى من هذه الأهواء والبدع- وذكر كلامًا- دخل الجنة"١.
(٣) وأخرج الهروي عن إسحاق بن عيسى٢ قال: "قال مالك: من طلب الدين بالكلام تزندق ومن طلب المال بالكيمياء أفلس ومن طلب غريب الحديث كذب"٣.
(٤) وأخرج الخطيب عن إسحاق بن عيسى قال: "سمعت مالك بن أنس يعيب الجدال في الدين ويقول: كلما جاءنا رجل أجدل من رجل أرادنا أن نرد ما جاء به جبريل إلى النبي ﷺ"٤.
(٥) وأخرج الهروي عن عبد الرحمن بن مهدي قال: "دخلت على مالك - وعنده رجل يسأله فقال: لعلك من أصحاب عمرو بن عبيد، لعن الله عمرو بن عبيد فإنه ابتدع هذه البدعة من الكلام، ولو كان الكلام علمًا لتكلَّم فيه الصحابة والتابعون كما تكلموا في الأحكام والشرائع "٥.
(٦) وأخرج الهروي عن أشهب بن عبد العزيز قال: "سمعت مالكًا يقول: إيّاكم والبدع، قيل يا أبا عبد الله، وما البدع؟ قال: أهل البدع الذين يتكلمون في أسماء الله وصفاته وكلامه وعلّمه وقدرته ولا يسكتون عمّا سكت عنه الصحابة والتابعون لهم بإحسان"٦.
(٧) وأخرج أبو نعيم عن الشافعي قال: "كان مالك بن أنس إذا جاءه بعض أهل الأهواء قال: أما إني على بيّنة من ربي وديني، وأما أنت
_________________
(١) ١ الحلية (٦/٣٢٥) . ٢ هو إسحاق بن عيسى بن نجيح البغدادي قال عنه ابن حجر: "صدوق مات سنة ٢١٤ هـ" تقريب التهذيب (١/ ٦٠) انظر ترجمته في تهذيب التهذيب (١/٢٤٥) . ٣ ذم الكلام (ق ١٧٣- أ) . ٤ شرف أصحاب الحديث ص ٥. ٥ ذم الكلام (ق ١٧٣- ب) . ٦ ذم الكلام (ق-١٧٣- أ) .
[ ٣٣ ]
فشاكٌّ فاذهب إلى شاكٍّ فخاصمه"١.
(٨) روى ابن عبد البر عن محمد بن أحمد بن خويز منداد المصري المالكي قال في كتاب الإجارات من كتابه الخلاف: قال مالك لا تجوز الإجارات في شيء من كتب الأهواء والبدع والتنجيم وذكر كتبًا ثم قال: وكتب أهل الأهواء والبدع عند أصحابنا هي كتب أصحاب الكلام من المعتزلة وغيرهم وتفسخ إجارة في ذلك"٢.
فهذه لمحات من موقف الإمام مالك وأقواله في التوحيد والصحابة والإيمان وعِلم الكلام وغيره.
_________________
(١) ١ الحلية (٦/٣٢٤) . ٢ جامع بيان العلم وفضله ص ٤١٦، ٤١٧ ط/ دار الكتب الإسلامية.
[ ٣٤ ]
٥- اعتقاد عبد الله بن المبارك١ المتوفى سنة ١٨١ هـ
قال ابن المبارك٢ ﵀: أدركت الناس بمكة والمدينة والكوفة والبصرة وبمصر وخراسان، فأدركتهم مجتمعين على السنة والجماعة، من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، وفوض الأمر إلى الله ﷿، وعلم أن كل شيء بقضاء الله وقدره، الخير والشر والكفر والإيمان، وعرف حق السلف الماضين، الذين اختارهم الله ﷿ لصحبة نبيه ﷺ، وقدم أبا بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب رضوان الله عليهم أجمعين وترحم على أصحاب رسول الله ﷺ كبيرهم وصغيرهم، وحدث بفضائلهم، وأمسك عما شجر بينهم، وصلى العيدين وعرفات والجماعات، مع كل إمام بر أو فاجر، والقرآن كلام الله وتنزيله، ليس بمخلوق، والإيمان قول وعمل ونية مع إصابة السنة، والإيمان يزيد وينقص بالقلب والجوارح، والجهاد ماض منذ بعث الله محمدًا ﷺ إلى آخر عصابة يقاتلون الدجال لا يضر جور جائر، والإيمان بعذاب القبر، ومنكر ونكير، والحوض، والشفاعة، والميزان، أهل الجنة يرون ربهم عز رجل، وما أتت به الأنبياء والرسل ﵈ نؤمن بها، ولا نضرب لها الأمثال، وأن صفة أهل السنة الأخذ بكتاب الله ﷿، وأحاديث رسول الله ﷺ، وأحاديث الصحابة ﵃ أجمعين، وترك الرأي والقياس، فهذا الذي أدركت عليه علماءنا القدماء، يرزقنا الله- وإياكم- الاستقامة واللحوق بالصالحين.
وقال رحمه الله تعالى: " إنا لنحكى كلام اليهود والنصارى، ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية".
_________________
(١) ١ هو الإمام العلم أبو عبد الرحمن عبد الله بن المبارك الحنظلي، سمع هشام بن عروة وحميد الطويل قال أحمد بن حنبل لم يكن في زمان ابن المبارك أطلب للعلم منه، وقال شعبة ما قدم علينا مثله، وقال ابن ناصر الدين: الإمام العلامة الحافظ شيخ الإسلام وأحد أئمة الأنام ذو التصانيف النافعة والرحلة الواسعة حدث عنه ابن معين وابن منيع وأحمد بن حنبل وغيرهم، وقال الفضيل بن عياض: ورب هذا البيت ما رأت عيناي مثل ابن المبارك، توفي في رمضان سنة إحدى وثمانين ومائة، شذرات الذهب ١/ ٢٩٥، ٢٩٧. ٢ مختصر الحجه في بيان المحجة
[ ٣٥ ]
٦- اعتقاد سفيان بن عيينه رضي الله عنه١ المتوفى سنة ١١٨هـ
قال اللالكائي أخبرنا عبيد الله بن محمد بن التوجي قال حدثنا محمد بن إسحاق بن عباد التمار قال حدثنا عبد العزيز بن معاوية قال حدثنا محمد بن عبد الجبار السلمي قال حدثنا بكر بن الفرج أبو العلا قال: سمعت سفيان بن عيينة يقول: السنة عشرة فمن كن فيه فقد استكمل السنة ومن ترك (منها) فقد ترك السنة:
إثبات القدر. وتقديم أبي بكر وعمر. والحوض. والشفاعة. والميزان والصراط.
والإيمان: قول وعمل، والقرآن: كلام الله، وعذاب القبر، والبعث يوم القيامة، ولا تقطعوا بالشهادة على مسلم.
ولما اطلع ﵀ "على مقالة المريسي في كتابه الذي ألفه في التعطيل والقول بخلق القرآن؟ قال رحمه الله تعالى: "ما أشبه هذا الكلام بكلام النصارى؟!؟ "٢.
_________________
(١) ١ أبو محمد سفيان بن عيينة الهلالي مولاهم الكوفي الحافظ نزيل مكة قال الشافعي ﵀: لولا مالك وابن عيينة لذهب علم الحجاز. وقال ابن وهب: لا أعلم أحدًا أعلم بالتفسير من ابن عيينة وقال أحمد بن حنبل: ما رأيت أحدًا أعلم بالسنن من ابن عيينة. حج ﵀ سبعين حجة. سمع زياد بن علاقة والزهري والكبار، وروى عن الأعمش وابن جريج وشعبة وهم من شيوخه والشافعي وابن المبارك وأحمد وخلق، توفي ﵀ في أول رجب سنة ثمان وتسعين ومائة. شذرات الذهب ١/ ٣٥٤، ٣٥٥. ٢ انظر شرح الأصبهانية لشيخ الإسلام ٦٥.
[ ٣٦ ]
٧- اعتقاد الإمام الشافعي (٢٠٤) هـ
أ- قوله في التوحيد:
(١) أخرج البيهقي عن الربيع بن سليمان قال: "قال الشافعي: من حلف بالله أو باسم من أسمائه فحنث فعليه الكفارة، ومن حلف بشيء غير الله مثل أن يقول الرجل والكعبة وأبي وكذا وكذا ما كان، فحنث فلا كفارة عليه، ومثل ذلك قوله لعمري.. لا كفارة عليه ويمين بغير الله فهي مكروهة منهي عنها من قبل قول الرسول ﷺ: "إن الله ﷿ نهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفًا فليحلف بالله أو ليسكت" ١..٢.
وعلّل الشافعي لذلك بأن أسماء الله غير مخلوقة، فمن حلف باسم الله فحنث فعليه الكفارة٣.
(٢) وأورد ابن القيَّم في اجتماع الجيوش عن الشافعي أنه قال: "القول في السُّنّة التي أنا عليها ورأيت أصحابنا عليها أهل الحديث الذين رأيتهم وأخذت عنهم مثل سفيان ومالك وغيرهما الإقرار بشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله وأن الله تعالى على عرشه في سمائه يقرب من خلقه كيف شاء وأن الله تعالى ينزل إلى سماء الدنيا كيف شاء"٤.
(٣) وأورد الذهبي عن المزني قال: "قلت"إن كان أحد يخرج ما في
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري كتاب الإيمان والنذور، باب لا تحلفوا بآبائكم (١١/ ٥٣٠)، ومسلم كتاب الإيمان باب النهي عن الحلف بغير الله (٣/١٢٦٦) ح (١٦٤٦) . ٢ مناقب الشافعي (١/ ٤٠٥) . ٣ رواه ابن أبي حاتم في آداب الشافعي ص ١٩٣، وأبو نعيم في الحلية (٩/١١٢، ١١٣)، والبيهقي في السُّنن الكبرى (١٠/٢٨)، وفي الأسماء والصفات ص ٢٥٥، ٢٥٦، وذكره البغوي في شرح السُّنّة (١/١٨٨)، وانظر العلو ص١٢١، ومختصره ص ٧٧. ٤ اجتماع الجيوش الإسلامية ص ١٦٥، إثبات صفة العلو ص ١٢٤، وانظر مجموع الفتاوى (٤/١٨١-١٨٣)، والعلو للذهبي ص١٢٠، ومختصره للألباني ص ١٧٦.
[ ٣٧ ]
ضميري وما تعلق به خاطري من أمر التوحيد فالشافعي؛ فصرت إليه وهو في مسجد مصر، فلما جثوتُ بين يديه قلت: هجس في ضميري مسألة في التوحيد فعلمت أن أحدًا لا يعلم علمك فما الذي عندك؟ فغضب ثم قال: أتدري أين أنت؟ قلت: نعم. قال: هذا الموضع الذي أغرق الله فيه فرعون، أبَلَغَكَ أن رسول الله ﷺ، أمر بالسؤال عن ذلك؟ قلت: لا. قال: هل تكلم فيه الصحابة؟ قلت: لا، قال: تدري كم نجمًا في السماء؟ قلت: لا، قال: فكوكب منها تعرف جنسه، طلوعه، أفوله، مِمَّ خُلق؟ قلت: لا، قال: فشيء تراه بعينك من الخلق لست تعرفه تتكلم في علم خالقه؟ ثم سألني عن مسألة في الوضوء فأخطأت فيها ففرعها على أربعة أوجه فلم أصب في شيء منه فقال: شيء تحتاج إليه في اليوم خمس مرات تدع علمه وتتكلف علم الخالق إذا هجس في ضميرك ذلك فارجع إلى قول الله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ١. فاستدل بالمخلوق على الخالق ولا تتكلف على ما لم يبلغه عقلك"٢.
(٤) وأخرج ابن عبد البر عن يونس بن عبد الأعلى٣ قال: "سمعت الشافعي يقول: إذا سمعت الرجل يقول الاسم غير المسمى أو الشيء غير الشيء فاشهد عليه بالزندقة"٤.
(٥) وقال الشافعي في كتابه الرسالة: " الحمد لله.. الذي هو كما وصف به نفسه وفوق ما يصفه به خلقه"٥.
_________________
(١) ١ سورة البقرة، الآيتان ١٦٣، ١٦٤. ٢ سير أعلام النبلاء (١٠/٣١) . ٣ هو يونس بن عبد الأعلى بن ميسرة الصدفي الصمري قال عنه ابن حجر: "ثقة من صغار العاشرة مات سنة ٢٦٤ هـ"، تقريب التهذيب (٢/٣٨٥)، وانظر ترجمته في شذرات الذهب (٢/١٤٩)، وطبقات الشافعية لابن هداية الله ص ٢٨. ٤ الانتقاء ص ٧٩، ومجموع الفتاوى (٦/١٨٧) . ٥ الرسالة ص ٧، ٨.
[ ٣٨ ]
٠٦) وأورد الذهبي في السير عن الشافعي أنه قال: "نثبت هذه الصفات التي جاء بها القرآن ووردت بها السنة وننفي التشبيه عنه كما نفى عن نفسه فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ١ "٢.
(٧) وأخرج ابن عبد البر عن الربيع بن سليمان قال: "سمعت الشافعي يقول في قول الله ﷿: ﴿كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ٣ أعلمنا بذلك أن ثم قومًا غير محجوبين ينظرون إليه لا يضامون في رؤيته"٤.
(٨) وأخرج اللالكائي عن الربيع بن سليمان قال: "حضرت محمد بن إدريس الشافعي جاءته رقعة من الصعيد فيها: ما تقول في قوله تعالى: ﴿كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ قال الشافعي: فلما أن حجبوا هؤلاء في السخط كان هذا دليلًا على أنهم يرونه في الرضا قال الربيع: قلت: يا أبا عبد الله وبه تقول؟ قال: نعم وبه أدين الله"٥.
وأخرج ابن عبد البر عن الجارودي٦ قال: "ذكر عند الشافعي إبراهيم بن إسماعيل بن عليه٧ فقال: أنا مخالف له في كل شيء وفي قول لا إله إلا الله لست أقول كما يقول أنا أقول: لا إله إلا الله الذي كلّم موسى ﵇ تكليمًا من وراء حجاب وذاك يقول لا إله إلا الله
_________________
(١) ١ سورة الشورى، الآية ١١. ٢ السير (٢٠/٣٤١) . ٣ سورة المطففين، الآية ١٥. ٤ الانتقاء ص ٧٩. ٥ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٢ /٥٠٦) . ٦ لعله موسى بن أي الجارود قال عنه النووي: "أحد أصحاب الشافعي والآخذين عنه والرواة عنه"، وقال ابن هبة الله: "كان يفتي بمكة على مذهب الشافعي ولا يعلم تاريخ وفاته" تهذيب الأسماء واللغات (٢/١٢٠)، وطبقات الشافعي لابن هداية الله ص ٢٩. ٧ هو إبراهيم بن إسماعيل بن علية قال عنه الذهبي: "جهمي هالك كان يناظر ويقول بخلق القرآن مات سنة ٢١٨هـ" ميزان الاعتدال (١/٢٠)، وانظر ترجمته في لسان الميزان (١/٣٤، ٣٥) .
[ ٣٩ ]
الذي خلق كلامًا أسمعه موسى من وراء حجاب"١.
(١٠) وأخرج اللالكائي عن الربيع بن سليمان، قال الشافعي: "من قال القرآن مخلوق فهو كافر"٢.
(١١) وأخرج البيهقي عن أبي محمد الزبيري قال: "قال رجل للشافعي أخبرني عن القرآن خالق هو؟ قال الشافعي: اللهم لا. قال: فمخلوق؟ قال الشافعي: اللهم لا. قال: فغير مخلوق؟ قال الشافعي: اللهم نعم. قال: فما الدليل على أنه غير مخلوق؟ فرفع الشافعي رأسه وقال: تقر بأن القرآن كلام الله، قال: نعم. قال الشافعي: سبقت في هذه الكلمة قال الله تعالى ذكره: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ﴾ ٣ ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ ٤. قال الشافعي: فتقر بأن الله كان وكان كلامه؟ أو كان الله ولم يكن كلامه؟ فقال الرجل: بل كان الله وكان كلامه.
قال: فتبسم الشافعي وقال: يا كوفيون إنكم لتأتوني بعظيم من القول إذا كنتم تقرون بأن الله كان قبل القبل وكان كلامه فمن أين لكم الكلام: إن الكلام الله، أو سوى الله، أو غير الله، أو دون الله؟ قال: فسكت الرجل وخرج"٥.
(١٢) وفي جزء الاعتقاد المنسوب للشافعي- من رواية أبي طالب العشاري٦- ما نصه قال: وقد سُئل عن صفات الله ﷿ وما
_________________
(١) ١ الانتقاء ص ٧٩، والقصة ذكرها الحافظ عن مناقب الشافعي للبيهقي، اللسان (١/ ٣٥) . ٢ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٢/ ٢٥٢) . ٣ سورة التوبة، الآية ٦. ٤ سورة النساء، الآية ١٦٤. ٥ مناقب الشافعي (١/ ٤٠٧، ٤٠٨) . ٦ هو محمد بن علي العشاري شيخ صدوق معروف، وقد تفرد برواية هذا الجزء وهو مما أدخل عليه فحدث به بسلامة باطن قاله الذهبي في الميزان (٣/ ٦٥٦)، لكن اعتمد غير واحد من السلف ما هو مثبت في هذه العقيدة كالموفق بن قدامة في كتاب صفة العلو ص ١٢٤، وابن أبي يعلى في الطبقات (١/٢٨٣)، وابن القيم في اجتماع الجيوش ص١٦٥، والذهبي نفسه في السير (١٠/٧٩)، ثم إن هذه الرسالة التي سأنقلها بنصها قد قرئت على الإمام الحافظ ابن نصر الدمشقي ونقلها جميعها ابن أبي يعلى في الطبقات وسأثبت الفروق بينهما.
[ ٤٠ ]
ينبغي أن يؤمن به، فقال: الله ﵎ أسماء وصفات جاء بها كتابه وخبر بها نبيه ﷺ، أمته لا يسع١ أحدًا من خلق الله ﷿ قامت لديه٢ الحجة إن القرآن نزل به وصحيح عنده٣ قول النبي ﷺ، فيما روى عنه العدل خلافه٤ فإن خالف ذلك بعد ثبوت الحجة عليه فهو كافر بالله٥ ﷿، فأما قبل ثبوت الحجة عليه من جهة الخبر فمعذور بالجهل لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل ولا بالدراية٦ والفكر ونحو ذلك أخبار الله ﷿ أنه سميع وأن له يدين بقوله ﷿: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ ٧ وأن له يمينًا بقوله ﷿: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ ٨، وأن له وجهًا بقوله ﷿: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ﴾ ٩ وقوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالأِكْرَامِ﴾ ١٠ وأن له قدمًا بقوله ﷺ: "حتى يضع الرب ﷿ فيها قدمه" ١١ يعني جهنم لقوله ﷺ، للذي قتل في سبيل
_________________
(١) ١ في الطبقات: (لا يسمع) . ٢ في الطبقات: (عليه) . ٣ في الطبقات: (عنه بقوله) . ٤ في الطبقات: (سقطت كلمة خلافة) . ٥ في الطبقات: (فهو بالله كافر) . ٦ في الطبقات: (ولا بالرواية) . ٧ سورة المائدة، الآية ٦٤. ٨ سورة الزمر، الآية ٦٧. ٩ سورة القصص، الآية ٨٨. ١٠ سورة الرحمن، الآية ٢٧. ١١ أخرجه البخاري كتاب التفسير باب: "وتقول هل من مزيدا" (٨/ ٥٩٤) ح (٤٨٤٨)، ومسلم كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء (٤/ ٢١٨٧) ح (٢٨٤٨) كلاهما من طريق قتادة عن أنس بن مالك.
[ ٤١ ]
الله ﷿ أنه: "لقي الله ﷿ وهو يضحك إليه" ١ وأنه يهبط كل ليلة إلى السماء الدنيا بخبر رسول الله ﷺ، بذلك وأنه ليس بأعور لقول النبي ﷺ إذ ذكر الدجال فقال: "إنه أعور وإن ربكم ليس بأعور" ٢ وإن المؤمنين يرون ربهم ﷿ يوم القيامة بأبصارهم كما يرون القمر ليلة البدر وأن له أصبعًا بقوله ﷺ: "ما من قلب إلا هو بين أصبعين من أصابع الرحمن ﷿" ٣.
وإن٤ هذه المعاني التي وصف الله ﷿ بها نفسه ووصفه بها رسوله ﷺ، لا يدرك٥ حقه٦ ذلك بالفكر والدراية٧ ولا يكفر بجهلها أحد إلا بعد انتهاء الخبر إليه وإن٨ كان الوارد بذلك خبرًا يقوم في الفهم مقام المشاهدة في السماع "وجبت الدينونة"٩ على سامعه بحقيقته والشهادة عليه كما عاين وسمع من رسول الله ﷺ،
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري كتاب الجهاد باب الكبائر يقتل المسلم (٦/ ٣٩) ح (٢٨٢٦)، ومسلم كتاب الإمارة باب بيان الرجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة (٣/ ١٥٠٤) ح (١٨٩٠) كلاهما من طريق الأعرج عن أبي هريرة. ٢ أخرجه البخاري كتاب الفتن باب ذكر الدجال (١٣/٩١) ح (٧١٣١)، ومسلم كتاب الفتن وأشراط الساعة باب ذكر الدجال وصفته (٤/٢٢٤٨) ح (٢٩٣٣) كلاهما من طريق قتادة عن أنس بن مالك. ٣ أخرجه بنحو هذا اللفظ أحمد في المسند (٤/١٨٢)، وابن ماجه في المقدمة باب: فيما أنكرت الجهمية (١/٧٢) ح (١٩٩) والحاكم في المستدرك (١/٥٢٥)، والآجري في الشريعة ص (٣١٧) وابن منده في الرد على الجهمية ص٨٧، جميعهم من حديث النواس بن سمعان قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، وأقره الذهبي في التلخيص، وقال عنه ابن منده: "حديث النواس بن سمعان حديث ثابت رواه الأئمة المشاهير ممن لا يمكن الطعن على واحد منهم". ٤ في الطبقات: (فإن) . ٥ في الطبقات: (مما لا يدرك) . ٦ في الطبقات: (حقيقته) . ٧ في الطبقات: (والروية) . ٨ في الطبقات: (فإن كان) . ٩ ما بين القوسين مثبت من الطبقات.
[ ٤٢ ]
ولكن نثبت١ هذه الصفات وننفي٢ التشبيه كما نفى ذلك عن نفسه تعالى ذكره فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٣ " ٤ آخر الاعتقاد.
ب- قوله في القدر:
(١) أخرج البيهقي عن الربيع بن سليمان، قال: "سئل الشافعي عن القدر فقال:
ما شئت كان وإن لم أشأ وما شئت إن لم تشأ لم يكن
خلقت العباد على ما علمت ففي العلم يجري الفتى والمسن
على ذا مننت وهذا خذلت وهذا أعنت وذا لم تعن
فمنهم شقي ومنهم سعيد ومنهم قبيح ومنهم حسن٥
(٢) أورد البيهقي في مناقب الشافعي أن الشافعي قال: "إن مشيئة العباد هي إلى الله تعالى ولا يشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين، فإن الناس لم يخلقوا أعمالهم وهي خلق من خلق الله تعالى أفعال العباد وإن القدر خيره وشره من الله ﷿، وإن عذاب القبر حق، ومساءلة أهل القبور حق، والبعث حق، والحساب حق، والجنة والنار حق، وغير ذلك مما جاءت من السنن"٦.
(٣) وأخرج اللالكائي عن المزني قال: "قال الشافعي: تدري ما القدري؟ الذي يقول إن الله لم يخلق الشيء حتى عمل به"٧.
_________________
(١) ١ في الطبقات: (يثبت) . ٢ في الطبقات: (وينفي) . ٣ سورة الشورى، الآية ١١. ٤ نقلت هذا الاعتقاد من نسخة مصورة من أصل خطي محفوظ في المكتبة المركزية بجامعة ليدن بهولندا. ٥ مناقب الشافعي (١/٤١٢، ٤١٣)، شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٤/ ٧٧٧) . ٦ مناقب الشافعي (١/ ٤١٥) . ٧ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٤/ ٧٧٦) .
[ ٤٣ ]
(٤) وأورد البيهقي عن الشافعي أنه قال: "القدرية الذين قال رسول الله ﷺ: "هم مجوس هذه الأمة" ١ الذين يقولون إن الله لا يعلم المعاصي حتى تكون٢.
(٥) وأخرج البيهقي عن الربيع بن سليمان عن الشافعي أنه كان يكره الصلاة خلف القدري٣.
جـ- قوله في الإيمان:
(١) أخرج ابن عبد البر عن الربيع قال: "سمعت الشافعي يقول: "الإيمان قول وعمل واعتقاد بالقلب، ألا ترى قول الله ﷿: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ ٤، يعني صلاتكم إلى بيت المقدس فسمى الصلاة إيمانًا وهي قول وعمل وعقد"٥.
(٢) وأخرج البيهقي عن الربيع بن سليمان قال: "سمعت الشافعي يقول: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص"٦.
(٣) وأخرج البيهقي عن أبي محمد الزبيري قال: "قال رجل للشافعي أي الأعمال عند الله أفضل؟ قال الشافعي: ما لا يقبل عملًا إلا به، قال: وما ذاك؟ قال الإيمان بالله الذي لا إله إلا هو، أعلى الأعمال درجة، وأشرفها منزلة، وأسناها حظًا. قال الرجل ألا تخبرني عن الإيمان: قول وعمل، أو قول بلا عمل؟ قال الشافعي: الإيمان عمل
_________________
(١) ١ أخرجه أبو داود كتاب السنة باب في القدر (٥/ ٦٦) ح (٤٦٩١) والحاكم في المستدرك (١/٨٥)، كلاهما من طريق أبي حازم عن ابن عمر، قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين إن صح سماع أبي حازم من ابن عمر ولم يخرجاه" وأقره الذهبي. ٢ مناقب الشافعي (١/٤١٣) . ٣ مناقب الشافعي (١/٤١٣) . ٤ سورة البقرة، الآية ١٤٣. ٥ الانتقاء ص ٨١. ٦ مناقب الشافعي (١/٣٨٧) .
[ ٤٤ ]
لله والقول بعض ذلك ألعمل، قال الرجل: صف لي ذلك حتى أفهمه، قال الشافعي: إن للإيمان حالات ودرجات وطبقات فمنها التام المنتهي تمامه، والناقص البين نقصانه، والراجح الزائد رجحانه؛ قال الرجل: وإن الإيمان لا يتم وينقص ويزيد؟ قال الشافعي: نعم، قال: وما الدليل على ذلك؟ قال الشافعي: إن الله جل ذكره فرض الإيمان على جوارح بني آدم، فقسّمه فيها، وفرّقه عليها، فليس من جوارحه جارحة إلا وقد وكلت من الإيمان بغير ما وكلت به أختها بفرض من الله تعالى:
فمنها: قلبه الذي يعقل به، ويفقه ويفهم وهو أمير بدنه الذي لا ترد الجوارح ولا تصدر إلا عن رأيه وأمره.
ومنها: عيناه اللتان ينظر بهما، وأذناه اللتان يسمع بهما، ويداه اللتان يبطش بهما، ورجلاه اللتان يمشي بهما، وفرجه الذي الباهُ من قبله، ولسانه الذي ينطق به، ورأسه الذي فيه وجهه.
فرض على القلب غير ما فرض على اللسان، وفرض على السمع غير ما فرض على العينين، وفرض على اليدين غير ما فرض على الرجلين، وفرض على الفرج غير ما فرض على الوجه.
فأما فرض الله على القلب من الإيمان: فالإقرار والمعرفة والعقد والرضا والتسليم بأن الله لا إله إلا هو وحده لا شريك له، لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا، وأن محمدًا ﷺ عبده ورسوله، والإقرار بما جاء من عند الله من نبي أو كتاب فذلك ما فرض الله جل ثناؤه على القلب وهو عمله. ﴿إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ ١ وقال: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ ٢ وقال:
_________________
(١) ١ سورة النحل، الآية ١٠٦. ٢ سورة الرعد، الآية ٢٨.
[ ٤٥ ]
﴿مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ ١ وقال: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ ٢ فذلك ما فرض الله على القلب من إيمان، وهو عمله، وهو رأس الإيمان.
"وفرض ﴿الله﴾ على اللسان: القول والتعبير عن القلب بما عقد وأقرّ به، فقال في ذلك: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ ٣. وقال: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ ٤ فذلك ما فرض الله على اللسان من القول، والتعبير عن القلب، وهو عمله، والفرض عليه من الإيمان.
وفرض الله على (السمع): أن يتنزه عن الاستماع إلى ما حرّم الله، وأن يُغض عما نهى الله عنه، فقال في ذلك: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ ٥ ثم استثنى موضع النسيان، فقال جلَّ وعزَّ: ﴿وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ﴾ أي: فقعدت معهم ﴿فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ ٦ وقال: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ ٧ وقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ ٨ وقال: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ ٩ وقال:
_________________
(١) ١ سورة المائدة، الآية ٤١. ٢ سورة البقرة، الآية ٢٨٤. ٣ سورة البقرة، الآية ١٣٦. ٤ سورة البقرة، الآية ٨٣. ٥ سورة النساء، الآية ١٤٠. ٦ سورة الأنعام، الآية ٦٨. ٧ سورة الزمر، الآيتان ١٧، ١٨. ٨ سورة المؤمنون، الآيات من ١-٤. ٩ سورة القصص، الآية ٥٥.
[ ٤٦ ]
﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ ١ فذلك ما فرض الله، جلَّ ذكره، على السمع من التنزيه عمّا لا يحل له، وهو عمله، وهو من الإيمان.،
و"فرض على العينين": ألا ينظر بهما إلى ما حرَّم الله، وأن يغضهماة عمّا نهاه عنه، فقال ﵎، في ذلك: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ ٢ الآيتين: أن ينظر أحدهم إلى فرج أخيه، ويحفظ فرجه من أن يُنظر إليه.
وقال: كل شيء من حفظ الفرج، في كتاب الله، فهو من الزنا إلا هذه الآية، فإنها من النظر.
فذلك ما فرض الله على العينين من غضّ البصر، وهو عملها، وهو من الإيمان.
ثم أخبر عمّا فرض على القلب والسمع والبصر، في آية واحدة، فقال، ﷾، في ذلك: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ ٣ قال: يعني وفرض على الفرج: أن لا يهتكه بما حرّم الله عليه: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ ٤ وقال: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ﴾ ٥ الآية يعني بالجلود: الفروج والأفخاذ فذلك ما فرض الله على الفروج من حفظهما عمّا لا يحل له، وهو عملها.
"وفرض على اليدين": ألا يبطش بهما إلى ما حرَّم الله تعالى، وأن يبطش بهما، إلى ما أمر الله من الصدقة وصلة الرحم، والجهاد في سبيل
_________________
(١) ١ سورة الفرقان، الآية ٧٢. ٢ سورة النور، الآيتان ٣٠، ٣١. ٣ سورة الإسراء، الآية ٣٦. ٤ سورة المؤمنون، الآية ٥. ٥ سورة فصلت، الآية ٢٢.
[ ٤٧ ]
الله، والطهور للصلوات، فقال في ذلك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ ١ إلى آخر الآية، وقال: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ ٢ لأن الضرب، والحرب، وصلة الرحم، والصدقة من علاجها.
"وفرض على الرجلين ": ألا يمشي بهما إلى ما حرّم الله، جل ذكره، فقال في ذلك: ﴿وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ ٣.
"وفرض على الوجه": السجود لله بالليل والنهار، ومواقيت الصلاة، فقال في ذلك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ٤ وقال: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ ٥ يعني بالمساجد: ما يسجد عليه ابن آدم في صلاته، من الجبهة وغيرها.
قال: فذلك ما فرض الله على هذه الجوارح.
وسمّى الطهور والصلوات إيمانًا في كتابه، وذلك حين صرف الله، تعالى، وجه نبيه، ﷺ، من الصلاة إلى بيت المقدس، وأمره بالصلاة إلى الكعبة. وكان المسلمون قد صلّوا إلى بيت المقدس ستة عشر شهرًا، فقالوا: يا رسول الله، أرأيت صلاتنا التي كنا نصليها إلى بيت المقدس، ما حالها وحالنا؟
_________________
(١) ١ سورة المائدة، الآية ٦. ٢ سورة محمد، الآية ٤. ٣ سورة الإسراء، الآية ٣٧. ٤ سورة الحج، الآية ٧٧. ٥ سورة الجن، الآية ١٨.
[ ٤٨ ]
فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ١ فسمّى الصلاة إيمانًا، فمن لقي الله حافظًا لصلواته، حافظًا لجوارحه، مؤديًا بكل جارحة من جوارحه ما أمر الله به وفرض عليها -لقي الله مستكمل الإيمان من أهل الجنة، ومن كان لشيء منها تاركًا متعمدًا مما أمر الله به- لقي الله ناقص الإيمان. قال: وقد عرفت نقصانه وإتمامه، فمن أين جاءت زيادته؟
قال الشافعي قال الله، جل ذكره: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ ٢. وقال: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدىً﴾ ٣.
قال الشافعي: ولو كان هذا الإيمان كله واحدًا لا نقصان فيه ولا زيادة لم يكن لأحد فيه فضل، واستوى الناس، وبطل التفضيل. ولكن بتمام الإيمان دخل المؤمنون الجنة، وبالزيادة في الإيمان تفاضل المؤمنون بالدرجات عند الله في الجنة،، وبالنقصان من الإيمان دخل المُفرِّطون النار.
قال الشافعي: إن الله، جل وعز، سابق بين عباده كما سُوبق بين الخيل يوم الرهان. ثم إنهم على درجاتهم من سبق عليه، فجعل كل امرىء على درجة سبقه، لا ينقصه فيها حقه، ولا يُقدّم مسبوق على سابق، ولا مفضول على فاضل. وبذلك فضل أول هذه الأمة على آخرها. ولو لم يكن لمن سبق إلى الإيمان فضل على من أبطأ عنه- للحق آخر هذه الأمة بأولها"٤.
_________________
(١) ١ سورة البقرة، الآية ١٤٣. ٢ سورة التوبة، الآيتان ١٢٤، ١٢٥. ٣ سورة الكهف، الآية ١٣. ٤ مناقب الشافعي (١/٣٨٧-٣٩٣) .
[ ٤٩ ]
د- قوله في الصحابة:
(١) أورد البيهقي عن الشافعي أنه قال: "أثنى الله ﵎ على أصحاب رسول الله ﷺ في القرآن والتوراة والإنجيل وسبق لهم على لسان رسول الله ﷺ من الفضل ما ليس لأحد بعدهم، فرحمهم الله، وهنأهم بما أتاهم من ذلك ببلوغ أعلى منازل الصديقين والشهداء والصالحين، فهم أدوا إلينا سُنن رسول الله ﷺ، وشاهدوه والوحي ينزل عليه، فعلموا ما أراد رسول الله ﷺ عامًا وخاصًا وعزمًا وإرشادًا، وعرفوا من سُنَّته ما عرفنا وجهلنا، وهم فوقنا في كل علم واجتهاد، وورع وعقل، وأمر استدرك به علم واستنبط به وآراؤهم لنا أحمد وأولى بنا من آرائنا عندنا لأنفسنا والله أعلم"١.
(٢) وأخرج البيهقي عن ربيع بن سليمان قال: "سمعت الشافعي يقول في التفضيل: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي"٢.
(٣) وأخرج البيهقي عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم٣ قال: "سمعت الشافعي يقول: أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ، أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي﵃-"٤.
(٤) وأخرج الهروي عن يوسف بن يحيى البويطي قال: "سألت الشافعي أأصلي خلف الرافضي؟ قال: لا تصل خلف الرافضي ولا القدري ولا المرجىء، قلت: صفهم لنا، قال: من قال: الإيمان قول فهو
_________________
(١) ١ مناقب الشافعي (١/٤٤٢) . ٢ مناقب الشافعي (١/٤٣٢) . ٣ هو محمد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري أبو عبد الله، قال عنه الشيرازي: "صحب الشافعي وتفقه به وحمل في المحنة إلى بغداد إلى ابن أبي داود ولم يجب إلى ما طلب منه ورد إلى مصر.. مات في سنة اثنتين وستين ومائتين" طبقات الفقهاء ص ٩٩ وانظر ترجمته في طبقات الشافعية لابن هداية الله ص٣٠ وشذرات الذهب (٢/ ١٥٤) . ٤ مناقب الشافعي (١/٤٣٣) .
[ ٥٠ ]
مرجىء، ومن قال: إن أبا بكر وعمر ليسا بإمامين فهو رافضي، ومن جعل المشيئة إلى نفسه فهو قدري"١.
هـ- نهيه عن الكلام والخصومات في الدين:
(١) أخرج الهرري عن الربيع بن سليمان قال: "سمعت الشافعي يقول: لو أن رجلًا أوصى بكتبه من العلم لآخر، وكان فيها كتب الكلام، لم تدخل في الوصية لأنه ليس من العلم"٢.
(٢) وأخرج الهروي عن الحسن الزعفراني قال: "سمعت الشافعي يقول: ما ناظرت أحدًا في الكلام إلا مرة وأنا أستغفر الله من ذلك"٣.
(٣) وأخرج الهروي عن الربيع بن سليمان قال: "قال الشافعي: لو أردت أن أضع على كل مخالف كتابًا كبيرًا لفعلت، ولكن ليس الكلام من شأني، ولا أحب أن ينسب إليّ منه شيء"٤.
() وأخرج ابن بطة عن أبي ثور قال: "قال لي الشافعي: ما رأيت أحدًا ارتدى شيئًا من الكلام فأفلح"٥.
(٥) وأخرج الهروي عن يونس المصري قال: "قال الشافعي: لأن يبتلي الله المرء بكل ما نهى الله عنه خلا الشرك بالله خير من أن يبتليه بالكلام"٦.
فهذه أقوال الإمام الشافعي﵀- في مسائل أصول الدين، وهذا موقفه من علم الكلام.
_________________
(١) ١ ذم الكلام (ق-٢١٥) وأورده الذهبي في السير (١٠/٣١) . ٢ ذم الكلام (ق-٢١٣) وأورده الذهبي في السير (١٠/٣٠) . ٣ ذم الكلام (ق-٢١٣) وأورده الذهبي في السير (١٠/٣٠) . ٤ ذم الكلام (ق-٢١٥) . ٥ الإبانة الكبرى ص ٥٣٥، ٥٣٦. ٦ مناقب الشافعي لابن أبي حاتم ص ١٨٢.
[ ٥١ ]
٨- اعتقاد أبي بكر عبد الله الحميدي١ المتوفى سنة ٢١٩ هـ
قال بشر بن موسى: حدثنا الحميدي قال:
١- السنة: أن يؤمن الرجل بالقدر خيره وشره، حلوه ومره، وأن يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن ذلك كله فضل من الله ﷿.
٢- وأن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، ولا ينفع قول إلا بعمل، ولا عمل وقول إلا بنية، ولا قول وعمل بنية إلا بسنة.
٣- والترحم على أصحاب محمد كلهم، فإن الله ﷿ قال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠]، فلم يؤمر إلا بالاستغفار لهم، فمن يسبهم أو ينقصهم أو أحدًا منهم، فليس على السنة، وليس له في الفيء حق.
أخبرنا بذلك غير واحد عن مالك بن أنس أنه قال: قسم الله تعالى الفيء فقال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠]، قال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا﴾ [الحشر:١٠]، الآية، فـ (من) لم يقل هذا لهم، فليس ممن له الفيء.
_________________
(١) ١ الحافظ أبو بكر عبد الله بن الزبير القرشي الحميدي. روى عن الفضيل بن عياض وطبقته وكان إمامًا حجة. قال أحمد بن حنبل: الحميدي والشافعي وابن راهويه كل كان إمامًا أو كلامًا هذا معناه. وصحب الحميدي الشافعي ووالاه وقال ابن ناصر الدين: حدث عنه البخاري وغيره من كبار الأئمة. توفي ﵀ سنة تسع عشرة ومائتين. شذرات الذهب ٢/ ٤٥، ٤٦.
[ ٥٢ ]
٤- والقرآن كلام الله:
سمعت سفيان يقول: القرآن كلام الله، ومن قال (مخلوق) فهو مبتدع، لم نسمع أحدًا يقول هذا.
٥- وسمعت سفيان يقول: الإيمان قول وعمل، ويزيد وينقص. فقال له أخوه إبراهيم بن عيينة: يا أبا محمد، لا تقل: ينقص. فغضب، وقال: اسكت يا صبي، بلى، حتى لا يبقى منه شيء.
٦- والإقرار بالرؤية بعد الموت.
٧- وما نطق به القرآن والحديث، مثل: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [المائدة: ١٦٤]، مثل: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]، وما أشبه هذا من القرآن والحديث، لا نزيد فيه ولا نفسره.
نقف على ما وقف عليه القرآن والسنة.
٨- ونقول ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، ومن زعم غير هذا فهو معطل جهمي.
٩- وأن لا نقول كما قالت الخوارج: "من أصاب كبيرة فقد كفر".
١٠- ولا نكفر بشيء من الذنوب، إنما الكفر في ترك الخمس، التي قال رسول الله ﷺ: "بني الإسلام على خمس، شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله ﷺ وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت".
فأما ثلاث منها فلا يناظر تاركها: من لم يتشهد، ولم يصل، ولم يصم، لأنه لا يؤخر من هذا شيء عن وقته، ولا يجزىء من قضاه بعد تفريطه فيه عامدًا عن وقته.
فأما الزكاة، فمتى ما أداها، أجزأت عنه، وكان آثمًا في الحبس.
وأما الحج، فمتى وجب عليه، ووجد السبيل إليه، وجب عليه، ولا يجب عليه في عامه ذلك، حتى لا يكون له منه بُد، متى أداه، كان مؤديًا،
[ ٥٣ ]
ولم يكن آثمًا في تأخره إذا أداه، كما كان آثمًا في الزكاة؛ لأن الزكاة حق لمسلمين مساكين، حبسه عليهم، فكان آثمًا حتى وصل إليهم. وأما الحج، فكان فيما بينه وبين ربه، إذا أداه، فقد أدى، وإن هو مات، وهو واجد مستطيع، ولم يحج، سأل الرجعة إلى الدنيا أن يحج ويجب لأهله أن يحجوا عنه، ونرجوا أن يكون ذلك مؤديًا عنه، كما لو كان عليه دين فقضى عنه بعد موته١.
_________________
(١) ١ أصول السنة المطبوعة في آخر سنن الحميدي ٢/٥٤٦-٥٤٨.
[ ٥٤ ]
٩- اعتقاد بشر بن الحارث المتوفى سنة ٢٢٧
قال أبو حفص عمر بن ياسر العطار: وأخرج صحيفة يزعم أنها بخط بشر بن الحارث١ ﵁ دفعها إليهم، وقال تحفظوه، وتعلموه، فلتع أصل الإيمان، أولها شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله، وإقرار بما جاءت به الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وعقد قلبه على ما ظهر من لسانه، ولم يشك في إيمانه، ولم يكفر أحد أحدًا من أهل التوحيد بذنب، وأرجأ ما غاب من الأمور إلى الله ﷿ وعلم أن كل شيء بقضاء الله وقدره، والخير والشر من الله ﷿، ورجأ لمحسن أمة محمد ﷺ بإحسان عمله ولا ينزله النار بذنب اكتسبه، حتى يكون الله ﷿ ينزل خلقه حيث يشاء، ويعرف حق السلف ﵃ الذين اختارهم الله ﷿ لصحبة نبيه ﷺ. وقدم أبا بكر الصديق وعمر الفاروق وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم أجمعين، وترحم على أصحاب النبي ﷺ صغيرهم وكبيرهم، وحدث بفضائلهم، وأمسك عما شجر بينهم، وصلى الجمعة والعيدين وعرفات مع كل أمير بر أو فاجر، والمسح على الخفين في الحضر والسفر، وأن يقصر الصلاة في السفر، والجهاد ماض منذ بعث النبي ﷺ إلى خير عصابة، يقاتلون الدجال لا يضرهم جور جائر، والقرآن كلام الله ﷿ وتنزيله ليس بمخلوق، والبيع والشراء حلال إلى يوم القيامة، على حكم السنة والإيمان قول وعمل يزيد وينقص، والتكبير على الجنائز أربعًا،
١ الرباني القدوة أبو نصر بشر بن الحارث المروزي الزاهد المعروف ببشر الحافي سمع من حماد بن زيد وإبراهيم بن سعد وطبقتهما، قال الخطيب: هو ابن عم علي بن خشرم كان ممن فاق أهل عصره في الورع والزهد، وتفرد بوفور العقل وأنواع الفضل وحسن الطريقة وكان كثير الحديث إلا أنه لم ينصب نفسه للرواية وكان يكرهها ودفن كتبه لأجل ذلك وكان في الفقه على مذهب الثوري توفي ببغداد في ربيع الأول سنة سبع وعشرين ومائتين، الشذرات ٢/٦٠، ٦١، ٦٢.
[ ٥٥ ]
والدعاء لأئمة المسلمين والصلاح، ولا يخرج عليهم بالسيف، ولا يقاتل في الفتنة، وتلزم بيتك، والإيمان بعذاب القبر، ومنكر ونكير، والإيمان بالحوض والشفاعة، والميزان، والإيمان بأن قومًا من الموحدين يخرجون من النار كما جاءت به الأخبار عن النبي ﷺ، وهذه الأشياء نؤمن بها ولا نضرب لها الأمثال، ومن صفة أهل السنة الأخذ بكتاب الله، وأحاديث رسول الله ﷺ، وأحاديث أصحاب رسول الله ﷺ، وترك الرأي والابتداع، ونشهد أن الله يقول ويخلق، وقوله قول وخلقه خلق، قوله باين من خلقه، وخلقه باين من قوله، وقوله ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩]، وقوله: كن ليس بمخلوق، والحمد لله الذي ليس له شريك ولا شبيه، ولا وزير، ولا نظير، ولا ضد، ولا يشرك في حكمه أحدًا.
قال أبو عمرو الخفاف: رأيت محمدًا بن يحيى الذهلي في المنام بعد موته، فقلت: ما فعل الله بك؟ قال غفر لي ولمن صلى على جنازتي، ورفعت كتبي في أعلى عليين، وكتبت بماء الذهب، ثم رأيته مرة أخرى في المنام، فقلت: كنت رأيتك في المنام فسألتك ما فعل الله بك، فقلت: غفر لي أغفر لك؟ قال نعم، وقلت غفر لمن صلى على جنازتي، أغفر لهم؟ قال نعم: فقلت ورفعت كتبك في أعلى عليين وكتبت بماء الذهب؟ قال: نعم كما قلت.
[ ٥٦ ]
١٠- اعتقاد علي بن المديني ١-٢. المتوفى سنة ٢٣٤
ومن نقل عنه ممن أدركه من جماعة السلف
قال اللالكائي أخبرنا محمد بن رزق الله قال أخبرنا أبو محمد جعفر بن محمد بن نصير قال حدثنا أبو محمد عبد الله بن غنام بن حفص بن غياث النخعي قال حدثنا أبو سعيد يحيى بن أحمد قال سمعت أبا عبد الله محمد بن عبد الله بن بسطام يقول سمعت سهل بن محمد قرأها على علي بن عبد الله بن جعفر المديني فقال له: قلت أعزك الله: السنة اللازمة التي من ترك منها خصلة لم يقلها أو يؤمن بها لم يكن من أهلها:
الإيمان بالقدر خيره وشره.
ثم تصديق بالأحاديث والإيمان بها لا يقال، لم؟ ولا كيف؟ إنما هو التصديق بها والإيمان بها وإن لم يعلم تفسير الحديث ويبلغه عقله فقد كفى ذلك واحكم عليه. الإيمان به والتسليم.
مثل حديث زيد بن وهب عن ابن مسعود قال حدثنا الصادق المصدوق ونحوه من الأحاديث المأثورة عن الثقات.
ولا يخاصم أحدًا ولا يناظر ولا يتعلم الجدل.
والكلام في القدر وغيره من السنة مكروه ولا يكون صاحبه وإن أصاب السنة بكلامه من أهل السنة حتى يدع الجدل ويسلم، ويؤمن بالإيمان.
_________________
(١) ١ أبو الحسن علي بن عبد الله بن جعفر بن نجيح السعدي مولاهم البصري الحافظ صاحب التصانيف، سمع من حماد بن زيد وعبد الوارث وطبقتهما. قال البخاري: ما استصغرتُ نفسي إلا عند ابن المديني، وقال أبو داود: (ابن المديني أعلم باختلاف الحديث من أحمد بن حنبل) وقال عبد الرحمن بن مهدي: علي بن المديني أعلم الناس بحديث رسول الله ﷺ وخاصة بحديث سفيان بن عيينه، توفي ﵀ في ذي القعدة وله ثلاث وسبعون سنة، سنة أربع وثلاثين ومائتين، شذرات الذهب ٢/٨١. ٢ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٢/١٨٥.
[ ٥٧ ]
والقرآن كلام الله ليس بمخلوق ولا تضعف أن تقول ليس بمخلوق فإن كلام الله ﷿ ليس بباين منه وليس منه شيء مخلوق يؤمن به ولا يناظر فيه أحدًا.
والإيمان بالميزان يوم القيامة يوزن العبد ولا يزن جناح بعوضة. يوزن أعمال العباد كما جاءت به الآثار، الإيمان به والتصديق والإعراض عن من رد ذلك وترك مجادلته.
وإن الله ﷿ يكلم العباد يوم القيامة ويحاسبهم ليس بينهم وبينه ترجمان، الإيمان بذلك والتصديق.
والإيمان بالحوض: إن لرسول الله ﷺ حوضًا يوم القيامة ترد عليه أمته عرضه مثل طوله مسيرة شهر آنيته كعدد نجوم السماء على ما (جاء) في الأثر ووصف. ثم الإيمان بذلك.
والإيمان بعذاب القبر، إن هذه الأمة تفتن في قبورها وتسأل عن النبي ﷺ ويأتيه منكر ونكير كيف شاء الله ﷿ وكما أراد الإيمان بذلك والتصديق.
والإيمان بشفاعة النبي ﷺ.
وإخراج قوم من النار بعدما احترقوا وصاروا فحمًا فيؤمر بهم إلى نهر على باب الجنة كما جاء في الأثر كيف شاء الله وكما شاء إنما هو الإيمان به والتصديق.
والإيمان بأن المسيح الدجال مكتوب بين عينيه "كافر" للأحاديث التي جاءت فيه الإيمان بأن ذلك كائن، وإن عيسى بن مريم ينزل فيقتله بباب لد، والإيمان قول وعمل على سنة وإصابة ونية.
والإيمان يزيد وينقص وأكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقًا.
وترك الصلاة كفر ليس شيء من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة من تركها فهو كافر وقد حل قتله.
[ ٥٨ ]
وخير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر الصديق ثم عمر ثم عثمان بن عفان نقدم هؤلاء الثلاثة كما قدمهم أصحاب رسول الله ﷺ ولم يختلفوا في ذلك.
ثم من بعد الثلاثة أصحاب الشورى الخمسة: علي وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن مالك، كلهم يصلح للخلافة كلهم إمام كما فعل أصحاب رسول الله ﷺ. ثم أفضل الناس بعد أصحاب رسول الله ﷺ القرن الذي بعث فيهم كلهم.
من صحبه سنة أو شهرًا أو ساعة أو رآه أو وفد إليه فهو من أصحابه له من الصحبة على قدر ما صحبه، فأدناهم صحبة هو أفضل من الذين لم يروه ولو لقوا الله ﷿ بجميع الأعمال، كان الذي (صحب) النبي ﷺ ورآه بعينيه وآمن به ولو ساعة أفضل بصحبته من التابعين كلهم ولو عملوا كل (أعمال) الخير.
ثم السمع والطاعة للأئمة وأمراء المؤمنين البر والفاجر ومن ولي الخلافة بإجماع الناس ورضاهم.
لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ليلة إلا وعليه إمام برًا كان أو فاجرًا فهو أمير المؤمنين.
والغزو مع الأمراء ماض إلى يوم القيامة البر والفاجر لا يترك.
وقسمة الفيء وإقامة الحدود للأئمة الماضية ليس لأحد أن يطعن عليهم ولا ينازعهم، ودفع الصدقات إليهم جائزة نافذة قد برئ من دفعها إليهم وأجزأت عنه برًا كان أو فاجرًا.
وصلاة الجمعة خلفه وخلف من ولاه جائزة قائمة ركعتان من أعادها فهو مبتدع تارك للإيمان مخالف وليس له من فضل الجمعة شيء إذا لم ير الجمعة خلف الأئمة من كانوا برهم وفاجرهم والسنة أن يصلوا خلفهم لا يكون في صدره حرج من ذلك.
[ ٥٩ ]
ومن خرج على إمام من أئمة المسلمين وقد اجتمع عليه الناس فأقروا له بالخلافة بأي وجه كانت برضا كانت أو بغلبة فهو شاق هذا الخارج عليه العصا وخالف الآثار عن رسول الله ﷺ فإن مات الخارج عليه مات ميتة جاهلية.
ولا يحل قتال السلطان ولا الخروج عليه لأحد من الناس فمن عمل ذلك فهو مبتدع على غير السنة.
ويحل قتال الخوارج واللصوص إذا عرضوا للرجل في نفسه وماله أو ما دون نفسه فله أن يقاتل عن نفسه وماله حتى يدفع عنه في مقامه.
وليس (له) إذا فارقوه إن تركوه أن يطلبهم ولا يتبع آثارهم وقد سلم منهم، ذلك إلى الأئمة، إنما هو يدفع عن نفسه في مقامه. وينوي بجهده أن لا يقتل أحدًا فإن إتى على يده في دفعه عن نفسه في المعركة فأبعد الله المقتول. وإن قتل هو في ذلك الحال وهو يدفع عن نفسه وماله رجونا له الشهادة كما في الأثر.
وجميع الآثار إنما أمر بقتاله ولم يؤثر بقتله.
ولا يقيم عليه الحد ولكنه يدفعه إلى من ولاه الله أمره فيكون هو يحكم فيه.
ولا يشهد على أحد من أهل القبلة بعمل عمله بجنة ولا نار نرجو للصالح ونخاف على الطالح المذنب ونرجو له رحمة الله ﷿.
ومن لقي بذنب يجب (له) بذنبه النار تائبًا منه غير مصر عليه فإن الله يتوب عليه ويقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات.
ومن لقي الله وقد أقيم عليه حد ذلك الذنب فهو كفارته كما جاء عن رسول الله ﷺ.
ومن لقيه مصرًا غير تائب من الذنوب التي استوجبت بها العقوبة فأمره إلى الله ﷿ إن شاء عذبه وإن شاء غفر له.
ومن لقيه مشركًا عذبه ولم يغفر له.
[ ٦٠ ]
والرجم على من زنا وهو محصن إذا اعترف بذلك وقامت عليه البينة، رجم رسول الله ﷺ ورجم الأئمة الراشدون من بعده.
ومن تنقص أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ أو أبغضه لحدث كان منه أو ذكر مساوئه فهو مبتدع حتى يترحم عليهم جميعًا فيكون قلبه لهم سليمًا.
والنفاق هو الكفر: أن يكفر بالله ﷿ ويعبد غيره في السر ويظهر الإيمان في العلانية مثل المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ فقبل منهم الظاهر فمن أظهر الكفر قتل.
وهذه الأحاديث التي جاءت:
"ثلاث من كن فيه فهو منافق " ١ جاءت على التغليظ نرويها كما جاءت ولا نفسرها.
مثل: "لا ترجعوا بعدى كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض " ٢.
ومثل: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار" ٣.
ومثل: "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر" ٤.
ومثل: "من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما" ٥.
ومثل: "كفر بالله تبرؤ من نسب وإن دق"٦.
ونحو هذه الأحاديث مما ذكرناه ومما لم نذكره في هذه الأحاديث. مما صح وحفظ فإنه يسلم له وإن لم يعلم تفسيره فلا يتكلم فيه ولا يجادل فيه ولا يتكلم فيه ما لم يبلغ لنا منه ولا نفسر الأحاديث إلا على ما جاءت ولا نردها.
_________________
(١) ١ رواه البخاري (٣٣) ومسلم (٥٩) بلفظ (آية المنافق ثلاث.. "وأما باللفظ المذكور فقد رواه أبو يعلي في مسنده (٤٠٩٨) وهو حسن بشواهده. ٢ رواه البخاري (١٢١) ومسلم (٦٥) وغيرهما. ٣ رواه البخاري (٣١) ومسلم (٢٨٨٨) وغيرهما. ٤ رواه البخاري (٤٨) ومسلم (١١٦) وغيرهما. ٥ رواه البخاري (٦١٠٣) ومسلم (١١١) وغيرهما. ٦ حسن رواه أحمد (٢/ ٢١٥) وابن ماجة (٢٧٤٤) وغيرهما، انظر صحيح الجامع (٤٤٨٥)
[ ٦١ ]
والجنة والنار مخلوقتان كما جاء عن رسول الله ﷺ "دخلت الجنة فرأيت فيها قصرًا١ ورأيت الكوثر٢ " و"اطلعت في الجنة فإذا أكثر أهلها كذا واطلعت في النار فرأيت كثر أهلها كذا"٣.
فمن زعم أنهما لم يخلقا فهو مكذب بالأثر ولا أحسبه يؤمن بالجنة والنار، وقوله "أرواح الشهداء تسرح في الجنة"٤ وهذه الأحاديث التي جاءت كلها نؤمن بها.
ومن مات من أهل القبلة موحدًا مصليًا صلينا عليه واستغفرنا له لا نحجب الاستغفار ولا ندع الصلاة عليه لذنب صغير أم كبير وأمره إلى الله ﷿.
وإذا رأيت الرجل يحب أبا هريرة ويدعو له. ويترحم عليه (فارج) خيره واعلم أنه بريء من البدع.
وإذا رأيت الرجل يحب عمر بن عبد العزيز ويذكر محاسنه وينشرها فاعلم أن وراء ذلك خيرًا إن شاء الله.
وإذا رأيت الرجل يعتمد من أهل البصرة على أيوب السختياني وابن عون ويونس والتيمي ويحبهم ويكثر ذكرهم والإقتداء بهم (فارج) خيره.
ثم من بعد هؤلاء: حماد بن سلمة ومعاذ بن معاذ ووهب بن جرير فإن هؤلاء محنة أهل البدع.
وإذا رأيت الرجل من أهل الكوفة يعتمد على طلحة بن مصرف وابن ابجر وابن حيان التيمي ومالك بن مغول وسفيان بن سعيد الثوري وزايدة (فارجه) .
ومن بعدهم: عبد الله بن إدريس ومحمد بن عبيد وابن أبي عتبه والمحاربي (فارجه) .
وإذا رأيت الرجل يحب أبا حنيفة ورأيه والنظر فيه فلا تطمئن إليه وإلى من يذهب مذهبه ممن يغلو في أمره ويتخذه إمامًا.
_________________
(١) ١ رواه البخاري (٥٢٢٦) ومسلم (٢٣٩٤) وغيرهما. ٢ رواه البخاري (٤٩٦٤) وغيره. ٣ رواه البخاري (٣٢٤١- ٥١٩٨) وغيره. ٤ رواه مسلم (١٨٨٧) وغيره.
[ ٦٢ ]
١١ - اعتقاد أبي ثور: إبراهيم بن خالد الكلبي١-٢ الفقيه ﵀، المتوفى سنة ٢٤٠هـ
قال اللالكائي: أخبرنا محمد بن رزق الله قال أخبرنا أحمد بن حمدان قال حدثنا أبو الحسن إدريس بن عبد الكريم قال: أرسل رجل من أهل خراسان إلى أبي ثور إبراهيم بن خالد بكتاب يسأل عن الإيمان ما هو؟ ويزيد وينقص؟ وقول؟ أو قول وعمل؟ أو قول وتصديق وعمل؟
فأجابه: إنه التصديق بالقلب والإقرار باللسان وعمل الجوارح.
وسأله عن القدرية من هم؟
فقال: إن القدرية من قال أن الله لم يخلق أفاعيل العباد، وأن المعاصي لم يقدرها الله على العباد ولم يخلقها. فهؤلاء قدرية لا يصلى خلفهم ولا يعاد مريضهم ولا يشهد جنائزهم ويستتابون من هذه المقالة فإن تابوا وإلا ضربت أعناقهم.
وسألت: الصلاة خلف من يقول القرآن مخلوق؟
فهذا كافر بقوله لا يصلى خلفه. وذلك أن القرآن كلام الله جل ثناؤه ولا اختلاف فيه بين أهل العلم.
ومن قال: كلام الله مخلوق فقد كفر وزعم: أن الله ﷿ حدث فيه شيء لم يكن.
وسألت: يخلد في النار أحد من أهل التوحيد؟
والذي عندنا أن نقول: لا يخلد موحد في النار.
_________________
(١) ١ أبو ثور إبراهيم بن خالد الكلبي البغدادي الفقيه أحد الأعلام، تفقه وسمع من ابن عيينة وغيره وبرع في العلم، ولم يقلد أحدًا. قال أحمد بن حنبل: أعرفه بالسنة منذ خمسين سنة وهو عندي في صلاح سفيان الثوري قال ابن الأهدل: صنف فجمع في تصنيفه بين الحديث والفقه واستعمل أولًا مذهب أهل الرأي حتى قدم الشافعي العراق وصحبه فاتبعه وهو غير مقلد لأحد- توفي ﵀ سنة أربعين ومائتين، شذرات الذهب ٢/٩٣. ٢ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٢/ ١٩٣) .
[ ٦٣ ]
١٢- اعتقاد الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه١ المتوفى سنة ٢٤١ هـ
قال اللالكائي: أخبرنا علي بن محمد بن عبد الله السكري قال حدثنا عثمان بن أحمد بن عبد الله بن بريد الدقيقي قال حدثنا أبو محمد الحسن بن عبد الوهاب أو العنبر- قراءة من كتابه في شهر ربيع الأول سنة ثلاث وتسعين ومائتين- قال حدثنا أبو جعفر محمد بن سليمان المنقري - بتنيس- قال حدثني عبدوس بن مالك العطار قال سمعت أبا عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل يقول:
أصول السنة عندنا: التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ والإقتداء بهم وترك البدع وكل بدعة فهي ضلالة، وترك الخصومات، والجلوس مع أصحاب الأهواء وترك المراء والجدال، والخصومات في الدين.
والسنة عندنا آثار رسول الله ﷺ.
والسنة تفسر القرآن وهي دلائل القرآن.
وليس في السنة قياس ولا تضرب لها الأمثال ولا تدرك بالعقول ولا الأهواء إنما هي الإتباع وترك الهوى.
ومن السنة اللازمة التي من ترك منها خصلة لم يقلها ويؤمن بها لم يكن من أهلها:
_________________
(١) ١ أبو عبد الله أحمد بن حنبل الذهلي الشيباني المروزي ثم البغدادي شيخ الإسلام وعالم أهل العصر، سمع من هشيم وابن سعد وطبقتهما، وكان إمامًا في الحديث ودروبه، إمامًا في الفقه ودقائقه، إمامًا في السنة ودقائقها إمامًا في الورع وغوامضه، إمامًا في الزهد وحقائقه، قال إبراهيم الحربي: أدركت ثلاثًا لن يرى مثلهم يعجز النساء أن يلدن مثلهم: أبا عبيد القاسم بن سلام وبشر بن الحارث وأحمد بن حنبل، وكان أحمد يحفظ ألف ألف حديث، ولد عام ١٦٤هـ وتوفي في ثاني عشر ربيع الأول بكرة الجمعة سنة إحدى وأربعين ومائتين، شذرات الذهب ٢/٩٦، ٩٧، ٩٨.
[ ٦٤ ]
الإيمان بالقذر خيره وشره، والتصديق بالأحاديث فيه، والإيمان بها لا يقال لم؟ ولا كيف؟ إنما هو التصديق بها والإيمان بها.
ومن لم يعرف تفسير الحديث ويبلغه عقله فقد كفي ذلك وأحكم له فعليه الإيمان به والتسليم له مثل حديث الصادق والمصدوق وما كان مثله في القدر.
ومثل أحاديث الرؤية كلها وإن نبت عن الأسماع واستوحش منها المستمع فإنما عليه الإيمان بها وإن لا يرد منها جزءًا واحدًا وغيرها من الأحاديث المأثورات عن الثقات.
لا يخاصم أحدًا ولا يناظره ولا يتعلم الجدل فإن الكلام في القدر والرؤية والقرآن وغيرها من السنن مكروه منهي عنه ولا يكون صاحبه- إن أصاب بكلامه السنة- من أهل السنة حتى يدع الجدل ويسلم.
ويؤمن بالآثار. والقرآن كلام الله وليس بمخلوق ولا تضعف إن تقول ليس بمخلوق فإن كلام الله منه وليس منه شيء مخلوق وإياك ومناظرة من أحدث فيه ومن قال باللفظ وغيره، ومن وقف فيه فقال لا أدري، مخلوق أو ليس بمخلوق؟ وإنما هو كلام الله وليس بمخلوق. والإيمان بالرؤية يوم القيامة كما روي عن النبي ﷺ من الأحاديث الصحاح.
وأن النبي ﷺ قد رأى ربه وأنه مأثور عن رسول الله ﷺ صحيح.
رواه قتادة عن عكرمة عن ابن عباس ورواه الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس ورواه علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس. والحديث عندنا على ظاهره كما جاء عن النبي ﷺ والكلام فيه بدعة ولكن نؤمن به كما جاء على ظاهره ولا تناظر فيه أحدًا.
أقول: جواب العبارة هكذا:
"يوزن العبد يوم القيامة فلا يزن جناح بعوضة".
وتوزن أعمال العباد كما جاء في الأثر.
[ ٦٥ ]
والإيمان به والتصديق به والإعراض عن من رد ذلك وترك مجادلته.
وأن الله ﵎ يكلم العباد يوم القيامة ليس بينهم وبينه ترجمان والإيمان به والتصديق به.
والإيمان بالحوض وأن لرسول الله ﷺ حوضًا يوم القيامة ترد عليه أمته عرضه مثل طوله مسيرة شهر، آنيته كعدد نجوم السماء على ما صحت به الأخبار من غير وجه.
والإيمان (بعذاب القبر وأن هذه الأمة تفتن في قبورها وتسأل عن الإيمان) والإسلام ومن ربه؟ ومن نبيه؟ ويأتيه منكر ونكير كيف شاء الله ﷿ وكيف أراد، والإيمان به والتصديق به.
والإيمان بشفاعة النبي ﷺ، وبقوم يخرجون من النار بعدما احترقوا وصاروا فحمًا فيؤمر بهم إلى نهر على باب الجنة كما جاء في الأثر كيف شاء الله؟ وكما شاء؟ إنما هو الإيمان به والتصديق به. والإيمان أن المسيح الدجال (خارج مكتوب) بين عينيه كافر والأحاديث التي جاءت فيه والإيمان بأن ذلك كائن. وأن عيسى بن مريم ينزل فيقتله بباب لد. والإيمان قول وعمل يزيد وينقص كما جاء في الخبر "أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقًا".
ومن ترك الصلاة فقد كفر وليس من الأعمال شيء تركه كفر إلا الصلاة من تركها فهو كافر وقد أحل الله قتله.
وخير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر الصديق ثم عمر بن الخطاب ثم عثمان بن عفان. نقدم هؤلاء الثلاثة كما قدمهم أصحاب رسول الله ﷺ لم يختلفوا في ذلك.
ثم بعد هؤلاء الثلاثة أصحاب الشورى- الخمس- كما في الأصل والصواب الخمسة١- علي بن أبي طالب وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد كلهم يصلح للخلافة وكلهم إمام.
_________________
(١) ١ يجوز الوجهان في نحو هذه المسألة وهي فيما إذا تأخر العدد عن المعدود فتقول جاء قومنا الثلاث أو الثلاثة. كما في حاشية الصبان. والله أعلم.
[ ٦٦ ]
ونذهب إلى حديث ابن عمر: (كنا نعد- ورسول الله ﷺ حي وأصحابه متوافرون- أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم نسكت) .
ثم من بعد أصحاب الشورى: أهل بدر من المهاجرين ثم أهل بدر من الأنصار من أصحاب رسول الله ﷺ على قدر الهجرة والسابقة (أولًا فأولًا) .
ثم أفضل الناس بعد هؤلاء: أصحاب رسول الله ﷺ القرن الذي بعث فيهم.
كل من صحبه سنة أو شهرًا أو يومًا أو ساعة أو رآه فهو من أصحابه، له من الصحبة على قدر ما صحبه وكانت سابقته معه وسمع منه ونظر إليه (نظرة) .
فأدناهم صحبة هو أفضل من القرن الذي لم يروه ولو لقوا الله بجميع الأعمال.
كان هؤلاء الذين صحبوا النبي ﷺ ورأوه وسمعوا منه (ومن) رآه بعينه وآمن به ولو ساعة أفضل بصحبته من التابعين ولو عملوا كل أعمال الخير.
والسمع والطاعة للأئمة وأمير المؤمنين البر والفاجر ومن ولي الخلافة فاجتمع الناس عليه ورضوا به.
ومن غلبهم بالسيف حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين.
والغزو ماض مع الأمراء إلى يوم القيامة البر والفاجر لا يترك.
وقسمة الفيء وإقامة الحدود إلى الأئمة ماض ليس لأحد أن يطعن عليهم ولا ينازعهم.
ودفع الصدقات إليهم جائزة ونافذة من دفعها إليهم أجزأت عنه برًا كان أو فاجرًا.
وصلاة الجمعة خلفه وخلف من ولي جائزة تامة ركعتين من أعادهما
[ ٦٧ ]
فهو مبتدع تارك للآثار مخالف للسنة ليس له من فضل الجمعة شيء إذا لم ير الصلاة خلف الأئمة من كانوا: برهم وفاجرهم فالسنة أن تصلي معهم ركعتين (من أعادهما فهو مبتدع) وتدين بأنها تامة ولا يكن في صدرك من ذلك شك.
ومن خرج على إمام المسلمين وقد كان الناس اجتمعوا عليه وأقروا له بالخلافة بأي وجه كان بالرضا أو بالغلبة فقد شق هذا الخارج عصا المسلمين وخالف الآثار عن رسول الله ﷺ فإن مات الخارج عليه مات ميتة جاهلية ولا يحل قتال السلطان ولا الخروج عليه لأحد من الناس فمن فعل ذلك فهو مبتدع على غير السنة والطريق.
وقتال اللصوص والخوارج جائز إذا عرضوا للرجل في نفسه وماله فله أن يقاتل عن نفسه وماله ويدفع عنها بكل ما يقدر عليه.
وليس له إذ فارقوه أو تركوه أن يطلبهم ولا يتبع آثارهم ليس لأحد إلا للإمام أو ولاة المسلمين إنما له أن يدفع عن نفسه في مقامه ذلك وينوي بجهده أن لا يقتل أحدًا فإن أتى عليه في دفعه عن نفسه في المعركة فأبعد الله المقتول وإن قتل هذا في تلك الحال وهو يدفع عن نفسه وماله رجوت له الشهادة كما جاء في الأحاديث. وجميع الآثار في هذا: إنما أمر بقتاله ولم يؤمر بقتله ولا إتباعه ولا (يجهز) عليه إن صرع أو كان جريحًا وإن أخذه أسيرًا فليس له أن يقتله ولا يقيم عليه الحد ولكن يرفع أمره إلى من ولاه الله فيحكم فيه.
ولا يشهد على أهل القبلة بعمل يعمله بجنة ولا نار يرجو للصالح ويخاف عليه ويخاف على المسيء المذنب ويرجو له رحمة الله.
ومن لقي الله بذنب يجب له به النار تائبًا غير مصر عليه فإن الله ﷿ يتوب عليه ويقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات.
ومن لقيه وقد أقيم عليه حد ذلك الذنب في الدنيا فهو كفارته كما جاء الخبر عن رسول الله ﷺ.
[ ٦٨ ]
ومن لقيه مصرًا غير تائب من الذنوب التي قد استوجب به العقوبة فأمره إلى الله ﷿ إن شاء عذبه وإن شاء غفر له.
ومن لقيه كافرًا عذبه ولم يغفر له.
والرجم حق على من زنا وقد أحصن إذا اعترف أو قامت عليه بينة، وقد رجم رسول الله ﷺ، وقد رجمت الأئمة الراشدون. ومن انتقص أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ أو أبغضه لحدث كان منه أو ذكر مساوئه كان مبتدعًا حتى يترحم عليهم جميعًا ويكون قلبه لهم سليمًا.
والنفاق هو الكفر إن يكفر بالله ويعبد غيره ويظهر الإسلام في العلانية مثل المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ.
(وهذه الأحاديث التي جاءت) ١.
"ثلاث من كن فيه فهو منافق" هذا على التغليظ.
ونرويها كما جاءت ولا نفسرها.
وقوله: "لا ترجعوا بعدي كفارًا ضلالًا يضرب بعضكم رقاب بعض".
ومثل: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار".
ومثل: "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر".
ومثل: "من قال لأخيه: يا كافر فقد باء بها أحدهما".
ومثل: "كفر بالله تبرؤ من نسب وإن دق".
ونحوه من الأحاديث مما قد صح وحفظ فإنا نسلم له وإن لم يعلم (تفسيرها) ولا يتكلم فيه ولا يجادل فيه ولا تفسر هذه الأحاديث إلا مثل ما جاءت ولا نردها إلا بالحق منها.
والجنة والنار مخلوقتان قد خلقتا كما جاء عن رسول الله ﷺ "دخلت
_________________
(١) ١ سبق تخريج هذه الأحاديث ص: ٦١ و٦٢.
[ ٦٩ ]
الجنة فرأيت قصرًا ورأيت الكوثر" و"اطلعت في الجنة فرأيت لأهلها كذا واطلعت في النار فرأيت كذا ورأيت كذا" فمن زعم أنهما لم يخلقا فهو مكذب بالقرآن وأحاديث رسول الله ﷺ ولا أحسبه يؤمن بالجنة والنار. ومن مات من أهل القبلة موحدًا يصلى عليه (وتستغفر له ولا تترك الصلاة عليه) (لذنب أذنبه) صغيرًا كان أو كبيرًا وأمره إلى الله ﷿.
[ ٧٠ ]
المستدرك لعقيدة الإمام أحمد بن حنبل:
أ- قوله في التوحيد:
(١) جاء في طبقات الحنابلة١: "إن الإمام أحمد سئل عن التوكل، فقال: قطع الاستشراق باليأس من الخلق".
(٢) وجاء في كتاب المحنة٢ لحنبل أن الإمام أحمد قال: "لم يزل الله. ﷿ متكلمًا والقرآن كلام الله ﷿ غير مخلوق وعلى كل جهة، ولا يوصف الله بشيء أكثر مما وصف به نفسه ﷿".
(٣) وأورد ابن أبي يعلى عن أبي بكر المروزي قال: "سألت أحمد بن حنبل عن الأحاديث التي تردها الجهمية في الصفات والرؤية والإسراء وقصة العرش فصححها وقال: تلقتها الأمة بالقبول تمرّ الأخبار كما جاءت"٣.
(٤) قال عبد الله بن أحمد في كتاب السنة: إن أحمد قال: "من زعم أن الله لا يتكلم فهو كافر إلا أننا نروي هذه الأحاديث كما جاءت٤.
(٥) وأخرج اللالكائي عن حنبل٥ أنه سأل الإمام أحمد عن الرؤية فقال: "أحاديث صحاح نؤمن بها ونقر، وكل ما روي عن النبي ﷺ، بأسانيد جيدة نؤمن به ونقر"٦.
_________________
(١) ١ طبقات الحنابلة (١/٤١٦) . ٢ كتاب المحنة ص (٦٨) . ٣ طبقات الحنابلة (١/٥٦) . ٤ السنة ص (٧١ ط دار الكتب العلمية) . ٥ هو حنبل بن إسحاق بن حنبل بن هلال بن أسد أبو علي الشيباني وهو ابن عم أحمد بن حنبل قال عنه الخطب: "ثقة ثبت" مات سنة "٢٧٣" هـ تاريخ بغداد (٨/٢٨٦، ٢٨٧) . ٦ شرح اعتقاد أهل السنة والجماعة (٢/ ٥٠٧) .
[ ٧١ ]
(٦) وأورد ابن الجوزي في المناقب كتاب أحمد بن حنبل لمسدد١ وفيه: "صفوا الله بما وصف به نفسه، وانفوا عن الله ما نفاه عن نفسه "٢.
(٧) جاء في كتاب الرد على الجهمية للإمام أحمد قوله: "وزعم- جهم بن صفوان- أن من وصف الله بشيء مما وصف به نفسه في كتابه أو حدث عن رسوله كان كافرًا وكان من المشبهة"٣.
(٨) وأورد ابن تيمية في "الدرء" قول الإمام أحمد: "نحن نؤمن بأن الله على العرش كيف شاء وكما شاء بلا حد ولا صفة يبلغها واصف أو يحده أحد، فصفات الله منه وله وهو كما وصف نفسه لا تدركه الأبصار"٤.
(٩) وأورد ابن أبي يعلى عن أحمد أنه قال: "من زعم أن الله لا يرى في الآخرة فهو كافر مكذب بالقرآن "٥.
(١٠) وأورد ابن أبي يعلى عن عبد الله بن أحمد قال: "سألت أبي عن قوم يقولون: لما كلّم الله موسى لم يتكلم بصوت فقال أبي: تكلم الله بصوت وهذه الأحاديث نرويها كما جاءت"٦.
(١١) وأخرج اللالكائي عن عبدوس بن مالك العطار قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: " والقرآن كلام الله وليس بمخلوق ولا تضعف أن تقول ليس بمخلوق فإن كلام الله منه وليس منه شيء مخلوق"٧.
_________________
(١) ١ هو مسدد بن مسرهد بن مسربل الأسدي البصري قال عنه الذهبي: "الإمام الحافظ الحجة"مات سنة (٢٢٨) هـ، سير أعلام النبلاء (١٠/ ٥٩١) . وانظر ترجمته في تهذيب التهذيب (١٠/١٠٧) . ٢ مناقب الإمام أحمد ٢٢١. ٣ الرد على الجهمية ص ١٠٤. ٤ درء تعارض العقل والنقل (٢/٣٠) . ٥ طبقات الحنابلة (١/ ٥٩، ١٤٥) . ٦ طبقات الحنابلة (١/١٨٥) . ٧ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (١/ ١٥٧) .
[ ٧٢ ]
ب- قوله في القدر:
(١) أورد ابن الجوزي في المناقب كتاب أحمد بن حنبل لمسدد وفيه: "ويؤمن بالقدر خيره وشره وحلوه ومرّه من الله"١.
(٢) وأخرج الخلال عن أبي بكر المروزي قال: "سُئل أبو عبد الله فقال: الخير والشر مقدر على العباد؟ فقيل له: الله خلق الخير والشر، قال: نعم، الله قدره"٢.
(٣) وجاء في كتاب السنة للإمام أحمد قوله: "والقدر خيره وشره وقليله وكثيره، وظاهره وباطنه، وحلوه ومُرّه، ومحبوبه ومكروهه، وحسنه وسيّئه، وأوله وآخره من الله قضاء قضاه على عباده وقدر قدره، ولا يعدو واحد منهم مشيئة الله ﷿ ولا يجاوز قضاءه"٣.
(٤) وأخرج الخلال عن محمد بن أبي هارون عن أبي الحارث قال: "سمعت أبا عبد الله يقول: فالله ﷿ قدّر الطاعة والمعاصي، وقدّر الخير والشر، ومن كتب سعيدًا فهو سعيد، ومن كتب شقيًا فهو شقي"٤.
(٥) قال عبد الله بن أحمد سمعت أبي وسأله علي بن جهم عمن قال بالقدر يكون كافرًا؟ قال: "إذا جحد العلم إذا قال: إن الله لم يكن عالمًا حتى خلق علمًا فعلم فجحد علم الله فهو كافر"٥.
قال عبد الله بن أحمد: "سألت أبي مرة أخرى عن الصلاة خلف القدري، فقال: إن كان يخاصم فيه ويدعو إليه فلا تصل خلفه"٦.
_________________
(١) ١ مناقب الإمام أحمد ص ١٦٩، ١٧٢، ط/ دار الآفاق الجديد. ٢ السُّنَّة للخلال (ق- ٨٥) . ٣ السُّنَّة ص ٦٨. ٤ السُّنَّة للخلال (ق- ٨٥) . ٥ السُّنَّة لعبد الله بن أحمد ص ١١٩. ٦ السُّنَّة ص (١/٣٨٤) .
[ ٧٣ ]
ب- قوله في الإيمان:
(١) أورد ابن أبي يعلى عن أحمد قال: "من أفضل خصال الإيمان الحب في الله والبغض في الله"١.
(٢) وأورد ابن الجوزى عن أحمد قال: "الإيمان يزيد وينقص كما جاء في الخبر: "أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا"٢ "٣.
(٣) وأخرج الخلال عن سليمان بن أشعث٤ قال: "إن أبا عبد الله قال: الصلاة والزكاة والحج والبر من الإيمان والمعاصي تنقص الإيمان"٥.
(٤) قال عبد الله بن أحمد: "سألت أبي عن رجل يقول: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص ولكن لا يستثنى أمرجىء؟ قال: أرجو ألا يكون مرجئًا. سمعت أبي يقول: الحجة على ما لا يستثني قول رسول الله ﷺ، لأهل القبور: "وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون" ٦ "٧.
قال عبد الله بن أحمد: "سمعت أبي﵀- سُئل عن الإرجاء فقال: نحن نقول: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، إذا زنى وشرب الخمر نقص إيمانه"٨.
_________________
(١) ١ طبقات الحنابلة (٢/٢٧٥) . ٢ أخرجه أحمد في المسند (٢/٢٥٠) وأبو داود في كتاب السنة باب الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه (٥/٦٠) ح (٤٦٨٢) ح (١١٦٢) جميعهم من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة، وقال عنه الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح". ٣ مناقب الإمام أحمد ص ١٧٣، وانظر أيضًا ص ١٥٣، ١٦٨. ٤ هو أبو داود سليمان بن أشعث بن إسحاق السجستاني صاحب السُّنن، قال عنه الذهبي: "الإمام الثبت سيد الحفّاظ" مات سنة (٢٧٥ هـ)، تذكرة الحفاظ (٢/٥٩١)، وانظر ترجمته في تاريخ بغداد (٩/٥٥) . ٥ السنة للخلال (ق-٩٦) . ٦ أخرجه مسلم كتاب الجنائز باب ما يقال عند دخول القبور والدعاء لأهلها (٢/ ٦٦٩) ح (٩٧٤) من طريق عطاء عن عائشة ﵂. ٧ السنة لعبد الله (١/٣٠٧، ٣٠٨)، ط/ المحققة. ٨ السنة لعبد الله بن أحمد (١/٣٠٧) .
[ ٧٤ ]
د- قوله في الصحابة:
(١) جاء في كتاب السنة للإمام أحمد ما يأتي: "ومن السنة ذكر محاسن أصحاب رسول الله ﷺ، كلهم أجمعين، والكف عن ذكر مساوئهم والخلاف الذي شجر بينهم، فمن سبّ أصحاب رسول الله ﷺ، أو أحدًا منهم فهو مبتدع، رافضي خبيث، مجلف، لا يقبل الله منه صرفًا، ولا عدلًا، بل حبهم سنة، والدعاء لهم قربة، والإقتداء بهم وسيلة، والأخذ بآثارهم فضيلة". ثم قال: "ثم أصحاب رسول الله ﷺ، بعد الأربعة خير الناس، ولا يجوز لأحد أن يذكر شيئًا من مساوئهم ولا يطعن على أحد منهم بعيب ولا بنقص، فمن فعل ذلك فقد وجب على السلطان تأديبه وعقوبته، ليس له أن يعفو عنه"١.
(٢) أورد ابن الجرزي رسالة أحمد إلى مسدد وفيها: "وأن تشهد للعشرة أنهم في الجنة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة بن الجراح ومن شهد له النبي ﷺ، شهدنا له بالجنة"٢.
(٣) قال عبد الله بن أحمد: "سألت أبي عن الأئمة فقال: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي"٣.
(٤) وقال عبد الله بن أحمد: "سألت أبي عن قوم يقولون: إن عليًا ليس بخليفة، قال هذا قول سوء ردي"٤.
(٥) وأورد ابن الجوزي عن أحمد قال: "من لم يثبت الخلافة لعلي فهو أضل من حمار أهله"٥.
_________________
(١) ١ كتاب السنة للإمام احمد ص (٧٧-٧٨) . ٢ مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص١٧٠، ط دار الآفاق الجديدة. ٣ السُّنَّة ص ٢٣٥. ٤ السُّنَّة ص ٢٣٥. ٥ مناقب الإمام أحمد ص ١٦٣، ط/ دار الآفاق.
[ ٧٥ ]
(٦) وأورد ابن أبي يعلى عن أحمد قال: "من لم يربع علي بن أبي طالب الخلافة فلا تكلموه، ولا تناكحوه"١.
هـ- نهيه عن الكلام والخصومات في الدين:
(١) أخرج ابن بطة عن أبي بكر المروزي قال: "سمعت أبا عبد الله يقول: من تعاطى الكلام لم يفلح، ومن تعاطى الكلام لم يخل أن يتجهم"٢.
(٢) وأورد ابن عبد البر في جامع بيان العلم عن أحمد قال: "إنه لا يفلح صاحب كلام أبدًا ولا تكاد ترى أحدًا نظر في الكلام إلا وفي قلبه دغل"٣.
(٣) وأخرج الهروي عن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: "كتب أبي إلى عبيد الله بن يحيى بن خاقان٤ لست بصاحب كلام، ولا أرى الكلام في شيء من هذا، إلا ما كان في كتاب الله أو في حديث رسول الله ﷺ، فأما غير ذلك فإن الكلام فيه غير محمود"٥.
(٤) وأخرج ابن الجوزي عن موسى بن عبد الله الطرسوسي قال: "سمعت أحمد بن حنبل يقول: لا تجالسوا أهل الكلام وإن (ذبوا) عن السنة"٦.
(٥) وأخرج ابن بطة عن أبي الحارق الصايغ قال:"من أحب الكلام لم يخرج من قلبه، ولا ترى صاحب كلام يفلح"٧.
_________________
(١) ١ طبقات الحنابلة (١/٤٥) . ٢ الإبانة (٢/٥٣٨) . ٣ جامع بيان العلم وفضله (٢/٩٥) ط/ دار الكتب العلمية. ٤ هو أبو الحسن عبيد الله بن يحيى بن خاقان التركي ثم البغدادي، قال عنه الذهبي: "الوزير الكبير وزير للمتوكل وللمعتمد.. وحظي عند المتوكل وكان سمحًا جوادًا"، وقال ابن أبي يعلى: "نقل عن إمامنا أشياء منها أنه قال: سمعت أحمد يقول: "أنزه نفسي عن مال السلطان وليس بحرام"، مات سنة (٢٦٣هـ)، سير أعلام النبلاء (١٣/ ٩)، طبقات الحنابلة (١/٢٠٤) . ٥ ذم الكلام (ق-٢١٦- ب) . ٦ مناقب الإمام أحمد ص ٢٠٥. ٧ الإبانة لابن بطة (٢/٥٣٩) .
[ ٧٦ ]
(٦) وأخرج ابن بطة عن عبيد الله بن حنبل قال: "حدثني أبي قال: سمعت أبا عبد الله يقول: عليكم بالسنة والحديث وينفعكم الله به، وإياكم والخوض والجدال والمراء فإنه لا يفلح من أحب الكلام، وكل من أحدث كلامًا لم يكن آخر أمره إلا إلى بدعة، لأن الكلام لا يدعو إلى خير، ولا أحب الكلام ولا الخوض ولا الجدال، وعليكم بالسنن والآثار والفقه الذي تنتفعون به، ودعوا الجدال وكلام أهل الزيغ والمراء، أدركنا الناس ولا يعرفون هذا، ويجانبون أهل الكلام، وعاقبة الكلام لا تؤول إلى خير، أعاذنا الله وإياكم من الفتن وسلمنا وإياكم من كل هلكة"١.
(٧) أورد ابن بطة في الإبانة عن أحمد قال: "إذا رأيت الرجل يحب الكلام فاحذره"٢.
فهذه أقواله﵀- في مسائل أصول الدين وهذا موقفه من علم الكلام.
_________________
(١) ١ الإبانة لابن بطة (٢/٥٣٩) . ٢ الإبانة لابن بطة (٢/٥٤٠) .
[ ٧٧ ]
١٣- اعتقاد أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري١-٢ ﵀، المتوفى سنة ٢٥٦
في جماعة من السلف الذين يروى عنهم
قال اللالكائي: أخبرنا أحمد بن محمد بن حفص الهروي قال حدثنا محمد بن أحمد بن محمد بن سلمة قال حدثنا أبو الحسين محمد بن عمران بن موسى الجرجاني قال سمعت أبا محمد عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن البخاري
-بالشاش- يقول سمعت أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري يقول:
لقيت أكثر من ألف رجل من أهل العلم أهل الحجاز ومكة والمدينة والكوفة والبصرة وواسط وبغداد والشام ومصر: لقيتهم كرات قرنًا بعد قرن ثم قرنًا بعد قرن، أدركتهم وهم متوافرون منذ أكثر من ست وأربعين سنة، أهل الشام ومصر والجزيرة مرتين والبصرة أربع مرات في سنين ذوي عدد. بالحجاز ستة أعوام ولا أحصي كم دخلت الكوفة وبغداد مع محدثي أهل خراسان ومنهم: المكي بن إبراهيم ويحيى بن يحيى وعلي بن الحسن بن شقيق وقتيبة بن سعيد وشهاب بن معمر.
وبالشام: محمد بن يوسف الفريابي وأبي مسهر عبد الأعلى بن مسهر وأبا المغيرة عبد القدوس بن الحجاج وأبا اليمان الحكم بن نافع ومن بعدهم عدة كبيرة.
١ الإمام حبر الإسلام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزية البخاري مولى الجعفين صاحب الصحيح والتصانيف. ولد سنة أربع وتسعين ومائة. وكان من أوعية العلم يتوقد ذكاءً ولم يخلف بعده مثله. قال ابن وضاح ومكي بن خلف: سمعنا محمد بن إسماعيل يقول: كتبت عن ألف نفر من العلماء وزيادة ولم أكتب إلا عن من قال الإيمان قول وعمل وعن ابن إسحاق الريحاني أن البخاري كان يقول صنفت كتاب الصحيح بست عشرة سنة خرجته في ست مائة ألف حديث وجعلته حجة فيما بيني وبين الله تعالى، وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل سمعت أبي يقول: ما أخرجت خراسان مثل محمد بن إسماعيل البخاري. توفي ﵀ ليلة السبت عند صلاة العشاء ليلة الفطر ودفن يوم الفطر بعد الظهر سنة ست وخمسين ومائتين. شذرات الذهب ٢/ ١٣٤، ١٣٥، ١٣٦.
٢ شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٢/١٩٣) .
[ ٧٨ ]
وبمصر: يحيى بن كثير وأبا صالح كاتب الليث بن سعد وسعيد بن أبي مريم وأصبغ بن الفرح ونعيم بن حماد.
وبمكة: عبد الله بن يزيد المقري والحميدي وسليمان بن حرب قاضي مكة وأحمد بن محمد الأزرقي.
وبالمدينة: إسماعيل بن أبي أويس ومطرف بن عبد الله وعبد الله بن نفاع الزبيري وأحمد بن أبي بكر أبا مصعب الزهري وإبراهيم بن حمزة الزبيري وإبراهيم بن المنذر الحزامي.
وبالبصرة: أبا عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني وأبا الوليد بن هشام بن عبد الملك والحجاج بن المنهال وعلي بن عبد الله بن جعفر المدني.
وبالكوفة: أبا نعيم الفضل بن دكين وعبيد الله بن موسى وأحمد بن يونس وقبيصة بن عقبة وابن نمير وعبد الله وعثمان ابنا أبي شيبة.
وببغداد: أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وأبا معمر وأبا خيثمة وأبا عبيد القاسم بن سلام.
ومن أهل الجزيرة: عمرو بن خالد الحراني.
وبواسط: عمرو بن عون وعاصم بن علي بن عاصم.
وبمرو: صدقة بن الفضل وإسحاق بن إبراهيم الحنظلي.
واكتفينا بتسمية هؤلاء كي يكون مختصرًا وأن لا يطول ذلك فما رأيت واحدًا منهم يختلف في هذه الأشياء:
أن الدين قول وعمل وذلك لقول الله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ ١.
وأن القرآن كلام الله غير مخلوق لقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ
_________________
(١) ١ سورة البينة (٥) .
[ ٧٩ ]
السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ١.
قال أبو عبد الله محمد بن إسماعيل قال ابن عيينة: فبين الله الخلق من الأمر لقوله: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ٢.
وأن الخير والشر بقدر لقوله: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ* مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ ٣ ولقوله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ ٤ ولقوله: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ ٥.
ولم يكونوا يكفرون أحدًا من أهل القبلة بالذنب لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ٦.
وما رأيت فيهم أحدًا يتناول أصحاب محمد ﷺ قالت عائشة: أمروا أن يستغفروا لهم، وذلك لقوله: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٧.
وكانوا ينهون عن البدع ما لم يكن عليه النبي ﷺ وأصحابه لقوله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ ٨ ولقوله: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ﴾ ٩.
_________________
(١) ١ سورة الأعراف (٥٤) . ٢ هذه الآية جزء من التي قبلها. ٣ سورة الفلق (٢١) . ٤ سورة الصافات (٩٦) . ٥ سورة القمر (٤٩) . ٦ سورة النساء (٤٨) . ٧ سورة الحشر (١٠) . ٨ سورة آل عمران (١٠٣) . ٩ سورة النور (٥٤) .
[ ٨٠ ]
ويحثون على ما كان عليه النبي ﷺ وأتباعه لقوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ١.
وأن لا ننازع الأمر أهله لقول النبي ﷺ: "ثلاث لا يغل عليهن قلب امرىء مسلم: إخلاص العمل لله وطاعة ولاة الأمر ولزوم جماعتهم. فإن دعوتهم تحيط من ورائهم" ٢ ثم أكد في قوله: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ ٣.
وأن لا يرى السيف على أمة محمد ﷺ.
وقال الفضيل: لو كانت لي دعوة مستجابة لم أجعلها إلا في إمام لأنه إذا صلح الإمام أمن البلاد والعباد.
قال ابن المبارك: يا معلم الخير من يجترىء على هذا غيرك.
والخوارج مراق.
ومن زعم أن القرآن مخلوق فهو كافر بالله العظيم كفرًا ينقل عن الملة، ومن شك في كفره ممن يفهم فهو كافر.
ومن شك في كلام الله ﷿ فوقف شاكًا فيه يقول لا أدري مخلوق أو غير مخلوق فهو جهمي.
ومن وقف في القرآن جاهلًا علم وبدع ولم يكفر.
ومن قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي أو القرآن بلفظي مخلوق فهو جهمي.
قال! أبو محمد وسمعت أبي يقول:
_________________
(١) ١ سورة الأنعام (١٥٣) . ٢ صحيح رواه الترمذي (٢٦٥٨) وابن ماجة (٢٣٠) وغيرهما. ٣ النساء: ٥٩.
[ ٨١ ]
وعلامة أهل البدع الوقيعة في أهل الأثر. وعلامة الزنادقة. تسميتهم أهل السنة حشوية يريدون إبطال الآثار.
وعلامة الجهمية: تسميتهم أهل السنة مشبهة.
وعلامة القدرية: تسميتهم أهل السنة مخالفة ونقصانية.
وعلامة الرافضة: تسميتهم أهل السنة ناصبة.
ولا يلحق أهل السنة إلا اسم واحد ويستحيل أن تجمعهم هذه الأسماء.
[ ٨٢ ]
١٤- اعتقاد محمد بن يحيى الذهلي المتوفى سنة ٢٥٨ هـ
قال أبو عمرو أحمد بن محمد بن حفص الحبري أملى علينا محمد بن يحيى الذهلي١ قال: السنة عندنا الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، وهو قول الميثاق عليه عهدنا أهل العلم، وأن القدر خيره وشره من الله ﷿، قد جف القلم بما هو كائن إلى أن تقوم الساعة، علم الله جل وعلا العباد ما هم عاملون، وإلى ما هم صائرون، وأمرهم ونهاهم فمن لزم (أمر) الله تعالى وأطاعه وآثره، فبتوفيق الله ﷿، ومن ترك أمر الله ﵎ وركب معاصيه فيخذله الله، ومن زعم أن الاستطاعة قبل الفعل بالجوارح إليه إن شاء عمل وإن شاء لم يعمل فقد كذب بالقدر، ورد كتاب الله ﷿ نصًا وزعم أنه يستطيع ما لم يرده الله ﷿ ثناؤه، ونحن نتبرأ إلى الله ﷿ من هذا القول، ولكن نقول الاستطاعة في العبد مع الفعل فإذا عمل عملًا بالجوارح من بر وفجور، علمنا أنه مستطيعٌ للفعل الذي فعل، فأما قبل أن يفعل فإنا لا ندري لعله يريد أمرًا فحال بينه وبين ذلك، والله جل اسمه يريد لتكوين أعمال الخلق، ومن ادعى خلاف ما وصفناه فقد وصف الله ﷿ بالعجز، وهلك في الدارين، والقرآن كلام الله ﷿ غير مخلوق، من جهاته، وحيث ينصرف من الوجوه كلها فكلامه، وليس شيء منه مخلوق، ومن زعم أن كلام الله مخلوق، فقد زعم أن في الله ﷿ شيئًا مخلوقًا، وأن الله تعالى عن هذا، قال الله تعالى في محكم كتابه ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف:٥٤] ففصل الخلق من الأمر، وبأمره خلق الخلق، وكون الأشياء وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ
_________________
(١) ١ هو محمد بن يحيى بن عبد الله بن خالد بن فارس أبو عبد الله الذهلي النيسابوري أحد الأئمة الأعلام الثقات سمع عبد الرحمن وطبقته وكثر الترحال وصنف التصانيف وكان الإمام أحمد يحبه ويعظمه. قال أبو حاتم كان إمام أهل زمانه. وقال أبو بكر بن أبي داود: هو أمير المؤمنين في الحديث، توفي سنة ثمان وخمسين ومائتين، شذرات الذهب ٢/ ١٣٨.
[ ٨٣ ]
أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] فمن زعم أن كن الذي به كون خلقه مخلوق فقد كفر، ومن وقف فقال لا أقول مخلوق ولا غير مخلوق، كان محله محل من زعم أن القرآن مخلوق، ومن تكلم في اللفظ فقد بدع لأنه اخترع شيئًا لم يتكلم في السلف إلا رجل من أهل عصرنا، ممن كان ينتحل الحديث يقال له: الكرابيسي فنقل كلامه إلى إمامنا أبي عبد الله أحمد بن حنبل ﵁ فبدعه وأنكر عليه أشد الإنكار، وأمر بمهاينته ومجانبته، ونهى عن مجالسته، فمات متهلكًا خائبًا مخذولًا، ونحن نستوفق الله بتوفيقه ونستهديه بهداه، فإنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، ومتى ما تكلم في اللفظ، انشعب عليه فيه، فلم يتخلص المراد منه، وخيف عليه الفتنة، وقد قال رسول الله ﷺ "لا تماروا في القرآن فإن المراء فيه كفر" ١.
وقال عبد الله بن عمرو "سمع رسول الله ﷺ قومًا يتدارؤون في القرآن، فقال إنما هلك من كان قبلكم بهذا، ضربوا الكتاب بعضه ببعض فلا تكذبوا بعضه ببعض ما علمتوه فقولوه، وما جهلتم فكلوه إلى عالمه"٢. قالت عائشة ﵂: قال رسول الله ﷺ وتلا ﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه﴾ [آل عمران: ٧] فهم الذين عنى الله ﷿ فاحذروهم٣.
وقال ابن عباس ﵄: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ [آل عمران: ٧] ويقول الراسخون في العلم آمنا به. قال ابن عباس ﵄: لا تضربوا القرآن بعضه ببعض فإن ذلك يوقع الشك في قلوبكم. وقال أبو موسى: من علم علمًا فليعلمه الناس وإياه أن يقول ما لا يعلم فيكون من المتكلفين ويعوق من الدين.
وأشياء لهذه الأشياء كثيرة مما قد ذكره الأسالف من أهل العلم، الخوض
_________________
(١) ١ حسن. رواه أحمد (٤/ ١٧٠) وغيره. ٢ حسن. رواه أحمد (٢/ ١٩٥- ١٩٦) وابن ماجة (٨٥) وغيرهما. ٣ رواه البخاري (٤٥٤٧) ومسلم (٢٦٦٥) وأحمد (٦/ ٤٨) واللفظ له.
[ ٨٤ ]
فيه والتنازع، ولا يجب التلفظ فيما لم يحط علمًا به من المشكلات التي لم يتقدمنا فيها إمام ولا الخوض فيه، فإنهم كانوا أعلم بالتنزيل والتأويل، وعنهم أخذنا هذا، وبه نعتقد، فأعاذنا الله وإياكم من مضلات الفتن، وأن نسمع ونطيع لولاة الأمر مع حب لأصحاب رسول الله ﷺ كلهم ولا نرى شق العصيى مع النصح للجماعة في السر والعلانية وأن المتقدم من أصحاب رسول الله ﷺ أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب ثم عثمان بن عفان ثم علي بن أبي طالب رضوان الله عليهم أجمعين، ولا نكفر أحدًا من أهل القبلة بذنب، ولا نشهد عليهم بشرك، إلا ما كان من جهم وأصحاب جهم، ونفوض ما غاب عنا من الأمور إلى الله ﷿، لا نقطع بالذنوب العصمة من عندنا، ونرجو لمحسن أمة محمد ﷺ، ونخاف على سيئهم، ونستغفر لذنبهم، ونقبل علانيتهم ونكل سرائرهم إلى الله ﷿، ولا ندخل لمحسنهم الجنة بإحسان، ولا نارًا بذنب، حتى يكون الله جل ثناؤه هو يحكم بينهم يوم الفصل وهو أحكم الحاكمين، وأن الجهاد ماض من يوم بعث الله نبيه ﷺ لا يضره جور جائر ولا ينفعه عدل عادل حتى تقوم الساعة وأن أفعال العباد جميعها من خير وشر مخلوقة مسطورة في اللوح المحفوظ، ومن زعم أنها غير مسطورة فقد كفر، لأنه رد كتاب الله تعالى نصًا. قال الله تعالى: ﴿وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذابًا شديدًا كان ذلك في الكتاب مسطورا﴾ [الإسراء: ٥٨]، فإذا قال ذلك فقد رد نص كتاب الله ﷿ وكفر، وقد قال الله جل ثناؤه: ﴿بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ﴾ [البروج: ٢١- ٢٢] ونظيره أيضًا قوله تعالى: ﴿وكل صغير وكبير مستطر﴾ [القمر: ٥٣]، وقال تعالى: ﴿إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفًا كان ذلك في الكتاب مسطورا﴾ [الأحزاب: ٣٣] وأن ترك الصلاة كفر للحديث المأثور عن رسول الله ﷺ من وجه، ليس بين العبد والكفر إلا ترك الصلاة١، هذا المعنى وألفاظهم مختلفة، وأن العشرة رضي الله تعالى عنهم في الجنة نشهد عليهم أنهم في الجنة للحديث المأثور عن رسول الله ﷺ.
وأن الرجم حق واجب على من زنى وقد أحصن بالحمل أو الاعتراف،
_________________
(١) ١ رواه مسلم (٨٢) وغيره.
[ ٨٥ ]
فقد صح عن رسول الله ﷺ والخلفاء رضي الله تعالى عنهم بعده.
وأن الجنة والنار مخلوقتان قد قال رسول الله ﷺ: "والذي نفسي بيده فقد عرضت على الجنة والنار في عرض هذا الحائط وأنا أصلي فلم أر كاليوم في الخير والشر"١.
وقال ﷺ: "دخلت الجنة فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ وإذا ترابها المسك" ٢.
وقال ﷺ: "بينما أنا في الجنة فرأيت فيها قصرًا فقلت: لمن هذا القصر؟ فقيل لعمر ﵁" ٣.
وقال ﷺ: "رأيت النار فإذا فيها أخا بني دُعْدُع"٤.
وقال ﷺ: "رأيت النار فيها صاحبة الهرة" ٥.
(قال) "وقالت الجنة يا رب مالي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس ومساكينهم قال وقالت النار: أوثرت بالجبارين والمتكبرين فقال الله جل ثناؤه أنتما خلق من خلقي" ٦.
فمن زعم أنهما غير مخلوقتين، أو أنهما كانتا مخلوقتين فإنهما يفنيان، كما يفنى سائر الخلق فقد كذب من زعم هذا وأنكر الملة.
وأن الله تعالى يرى في الآخرة بالأبصار يراه أهل الجنة فأما من سواهم من بني آدم فلا.
والحجة في ذلك أحاديث مأثورة عن رسول الله ﷺ:"قيل له يا رسول الله: هل نرى ربنا يوم القيامة. الحديث"٧.
وفيما يروى عن بعض أصحاب رسول الله ﷺ ومن بعدهم من التابعين في قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢-٢٣] .قال: النظر إلى وجه الله الكريم ﷿.
وفيما روى عن رسول الله ﷺ "ما منكم أحد إلا سيكلمه الله يوم
_________________
(١) ١ رواه البخاري (٧٠٨٩) . ٢ رواه البخاري (٣٣٤٢) ومسلم (١٦٣) وغيرهما. ٣ رواه البخاري (٥٢٢٦) ومسلم (٢٣٩٤) وغيرهما. ٤ حسن رواه أحمد (٢/ ١٥٩- ١٨٨) وغيره. ٥ حسن رواه أحمد (٢/ ١٥٩- ١٨٨) وغيره. ٦ رواه مسلم (٢٨٤٦) وغيره. ٧ رواه البخاري (٨٠٦) ومسلم (١٨٢) .
[ ٨٦ ]
القيامة ليس بينه وبينه ترجمان"١.
وإنما عنى بذلك أهل التوحيد، وإن كان فيهم من استوجب العقوبة لأن مصيرهم بعد العقوبة الجنة، والله جل ثناؤه عفو كريم يعفو عمن يشاء ويعذب من يشاء.
"وأن لله ﷿ مائة اسم غير واحد فإنه وتر يحب الوتر من أحصاها دخل الجنة" ٢، يؤثر ذلك عن رسول الله ﷺ، وقال الله ﷿ في محكم كتابه العزيز: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ . [الأعراف: ١٨٠] .
فمن آمن بهذا وصدق به فقد أفلح ولزم أمر الله تعالى، ومن كذب به بتأول أو احتجاج في إبطاله فقد ضل وزاغ عن الحق وهلك في الدارين، إلا أن يتوب توبة نصوحًا، يعلم الله تعالى من قلبه أنه مفارق لهذه الأهواء راجع إلى الحق وبالله التوفيق.
وأن الإيمان بهذه الأحاديث المأثورة عن رسول الله ﷺ في رؤية الرب جل وعلا يوم القيامة.
والقدر والشفاعة وعذاب القبر والحوض والميزان والرجم والنزول والحساب والجنة والنار ونحوها من الأحاديث والتصديق بها، وللعباد، أن يؤمنوا بها.
وعن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه كان إذا أصبح قال: الحمد لله الذي ذهب بالليل وجاء بالنهار. ونحن منه في عافية مرحبًا بخلق جديد، مرحبًا بكما من آخرين وكاتبين وحافظين، اكتبا بسم الله في غرة يومي هذا، أني أشهد الله الذي لا إله إلا هو وكفى بالله شهيدًا، وأشهدكما على مقالتي هذه في ساعتي هذه، أني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إلهًا واحدًا أحدًا صمدًا، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أمين الله ووفيه وخيرة الله من خلقه، وأشهد أنه خاتم النبيين، وأنه لا نبي بعده ﷺ ورحمة الله وبركاته. وأشهد أن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور،
_________________
(١) ١ رواه البخاري (٦٥٣٩) ومسلم (١٠١٦) وغيرهما. ٢ رواه البخاري (٢٧٣٦) ومسلم (٢٦٧٧) وغيرهما.
[ ٨٧ ]
وأن الله ﷿ على كل شيء قدير، وأن الله قد أحاط بكل شيء علمًا، وأحصى كل شيء عددًا وأقول على ذلك، وعلى كل نعمة أنعم بها على ربي ﷿، الحمد لله عدد آياته وأسمائه، والحمد لله عدد ما في أرضه وسمائه، والحمد لله عدد ملائكته وخلقه، والحمد لله عدد ما في دنياه، وآخرته، الباعث الوارث يحيي الموتى ويميت الأحياء، ويحيي العظام وهي رميم، ومن التسبيح والتهليل والتكبير مثل ذلك، حسبي الله من لم يكلني إلى نفسي وهو كلائي في الليل والنهار، وغذائي في رحم أمي وحفظني حتى بلغت أشدي، وكنت ميتًا فأحياني، ومن بعد حياتي يميتني، حسبي الله ربي، لا أشرك به شيئًا، لا إله إلا الله وحده لا شريك له رب ورب أبائي الأولين، يا من دنى في علوه، ويا من تعالى في قربه، ويا من رفع السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، مسك السماوات والأرض أن تزولا، ولئن زالتا (لا تكون) إلا بأمره يا الله يا الله يا الله لا شريك لك، ولك الحمد والتسبيح والتكبير والتهليل والآلاء والقدرة والكبرياء والعظمة عدد ما خلقت، وعدد ما هو سابق في علمك، وعدد ما أنت خالقه إلى يوم القيامة، وعدد ما يعجز عنه عقول أولي الألباب، عن مبلغ صفة ذلك عندك عملت سوء أو ظلمت نفسي وأنت العفو فاعف عني، وأنت الغفور فاغفر لي، وأنت التواب فتب علي، لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، لك الحمد يا رب العالمين، ولك الكبرياء يا الله يا الله يا الله يا رحمن يا رحيم يا مهيمن، لا إله إلا أنت، وأشهد جميع من خلقته، ومن أنت خالقه إلى يوم القيامة، على مقالتي هذه في ساعتي هذه، إنك أنت الله رب الحق المبين، لا إله إلا أنت، وبأنك أنت الله الرحمن الرحيم، وأن محمدًا عبدك ورسولك نبي الرحمة ﷺ، وأن الإسلام ديني، أسألك تمام ذلك، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأنك تبعث من في القبور، وأنك على كل شيء قدير، وأنك أحطت بكل شيء علمًا، وأحصيت كل شيء عددًا، وأنك ما تشاء من أمر يكون، كان شهادة خالصة مخلصة، أنال بها منج جزيل كرامة الدنيا، وحسن ثواب الآخرة، الحمد لله الذي لم أصبح ميتًا ولا سقيمًا ولا مضروبًا على عرق، ولا مأخوذًا بأسوأ ما على ولا مقطوعًا يدي ولا مرتدًا عن ديني، ولا منكرًا لربي ﷿، ولا مستوحشًا عن ديني، ولا مستهلًا من عقلي، ولا معذبًا
[ ٨٨ ]
بعذاب، من الأمم قبلي، ولا أصبحت عبدًا مملوكًا ظالمًا لنفسي.
لك الحجة علي ولا حجة لي، أصبحت لا أملك لنفسي خيرًا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا، ولا أستطيع أن آخذ إلا ما أعطيتني، ولا أتقي إلا ما وقيتني، فوفقني اللهم لما يرضيك عني، أصبحت وما بي وبغيري من نعمة أو عافية صغيرة أو كبيرة قديمة أو حديثة، فمنك وحدك لا شريك لك، أنت أحق المنعمين أن ينعم نعمته، وأحق المفضلين أن يتم فضله ونعمته، اللهم بك كنا ما كنا، وبك نكون ما كنا على الله أمورنا وتسديدنا وتوفيقنا وعصمتنا، أن نضل عن قولك، أو نفتن عن دينك، أو نتابع هدى دون الذي جاء من عندك، يا من أظهر الجميل وسر القبيح علي، يا من لم يؤاخذني بالجريرة، ولم يهتك الستر، يا عظيم العفو، ويا كريم المغفرة يا باسط اليدين بالرحمة، يا حسن التجاوز، يا شاهد كل نجوى، ويا منتهى كل شكوى، يا علام الغيوب، وما تخفي الصدور، ويا معتق الرقاب وفكاك الأعناق، ويا مقبل العثرات والسيئات ويا مهتدينا بالنعم قبل استحقاقها، يا رباه يا سيداه يا إلهاه، أسألك أن تجيرني من شر ما أحاذر في الدنيا والآخرة.
وقال إبراهيم بن بشار الصوفي رحمه الله تعالى خادم إبراهيم بن أدهم ﵀ قال: كان إبراهيم بن أدهم يقول كل هذا الكلام في كل جمعة إذا أصبح عشر مرات وإذا أمسى عشر مرات يقول مثل ذلك: مرحبًا بيوم المزيد والصبح الجديد والكاتب الشهيد، يومنا هذا يوم عيد، أكتب لنا ما نقول فيه: بسم الله الحميد المجيد، الرؤوف الودود، والفعال لما يريد أصبحت بالله مؤمنًا، وبلقاء الله ﷿ مصدقًا، وبحجته معترفًا، ومن ذنبي مستغفرًا ولربوبيته خاضعًا، ولسوى الله جاحدًا، وإلى الله فقيرًا، وعلى الله متوكلًا، وإلى الله منيبًا، أشهد الله وأشهد ملائكته وأنبياءه وحملة عرشه، ومن خلق ومن هو خالقه، بأن الله لا إله إلا هو وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن الجنة حق والنار حق والحوض حق، والشفاعة حق، ومنكر ونكير حق، ولقاؤك حق، ووعدك حق، والساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، على ذلك أحيا، وعليه أموت وعليه أبعث إن شاء الله، اللهم أنت ولا رب لي إلا أنت خلقتني وأنا عبدك،
[ ٨٩ ]
وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك اللهم من شر كل ذي شر، اللهم إني ظلمت نفسي فاغفر لي ذنبي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق فإنه لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها، فإنه لا يصرف سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك والخير كله في يديك، أنا بك وإليك، أستغفرك وأتوب إليك، آمنت اللهم بما أرسلت من رسول، وآمنت اللهم بما أنزلت من كتاب وصلى الله على محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، خاتم كلامي ومفتاحه، وعلى أنبيائه ورسله أجمعين آمين يا رب العالمين، اللهم أوردنا حوضه، واسقنا بكأسه شربًا رويًا سائغًا هنيئًا، لا نظمأ بعده أبدًا، واحشرنا في زمرته غير خزايا ولا ناكسين، ولا مرتابين ولا مفتونين، ولا مغضوب علينا ولا ضالين، اللهم اعصمني من فتن الدنيا، ووفقني لما تحب من العمل وترضى، وأصلح لي شأني كله، وثبتني بالقول الثابت في الحياة الدنيا والآخرة، ولا تضلني وإن كنت ظالمًا، سبحانك سبحانك يا عظيم يا بر يا رحيم يا عزيز يا جبار، سبحان من سبحت له السماوات بأكنافها، وسبحان من سبحت له الجبال بأصواتها، سبحان من سبحت له النجوم في السماء بأبراجها، وسبحان من سبحت له البحار بأمواجها، وسبحان من سبحت له الحيتان بلغاتها، وسبحان من سبحت له الشجر بأصولها ونضارتها، وسبحان من سبحت له السماوات السبع والأرضون السبع ومن فيهن ومن عليهن، سبحانك سبحانك يا حي يا حليم، سبحانك لا إله إلا أنت وحدك.
وعن سويد بن الحارث الأزدي قال: وفدت على رسول الله ﷺ سابع سبعة من قومي، فلما دخلنا عليه وكلمناه أعجبه ما رأى من سمتنا وزينا، فقال ما أنتم؟ فقلنا مؤمنون، فتبسم رسول الله ﷺ: إن لكل قول حقيقة، فما حقيقة قولكم وإيمانكم؟ قال سويد ﵁: فقلت خمسة عشر خصلة، خمس منها أمرتنا بها، وخمس منها أمرتنا رسلك أن نعمل بها، وخمس منها تخلقنا بها في الجاهلية ونحن عليها إلا أن تكره منها شيئًا، فقال رسول الله ﷺ: وما الخمس التي أمرتكم رسلي أن تؤمنوا بها؟ فقلت: أمرتنا رسلك أن نؤمن بالله
[ ٩٠ ]
وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت، قال فما الخمس التي أمرتكم أن تعملوا بها؟ فقلت: أمرتنا رسلك أن نقول جميعًا لا إله إلا الله محمد رسول الله وأن نقيم الصلاة ونؤتي الزكاة، ونحج البيت من استطاع إليه سبيلا، ونصوم شهر رمضان، فنحن على ذلك، قال فما الخمس التي تخلقتم بها أنتم؟ قال قلت: الشكر عند الرخاء، والصبر عند البلاء والصدق في مواطن اللقاء، والرضاء بمواقع القضاء، وترك الشماتة بالمصائب إذا حلت بالأعداء، فتبسم رسول الله ﷺ وقال: أدباء حكماء فقهاء كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء من خصال، ما أشرفها وأعظم ثوابها؟ ثم قال ﷺ: وأنا أوصيكم بخمس خصال لتكمل عشرين خصلة، قلنا أوصنا يا رسول الله ﷺ: إن كنتم كما تقولون فلا تجمعوا ما لا تأكلون، ولا تبنوا ما لا تسكنون، ولا تنافسوا في شيء أنتم عنه غدًا تزولون، وأرغبوا فيما عليه تقدمون وفيه تخلدون، واتقوا الله الذي إليه ترجعون وعليه تعرضون١.
قال أبو سليمان الداراني: قال علقمة ﵁: فانصرف القوم من عند رسول الله ﷺ وقد حفظوا وصيته وعملوا بها، ولا والله يا أبا سليمان ما بقي من أولئك النفر ولا من أتباعهم غيري، ثم قال اللهم اقبضني إليك غير مبدل ولا مغير.
قال أبو سليمان: فمات والله بعد أيام قلائل.
_________________
(١) ١ إسناده ضعيف. رواه أبو نعيم في الحلية (٩/٢٩١) والبيهقي في الزهد (٩٧٠) وغيرهما. وراجع النهاية لابن كثير (٥/ ٩٤)، والمغني عن حمل الأسفار (٨٤) وكنز العمال (١٣٦٣) .
[ ٩١ ]
١٥-١٦- اعتقاد أبي زرعة عبيد الله بن عبد الكريم وأبي١ حاتم محمد بن إدريس بن المنذر٢ الرازيين٣ المتوفى سنة ٢٧٧هـ
قال اللالكائي: أخبرنا محمد بن المظفر المقري قال حدثنا الحسين بن محمد بن حبش المقري قال حدثنا أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم قال: سألت أبي وأبا زرعة عن مذاهب أهل السنة في أصول الدين وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار وما يعتقدان من ذلك؟ فقالا: أدركنا العلماء في جميع الأمصار حجازًا وعراقًا وشامًا ويمنًا فكان من مذهبهم:
الإيمان قول وعمل يزيد وينقص.
والقرآن كلام الله غير مخلوق. بجميع جهاته.
والقدر خيره وشره من الله ﷿.
وخير هذه الأمة بعد نبيها ﵊: أبو بكر الصديق ثم عمر بن الخطاب ثم عثمان بن عفان ثم علي بن أبي طالب ﵈.
وهم الخلفاء الراشدون المهديون.
وأن العشرة الذين سماهم رسول الله ﷺ وشهد لهم بالجنة على ما
_________________
(١) ١ الإمام أبو زرعة عبيد الله بن عبد الكريم القرشي مولى الرازي الحافظ أحد الأئمة الأعلام. قال أبو حاتم: لم يخلف بعده مثله علمًا وفقهًا وصيانة وصدقًا وهذا ما لا يرتاب فيه، ولا أعلم في الكشوف، والمغرب من كان يفهم هذا الشأن مثله، وقال إسحاق بن راهويه: كل حديث لا يحفظه أبو زرعة ليس له أصل. توفي ﵀ سنة أربع وستين ومائتين. ٢ الإمام أبو حاتم محمد بن إدريس بن المنذر الإمام محمد بن إدريس الحنظلي كان بارع الحفظ واسع الرحلة في أوعية العلم كان يقول: مشيت على قدمي في طلب الحديث أكثر من ألف فرسخ وتال ابن ناصر الدين: أبو حاتم الرازي كان في مضمار البخاري، وأبو زرعة جاريًا وبمعاني الحديث عالمًا، وفي الحفظ غالبًا، وأثنى عليه خلق من المحدثين. توفى سنة سبع وسبعين ومائتين ﵀.شذرات الذهب ٢/١٧١. ٣ شرح أصول اعتقاد أهل السنة ٢/١٩٧.
[ ٩٢ ]
شهد به رسول الله ﷺ وقوله الحق. والترحم على جميع أصحاب محمد ﷺ والكف عما شجر بينهم.
وأن الله ﷿ على عرشه بائن من خلقه كما وصف نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ بلا كيف؟ أحاط بكل شيء علما ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ [الشورى: ١١] .
أنه ﵎ يُرى في الآخرة: يراه أهل الجنة بأبصارهم ويسمعون كلامه كيف شاء. وكما شاء.
والجنة حق والنار حق، وهما مخلوقان لا يفنيان أبدًا والجنة ثواب لأوليائه والنار عقاب لأهل معصيته إلا من رحم الله ﷿.
والصراط حق.
والميزان حق. له كفتان توزن فيه أعمال العباد حسنها وسيئها حق.
والحوض المكرم به نبينا حق.
والشفاعة حق.
والبعث من بعد الموت حق.
وأهل الكبائر في مشيئة الله ﷿.
ولا نكفر أهل القبلة بذنوبهم ونكل أسرارهم إلى الله غز وجل.
ونقيم فرض الجهاد والحج مع أئمة المسلمين في كل دهر وزمان.
ولا نرى الخروج على الأئمة ولا القتال في الفتنة ونسمع ونطيع لمن (ولاه) الله ﷿ أمرنا ولا ننزع يدًا من طاعة ونتبع السنة والجماعة ونجتنب الشذوذ والخلاف والفرقة.
فإن الجهاد ماض منذ بعث الله ﷿ نبيه ﵊ إلى قيام الساعة مع أولي الأمر من أئمة المسلمين لا يبطله شيء.
والحج كذلك ودفع الصدقات من السوائم إلى أولي الأمر من أئمة المسلمين.
[ ٩٣ ]
والناس مؤمنون في أحكامهم ومواريثهم ولا ندري ما هم عند الله ﷿.
فمن قال أنه مؤمن حقًا فهو مبتدع ومن قال: هو مؤمن عند الله فهو من الكاذبين. ومن قال: هو مؤمن بالله حقًا فهو مصيب.
والمرجئة مبتدعة ضُلاَّل.
والقدرية مبتدعة ضُلاَّل.
فمن أنكر منهم: أن الله ﷿ لا يعلم ما لم يكن قبل أن يكون فهو كافر.
وأن الجهمية كفار.
وأن الرافضة رفضوا الإسلام.
والخوارج مراق.
ومن زعم أن القرآن مخلوق فهو كافر بالله العظيم كفرًا ينقل عن الملة، ومن شك في كفره ممن يفهم فهو كافر.
ومن شك في كلام الله ﷿ فوقف شاكًا فيه يقول لا ادري مخلوق أو غير مخلوق فهو جهمي.
ومن وقف في القرآن جاهلًا عُلِّم وبُدِّع ولم يكفر.
ومن قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي أو القرآن بلفظي مخلوق فهو جهمي.
قال أبو محمد وسمدت أبي يقول:
وعلامة أهل البدع الوقيعة في أهل الأثر. وعلامة الزنادقة: تسميتهم أهل السنة حشوية يريدون إبطال الآثار.
وعلامة الجهمية: تسميتهم أهل السنة مشهبة.
وعلامة القدرية: تسميتهم أهل الأثر مجبرة.
وعلامة المرجئة: تسميتهم أهل السنة مخالفة ونقصانية.
وعلامة الرافضة: تسميتهم أهل السنة ناصبة.
[ ٩٤ ]
ولا يلحق أهل السنة إلا اسم واحد ويستحيل أن تجمعهم هذه الأسماء.
وقال أبو محمد عبد الرحمن ابن أبي حاتم
وسمعت أبي وأبا زرعة يهجران أهل الزيغ والبدع يغلظان في ذلك أشد التغليظ وينكران وضع الكتب برأي في غير أثار.
وينهيان عن مجالسة أهل الكلام والنظر في كتب المتكلمين ويقولان لا يفلح صاحب كلام أبدا.
قال أبو محمد: وبه أقول! أنا.
وقال أبو علي بن حبيش المقري: وبه أقول.
قال شيخنا (ابن المظفر) ١: وبه أقول.
وقال شيخنا: يعني المصنف وبه أقول.
وقال الطريثيني: وبه أقول.
وقال شيخنا السلفي: وبه نقول.
ووجدت في بعض كتب أبي حاتم محمد بن إدريس بن المنذر الحنظلي الرازي ﵀ مما سمع منه يقول: مذهبنا واختيارنا إتباع رسول الله ﷺ وأصحابه والتابعين ومن بعدهم لإحسان وترك النظر في موضع بدعهم والتمسك بمذهب أهل الأثر مثل: أبي عبد الله بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم وأبي عبيد القاسم بن سلام والشافعي. ولزومًا الكتاب والسنة والذب عن الأئمة المتبعة لآثار السلف واختيار ما اختاره أهل السنة من الأئمة في الأمصار مثل:
_________________
(١) ١ الإمام أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم ابن الحافظ الجامع التميمي الراوي قال أبو يعلي الخليلي، أخذ علم أبيه وأبي زرعة، وكان بحرًا في العلم ومعرفة الرجال، صنف في الفقه واختلاف الصحابة والتابعين وعلماء الأنصار وقال ابن الأهول: هو صاحب الجرح والتعديل والعلل والمبوب على أبواب الفقه وغيرها. توفي ﵀ سنة سبع وعشرين وثلاثمائة. شذرات الذهب ٢/٣٠٨.
[ ٩٥ ]
مالك بن أنس في المدينة والأوزاعي بالشام والليث بن سعد: بمصر، وسفيان الثوري وحماد بن زياد بالعراق، من الحوادث مما لا يوجد فيه رواية عن النبي ﷺ والصحابة والتابعين.
وترك رأي الملبسين المموهين المزخرفين الممخرقين الكذابين.
وترك النظر في كتب الكرابيسي ومجانبة من يناضل عنه من أصحابه، وشاجر ديه١ مثل: داود الأصبهاني وأشكاله ومتبعيه.
والقرآن كلام الله علمه وأسماؤه وصفاته وأمره ونهيه ليس بمخلوق بجهة من الجهات.
ومن زعم أنه مخلوق مجعول فهو كافر بالله كفرًا ينقل عن الملة. ومن شك في كفره ممن يفهم ولا يجهل فهو كافر.
والواقفة واللفظية جهمية. جهمهم أبو عبد الله أحمد بن حنبل.
والإتباع للأثر عن رسول الله ﷺ وعن الصحابة والتابعين بعدهم بإحسان.
وترك كلام المتكلمين وترك مجالستهم وهجرانهم وترك مجالسة من وضع الكتب بالرأي بلا آثار.
واختيارنا أن الإيمان: قول وعمل إقرار باللسان وتصديق بالقلب وعمل بالأركان، مثل الصلاة والزكاة لمن كان له مال، والحج لمن استطاع إليه سبيلا. وصوم شهر رمضان وجميع فرائض الله التي فرض على عباده: العمل به من الإيمان.
والإيمان يزيد وينقص.
ونؤمن بعذاب القبر.
وبالحوض المكرم به النبي ﷺ.
ونؤمن بالمساءلة في القبر.
وبالكرام الكاتبين.
_________________
(١) ١ هكذا في جميع النسخ.
[ ٩٦ ]
وبالشفاعة المخصوص بها النبي ﷺ.
ونترحم على جميع أصحاب النبي ﷺ ولا نسب أحدًا منهم لقوله ﷿: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠] .
والصواب نعتقد ونزعم١ أن الله على عرشه بائن من خلقه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] .
ولا نرى الخروج على الأئمة ولا نقاتل في الفتنة ونسمع ونطيع لمن ولي الله ﷿ أمرنا.
ونرى الصلاة والحج والجهاد مع الأئمة ودفع صدقات المواشي إليهم.
ونؤمن بما جاءت به الآثار الصحيحة بأنه يخرج قوم من النار من الموحدين بالشفاعة.
ونقول إنا مؤمنون بالله ﷿. وكره سفيان الثوري أن يقول: أنا مؤمن حقًا عند الله ومستكمل الإيمان وكذلك قول الأوزاعي أيضًا. وعلامة أهل البدع: أن يسموا أهل السنة مشبهة ونابتة.
وعلامة القدرية: أن يسموا أهل السنة مجبرة.
وعلامة الزنادقة: أن يسموا أهل الأثر حشوية. ويريدون إبطال الآثار عن رسول الله ﷺ.
وفقنا الله وكل مؤمن لما يحب ويرضى من القول والعمل وصلى الله على محمد وآله وسلم.
_________________
(١) ١ والزعم لا يجوز إطلاقه على الأمور اليقينية وقضايا العقيدة ينبغي أن تكون في مرتبة اليقين لا مرتبة الزعم ولهذا فلا ينبغي استعمال الزعم هنا. وقد قال ﵊: "بئس مطية الرجل: زعموا" رواه أبو داود: ح/٤٩٧٢.
[ ٩٧ ]
١٧- اعتقاد أبي جعفر محمد بن جرير الطبري١-٢ المتوفى سنة ٣١٠هـ
قال اللالكائي أخبرنا عبيد الله بن محمد بن أحمد- قراءة عليه- قال أخبرنا القاضي أبو بكر أحمد بن كامل قال أبو جعفر محمد بن جرير:
فأول ما نبدأ فيه القول من ذلك كلام الله ﷿ وتنزيله إذ كان من معاني توحيده: فالصواب من القول في ذلك عندنا أنه كلام الله ﷿ غير مخلوق، كيف كتب و(كيف) تلى. وأي موضع قريء، في السماء وجد أو في الأرض، حيث حفظ، في اللوح المحفوظ كان مكتوبًا في الواح صبيان الكتاتيب مرسومًا، في حجر نقش أو في ورق خط، في القلب حفظ أو باللسان لفظ، فمن قال غير ذلك أو ادعى أن قرآنًا في الأرض أو في السماء سوى القرآن الذي نتلوه بألسنتنا ونكتبه في مصاحفنا، أو اعتقد غير ذلك بقلبه أو أضمره في نفسه، أو قال بلسانه داينًا به فهو بالله كافر حلال الدم، وبريء من الله والله بريء منه لقول الله جل ثناؤه: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ [سورة البروج ٢١، ٢٢] وقال وقوله الحق: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [سورة التوبة: ٦] . فأخبرنا جل ثناؤه أنه في اللوح المحفوظ مكتوب وأنه من لسان محمد ﷺ مسموع وهو قرآن واحد من محمد مسموع وفي اللوح المحفوظ مكتوب وكذلك في الصدور محفوظ وبألسن الشيوخ والشبان متلو.
فمن روى عنا أو حكى عنا أو تقول علينا، أو ادعى علينا أنا قلنا غير
_________________
(١) ١ الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري صاحب التفسير والتاريخ والمصنفات الكثيرة كان مجتهدًا لا يقلد أحدًا. قال إمام الأئمة ابن خزيمة: ما أعلم على الأرض أعلم من محمد بن جرير. قال الخطيب: كانت الأئمة تحكم بقوله وترجع إلى رأيه لمعرفته وفضله جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره. توفى ﵀ سنة عشر وثلاثمائة، شذرات الذهب ٢/٢٦٠. ٢ شرح أصول اعتقاد أهل السنة ٢/٢٠٦.
[ ٩٨ ]
ذلك، فعليه لعنة الله وغضبه، ولعنة اللاعنين والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا وهتك ستره وفضحه على رؤوس الأشهاد، يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار.
وأما الصواب من القول لدينا في رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة وهو ديننا الذين ندين الله به وأدركنا عليه أهل السنة والجماعة فهو أن أهل الجنة يرونه على ما صحت به الأخبار عن رسول الله ﷺ.
والصواب لدينا في القول فيما اختلف فيه من أفعال العباد وحسناتهم وسيئاتهم إن جميع ذلك من عند الله والله مقدره ومدبره لا يكون شيء إلا بإرادته ولا يحدث شيء إلا بمشيئته له الخلق والأمر.
والصواب لدينا من القول: أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص وبه الخبر عن جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ وعليه مضى أهل الدين والفضل.
والقول في ألفاظ العباد بالقرآن: فلا أثر فيه أعلمه عن صحابي مضى ولا عن تابعي قفي إلا عمن في قوله الشفاء والغنا رحمة الله عليه ورضوانه وفي إتباعه الرشد والهدى ومن يقوم لدينا مقام الأئمة الأولى: أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل.
فإن أبا إسماعيل الترمذي حدثني قال سمعت أبا عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل يقول: اللفظية جهمية لقول الله ﷿: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] ممن يسمع؟
وأما القول في الاسم أهو المسمى (أو) غير المسمى فإنه من الحماقات الحادثة التي لا أثر فيها فيتبع ولا قول من إمام فيستمع والخوض فيه شين والصمت عنه زين، وحسب امرىء من العلم به والقول فيه أن ينتهى إلى قول الصادق ﷿ وهو قوله ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠] وقوله: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ
[ ٩٩ ]
الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠] .
ويعلم أن ربه هو الذي على ﴿الْعَرْشِ اسْتَوَى * لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾ [طه: ٥،٦] .
فمن تجاوز ذلك فقد خاب وخسر فليبغ الشاهد منكم أيها الناس من بعد منا فنأي أو قرب فدنا:
إن الدين الذي ندين به في الأشياء التي ذكرناها ما بيناه لكم على ما وصفناه، فمن روى خلاف ذلك أو أضاف إلينا سواه أو نحلنا في ذلك قولًا غيره فهو كاذب (مفتر) معتد متخرص يبوء بإثم الله وسخطه، وعليه غضب الله ولعنته في الدارين وحق على الله أن يورده المورد الذي وعد رسول الله ﷺ ضرباه، وأن يحله المحل الذي أخبر نبي الله ﷺ أن الله يحله أمثاله.
[ ١٠٠ ]
١٨- اعتقاد أبي بكر بن أبي داود١ المتوفى سنة ٣١٦هـ
قال الإمام الحجة العالم الأثري الحافظ شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الدمشقي الشهير بالذهبي في كتابه (العلو للعلي الغفار) أخبرنا أحمد بن عبد الحميد أنبأنا محمد بن قدامة سنة ثماني عشرة وستمائة، أخبرتنا فاطمة بنت على، أنبأنا على بن بيان، أنبأنا الحسين ابن علي الطناحيري، أنبأنا أبو حفص ابن شاهين لمحال: قال شيخنا أبو بكر عبد الله بن سليمان هذه القصيدة وجعلها محسنة.
بسم الله الرحمن الرحيم
تمسك بحبل الله واتبع الهدى ولا تك بدعيًا لعلك تفلح
ودن بكتاب الله والسنن التي أتت عن رسول الله تنجو وتربح
وقل: غير مخلوق كلام مليكنا بذلك دان الأولياء وافصحوا
ولا في القرآن بالوقف قائلًا كما قال اتباع لجهم وصصحوا
ولا تقل القرآن خلق قراءة٢ فإن كلام الله باللفظ يوضح
وقل ينجلي٣ الله للخلق جهرة كما البدر لا يخفي وربك أوضح
وليس بمولود وليس بوالد وليس له شبه تعالى المسبح
وقد ينكر الجهمي هذا وعندنا بمصداق ما قلنا حديث مصرح
رواه جرير عن مقال محمد فقل مثل ما قد قال في ذاك تنجح
_________________
(١) ١ هو أبو بكر عبد الله بن أبي داود سليمان بن الأشعت الحافظ السجستاني ابن الحافظ ولد بسجستان سنة ثلاثين ومائتين. قال ابن شاهين كان ابن أبي داود يملى علينا من حفظه، ومن روى عنه ابن المظفر والدارقطني وأبو أحمد الحاكم وغيرهم. توفي سنة ست عشرة وثلاثمائة، شذرات الذهب ٢/ ٢٧٣. ٢ أي لا تقل القرآن مخلوق ولا لفظي بالقرآن مخلوق وانظر مجموعة رسائل الكمالية رقم (٥) في المناظرات بين الفحول من علماء الإسلام وأعلامه: "البخاري ومحمد بن يحيى الدهلي". ٣ يتجلى: فيراه المؤمنون.
[ ١٠١ ]
وقد ينكر الجهمي أيضًا يمينه وكلتا يديه بالفواضل تنفح
وقل ينزل الجبار في كل ليلة بلا كيف جل الواحد المتمدح
إلى طبق الدنيا يمن بفضله فتفرج أبواب السماء وتفتح
يقول ألا مستغفر يلق غافرًا ومستمنحا خيرًا ورزقًا فيمنح
روى ذاك قوم لا يرد حديثهم ألا خاب قوم كذبوهم وقبحوا
وقل إن خير الناس بعد محمد وزيراه قدما ثم عثمان الأرجح
وأربعهم خير البرية بعدهم على حليف الخير للخير ممنح
وإنهم والرهط لا ريب فيهم على نجب الفردوس بالنور تسرح
سعيد وسعد وابن عوف وطلحة وعامر فهر والزبير الممدح
وقل خير قول في الصحابة كلهم ولا تك طعانًا تعيب وتجرح
فقد نطق الوحي المبين بفضلهم وفي الفتح آي١ في الصحابة تمدح
وبالقدر المقدور أيقن فإنه دعامة عقد الدين والدين أفيح٢
ولا تنكرن جهلا نكيرًا ومنكرًا ولا الحوض والميزان إنك تنصح
وله منظومة في العقيدة السلفية
ومن عقود السنة الإيمان بكل ما جاء به القرآن
وبالحديث المسند المروي عن الأئمة عن النبي
وأن ربنا قديم لم يزل وهو دائم إلى غير أجل
كلم موسى عبده تكليمًا ولم يزل مدبرًا حكيمًا
كلامه وقوله قديم وهو فوق عرشه العظيم
والقول في كتابه المفصل بأنه كلامه المنزل
على رسوله النبي الصادق ليس بمخلوق ولا بخالق
_________________
(١) ١ هي "محمد رسول الله والذين معه" إلخ السورة ٢ الدعامة عماد البيت والأفيح الواسع السمح.
[ ١٠٢ ]
من قال فيه إنه مخلوق أو محدث فقوله مروق
والوقف فيه بدعة مضلة ومثل ذاك اللفظ عند الجلة
أهون بقول جهم الحسيس وواصل وبشر المريسي
ذي السخف والجهل وذي العناد معمر وابن أبي دؤاد
وابن عبيد شيخ الاعتزال وشارع البدعة والضلال
والجاحظ القادح في الإسلام وجبت هذه الأمة النظام
والفاسق المعروف بالجبائي ونجله السفيه ذي الخناء
واللاَّحقيِّ وأبي هذيل مؤيدي الكفر بكل ويل
وذي العمى ضرار المرتاب وشبههم من أهل الارتياب
وبعد فالإيمان قول وعمل ونية عن ذاك ليس ينفصل
هو على ثلاثة مبني خلاف ما يقوله المرجي
وزعم الإمام الأشعري وصحبه وكلهم مرضى
فتارة يزيد بالتشمير وتارة ينقص بالتقصير
وحب أصحاب النبي فرض ومدحهم تزلف وفرض
وأفضل الصحابة الصديق وبعده المهذب الفاروق
ومن صحيح ما أتى به الخبر وشاع في الناس قديمًا وانتشر
نزول ربنا بلا امتراء في كل ليلة إلى السماء
من غير ما حد ولا تكييف سبحانه من قادر لطيف
ورؤية المهيمن الجبار وأننا نراه بالأبصار
يوم القيامة بلا ازدحام كرؤية البدر بلا غمام
وضغطه القبر على المقبور وفتنة المنكر والنكير
فالحمد لله الذي هدانا لواضح السنة واجتبانا١
_________________
(١) ١ سير أعلام النبلاء ١٨/ ٨١- ٨٢- ٨٣.
[ ١٠٣ ]
وله منظومة أخرى في فضل أهل الحديث وعقائده.
وقل يخرج الله العظيم بفضله من النار أجسادًا من الفحم تطرح
على النهر في الفردوس تحيا بمائة كحبة حمل السبل إذ جاء يطفح
وأن رسول الله للخلق شافع وقل في عذاب القبر حق موضح
ولا تكفرن أهل الصلاة وإن عصوا فكلهم يعصى وذو العرش يصفح
ولا تعتقد رأي الخوارج إنه مقال لمن يهواه يردى ويفضح
ولا تك مرجيًا لعوبًا بدينه ألا إنما المرجي بالدين يمزح
وقل إنما الإيمان قول ونية وفعل على قول النبي مصرح
وينقص طورًا بالمعاصي وتارة بطاعته ينمي وفي الوزن يرجح
ودع عنك آراء الرجال وقولهم فقول رسول الله أزكى وأشرح
ولا تك من قوم تلهوا بدينهم فتطعن في أهل الحديث وتقدح
إذا ما اعتقدت الدهر يا صاح هذه فأنت على خير تبيت وتصبح
قال الإمام الكبير، والحافظ الشهير، شمس الدين الذهبي في كتابه العلو:
هذه القصيدة متواترة عن ناظمها، رواها الآجري وصنف لها شرحًا، وأبو عبد الله بن بطة في الإبانة، قال ابن أبي داود. هذا قول أبي وقول شيوخنا، وقول العلماء ممن لم نرهم كما بلغنا عنهم، فمن قال غير ذلك فقد كذب، كان أبو بكر من الحفاظ المبرزين، ما هو بدون أبيه، صنف التصانيف وانتهت إليه رئاسة الحنابلة ببغداد، توفي سنة ٣١٦ ست عشرة وثلثمائة آهـ.
[ ١٠٤ ]
١٩- اعتقاد نصر المقدسي
قال الشيخ الإمام الفقيه نصر رحمه الله١ المتوفى سنة ٤٩٠هـ
إن قال قائل: ذكرت ما يجب على أهل الإسلام من إتباع كتاب الله ﷿ وسنة رسوله ﷺ، وما أجمع عليه الأئمة والعلماء، ممن عرف بالعلم والدين والصدق واليقين، وذكرت المنع من البدع، وذم الكلام، والأهواء الخارجة عن الحق والصواب، ووجوب ترك ذلك، والأخذ بما عليه أهل السنة والجماعة، فأذكر مذاهبهم، وما أجمعوا عليه من اعتقادهم، وما يلزمنا المصير إليه من إجماعهم، لنعلم ذلك ونصير إليه ونعتقده ونعتمد عليه.
فالجواب وبالله التوفيق:
إن الذي أدركت عليه أهل العلم٢، ومن لقيتهم، وأحدث عنهم، ومن بلغني قوله من غيرهم، ممن يعول عليه ويرجع في النوازل إليه، ممن ينطق عن علم صائب، وفهم ثاقب، وأمانة قوية، وديانة أصلية، مشهور في وقته بالإمامة، موصوف بالقوة والزعامة، ناطق عن الكتاب والسنة، وإجماع علماء الأمة، مجانب للبدعة والضلالة والأهواء والجهالة٣ أنه لا يجوز اعتقاد ما لم يكن له أصل في كتاب الله تعالى ولا سنة رسوله ﷺ، وإجماع أهل العلم من الصحابة والتابعين لهم بإحسان عليهم من الله
_________________
(١) ١ أبو الفتح نصر بن إبراهيم بن نصر بن إبراهيم بن داود أبو الفتح المقدسي النابلسي الزاهد، شيخ الشافعية بالشام، وصاحب التصانيف، كان إمامًا علامة مفتيًا محدثًا حافظًا زاهدًا متبتلًا ورعًا كبير القدر عديم النظير. ومن تصانيفه التهذيب والتقريب وكتاب المقصود له وهو أحكام مجردة وكتاب الكافي وله شرح متوسط على كتاب الإشارة لشيخه سليم وله كتاب الحجة على تارك المحجة وغيرها توفي ﵀ سنة تسعين وأربعمائة. شذرات الذهب ٣/٣٩٥. ٢ يعني أئمة أهل الحديث أئمة أهل السنة والجماعة. ٣ جاء في حاشية الأصل ما نصه: "قف على ما يجب اعتقاده على كل مسلم".
[ ١٠٥ ]
الرحمن، الرحمة والرضوان، ولا يحل الكلام فيه، وأنه بدعة وضلالة ومعصية وجهالة، ثم الاعتقاد بعد ذلك أن الله تعالى واحد أحد فرد صمد، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد. وأنه خلق العالم وبعث الأنبياء والرسل وأنزل عليهم الكتب وشرع لخلقه الشرائع، وأمرهم ونهاهم، وأنه يميتهم أجمعين، ثم يحييهم ليوم الدين، فيحاسبهم بما أسلفوا، ويقابلهم بما قدموا وأخروا (ما) نطقت به كتبه فهو الحق، وأخبرت به رسله فهو الصدق، وأنه لا يجوز لأحد مخالفة أمره تعالى وجل، ولا تجاوزه، نصفه بما وصف به نفسه في كتابه وعلى لسان نبيه ﷺ لا نجاوز ذلك. ولا تزيد عليه، ولا نقيس بعقولنا غيره عليه، بل نسلم لذلك إليه، ونتوكل في توفيقنا عليه.
وأن الإيمان قول وعقد وعمل، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية.
وأن القرآن كلام الله ﷿ وحيه وتنزيله غير مخلوق كيف تلي وكيف قريء وكتب.
وأن القدر خيره وشره، وحلوه ومره من الله ﷿، قدر جميع أعمال العباد وقضاها، قبل أن يخلق أعمالهم فهم يعملون ما قدر لهم عمله وقضاه وكتبه وأمضاه، ولا يجاوز ذلك تقديره ولا يفارق ترتيبه، ولا يخرج من علمه ولا يزول عن حكمه.
وأن خير هذه الأمة بعد نبيها ﷺ أبو بكر الصديق ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان، ثم على بن أبي طالب رضوان الله عليهم أجمعين، وأنهم هم الخلفاء الراشدون المهديون الذين أمر رسول الله ﷺ بإتباعهم ونهى عن خلافهم.
وأن العشرة الذين شهد لهم رسول الله ﷺ بالجنة نشهد على ما شهد به، وكذلك من سواهم ممن أخبر عنه بذلك، أو وعده على عمل عمله أو فعل فعله الجنة. والترحم على جميع أصحاب رسول الله ﷺ، ونشر فضائلهم، وترك الخوض والنظر فيما شجر بينهم.
[ ١٠٦ ]
وأن الله تعالى مستو على عرشه، باين من خلقه، كما قال في كتابه العزيز الحكيم، ﴿أحاط بكل شيء علما﴾ [الطلاق: ١٢] ﴿وأحصى كل شيء عددا﴾ [الجن: ٢٨] ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ [الشورى: ١١] .
وأن الله تعالى يرى في الآخرة يراه المؤمنون بأبصارهم والكفار عن رأيته محجوبون.
وأن الجنة حق وأن النار حق وأنهما مخلوقتان لا يفنيان أبدًا.
وأن الميزان حق.
وأن الحوض المكرم به نبينا ﷺ حق.
وأن الشفاعة حق، وأن أناسًا من أهل التوحيد يخرجون من النار، ولا يبقى فيها من كان في قلبه شيء من الإيمان.
وأن عذاب القبر حق.
وأن منكر ونكير حق.
وأن الكرام الكاتبين حق.
وأن أهل الكبائر في مشيئة الله ﷿ لا نكفر أحدًا من أهل القبلة بذنب، بل نحكم بإيمانهم وأحكامهم وموازينهم ونكل سرائرهم إلى الله تعالى.
ونرى الحج والعمرة والجهاد والجمعة والصلوات وجميع الطاعات مع أئمة المسلمين ماض إلى يوم القيامة.
والسمع والطاعة لولاة الأمر في طاعة الله ﷿ دون معصيته.
فهذا ما أدركتهم عليه، وبلغني عنهم -﵏ ﵎- ووفقنا وإياكم لما يرضيه، واستعملنا فيما يحبه ويرتضيه، فإنما نحن به وإليه. وأنا أذكر بعد هذا، ما بلغني عمن أشرت إليه من الأئمة في ذلك بأسانيده مع اختلافهم في البسط والاختصار، واتفاق المعاني واختلاف الألفاظ، وأنقل قبل ذلك خبرًا عن رسول الله ﷺ وبالله التوفيق.
[ ١٠٧ ]
عن عبد الرحمن العمي عن أبيه عن أربعين من التابعين عن نفر من أصحاب رسول الله ﷺ أنه قال: "تسع من سنن الهدى وفيهن الجماعة (ومن) خرج منهن خرج من الجماعة، لا تشهدوا على أحد من أهل قبلتكم بكفر ولا شرك ولا نفاق، وردوا سرائرهم إلى الله ﷿ وصلوا على من مات من أهل قبلتكم وأشهدوا الصلوات الخمس والجمعة في الجماعة، مع كل إمام بار أو فاجر، وجاهدوا المشركين مع كل خليفة، لكم جهادكم وعليهم مآثمهم، ولا تخرجوا عن أئمتكم بالسيف وإن جاروا وادعو لأئمتكم بالصلاح والمعافاة، ولا تدعوا عليهم، وجانبوا الأهواء كلها فإن أولها وآخرها باطل.
[ ١٠٨ ]
٢٠- اعتقاد أحمد القادر بالله١ المتوفى سنة ٤٢٢ هـ
قال ابن الجوزي: "أخبرنا محمد بن ناصر الحافظ حدثنا أبو الحسين محمد بن محمد بن الفراء قال: أخرج الإمام القائم بأمر الله أمير المؤمنين أبو جعفر بن القادر بالله في سنة نيف وثلاثين وأربعمائة الاعتقاد القادري، الذي ذكره القادر فقريء في الديوان وحضر الزهاد والعلماء، وممن حضر الشيخ أبو الحسن علي بن عمر القزويني، فكتب خطه تحته قبل أن يكتب الفقهاء وكتب الفقهاء خطوطهم فيه أن هذا اعتقاد المسلمين ومن خالفه فقد فسق وكفر وهو:
يجب على الإنسان أن يعلم أن الله ﷿ وحده لا شريك له لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا ولم يكن له شريك في الملك وهو أول لم يزل وآخر لا يزال، قادر على كل شيء غير عاجز عن شيء إذا أراد شيئًا قال له كن فيكون غني غير محتاج إلى شيء لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم يطعم ولا يُطعم ولا يستوحش من وحدة ولا يأنس بشيء وهو الغني عن كل شيء لا تخلفه الدهور والأزمان وكيف تغيره الدهور والأزمان وهو خالق الدهور والأزمان والليل والنهار والضوء والظلمة والسموات والأرض وما فيها من أنواع الخلق والبر والبحر وما فيهما وكل شيء حي أو موات أو جماد. كان ربنا
_________________
(١) ١ هو القادر بالله الخليفة أبو العباس أحمد بن الأمير اسحق بن المقتدر جعفر بن المعتضد العباسي توفي ليلة الحادي عشر من ذي الحجة وله سبع وثمانون سنة قال الخطيب: كان من أهل الستر والديانة وإدامة التهجيد وكثرة الصدقات على صفة اشتهرت عنه صنف كتابًا في الأصول فيه فضل الصحابة ﵃ وتكفير المعتزلة القائلين بخلق القرآن. عده الشيخ تقي الدين بن الصلاح من فقهاء الشافعية ومدته في الخلافة من أطول المدد قال الذهبي: لما مات القادر بالله استخلف ابنه القائم بأمر الله وله إحدى وثلاثون سنة فبايعه الشريف المرتضى ثم إن الأمير حسن بن عيسى بن المقتدر قام وقامت الأتراك على القائم بالرسم الذي للبيعة فقال إن القادر لم يخلف مالأ وصدق لأنه كان من أفقر الخلفاء توفي سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة، شذرات الذهب ٢/ ٢٢١، ٢٢٢، ٢٢٣.
[ ١٠٩ ]
وحده لا شيء معه ولا مكان يحويه فخلق كل شيء بقدرته وخلق العرش لا لحاجته إليه فاستوى عليه كيف شاء وأراد لا استقرار راحة كما يستريح الخلق وهو مدبر السموات والأرضين ومدبر ما فيهن ومن في البر والبحر ولا مدبر غيره ولا حافظ سواه يرزقهم ويمرضهم ويعافيهم ويميتهم ويحييهم والخلق كلهم عاجزون والملائكة والنبيون والمرسلون كلهم والخلق كلهم أجمعين وهو القادر بقدرة والعالم بعلم أزلي غير مستفاد وهو السميع بسمع والمبصر ببصر يعرف صفتهما من نفسه لا يبلغ كنههما أحد من خلقه متكلم بكلام لا بآلة مخلوقة كآلة المخلوقين لا يوصف إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به نبيه ﵇ وكل صفة وصف بها نفسه أو وصفه بها رسوله فهي صفة حقيقية لا مجازية ويعلم أن كلام الله تعالى غير مخلوق تكلم به تكليمًا وأنزل على رسوله ﷺ على لسان جبريل بعد ما سمعه جبريل منه فتلاه جبريل على محمد وتلاه محمد على أصحابه وتلاه أصحابه على الأمة ولم يصر بتلاوة المخلوقين مخلوقًا لأنه ذلك الكلام بعينه الذي تكلم الله به فهو غير مخلوق فبكل حال متلوًا ومحفوظًا ومكتوبًا ومسموعًا ومن قال أنه مخلوق على حال من الأحوال فهو كافر حلال الدم بعد الاستتابة منه ويعلم أن الإيمان قول وعمل ونية وقول باللسان وعمل بالأركان والجوارح وتصديق به يزيد وينقص: يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية وهو ذو أجزاء وشعب فأرفع أجزائه لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان والصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد والإنسان لا يدري كيف هو مكتوب عند الله ولا بماذا يختتم له فلذلك يقول: مؤمن إن شاء الله وأرجو أن أكون مؤمنًا ولا يضره الاستثناء الرجاء ولا يكون بهما شاكًا ولا مرتابًا لأنه يريد بذلك ما هو مغيب عنه من أمر الآخرة وخاتمته وكل شيء يتقرب به إلى الله تعالى ويعمل لخالص وجهه من أنواع الطاعات فرائضه وسننه وفضائله فهو كله من الإيمان منسوب إليه ولا يكون للإيمان نهاية أبدًا لأنه لا نهاية للفضائل ولا للمتبوع في الفرائض أبدًا.
[ ١١٠ ]
ويجب أن يحب الصحابة من أصحاب النبي ﷺ كلهم ونعلم أنهم خير الخلق بعد رسول الله ﷺ وأن خيرهم كلهم وأفضلهم بعد رسول الله ﷺ أبو بكر الصديق ثم عمر بن الخطاب ثم عثمان بن عفان ثم علي بن أبي طالب ﵃، ويشهد للعشرة بالجنة ويترحم على أزواج رسول الله ﷺ ومن سب عائشة فلا حظ له في الإسلام، ولا يقول في معاوية إلا خيرًا ولا يدخل في شيء شجر بينهم، ويترحم على جماعتهم قال الله تعالى ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠] وقال فيهم: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧] .
ولا يكفر بترك شيء من الفرائض غير الصلاة المكتوبة وحدها، فإنه من تركها من غير عذر وهو صحيح فارغ حتى يخرج وقت الأخرى فهو كافر وإن لم يجحدها لقول النبي ﷺ "بين العبد والكفر ترك الصلاة فمن تركها فقد كفر"١ ولا يزال كافرًا حتى يندم، ويعيدها، فإن مات قبل أن يندم ويعيد أو يضمر أن يعيد، لم يصل عليه وحشر مع فرعون وهامان وقارون وأبي بن خلف وسائر الأعمال لا يكفر بتركها وإن كان يفسق حتى يجحدها ثم قال: هذا قول أهل السنة والجماعة الذي من تمسك به كان على الحق المبين وعلى منهاج الدين والطريق الواضح ورجي به النجاة من النار ودخول الجنة إن شاء الله وقال النبي ﷺ "الدين النصيحة قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين ولعامتهم" ٢ وقال ﵇: "أيما عبد جاءته موعقة من الله تعالى في دينه فإنها نعمة من الله سيقت إليه فإن قبلها يشكر وإلا كانت حجة عليه من الله يزداد بها إثما ويزداد من الله سخطا" ٣ جعلنا الله لآلائه من الشاكرين ولنعمائه ذاكرين وبالسنة معتصمين وغفر لنا ولجميع المسلمين لما.
_________________
(١) ١ رواه مسلم (٨٢) وغيره. ٢ رواه مسلم (٥٥) وغيره. ٣ ضعيف. رواه البيهقي في الشعب (٧٤١٥) وغيره. انظر ضعيف الجامع (٢٢٤٥) .
[ ١١١ ]
٢١- اعتقاد محمد بن أحمد أبي علي الهاشمي١ المتوفى سنة ٨ م ٢ هـ
جاء في طبقات الحنابلة:
عنه قال: "باب ما تنطق به الألسنة وتعتقده الأفئدة من واجب الديانات:
حقيقة الإيمان عند أهل الأديان: الاعتقاد بالقلب والنطق باللسان:
أن الله تعالى واحد أحد فرد صمد لا يغيره الأبد ليس له والد ولا ولد وأنه سميع بصير بديع قدير حكيم خبير على كبير ولي نصير قوي مجير، ليس له شبيه ولا نظير ولا عون ولا ظهير ولا شريك ولا وزير ولا ند ولا مشير، سبق الأشياء فهو قديم لا كقدمها، وعلم كون وجودها في نهاية عدمها. لم تملكه الخواطر فتكيفه ولم تدركه الأبصار فتصفه، ولم يخل من علمه مكان فيقع به التأبين ولم يقدم زمان فينطلق عليه التأبين، ولم يتقدمه دهر ولا حين ولا كان قبله كون ولا تكوين ولا تجرى ماهيته في مقال ولا تخطر كيفيته ببال ولا يدخل في الأمثال والأشكال صفاته كذاته ليس بجسم في صفاته جل أن يشبه بمدعاته أو يضاف إلى مصنوعاته ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ [الشورى: ١١] .
أراد ما الخلق فاعلوه ولو عصمهم لما خالفوه ولو أراد أن يطيعوه جميعًا لأطاعوه. خلق الخلائق وأفعالهم وقدر أرزاقهم وآجالهم، لا سمي له في
_________________
(١) ١ هو أبو علي الهاشمي الحنبلي محمد بن أحمد بن أبي موسى البغدادي صاحب التصانيف قال ابن أبي يعلى في طبقاته كان سامي الذكر له القدم العالي والحظ الوافر عند الإماميين القادر بالله والقائم بأمر الله، صنف الإرشاد في المذهب وشرح كتاب الخرقي، ولد في ذي القعدة سنة خمس وأربعين وثلاثمائة وتوفي في ربيع الآخر سنة ثمان وعشرين وأربعمائة، شذرات الذهب ٣/٢٣٨، ٢٣٩، ٢٤٠، ٢٤١.
[ ١١٢ ]
أرضه وسمواته، على العرش استوى وعلى الملك احتوى وعلمه محيط بالأشياء. كذلك سئل الإمام أحمد بن محمد بن حنبل ﵁ قوله ﷿ ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ٧] فقال: علمه.
والقرآن كلام الله تعالى وصفته من صفات ذاته غير مخلوق ولا محدث كلام رب العالمين في صدور الحافظين وعلى السن الناطقين وفي أسماع السامعين وأكف الكاتبين وملاحظة الناظرين، برهانه ظاهر وحكمه قاهر ومعجزة باهرة وأن الله ﷿ كلم موسى تكليمًا وتجلى للجبل فجعله دكًا هشيمًا وأنه خلق النفوس وسواها وألهمها فجورها وتقواها.
والإيمان بالقدر خيره وشره حلوه ومره، وأن مع كل عبد رقيبًا وعتيدًا وحفيظًا وشهيدًا يكتبان حسناته ويحصيان سيئاته وأن كل مؤمن وكافر وبر وفاجر، يعاين عمله عند حضور منيته ويعلم مصيره قبل ميتته.
وأن منكرًا ونكيرًا إلى كل أحد ينزلانه- سوى النبيين- فيسألان ويمتحنان عما يعتقده من الأديان.
وأن المؤمن يخبر في قبره بالنعيم والكافر يعذب بالعذاب الأليم، وأنه لا محيص لمخلوق من القدر المقدور ولن يتجاوز ما خط في اللوح المسطور وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور، وأنه جل اسمه يعيد خلقهم كما بدأهم ويحشرهم كما ابتدأهم من صفائح القبور وبطون الحيتان في تخوم البحور وأجواف السباع وحواصل النسور.
وأن الله تعالى يتجلى في القيامة لعباده الأبرار فيرونه بالعيون والأبصار وأنه يخرج أقوامًا من النار فيسكنهم الجنة دار القرار وأنه يقبل شفاعة محمد المختار في أهل الكبائر والأوزار.
وأن الميزان حق. توضع فيه أعمال العباد فمن ثقلت موازينه نجا من
[ ١١٣ ]
النار ومن خفت موازينه أدخل جهنم وبئس القرار. وأن الصراط حق يجوزه الأبرار وأن حوض رسول الله ﷺ حق يرده المؤمنون ويذاد عنه الكفار، وأن الإيمان غير مخلوق فهو قول وإخلاص بالجنان وعمل الأركان يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان.
وأن محمدًا ﷺ خاتم النبيين وأفضل المرسلين وأمته خير الأمم أجمعين وأفضلهم: القرن الذين شاهدوه وآمنوا به وصدقوه وأفضل القرن الذي صحبوه: أربع عشرة مائة بايعوه بيعة الرضوان وأفضلهم: أهل بدر إذ نصروه وأفضلهم: أربعون في الدار كنفوه وأفضلهم: عشرة عزروه ووقروه شهد لهم بالجنة وقبض وهو عنهم راض وأفضل هؤلاء العشرة الأبرار: الخلفاء الراشدون المهديون الأربعة الأخيار، وأفضل الأربعة: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ﵈ وأفضل القرون القرن الذي يلونهم، ثم الذين يلونهم. ثم الذين يتبعونهم.
وأن نتولى أصحاب محمد ﷺ بأسرهم، ولا نبحث عن اختلافهم في أمرهم ونمسك عن الخوض في ذكرهم إلا بإحسان الذكر لهم. وأن نتولى أهل القبلة ممن ولي حرب المسلمين على ما كان فيهم من علي وطلحة والزبير وعائشة ومعاوية رضوان الله عليهم فيما شجر بينهم أتباعا لقول رب العالمين: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠] .
[ ١١٤ ]
٢٢- اعتقاد أبي عثمان الصابوني١ المتوفى سنة ٤٤٩هـ
قال السبكي في طبقات الشافعية: وهذه وصيته وقد وجدت بها بدمشق عند دخوله إليها حاجًا:
هذا ما أوصى به إسماعيل بن عبد الرحمن بن إسماعيل أبو عثمان الصابوني، الواعظ، غير المتعظ، الموقظ، غير المتيقظ، الأمر، غير المؤتمر، الزاجر، غير المنزجر، المتعلم، المعترف، المنذر، المخوف، المخلط، المفرط، المسرف، المقترف للسيئات، المغترف، الواثق مع ذلك برحمة ربه، الراجي لمغفرته، المحب لرسول الله ﷺ وشيعته، الداعي الناس إلى التمسك بسنته وشريعته ﷺ.
أوصى وهو يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إلهًا واحدًا [أحدًا]، فردًا صمدًا، لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا، ولم يشرك في حكمه أحدًا، الأول، الآخر، الظاهر، الباطن، الحي، القيوم، الباقي بعد فناء خلقه، المطلع على عباده، العالم بخفيات الغيوب، الخبير بضمائر القلوب، المبدىء، المعيد، الغفور، الودود، ذو العرش المجيد، الفعال لما يريد ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] .
هو مولانا، فنعم المولى، ونعم النصير، يشهد بذلك كله مع الشاهدين، مقرًا بلسانه، عن صحة اعتقاد، وصدق يقين، ويتحملها عن المنكرين الجاحدين، ويعدها ليوم الدين: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨، ٨٩] ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلىً
_________________
(١) ١ شيخ الإسلام إسماعيل بن عبد الرحمن النيسابوري الشافعي الواعظ المفسر المصنف أحد الأعلام. قال ابن ناصر الدين كان إمامًا حافظًا عمدة مقدمًا في الوعظ والأدب وغيرهما من العلوم، وقال الذهبي: كان شيخ خراسان في زمانه. وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: شيخ الإسلام صدقًا وإمام المسلمين حقًا هو أبو عثمان الصابوني. توفي ﵀ سنة تسع وأربعين وأربعمائة، شذرات الذهب ٣/٢٨٢، ٢٨٣.
[ ١١٥ ]
عَنْ مَوْلىً شَيْئًا وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ * إِلا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الدخان: ٤١، ٤٢] .
ويشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون.
ويشهد أن الجنة حق، وجملة ما أعد الله ﵎ فيها لأوليائه حق. ويسأل مولاه الكريم، ﷻ أن يجعلها مأواه، ومثواه، فضلًا منه وكرمًا.
ويشهد أن النار، وما أعد الله فيها لأعدائه حق، ويسأل الله مولاه أن يجيره منها، ويزحزحه عنها، ويجعله من الفائزين، قال الله ﷿: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] .
ويشهد أن صلاته، ونسكه، ومحياه ومماته لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمر وهو من المسلمين، والحمد لله رب العالمين.
وأنه رضي بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًا، وبالقرآن إمامًا، على ذلك يحيى وعليه يموت إن شاء الله ﷿.
ويشهد أن الملائكة حق، وأن النبيين حق، وأن الساعة لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور.
ويشهد أن الله ﷾ قدر الخير وأفز به، ورضيه، وأحبه، وأراد كونه من فاعله، ووعد حسن الثواب على فعله، وقدر الشر، وزجر عنه، ولم يرضه، ولم يحبه، وأراد كونه من مرتكبه غير راض به، ولا محب له، تعالى ربنا عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا، وتقدس أن يأمر بالمعصية، أو يحبها، ويرضاها، وجل أن يقدر العبد على فعل شيء لم يقدره عليه، أو يحدث من العبد ما لا يريده، ولا يشاؤه.
[ ١١٦ ]
ويشهد أن القرآن كتاب الله، وكلامه، ووحيه، وتنزيله، غير مخلوق، وهو الذي في المصاحف مكتوب، وبالألسنة مقروء، وفي الصدور محفوظ، وبالآذان مسموع، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] وقال: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت: ٤٩] وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٢٩] ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ [يس: ٦٩] .
ويشهد أن الإيمان تصديق بالقلب، بما أمر الله أن يصدق به، وإقرار باللسان بما أمر الله أن يقر به، وعمل بالجوارح بما أمر الله أن يعمل به، وانزجار عما زجر عنه، من كمسب قلب، وقول لسان، وعمل جوارح، وأ ركان.
ويشهد أن الله ﷾ مستو على عرشه، استوى عليه كما بينه
في كتابه، في قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] وقوله: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩] في آيات أخر، والرسول ﷺ تسليمًا، ذكره فيما نقل عنه، من غير أن يكيف استواءه عليه، أو يجعل لفعله، وفهمه، أو وهمه سبيلًا إلى إثبات كيفيته، إذ الكيفية عن صفات ربنا منفية.
قال إمام المسلمين في عصره أبو عبد الله مالك بن أنس ﵁، في جواب من سأله عن كيفية الاستواء: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب. والسؤال عنه بدعة، وأظنك زنديقًا، أخرجوه من المسجد".
ويشهد أن الله تعالى موصوف بصفات العُلَي، التي وصف بها نفسه في كتابه، وعلى لسان نبيه ﷺ تسليمًا كثيرًا، لا ينفي شيئًا منها ولا يعتقد شبها
[ ١١٧ ]
له بصفات خلقه، بل يقول: إن صفاته لا تشبه صفات المربوبين، كما لا تشبه ذاته ذوات المحدثين، تعالى الله عما يقول المعطلة، والمشبهة علوًا كبيرًا.
ويسلك في الآيات التي وردت في ذكر صفات البارىء، ﷻ، والأخبار التي صحت عن رسول الله ﷺ، في بابها، كآيات مجيء الرب يوم القيامة، وإتيان الله في ظلل من الغمام، وخلق آدم بيده، واستوائه على عرشه، وكأخبار نزوله كل ليلة إلى سماء الدنيا، والضحك، والنجوى، ووضع الكنف على من يناجيه يوم القيامة، وغيرها، مسلك السلف الصالح، وأئمة الدين، من قبولها، وروايتها على وجهها، بعد صحة سندها، وإيرادها على ظاهرها، والتصديق بها، والتسليم لها، واتقاء اعتقاد التكييف، والتشبيه فيها، واجتناب ما يؤدي إلى القول بردها، وترك قبولها، أو تحريفها بتأويل يستنكر، ولم ينزل الله به سلطانًا، ولم يجر به للصحابة، والتابعين، والسلف الصالحين لسان.
وينهى في الجملة عن الخوض في الكلام والتعمق فيه [و] في الاشتغال بما كره السلف ﵏ الاشتغال به، ونهوا، وزجروا عنه، فالجدال فيه والتعمق في دقائقه، والتخبط في ظلماته، كل ذلك يفسد القلب، ويسقط منه هيبة الرب، ﷻ، ويقع الشبه الكبيرة فيه، ويسلب البركة في الحال، ويهدى إلى الباطل، والمحال، والخصومة في الدين، والجدال، وكثرة القيل والقال، في الرب ذي الجلال، الكبير المتعال، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا، الحمد لله على ما هدانا من دينه وسنة نبيه، صلوات الله وسلامه عليه، حمدًا كثيرًا.
ويشهد أن القيامة حق، وكل ما ورد به الكتاب والأخبار الصحاح من أشراطها، وأهوالها، وما وُعدنا به، وأوعدنا به فيها فهو حق، نؤمن به ونصدق الله سبحان، ورسوله ﷺ فيما أخبر به عنه، كالحوض، والميزان، والصراط، وقراءة الكتب، والحساب، والسؤال، والعرض، والوقوف،
[ ١١٨ ]
والصَّدَر عن المحشر إلى جنة أو [إلى] نار، مع الشفاعة الموعودة لأهل التوحيد، وغير ذلك، مما هو مبين في الكتاب، ومدون في الكتب الجامعة لصحاح الأخبار.
ويشهد بذلك كله في الشاهدين، ويستعين بالله ﵎ في الثبات على هذه الشهادات إلى الممات، حتى يتوفى عليها، في جملة المسلمين، المؤمنين، الموقنين، الموحدين.
ويشهد أن الله ﵎ يمن على أوليائه بوجوه ناضرة، إلى ربها ناظرة، ويرونه عيانًا في دار البقاء، لا يضارون في رؤيته، ولا يمارون، ولا يضامون، ويسأل الله ﵎ أن يجعل وجهه من تلك الوجوه، ويقيه كل بلاء، وسوء ومكروه، ويبلغه كل ما يؤمله من فضله، ويرجوه بمنه.
ويشهد أن خير الناس بعد رسول الله ﷺ أبو بكر الصديق، ثم عمر الفاروق، ثم عثمان بن عفان، ثم علي بن أبي طالب، ﵃ أجمعين، ويترحم على جميع الصحابة، ويتولاهم، ويستغفر لهم، وكذلك ذريته، وأزواجه أمهات المؤمنين، ويسأل الله ﷾ أن يجعله معهم، ويرجو أن يفعله به، فإنه قد صح عنده من طرق شتى أن رسول الله ﷺ قال: "المرء مع من أحب"١.
ويوصي إلى من يخلفه من ولد، وأخ، وأهل، وقريب، وصديق، وجميع من يقبل وصيته من المسلمين عامة أن يشهدوا بجميع ما شهد به، وأن يتقوا الله حق تقاته، وألا يموتوا إلا وهم مسلمون ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨] .
ويوصيهم بصلاح ذات البين، وصلة الأرحام، والإحسان إلى الجيران، والأقارب، والإخوان، ومعرفة حق الأكابر، والرحمة على الأصاغر.
_________________
(١) ١ رواه البخاري (٣٦٨٨) - ٦١٦٧- ٦١٧٠) ومسلم (٢٦٣٩- ٢٦٤) والترمذي (٢٣٨٥) وغيرهم.
[ ١١٩ ]
وينهاهم عن التدابر، والتباغض، والتقاطع والتحاسد.
ويأمرهم أن يكونوا إخوانًا على الخيرات، أعوانًا، وأن يعتصموا بحبل الله جميعًا ولا يتفرقوا، ويتبعوا الكتاب والسنة، وما كان عليه علماء الأمة، وأئمة الملة، كمالك بن أنس، والشافعي، وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن إبراهيم، ويحيى بن يحيى، وغيرهم من أئمة المسلمين، وعلماء الدين، ﵃ أجمعين، وجمع بيننا وبينهم في ظل طوبى ومستراح العابدين.
أوصى بهذا كله إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني، إلى أولاده، وأهله، وأصحابه، ومختلفة مجالسه.
وأوصى أنه إذا نزلت به المنية، التي لا شك أنها نازلة، والله يسأل خير ذلك اليوم الذي تنزل المنية به فيه، وخير تلك الليلة التي تنزل به فيه، وخير تلك الساعة وخير ما قبلها، وخير ما بعدها، أن يلبس لباسًا طيبًا، حسنًا، طاهرًا، نقيًا، ويوضع على رأسه العمامة التي كان يشدها في حال حياته، وضعًا على الهيئة التي كان يضعها على رأسه أيام حياته، ويوضع الرداء على عاتقيه ويضجع مستلقيًا على قفاه، موجهًا إلى القبلة، وتجلس أولاده عند رأسه، ويضعوا المصاحف على حجورهم، ويقرءوا القرآن جهرًا، وحرج عليهم ألا يمكنوا امرأة لا قرابة بينه وبينها، ولا نسب، ولا سبب من طريق الزوجية تقرب من مضجعه تلك الساعة، أو تدخل بيتًا يكون فيه، وكذلك يحرج عليهم أن يأذنوا لأحد من الرجال في الدخول عليه في تلك الساعة، بل يأمرون الأخ، والأحباب، وغيرهم أن يجلسوا في المدرسة، ولا يدخلوا الدار، وليساعدوا الأصحاب في قراءة القرآن، وإمداده بالدعاء، فلعل الله ﷾ [أن] يهون عليه سكرات الموت، ويسهل له اقتحام عقبة الموت على الإسلام والسنة، في سلامة وعافية.
وأوصى إذا قضى نحبه، وأجاب ربه، وفارقت روحه جسده، أن يشد ذقنه، وتغمض عيناه، وتمد أعضاؤه، ويسجى بثوب، ولا يكشف عن
[ ١٢٠ ]
وجهه لينظر إليه، إلا أن يأتيه غاسله، فيحمله إلى مغتسله، جعل الله ذلك الحمل مباركًا عليه، ونظر بعين الرحمة إلهي، وغفر له ما قدمه من الأعمال السيئة بين يديه.
وأوصى ألا يناح عليه، وأن يمنع أولياؤه، وجميع الناس من الرجال والنساء أنفسهم عن الشق، والحلق، والتخريق للثياب، والتمزيق، وألا يبكوا عليه إلا بكاء حزن قلب، ودموع عين، لا يقدرون على ردهما، ودفعهما، وأما دعاء بويل، ورن شيطان وخمش وجوه، وحلق شعر، ونتفه، وتخريق ثوب وتمزيقه، وفتقه، فلا، وهو بريء ممن فعل شيئًا من ذلك كما برىء النبي ﷺ منهم.
وأوصى أن يعجل تجهيزه، وغسله، وتكفينه، وحمله إلى حفرته، ولا يحبس، ولا يبطأ به، وإن مات ضحوة النهار، أو وقت الزوال، أو بكرة، فإنه لا يؤخر تجهيزه إلى الغد، ولا يترك ميتًا بين أهله بالليل أصلًا، بل يعجل أمره، فينقل إلى حفرته نقلًا، بعد أن يغسل وترًا، ويجعل في آخر غسلة من غسلاته كافور، ويكفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية١ إن وجدت، فإن لم توجد سحولية كفن في ثلاثة أثواب بيض، ليس فيها قميص، ولا عمامة، ويجمر٢ كفنه وترًا، لا شفعًا قبل أن يلف عليه، ويسرع بالسير بجنازته، كما أمر به رسول الله ﷺ، ويحمل للصلاة عليه إلى ميدان الحسين، ويصلى عليه ولده أبو نصر، إن كان حاضرًا، فإن عجز عن القيام بالصلاة عليه، فأمر الصلاة عليه إلى أخيه أبي يعلى، ثم يرد إلى المدرسة، فيدفن فيها بين يدي والده الشهيد، رضي الله تعالى عنه، ويلحد له لحد٣ وينصب عليه اللبن نصبًا، ولا يشق له شق٤، ولا يتخذ له
_________________
(١) ١ نسبة إلى السحول، وهو القصار، أو إلى سحول، وهي قرية باليمن. النهاية ٢/ ٣٤٧. ٢ جمر ثوبه تجميرًا: بخره. المصباح المنير. ٣ في الأصول: "لحدًا". ٤ في الأصول: "شقًا".
[ ١٢١ ]
تابوت أصلًا، ولا يوضع في التابوت للحمل إلى المصلى، وليوضع على الجنازة ملفوفًا في الكفن، مسجى بثوب أبيض، ليس فيه إبريسم١ بحال، ولا يطين قبره، ولا يجصص، ويرش عليه الماء، ويوضع عليه الحصا، ويمكث عند قبره مقدار ما ينحر جزور، وينقسم لحمه حتى يعلم ما يراجع به رسل ربه، جل وعلا، ويسأل الله تعالى على رأس قبره له التثبيت الموعود لجملة المؤمنين، في قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] ويستغفر له، ولوالديه، ولجميع المؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، ولا ينسى، بل يذكر بالدعاء، فإن المؤمن إذا قبر كان كالغريق المغتوت٢، ينتظر دعوة صالحة تلحقه، ولا يمكن أحد من الجواري، والنسوان [أن] يكشفن رؤوسهن، وأن يندبنه في ذلك الوقت، بل يشتغل الكل بالدعاء والاستغفار، لعل الله ﷾ يهون عليه الأمر في ذلك الوقت، وييسر خروج منكر ونكير من قبره، على الرضا منه، وينصرفان عنه، وقد قالا له: نم نومة العروس، فلا روعة عليك، ويفتحان في قبره بابًا من الجنة، فضلًا من الله ومنه، فيفوز فوزًا عظيمًا، ويحوز ثوابًا كريمًا، ويلقى روحًا وريحانًا، وربًا كريمًا رحيمًا آخر الوصية.
_________________
(١) ١ الإبريسم: الحرير. ٢ غته في الماء يغته غتًا: غطه، والمغتوت: المغموم، اللسان (غ ت ت) ٢/٦٣.
[ ١٢٢ ]
٢٣- اعتقاد الخطيب البغدادي١ المتوفى سنة ٤٦٣هـ
أخبرنا الحافظ أبو الفضل محمد بن ناصر بن محمد بن علي البغدادي، قال: أخبرنا أبو الحسين المبارك بن عبد الجبار بن أحمد الصيرفي- قراءة عليه، وأنا أسمع، في شوال سنة أربع وتسعين وأربع مئة، أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب:
أخبرنا أبو منصور محمد بن عيسى البزار- بهمدان- حدثنا صالح بن أحمد الحافظ، قال:
سمعت عبد الله بن إسحاق بن سيامرد يقول: التقيت مع المروذي بطسوس، فقلت له: يا أبا بكر، كيف سمعت أبا عبد الله يقول في القرآن؟
قال: سمعت أبا عبد الله يقول:
القرآن كلام الله غير مخلوق، فمن قال: (مخلوق) فهو كافر.
قلت: كيف سمعته يقول فيمن وقف؟
قال: هذا رجل سوء، وأخاف أن يدعو إلى خلق القرآن.
قلت له: يا أبا بكر، كيف سمعت أبا عبد الله يقول في اللفظ؟
قال: من قال: لفظه في القرآن مخلوق فهو جهمي.
_________________
(١) ١ أبو بكر الخطيب أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي البغدادي الحافظ أحد الأئمة الأعلام وصاحب التأليف المنتشرة في الإسلام ولد في جمادى الآخرة سنة ٣٩٢ هـ روى عن أبي عمر بن مهدي وابن الصلت الأهوازي وطبقتهما، قال ابن ماكولا: كان أحد الأعيان ممن شاهدناه معرفة وحفظًا وإثباتًا وضبطًا لحديث رسول الله ﷺ وتفننًا في علله وأسانيده وعلمًا بصحيحه وغريبه وفرده ومنكره، قال لم يكن للبغداديين بعد الدارقطني مثله. وله تاريخ بغداد الذي لم يصنف مثله، وقال ابن الأهدل: تصانيفه قريب من مائة مصنف في اللغة وبرع فيه ثم غلب عليه الحديث والتاريخ مات ﵀ سنة ثلاث وستين وأربعمائة، الشذرات ج٣/٣١١، ٣١٢.
[ ١٢٣ ]
قلت أنا له: وأيش الجهمي؟
قال: شك في الله أربعين صباحًا.
قلت: من شك في الله، فهو كافر.
قال: نعم.
أخبرنا الشيخ أبو طالب المبارك بن علي الصيرفي- إذنًا- قال: أخبرنا أبو الحسن محمد بن مرزوق بن عبد الرزاق الزعفراني قراءة عليه، وأنا أسمع في ربيع الأول من سنة ست وخمس مئة- قال: أخبرنا الخطيب الحافظ أبو بكر أحمد بن علي البغدادي، قال:
كتب إلي بعض أهل دمشق يسألني عن مسائل- ذكرها- فأجبته عن ذلك- وقرأه لنا في جواب ما سئل عنه- فقال:
وقفت على ما كتب به الشيخ الفاضل، أدام الله تأييده وأحسن توفيقه وتسديده، وسكنت إلى ما تأدى إلي من علم أخباره، أجراها.. على آثاره، وأجيبه بما أرجو أن يقع وفاق اختياره، واسأل الله العصمة من الزلل والتوفيق، لإدراك صواب القول والعمل، بمنته ورحمته.
أما الكلام في الصفات:
فإن ما روى منها في السنن الصحاح مذهب السلف- رضوان الله عليهم- إثباتها، وإجراؤها على ظواهرها، ونفي الكيفية والتشبيه عنها.
وقد نفاها قوم، فأبطلوا ما أثبته الله سبحانه، وحققها من المثبتين قوم، فخرجوا في ذلك إلى ضرب من التشبيه والتكييف.
والقصد إنما هو سلوك الطريقة المتوسطة بين الأمور، ودين الله بين الغالي فيه والمقصر عنه.
[ ١٢٤ ]
والأصل في هذا:
أن الكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات، ويحتذي في ذلك حذوه ومثاله، فإذا كان معلومًا أن إثبات رب العالمين ﷿ هو إثبات وجود، لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات صفاته، إنما هو إثبات وجود، لا إثبات تحديد وتكييف.
فإذا قلنا: لله تعالى يد، وسمع وبصر، فإنما هي صفات أثبتها الله تعالى لنفسه، ولا نقول: إن معنى اليد: القدرة، ولا إن معنى السمع والبصر: العلم، ولا نقول: إنها جوارح، ولا تشبهها بالأيدي والأسماع والأبصار التي هي جوارح، وأدوات للفعل.
ونقول: إنما وجب إثباتها؟ لأن التوقيف ورد بها ووجب نفي التشبيه عنها، لقوله ﵎: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] وقوله عز رجل: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] .
ولما تعلق أهل البدع على عيب أهل النقل برواياتهم هذه الأحاديث، ولبسوا على من ضعف علمه، بأنهم يروون ما لا يليق بالتوحيد، ولا يصح في الدين، ورموهم بكفر أهل التشبيه، وغفلة أهل التعطيل، أجيبوا بأن في كتاب الله تعالى آيات محكمات، يفهم منها المراد بظاهرها، وآيات متشابهات، لا يوقف على معناها إلا بردها إلى المحكم، ويجب تصديق الكل والإيمان بالجميع، فكذلك أخبار الرسول ﷺ جارية هذا المجرى، ومنزلة على هذا التنزيل، يرد المتشابه منها إلى المحكم، ويقبل الجميع.
فتنقسم الأحاديث المروية في الصفات ثلاثة أقسام:
منها: أخبار ثابتة أجمع أئمة النقل على صحتها، لاستفاضتها وعدالة نقلتها، فيجب قبولها والإيمان بها، مع حفظ القلب أن يسبق إليه اعتقاد ما
[ ١٢٥ ]
يقتضى تشبيه الله بخلقه، ووصفه بما لا يليق به من الجوارح والأدوات، والتغير والحركات.
والقسم الثاني: أخبار ساقطة بأسانيد واهية، وألفاظ شنيعة، أجمع أهل العلم (بـ) النقل على بطلانها، فهذه لا يجوز الاشتغال بها، ولا التعريج عليها.
والقسم الثالث: أخبار اختلف أهل العلم في أحوال نقلتها، فقبلها البعض دون الكل، فهذه يجب الاجتهاد والنظر فيها، لتلحق بأهل القبول، أو تجعل في حيز الفساد والبطول.
وأما تعيين الأحاديث، فإني لم أشتغل بها، ولا تقدم مني جمع لها، ولعل ذلك يكون فيما بعد، إن شاء الله.
[ ١٢٦ ]
٢٤- اعتقاد سعد بن علي الزنجاني المتوفى سنة ٤٧١هـ١
له قصيدة أبدى عقيدة السلف ونقل منها الإمام ابن القيم في الجيوش والذهبي في السير وهي من أبلغ القصائد:
تدبر كلام الله واعتمد الخبر ودع عنك رأيًا لا يلائمه الأثر
ونهج الهدى فالزمه واقتد بالألى هم شهدوا التنزيل علّك تنجبر
وكن موقنًا أنَّا وكل مكلف أمرنا بقفوا الحق والأخذ بالحذر
وحكم فيما بيننا قول مالك قدير حليم عالم الغيب مقتدر
سميع بصير واحد متكلم مريد لما يجري على الخلق من قدر
وفي ترك أمر المصطفى فتنة فذر خلاف الذي قد قاله واتل واعتبر٢
في اجتماع الجيوش:
تمسك بحبل الله واتبع الأثر ودع عنك رأيًا لا يلائمه خبر
_________________
(١) ١ هو أبو القاسم الزنجاني سعد بن علي بن محمد بن علي بن الحسين شيخ الحرم والحفاظ كان حافظًا قدوة علمًا ثقة زاهدًا روى عن أبي عبد الله بن نظيف الفراء وعبد الرحمن بن ياسر. توفى في أول سنة إحدى وسبعين وأربعمائة أو في آخر سنة سبعين وأربعمائة، شذرات الذهب ٣/ ٣٣٩، ٣٤٠. ٢ سير أعلام النبلاء (١٨/ ٣٨٧- ٣٨٨) .
[ ١٢٧ ]
قال ابن القيم: وقال في شرح هذه القصيدة: والصواب عند أهل الحق أن الله تعالى خلق السموات والأرض وكان عرشه على الماء مخلوقًا قبل خلق السموات والأرض، ثم استوى على العرش بعد خلق السموات والأرض على ما ورد به النص ونطق القرآن، وليس معنى اسوائه أنه ملكه واستولى عليه لأنه كان مستوليًا عليه قبل ذلك وهو أحدثه، لأنه مالك جميع الخلائق ومستولي عليها، وليس معنى الاستواء أيضًا أنه ماس العرش أو اعتمد عليه أو طابقه فإن كل ذلك ممتنع في وصفه جل ذكره ولكنه مستو بذاته على عرشه بلا كيف كما أخبر عن نفسه١.
_________________
(١) ١ اجتماع الجيوش الإسلامية (تحقيق د. عواد عبد الله) . ص: ١٩٧.
[ ١٢٨ ]
٢٥- اعتقاد الشيخ الإمام الجليل ناصح الإسلام أبي الخطاب محفوظ بن أحمد بن حسن الكلوذاني الحنبلي المتوفى سنة ٥١٠هـ، رحمه الله تعالى وعفا عنه١
دع عنك تذكار الخليط المنجد والشوق نحو الآنسات الخرد
والنوح في أطلال٣ سعدى إنما تذكار سعدي شغل من لم يسعد
واسمع مقالي إن أردت تخلصًا يوم الحساب وخذ بهذا تهتد
واقصد فإني قد قفيت موفقًا نهج ابن حنبل الإمام الأوحد
خير البرية بعد صحب محمد والتابعين إمام كل موحد
ذي العلم والرأي الأصيل ومن حوي شرفًا علا فوق السما والفرقد٤
واعلم بأني قد نظمت مسائلًا لم آل٥ فيها النصح غير مقلد
وأجبت عن تسال كل مهذب ذي صولة يوم الجدال مسود٦
هجر الرقاد وبات ساهر ليله ذي همة لا يستلذ بمرقد
قوم طعامهم دراسة علمهم يتسابقون إلى العلا والسؤدد
قالوا بما عرف المكلف ربه؟ فأجبت بالنظم الصحيح المرشد
قالوا فهل رب الخلائق واحد؟ ملت الكمال لربنا المتفرد
_________________
(١) ١ هو أبو الخطاب محفوظ بن أحمد بن الحسن بن أحمد الكلواذي وليست الكلواذني حيث إنها خطأ على ما في معجم البلدان حيث يقول "الكلواذي ويقال الكلوذي" وضبطها بكسر الكاف. كان إمامًا علامة ورعًا صالحًا وافر العقل غزير العلم تفقه على القاضي أبي يعلى وحدث عن الجوهري، وروى عنه ابن ناصر وأبو المعمر الأنصاري وقال السلفي: أبو الخطاب من أئمة أصحاب أحمد يفتي في مذهبه توفي ﵀ في جمادي الآخرة سنة عشرة وخمسمائة، شذرات الذهب ٤/٢٧، ٢٨. ٢ الخليط العشير المخالط والمجاور، والمنجد المسافر إلى نجد كالمعرق والمتهم والخرد جمع خريدة وهي البكر لم تمس قط. ٣ الإطلال جمع طلل وهو الشاخص من الآثار. ٤ الفرقد نجم قريب من القطب الشمالي يهتدي به. ٥ لم آل أي لم أقصر. ٦ أي أجبت فيها عما يتساءل عنه كل مهذب يصول بسيف الحجة في ميدان الجدال فيعترف له بالسيادة على الأقران.
[ ١٢٩ ]
قالوا فهل تصف الإله؟ أبِنْ لنا قلت الصفات لذي الجلال السرمدي
قالوا فهل تلك الصفات قديمة كالذات؟ قلت كذاك لم تتجدد
قالوا فهل لله عندك مشبه؟ قلت المشبه في الجحيم الموقد
قالوا فهل هو في الأماكن كلها؟ قلت الأماكن لا تحيط بسيدي
قالوا فتزعم أن ذي العرش استوى؟ قلت الصواب كذلك أخبر سيدي
قالوا فما معنى استواه أبِنْ لنا؟ فأجبتهم هذا سؤال المعتدي
قالوا فأنت تراه جسما مثلنا قلت المجسم عندنا كالملحد
قالوا تصفه بأنه متكلم؟ قلت السكوت نقيصة بالسيد
قالوا فما القرآن؟ قلت كلامه لا ريب فيه عند كل موحد
قالوا النزول؟ قلت ناقله له قوم هموا نقلوا شريعة أحمد
قالوا فكيف نزوله؟ فأجبتهم لم ينقل التكييف لي في مسند
قالوا فأفعال العباد؟ فقلت ما من خالق غير الإله الأمجد
قالوا فهل فعل القبيح مراده؟ قلت الإرادة كلها للسيد
لو لم يرده نقيصة سبحانه عن أن يعجزه الردي
قالوا فما الإيمان؟ قلت مجاوبًا عمل وتصديق بغير تردد
قالوا فمن بعد النبي خليفة؟ قلت الموحد قبل كل موحد
حاميه في يوم العريش١ ومن له في الغار أسعده من مسعد
قالوا فمن ثاني أبو بكر٢ الرضا سند الشريعة باللسان وبالي
قالوا فثالثهم؟ فقلت مجاوبًا من بايع المختار عنه باليد
صهر النبي على ابنتيه ومن حو فضلين: فضل تلاوةوتهجد
_________________
(١) ١ العريش كالعرش خيمة أو شبه بيت من الجريد والمراد بيوم العريش يوم بدر إذ صنع النبي ﷺ عريشًا كان فيه ومعه أبو بكر (﵁) وفيه استغاث ربه ودعا على المشركين وكان أبو بكر (﵁) يسليه، وفي ذلك نزول قوله تعالى ﴿اذ تستغيثون ربكم﴾ الآية في سورة الأنفال. ٢ رفع أبا بكر على لغة من يلزم الكنية الرفع على الحكاية أو سهوًا من النسخ.
[ ١٣٠ ]
أعني ابن عفان الشهيد ومن دعى في الناس ذو النورين صهر محمد
قالوا فرابعهم؟ فقلت مجاوبًا من جاز دونهم أخوة أحمد
زوج البتول وخير من وطىء الحصى بعد الثلاثة عند كل موحد
أعنى أبا الحسن الإمام ومن له بين الأنام فضائل لم تجحد
ولابن هند١ في الفؤاد محبة ومودة فيرغمن المعتدي
ذاك الأمين المجتبي لكتابة الو حي المنزل ذو التقي والسؤود
فعليهم وعلى الصحابة كلهم صلوات ربهم تروح وتغتدي
إني لأرجو أن أفوز بحبهم وبما اعتقدت من الشريعة في غد٢
قالوا أبان الكلوذاني الهدى قلت الذي رفع السماء مؤيدي
_________________
(١) ١ هو معاوية (﵁) . ٢ في غد متعلق فأفوز.
[ ١٣١ ]
٢٦- اعتقاد أبي الحسن الكرجي١ إمام الحرمين، المتوفى سنة ٥٣٢هـ
هذا الإمام كان من كبار سيوف السنة المهتدين، أعطاه الله قوة البيان وفصاحة اللسان وقوة البلاغة، يعرف ذلك من قرأ له الأبيات التي سنذكرها إن شاء الله، وهذا الإمام من الأئمة الذين أغضبوا الشيخ النجدي- الكوثري- وحمل عليهم، فذكره في السيف الصقيل بأبشع الألقاب، وأما ابن السبكي فلا تسأل عن حماقته وتأويله البارد ودفاعه السمج عن القصيدة الرائعة التي تسمى عروس القصائد. وهي من خيرة الآثار التي خلفها الشيخ وهاك نذر يسير منها جاء في طبقات الشافعية:
ثم قال ابن السمعاني وله قصيدة تائية في السنة شرح فيها اعتقاده واعتقاد السلف تزيد على مائتي بيت، قرأتها عليه بداره في الكرج.
ثم قال: السبكي فاعلم أنا وقفنا على قصيدة تعزى إلى هذا الشيخ وتلقب "بعروس القصائد في شموس العقائد".
ومنها:
عقائدهم أن الإله بذاته على عرشه مع علمه بالغوائب
ومنها:
ففكرج والله من خوف أهلها يذوب بها البدعي ياشر ذائب
_________________
(١) ١ هو أبو الحسن الكرجي عمد بن عبد الملك بن محمد بن عمر الفقيه الشافعي شيخ الكرج وعالمها. قال ابن السمعاني: إمام ورع فقيه ثبت محدث أديب أفنى عمره في طلب العلم ونشره، وله مختصر في الفقه يقال له الذرائع في علم الشرائع. ولد سنة ثمان وخمسين وأربعمائة وتوفى في شعبان سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة، شذرات الذهب ٤/١٠٠.
[ ١٣٢ ]
يموت ولا يقوى لإظهار بدعة مخافة حز الرأس من كل جانب
ومنها:
طرائق تجسيم وطرق تجهم وسبل اعتزال مثل نسج العناكب
وفي قدر الرفض طرق عمية وما قيل في الإرجاء من نعب ناعب
وخبث مقال الأشعري تخنث يضاهي تلويه تلوي الشغازب
يزين هذا الأشعري مقاله ويشبه بالسم ياشر قاشب
فينفي تفاصيلًا ويثبت جملة كناقضة من بعد شد الذوائب
يؤول آيات الصفات برأيه فجرأته في الدين جرأة خارب
ويجرم بالتأويل في سنن الهدى ويخلب أغمارًا فأشئم بخالب
ومنها:
ولم يكن ذا علم ودين وإنما بضاعته كانت مخوق مداعب
وكان كلاميًا بالاحساء موته
بأسوأ موت ماته ذو السوائب
[ ١٣٣ ]
ومنها:
كذا كل رأس للضلالة قد مضى بقتل وصلب باللحى والشوارب
كجعد وجهم والمريسي بعده وذا الأشعري المبتلي شرُّ دائب
ومنها:
معايبهم توفي على مدح غيرهم المبتلي المفتون عيب المعايب
وذاوللشيخ كتاب مهم بين فيه عقيدة السلف ومذاهبهم سماه الفصول في اعتقاد الأئمة الفحول. ذكره شيخ الإسلام في غير ما موضع من كتبه، ونقل منه جملة كبيرة، انظر مجموع الفتاوى "الجزء الرابع".
وكذلك الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية قال ﵀: "وله أي لأبي الحسن الفصول في اعتقاد الأئمة الفحول، يذكر فيه مذاهب السلف في باب الاعتقاد".
[ ١٣٤ ]
٢٧- اعتقاد الحافظ أحمد السِّلَفِي١ المتوفى سنة ٥٧٦هـ
وها أنا شارع في شرح ديني ووصف عقيدتي وخفي حالي
وأجهد في البيان بقدر وسعي وتخليص العقول من العقال
بشعرٍ لا كشعر بل كسحر ولفظ كالشمول بل الشمال
فلست الدهر إمعة وما إن أزل ولا أزول لذي النزال
فلا تصحب سوى السني دينا لتحمد ما نصحنك في المآل
وجانب كل مبتدع تراه فما إن عندهم غير المحال
ودع آراء أهل الزيغ رأسا ولا تغررك حذلقة الرذال
فليس يدوم للبدعي رأي من أين المقر لذي ارتحال
_________________
(١) ١ هو أبو طاهر السلفي الحافظ العلامة الكبير سند الدنيا ومعمر الحفاظ أحمد بن محمد بن أحمد ابن محمد بن إبراهيم الأصبهاني الجرواني قال ابن السمعاني هو ثقة ورع متقن مثبت حافظ له حظ من العربية مات يوم الجمعة خامس ربيع الآخر سنة ست وسبعين وخمسمائة، شذرات الذهب ٤/٢٥٥.
[ ١٣٥ ]
يوافي حائرًا في كل حال وقد خلى طريق الاعتدال
ويترك دائبًا رأيًا لرأي ومنه كذا سريع الإنتقال
وعمدة ما يدين به سفاها فأحداث من أبواب الجدال
وقول أئمة الزيغ الذي لا يشابهه سوى الداء العضال
كمعبد المضلل في هواه وواصل أو كغيلان المحال
وجعد ثم جهم وابن حرب حمير يستحقون المخالي
وثور كاسمه أو شئت فاقلب وحفص القرد قرد ذي افتعال
وبشر لا رأى بشرى فمنه تولد كل شر واختلال
وأتباع بن كُلاَّبٍ كِلاَبُ على التحقيق هم من شر آل
كذاك أبو الهذيل وكان مولى لعبد القيس قد شان الموالي
ولا تنس ابن أشرس المكني
أبا معن ثمامة فهو غالي
[ ١٣٦ ]
ولا أبن الحارث البصري ذاك الـ مضل على اجتهاد واحتفال
ولا الكوفي أعنيه ضرار بـ ـن عمرو فهو للبصري تالي
كذاك ابن الأصم ومن قفاه من أوباش البهاشمة النغال
وعمرو هكذا أعني بن بحر وغيرهم من أصحاب الشمال
فرأي أولاء ليس يفيد شيئًا سوى الهذيان من قيل وقال
وكل هوى ومحدثةٍ ضلال ضعيف في الحقيقة كالخيال
فهذا ما أدين به الهي تعالي عن شبيه أو مثال
وما نفاه من خدع وزور ومن بدع فلم يخطر ببالي
أبياته في العقيدة السلفية:
ضل المجسم والمعطل مثله عن منهج الحق المبين ضلالا
وأبي أمثالهم بنكر لازعوا
من معشر قد حاولوا الإشكالا
[ ١٣٧ ]
غدوا يقيسون الأمور برأيهم ويد لسون على الوري الأقوالا
فالأولون تعذروا الحق الذي قد حل في وصف الإله تعالى
وتصوروه صورة من جنسنا جسما وليس الله عز مثالًا
والآخرون يعطلون ما جاء في الـ قرآن أقبح بالمقال مقالا
وأبوا حديث المصطفى أن يقبلوا
ورأوه حشوا لا يفيد منالًا
[ ١٣٨ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] .
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١] .
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠-٧١] .
أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد:
فهذا القسم الثاني من سلسلة: (اعتقاد أئمة السلف أهل الحديث) وكان القسم الأول (اعتقاد السلف عامة) وهذا القسم الثاني، وهو عبارة عن مقدمة كتاب (شعار أصحاب الحديث) للإمام الحافظ أبي أحمد محمد بن محمد بن أحمد بن إسحاق النيسابوري الكرابيسي الحاكم الكبير شيخ الإمام أبي عبد الله الحاكم صاحب المستدرك، وهو الإمام الذي انتهت إليه رئاسة أهل الحديث بخراسان في وقته قال تلميذه الحاكم: "هو إمام عصره في هذه الصنعة، كثير التصنيف، مقدم في معرفة شروط الصحيح والأسامي
[ ١٤١ ]
والكنى، طلب الحديث وهو ابن نيف وعشرين سنة وسمع بالعراق والجزيرة والشام، وكان من الصالحين الثابتين على سنن السلف. سمع كثيرًا من الشيوخ منهم ابن خزيمة والبغوي والسراج وغيرهم، وتخرج عليه كثيرون كأبي عبد الله الحاكم، وأبي عبد الرحمن السلمي، وابن منجوية، والكنجروذي وغيرهم.
توفي ﵀ في ربيع الأول سنة ثلاثمائة وثمان وسبعين للهجرة.
وسبب الاهتمام بذكر عقيدة أهل الحديث، أننا في زمان كثر فيه أهل البدع، وتعددت طرائقهم، وكثر وقوعهم في أصحاب الحديث، وغمزهم إياهم، وطعنهم فيهم، لذلك رأيت من واجبي أن أهب للدفاع عنهم، وإبراز عقيدتهم، وذكر أصولهم، حتى يكون القاريء على بصيرة من أمر دينه، عارفًا بعقيدته التي يلقى الله عليها ومن علامات أهل البدع في زماننا - بل وفي كل زمان- أنهم يقعون في أهل الحديث بالغمز والطعن، بل وبالتصريح في مصنفاتهم، ويضيقون عليهم، إن كان لأهل البدع سلطة ومكانة، كما في بعض البلدان الإسلامية، فيطردونهم من مساجدهم، ويضيقون عليهم في مدارسهم، وغير ذلك، بدعوى أنهم وهابية وأنهم مجسمة ومبتدعة.. الخ تلك النعوت التي يطلقونها عليهم.
وهذا يذكرني بقول الإمام أحمد بن سنان القطان: "ليس في الدنيا مبتدع إلا وهو يبغض أهل الحديث فإذا ابتدع الرجل نزعت حلاوة الحديث من قلبه"١.
وكذلك يقول أبي حاتم الرازي ﵀: "علامة أهل البدع الوقيعة في أهل الأثر"٢، قال الصابوني بعد إيراده: "وكل ذلك عصبية، ولا يلحق
_________________
(١) ١ سير أعلام النبلاء ١٦/٣٧٢. ٢ عقيدة السلف أصحاب الحديث للصابوني ص ٣٠٤.
[ ١٤٢ ]
الحديث كل من اشتغل بدراسة الحديث وسماعه وكتابته، بل هم من تمسك بالكتاب والسنة، واقتفى أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم٢.
يقول شيخ الإسلام ﵀ في ذكر شيء من فضائلهم: "وأدنى خصلة في هؤلاء محبة القرآن والحديث والبحث عنهما، وعن معانيهما، والعمل بما علموه من موجبهما"٣.
وللإمام أبي بكر الخطيب البغدادي ﵀ كتاب مؤلف في فضلهم سماه: "شرف أصحاب الحديث" فلله درهم على ما خدموا به الإسلام، وقمعوا من البدع، وأظهروا من السنة.
وما نقله الإمام أبو أحمد الحاكم ﵀ عن أهل الحديث وقرره في أصولهم في العقيدة لم يحظ بما يستحقه من العناية ولم يلق ما يناسبه من الاهتمام- حسب ما أعلم- فلذا وضعت هذا الشرح المختصر لكلامه في تعبيرهم.
ومنهجي فيه كما يلي:
١- وضعت للكتاب أبوابًا لتقسيمه بما يناسب كلام المصنف حتى تكتمل الاستفادة منه.
٢- جعلت كلام المصنف في أعلى الصفحة، وجعلت الشرح تحته، مع تخريج الأحاديث والآثار.
٣- جعلت لكل فقرة خلاصة حتى نوجز الفائدة منها، وبعدها مناقشة لتنبيه القاريء وإثارة اهتمامه.
_________________
(١) ١ المصدر السابق ص٣٠٥. ٢ مجموع فتاوى ابن تيمية (٤/٩٥) . ٣ المصدر نفسه الصفحة نفسها.
[ ١٤٣ ]
هذا وقد استفدت كثيرًا من تعليقات محمد هارون على كتاب أصول السنة لابن أبي زمنين.
هذا والله أسأل أن يجعل عملي هذا خالصًا لوجهه الكريم، وأن يغفر لي الخطأ والزلل، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
بقلم د. محمد بن عبد الرحمن الخميس
[ ١٤٤ ]
باب إثبات العلو والاستواء
ويعرف الله في السماء السابعة على عرشه كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى * لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾ [طه: ٥- ٦] .
الشرح:
يؤمن أهل السنة بأن الله تعالى مستوٍ على عرشه، بائن من خلقه كما وردت بذلك الآيات والأحاديث الصحيحة، وليس استواؤه كاستواء أحد من خلقه، إنما هو استواء على الكيفية اللائقة بجلاله ﷿، نؤمن به ولا نكيف بل نكل علم الكيفية إلى الله تعالى، لكنه علا وارتفع واستقر على عرشه من غير حاجة إليه، وأنكرت ذلك الجهمية الأولى وطوائف من أهل الضلال كالمعتزلة، والمتفلسفة، والحنفية الماتريدية والأشعرية الكلابية والصوفية الإلحادية والصوفية الزنادقة الحلولية.
وإليك البيان بشيء من البرهان فأقول:
إن عقيدة أن الله تعالى فوق عباده عال على خلقه مستو على عرشه قد أجمعت عليها الشرائع السماوية والكتب الإلهية والأنبياء والمرسلون١.
وأهل الأديان كلهم أجمعون مع المسلمين٢.
حتى الفلاسفة اليونانيين الكافرين٣.
وحتى اليهود والنصارى٤.
_________________
(١) ١ انظر الغنية للجيلاني ١/٦٣. ٢ انظر خلق أفعال العباد ١٥-١٦، وتأويل مختلف الحديث ٢٧٢. ٣ انظر مناهج الأدلة ١٧٦. ٤ خلق أفعال العباد ١٥-١٦.
[ ١٤٥ ]
بل العرب والعجم١.
والآدميون كلهم عربهم وعجمهم مؤمنيهم وكافريهم٢.
واتفقت بذلك كلمة المسلمين والكافرين٣.
وكل عاقل من مسلم وكافر٤.
وجميع بني آدم٥.
وعلى ذلك إجماع الأولين والآخرين العالمين منهم والجاهلين وكل من مضى وعبر حتى فرعون ونمرود٦.
وعليه فطرة المسلمين علمائهم وجهالهم أحرارهم ومماليكهم ذكرانهم وإناثهم بالغيهم وأطفالهم وكل من دعا الله٧.
المخالفون لهذه العقيدة والخارقون لهذا الإجماع والخارجون على هذه الفطرة فرق شتى وكلهم معطلة زنادقة.
١- الجهمية الأولى: قالوا: إن الله في كل مكان. معاذ الله.
٢- الصوفية الحلولية: قالوا الله في كل شيء حتى في الكلب والخنزير والقرد والفهد. معاذ الله.
وهذا القول يرجع إلى الأول فقول الجهمية وهؤلاء الصوفية قول بالحلول المطلق وهو أخبث من قول النصارى.
٣- الصوفية الاتحادية: قالوا: الله كل شيء حتى الخنزير! والفرج والذكر. معاذ الله عن ذلك.
_________________
(١) ١ تأويل مختلف الحديث ١٧٢، والتمهيد لابن عبد البر ٧/١٣٤. ٢ مجموع الفتاوى ٥/٣٢٠ عن ابن كلاب إمام الكلابية. ٣ رد الدارمي على المريسي ٢٥. ٤ درء التعارض ٦/٢٠٨ عن أب يعلى. ٥ نقض النطق ٥٢. ٦ الرد على الجهمية للدارمي ٢٠- ٢١. ٧ التوحيد لابن خزيمة ١/٢٥٤.
[ ١٤٦ ]
وهم أكفر من اليهود والنصارى والمجوس والهندوس وغيرهم من الكفرة المشركين الوثنيين.
٤- المعتزلة وأفراخهم من الحنفية الماتريدية ومتأخرة الأشعرية الكلابيين.
قالوا: إن الله لا فوق العالم ولا تحته ولا يمين العالم ولا شماله ولا أمام العالم ولا خلفه١.
وأنه ليس على العرش ولا فوق العرش. ولا فوق العالم٢.
وأن من وصف الله بأنه في السماء أو بأنه فوق فهو كافر٣.
وهؤلاء هم أهل الجحود والإنكار كما صرح بذلك شيخ الإسلام رحمه الله تعالى.
وفيما يلي نصوص أن الإسلام في إثبات علو الله تعالى على خلقه وفوقيته على عباده واستوائه على عرشه وتكفير عن خالف حضرة العقيدة الراسخة:
١- قال الإمام أبو حنيفة ﵀ (١٥٠هـ) إمام الحنفية: "من قال لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض فقد كفر.." ٤.
٢- وقال إمام أهل الشام الأوزاعي (١٥٧ هـ): "كنا والتابعون متوافرون نقول إن الله تعالى فوق عرشه"٥.
_________________
(١) ١ شرح العقائد ٤٠، شرح المواقت ٨/١٩، حاشية الكستيلي ٧٢، وبدء الأمالي مع شرح ضوء المعالي ٢٣- ٢٥ والنبراس ١٨٠. ٢ أصول الدين للبزدوي ٢٨، ٣١، وانظر ضوء المعالي للقاري ٢٥. ٣ البحر الرائق ٣/١٢٠. ٤ الفقه الأبسط ٤٩-٥٢. ٥ الأسماء والصفات للبيهقي ٤٠٨.
[ ١٤٧ ]
٣- وقال إمام الهجرة مالك (١٧٩هـ): "الله في السماء وعلمه في كل مكان"١.
٤- وقال الإمام عبد الرحمن بن مهدي (١٩٨هـ): "إن الجهمية أرادوا أن ينفوا أن يكون الله قد كلم موسى وأن يكون على العرش يستتابوا فإن تابوا وإلا ضربت أعناقهم"٢.
٥- وسئل الإمام علي بن عبد الله المديني (٢٣٤هـ) ما قول أهل السنة والجماعة فقال: "يؤمنون بالرؤية والكلام وأن الله ﷿ فوق السماوات على عرشه استوى"٣.
٦- وقال الإمام قتيبة بن سعيد (٢٤٠هـ): "هذا قول الأئمة في الإسلام نعرف ربنا في السماء السابعة على عرشه"٤.
٧- وسئل إمام أهل السنة أحمد بن حنبل (٢٤١هـ): الله فوق السماء السابعة على عرشه بائن من خلقه وقدرته وعلمه في كل مكان؟ فأجاب: "نعم هو على عرشه وعلمه لا يخلو منه مكان"٥.
وسئل ﵀ عمن يقول: إن الله تعالى ليس على العرش.
فقال: "كلامهم كله يدور على الكفر"٦.
٨، ٩- وقال الإمامان الجليلان أبو زرعة (٢٦٤هـ) وأبو حاتم (٢٧٧هـ) الرازيان: "أجمع أهل الإسلام على إثبات الصفات لله تعالى وأنه على عرشه بائن من خلقه وعلم الله في كل مكان من قال غير هذا فعليه لعنة الله"٧.
_________________
(١) ١ التمهيد لابن عبد البر (٧/١٣٨)، وأبي داود في مسائل الإمام أحمد ص ٢٦٣. ٢ مسائل أبي داود ٢٦٢. ٣ الحموية ٥٣ عنه. ٤ تلبيس الجهمية ٢/٣٨ عنه. ٥ السنة لأحمد ورواية الأصطخري ٧٥ والسنة للالكائي ٣/ ٤٤٥. ٦ اجتماع الجيوش عنه ٢٠٠. ٧ انظر أصول السنة ٣٧-٤٣ وانظر السنة للالكائي ١/١٩٨.
[ ١٤٨ ]
١٠- وقال الإمام أبو بكر ابن خزيمة (٣١١هـ): "من لم يقر بأن الله تعالى - على عرشه قد استوى فوق سماواته بائن من خلقه فهو كافر يجب أن يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه وألقي على بعض المزابل حيث لا يتأذى المسلمون والمعاهدون بنتن ريح جيفته وكان ماله فيئا لا يرثه أحد من الدين إذ المسلم لا يرث الكافر"١.
١١- وقال الإمام الذهبي ناقد الرجال والفرق (٧٤٨هـ) "مقالة السلف وأئمة السنة بل الله ورسوله ﷺ والمؤمنون: أن الله ﷿ في السماء وأن الله على العرش وأن الله فوق سماواته
ومقالة الجهمية:
أنه في جميع الأمكنة:
ومقالة متأخري المتكلمين:
أن الله تعالى ليس في السماء ولا على العرش ولا على السماوات ولا في الأرض ولا في العالم ولا هو بائن من خلقه ولا هو متصل بهم.
قال لهم أهل السنة والأثر
فإن هذه السلوب نعوت العدوم تعالى الله ﷻ عن العدم!
بل هو يخبر خلقه بما وصف فيه:
في أنه فوق العرش بلا كيف"٢.
_________________
(١) ١ معرفة علوم الحديث للحاكم ٨٤. ٢ العلو ١٠٧، ١٩٥، ومختصر العلوم ١٤٦-١٤٧، ١٨٧.
[ ١٤٩ ]
باب ذكر الدليل على أن القرآن كلام الله غير مخلوق١
١٠- أخبرنا أبو عروبة الحسين بن أبي معشر السلمي بحران، نا سلمة بن شبيب، نا الحكم بن عمد، نا سفيان بن عينية، عن عمرو بن دينار قال: سمعت مشيختنا منذ تسعين سنة، وأخبرنا أبو أحمد محمد بن سليمان بن فارس واللفظ له، نا محمد يعني ابن إسماعيل البخاري، قال: الحكم بن محمد أبو مروان الطبري حدثناه، سمع ابن عيينة، قال: أدركت مشيختنا منذ تسعين سنة منهم عمرو بن دينار يقول: القرآن كلام الله ليس بمخلوق.
_________________
(١) الشرح: وهذا باب آخر من أبواب هذا الكتاب، وهو متعلق ببيان مذهب السلف في شأن كلام الله ﷿، ومسألة كلام الله تعالى هي من أهم المسائل التي اضطربت فيها آراء الناس واختلفت أقوالهم وتفرقوا شيعًا وأحزابًا. ومنها حدثت فتنة خلق القرآن الكريم وإنكار صفة الكلام لله تعالى وأول من أظهر هذه الفتنة في الإسلام- فتنة خلق القرآن- الجعد بن درهم، في أوائل المائة الثانية، وضحى به خالد بن عبد الله القسري أمير العراق بواسط، يوم الأضحى، حيث خطب فقال: "أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مضح بالجعد بن درهم فإنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا، ولم يكلم موسى تكليمًا، تعالى الله عما يقول الجعد علوًا كبيرًا، ثم نزل فذبحه٢. ١ خلق أفعال العباد ص ١١٨ الرد على الجهمية للدارمي ص ١٣٣. الرد على بشر المريسي ص ٤٧٦، الإبانة لابن بطة ٢/ ١٢/٤٥٦، السنة لللالكائي ١/ ٥٥/ ٢. ٢ خلق أفعال العباد ص ١١٨، الرد على الجهمية للدارمي ص ١١٣- الرد على بشر المريسي ص ٤٧٦ الإبانة لابن بطة ٢/١٢/٤٥٦ والسنة لللالكائي ١/ ٥٥/ ٢. والرد على من يقول القرآن مخلوق ٨٦ ق الأسماء والصفات ص ٢٥٤، ثم حمل لواء هذه الفتنة بعد الجعد جهم بن صفوان الذي قتله سلمة بن أحوز بخراسان. خلق أفعال العباد ص ١٣١، تاريخ ابن الأثير ٥/١٦٣ الرسائل والمسائل لابن تيمية ٣/١٣٢.
[ ١٥٠ ]
وبعد ذلك قوى عظامها بشر المريسي في أوائل القرن الثالث، حتى بلغت ذروتها، وتعرض علماء السلف- كإمام أهل السنة أحمد بن حنبل وغيره على أيديهم فيها إلى أنواع من البلاء والأذى.
ثم إن اختلاف الناس في مسألة القرآن يرجع إلى اختلافهم في صفة الكلام، ويجدر بنا في هذا المقام أن نسرد بعض هذه المقالات التي قيلت في هذه الصفة، ونشأت منها هذه الفتنة، أعنى فتنة خلق القرآن.
مذهب السلف:
قالوا إن الكلام صفة لله كسائر الصفات الأخرى، وهي صفة ذات وفعل، يتكلم بها متى شاء وكيف شاء، وهو حروف وأصوات يسمعها من يشاء من مخلوقاته، وإن الكلام بصوت ليس كصوت المخلوقين وكلامه قديم النوع، كما أن سائر صفات الله تعالى قديمة.
* كما أنهم أجمعوا على أن موسى ﵇ سمع كلام الله من الله تعالى، لا من الشجر أو الحجر، أو من غيره، كما قالت الجهمية والمعتزلة، لأنه لو سمع من غير الله تعالى، لكان بنو إسرائيل أفضل من ذلك منه، فإنهم سمعوا من أفضل ممن سمع منه موسى لكونهم سمعوا من موسى ﵇، وهو على زعمهم إنما سمع من الشجرة، وهو غير معقول١.
* وكذلك لم يجز أن يكون الكلام الذي سمعه إلا صوتًا وحرفًا، وليس معنى في النفس، فإنه لو كان معنى في النفس كما زعمت الكلابية والأشاعرة والماتريدية، لم يكن ذلك تكليمًا لموسى ﵇ ولا هو شيء يسمع.
فالقرآن عند السلف كلام الله تعالى. ووحيه وتنزيله، فيه معاني توحيده، ومعرفة آياته وأنه غير مخلوق بحروفه ومعانيه فهو كلام الله تعالى
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى ١٢/ ٣٩- مختصر الصواعق المرسلة ٣/ ٢٩٦- ٢٩٨- شرح العقيدة الطحاوية ص ١٨١ لوامع الأنوار ١/١٤٠.
[ ١٥١ ]
حقيقة، ويضاف حقيقة إلى من قاله مبتدئًا، لا إلى من قاله مبلغًا ومؤديًا، ولا يجوز إطلاق القول بأنه حكاية كلام الله أو عبارة عنه، كما قالت الكلابية والأشاعرة والماتريدية.
* ولما شاعت المحنة في عهد المأمون، وكثر اختلاف الناس وتنازعهم في ذلك، التزم السلف بوصف القرآن أنه غير مخلوق بيانًا للحق وردًا على ما شاع من بدعة الجهمية والمعتزلة من أن القرآن مخلوق.
* قال الإمام البخاري في خلق أفعال العباد: "القرآن كلام الله غير مخلوق ".
* قال البخاري: "حركاتهم وأصواتهم، واكتسابهم وكتابتهم مخلوقة وأما القرآن المتلو المبين المثبت في المصاحف المسطور المكتوب الموعي في القلوب فهو كلام الله ليس بمخلوق، قال الله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ ١ [العنكبوت: ٤٩] .
* ويقول ابن خزيمة في التوحيد: "باب من الأدلة التي تدل على أن القرآن كلام الله الخالق وقوله غير مخلوق، لا كما زعمت الكفرة من الجهمية المعطلة" ثم ذكر الأدلة على ذلك٢.
* وذكر اللالكائي مذهب السلف في القرآن فقال: "ما دل من الآيات من كتاب الله تعالى وما روى عن رسول الله ﷺ والصحابة والتابعين على أن القرآن تكلم به على الحقيقة، وأنة أنزل على محمد ﷺ وأمره بالتحدي، وأنه يدعو الناس إليه، وأن القرآن على الحقيقة، متلو في المحاريب، مكتوب في المصاحف محفوظ في صدور الرجال ليس بحكاية ولا عبارة عن القرآن، وهو قرآن واحد غير مخلوق، وغير مجهول ومربوب، بل صفة من صفات ذاته لم يزل به متكلمًا، ومن قال غير هذا فهو كافر ضال مضل مبتدع مخالف
_________________
(١) ١ خلق أفعال العباد ص ١٣٨. ٢ كتاب التوحيد لابن خزيمة ص ١٦٦.
[ ١٥٢ ]
لمذاهب السنة والجماعة، ثم أورد الأدلة على ذلك١.
* وقال ابن بطة في الإبانة بعد كلام سبق: "ثم من بعد ذلك يعلم بغير شك ولا مرية ولا وقوف، أن القرآن كلام الله ووحيه وتنزيله، فيه معاني توحيده، ومعرفة آياته، وصفات أسمائه، وهو علم من علمه غير مخلوق، كيف قرأ وكيف كتب وكيف تلي وفي أي موضع كان في السماء وجد أو في الأرض حفظ، في اللوح المحفوظ وفي المصاحف وفي ألواح الصبيان مرسومًا أو في حجر منقوشًا وعلى كل الحالات وفي كل الجهات كلام الله غير مخلوق"؟ ٢.
* هذا مذهب السلف في صفة الكلام ومن جملة ذلك القرآن عندهم كلام الله لفظه ومعانيه، فلا يقال اللفظ دون المعنى كما قالت الجهمية والمعتزلة، ولا المعنى دون اللفظ كما قالت الكلابية والأشاعرة، والماتريدية، وهو منزل غير مخلوق سمعه جبريل من الله والنبي ﷺ سمعه من جبريل، فهو المكتوب بالمصاحف والمحفوظ بالصدور المتلو بالألسنة، فالسلف أثبتوا لله سبحانه صفة الكلام، منزهين الله تعالى عما لا يليق بجلاله من سمات النقص كما أثبتوا له سائر الصفات إثباتًا بلا تمثيل وتنزيهًا بلا تعطيل. ويرى هذا كله عبرة تقال للماتريدية والأشعرية الذين خالفوا عقيدة السلف في القرآن وقالوا إن كلام الله هو كلام نفسي لا يسمع ولا بحروف ولا صوت وأن هذا القرآن العربي مخلوق وليس هو كلام الله على الحقيقة وإنما هو دال على كلام الله النفسي فهؤلاء الماتريدية والأشعرية من القائلين ببدعة خلق القرآن ومن أعظم المعطلين لصفة كلام الله ومن أعظم المبتدعين لبدعة الكلام النفسي فهم أبشع وأشنع من المعتزلة فإن أولئك كانت بدعتهم بدعة واحدة وهؤلاء بدعتهم بدعتان. والله المستعان٣.
_________________
(١) ١ السنة لللالكائي ٢/٣٦٤. ٢ الإبانة الصغرى ص ٥٠. ٣ انظر الماتريدية للدكتور شمس الدين الأفغاني- رحمه الله تعالى ٣/ ٧٣- ٨٢.
[ ١٥٣ ]
الخلاصة:
١- إن القرآن الكريم هو كلام الله تعالى على الحقيقة، وهو غير مخلوق تكلم الله تعالى به، وسمعه جبريل من الله تعالى، ونزل به على النبي ﷺ، وهو مكتوب بالمصاحف، متلو بالألسنة، محفوظ بالصدور.
٢- كل ما سبق بيانه فهو مذهب أهل السنة والجماعة رحمهم الله تعالى.
٣- خالفت في هذا الباب طوائف من أهل الضلال كالجهمية والمعتزلة، والكلابية والأشعرية والماتريدية.
المناقشة:
١- اذكر مذهب أهل السنة والجماعة في شأن القرآن الكريم.
٢- هل القرآن المتلو بالألسن، المكتوب في المصاحف، هو كلام الله على الحقيقة؟
٣- اذكر أهم الفرق التي خالفت في هذا الباب، مع بيان مذهبها باختصار شديد.
[ ١٥٤ ]
باب في إثبات الرؤية١
* ونؤمن بالرؤية، والتصديق بالأحاديث التي جاءت عن رسول الله ﷺ في الرؤية حق.
_________________
(١) الشرح: أجمع السلف على إثبات رؤية الله تعالى بالأبصار في الآخرة، كما أنهم اتفقوا على عدم حصول رؤيته ﷾ في الدنيا بأبصارهم مع اختلافهم في رؤية النبي صير ربه ليلة الإسراء رالمعراج وقالوا: إن الله سبحانه رقعالى يرى جموم القيامة بالأبصار عيانا كما يرى القمر ليلة البدو صحوا، وكما ترى الشمس في الظهيرة رؤية حقيمة من غير شك ولا ارتياب. * وتكون هذه الرؤية من فوقهم لاستحالة أن يروه من أسفل منهم أو خلفهم أو أمامهم أو عن يمينهم أو عن شمالهم، وعليه يدل الكتاب والسنة، وإجماع الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين. * وقال ابن خزيمة: إن المؤمنين لم يختلفوا أن المؤمنين يرون خالقهم يوم الميعاد، ومن أنكر ذلك فليس بمؤمن عند المؤمنين٢. * قال الآجري: وأما أهل السعادة فهم الذين سبقت لهم من الله الحسنى، فآمنوا بالله وحده ولم يشركوا به شيئًا وصدقوا القول بالفعل، فأماتهم على ذلك فهم في قبورهم ينعمون وعند المحشر يبشرون، وفي الموقف إلى الله ﷿ بأعينهم ينظرون، وإلى الجنة بعد ذلك وافدون، وفي نعيمها يتفكهون، وللحور العين يعانقون، والولدان لهم يخدمون، وفي جوار مولاهم الكريم أبدًا خالدون، ولربهم ﷿ في داره زائرون. ١ وهذا التبويب كذلك من عندي بما يلائم مضمون الباب. ٢ حادي الأرواح: ص ٢٤٥.
[ ١٥٥ ]
* وبالنظر إلى وجهه الكريم يتلذذون، وله مكلمون وبالتحية لهم من الله ﷿، والسلام منه عليهم يكرمون١.
* قال الصابوني. ويشهد أهل السنة أن المؤمنين يرون ربهم ﵎ بأبصارهم، وينظرون إليه على ما ورد به الخبر الصحيح عن رسول الله ﷺ في قوله: "إنكم ترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر" والتشبيه وقع للرؤية بالرؤية لا للمرئي٢.
* وذكر الأشعري مذهب أهل السنة والحديث في الرؤية فقال: ويقولون إن الله ﷾ يرى بالأبصار يوم القيامة كما يرى القمر ليلة البدر، يراه المؤمنون ولا يراه الكافرون، لأنهم عن الله محجوبون، قال الله ﷿ ﴿كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] وأن موسى ﵇ سأله الله سبحانه الرؤيا في الدنيا، وأن الله سبحانه تجلى للجبل فجعله دكًا، فأعلمه بذلك أنه لا يراه في الدنيا بل يراه في الآخرة٣.
* قال الحافظ عبد الغني المقدسي في عقديته: وأجمع أهل الحق واتفق أهل التوحيد والصدق، أن الله يرى في الآخرة كما جاء في كتابه وصح به النقل عن رسوله ثم ذكر بعض الأدلة على ذلك وقال: قال أحمد بن حنبل: من قال إن الله لا يرى في الآخرة فهو كافر٤.
وذكر ابن قدامة مذهب السلف في الرؤية فقال: والمؤمنون يرون ربهم في الآخرة بأبصارهم ويزورونه ويكلمهم ويكلمونه، قال الله تعالى: ﴿وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾ [القيامة: ٢٢-٢٣] . وقال تعالى: ﴿كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] فلما حجب أولئك في حالة السخط دل على أن المؤمنين يرونه في حالة الرضا، وإلا لم يكن بينهما
_________________
(١) ١ الشريعة: كتاب التصديق بالنظر إلى وجه الله ﷿ ص ٢٥١. ٢ عقيدة السلف أصحاب الحديث ١/١٢٢. ٣ مقالات الإسلاميين ١/٣٢٢. ٤ عقيدة الحافظ عبد الغني المقدسي ص ٣٠- ٣١ ضمن المجموعة العلمية السعودية.
[ ١٥٦ ]
فرق ثم ذكر حديث جرير في الرؤية وقال: وهذا تشبيه للرؤية بالرؤية لا للمرئى بالمرئى، فإن الله تعالى لا شبيه له ولا نظير١.
وهذه الرؤية هي أكبر سعادة للمؤمنين وأجلها وأعلاها على الإطلاق.
*قال عثمان بن سعيد الدارمي: فأما في الآخرة فما أكبر نعيم أهل الجنة إلا النظر إلى وجهه، والخيبة لمن حرمه، وما تعجبون من أن كان الله ولا شيء من خلقه ثم خلق الخلق، ثم استوى على عرشه فوق سمواته واحتجب من خلقه بحجب النار والظلمة، كما جاءت به الآثار ثم أرسل رسله، يعرفهم نفسه بصفاته المقدسة ليبلو بذلك إيمانهم أيهم يؤمن به ويعرفه بالغيب ولم يره وإنما يجزي العباد على إيمانهم بالله بالغيب إلى أن قال "فإذا كان يوم القيامة تجلى لمن آمن به وصدق رسله وكتبه وآمن برؤيته، وأقر بصفاته التي وصف بها نفسه حتى يروه عيانًا، مثوبة منه لهم وإكرامًا ليزدادوا بالنظر إلى من عبدوه بالغيب نعيمًا وبرؤيته فرحًا واغتباطًا ولم يحرموا رؤيته في الدنيا والآخرة جميعًا وحجب عنه الكفار يومئذ إذ حرموا رؤيته كما حرموها في الدنيا ليزدادوا حسرة وثبورًا٢.
* وأما أدلة السلف على إثبات رؤيته سبحانه فكثيرة جدًا وقد ذكر المؤلف بعضها ونذكر البعض الآخر.
* منها: قوله تعالى: ﴿وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾ [القيامة:٢٢-٢٣] وجه الاستدلال من الآية هو أن النظر في اللغة يرد لمعان مختلفة فإذا تجرد عن الصلات وتعدى بنفسه كان بمعنى التوقف والانتظار منه قوله تعالى: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣] . وإذا عدى بفي كان معناه التفكر والاعتبار كقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ لمعة الاعتقاد ص ٣٣. ٢ الرد على الجهمية للدارمي: ص ٦٤. ٣ الأعراف: ١٨٥.
[ ١٥٧ ]
وإذا عدى بإلى كان معناه المعاينة بالأبصار خاصة إذا أضيف إلى الوجه الذي هو محل البصر وألا يحتمل إلا الرؤية١.
قال الأشعري: لأن النظر إذا ذكر مع ذكر الوجه فمعناه نظر العين ولذلك إذا ذكر النظر مع الوجه لم يكن معناه نظر الانتظار الذي يكون للقلب٢.
* وقال ابن قتيبة: ما ننكر أن نظرت قد يكون بمعنى انتظرت وأن الناظر قد يكون بمعنى المنتظر غير أنه يقال: "أنا لك ناظر أي أنا لك منتظر ولا يقال أنا إليك ناظر أي إليك منتظر إلا أن يريد نظر بعين، والله يقول: ﴿وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾ [القيامة: ٢٢-٢٣] ولم يقل لربها ناظرة٣.
* فالمراد بهذه الآية رؤية الله تعالى بالأبصار صريحة الدلالة ولم ينكرها إلا المعطلة من الجهمية والمعتزلة.
* ومنها قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، وقوله: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥] . ذكر المفسرون أن المراد بالزيادة في الآية الأولى هي رؤية الله ﵎ وهو تفسير مأثور رواه جماعة من الصحابة عن النبي ﷺ مرفوعًا وموقوفًا.
* فروى ابن صهيب أنه قال: إذا دخل أهل الجنة الجنة، نودي بأهل الجنة أن لكمم موعدًا قالوا: وما هو ألم يبيض وجوهنا ويدخلنا الجنة وينجنا من النار قال: فيكشف الحجاب فينتظرون إليه فوالله ما أعطاهم الله شيئًا أحب إليهم منه ثم تلا هذه الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ .
* عن أنس بن مالك: سئل رسول الله ﷺ عن هذه الآية ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ قال للذين أحسنوا العمل في الدنيا الحسنى وهي
_________________
(١) ١ حادي الأرواح ص ٢١٠. ٢ الإبانة للأشعري: ٥٣٦ (طبعة دار الأنصار بمصر) . ٣ الاختلاف في اللفظ والرد عل الجهمية: ص ٢٣٨.
[ ١٥٨ ]
الجنة، والزيادة هي النظر إلى وجه الله١.
كما ورد ذلك أيضًا عن أبي موسى الأشعري وأبي بن كعب، وكعب بن عميرة وغيرهم من الصحابة٢.
وأيضًا ورد أن أبا بكر قرأ هذه الآية أو قرئت عليه فقال له تدرون ما الزيادة، الزيادة النظر إلى وجه ربنا.
* وقال البيهقي: وروينا في إثبات الرؤية عن أبي بكر الصديق وحذيفة بن اليمان، وعبد الله بن مسعود وابن عباس وأبي موسى، وغيرهم ولم يرو عن أحد منهم نفيًا، ولو كانوا فيها مختلفين لنقل اختلافهم في ذلك إلينا، فلما نقلت رؤية الله بالأبصار عنهم في الآخرة ولم ينقل عنهم في ذلك اختلاف يعني في الآخرة كما نقل عنهم فيها اختلاف في الدنيا، علمنا أنهم كانوا على القول برؤية الله بالأبصار في الآخرة متفقين مجتمعين٣.
وكذلك فسرت المزيد في الآية الأخرى بما فسرت به الزيادة. قال ابن كثير: ﴿ولدينا مزيد﴾ كقوله ﷿ ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، وقد سبق أن معنى الزيادة في النظر إلى وجه الله الكريم ثم سرد بعض الأحاديث والآثار الدالة على ذلك٤.
وهنها: قوله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ [الأحزاب: ٤٤] وقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ﴾ [البقرة: ٢٢٣] وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ١١٠] .
* قال الآجري في الشريعة: واعلم- رحمك الله- أن عند أهل العلم باللغة أن اللقى ها هنا لا يكون إلا مغاينة، يراهم الله ﷿ ويرونه
_________________
(١) ١ تفسير الطبري ١١/١٠٦. ٢ انظر التوحيد لابن خزيمة: ص ١٨٤، الرد على الجهمية للدارمي ص ٥٦، ٥٧، الشريعة ص ٢٦٠، ٢٧٠، الاعتقاد ص ٤٨، الرؤية للدار قطني ٢/٩٩/ ٢. ٣ الاعتقاد: ص ٥٣. ٤ تفسير ابن كثير: ٤/ ٢٢٩.
[ ١٥٩ ]
ويسلم عليهم ويكلمهم ويكلمونه١.
وقال ابن بطة: سمعت أبا عمر محمد بن عبد الواحد صاحب اللغة يقول: سمعت أبا العباس أحمد بن يحيى ثعلبا يقول: "أجمع أهل اللغة على أن اللقاء ها هنا لا يكون إلا معاينة ونظرًا بالأبصار"٢.
* قال ابن القيم: وأجمع أهل اللسان على أن اللقاء متى نسب إلى الحي السليم من العمى والمانع، اقتضى المعاينة والرؤية٣.
منها قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ ٤.
* قال الرازي: "فإن إحدى القراءات في هذه الآية، ملكًا- بفتح الميم وكسر اللام- وأجمع المسلمون على أن ذلك الملك ليس إلا الله وعندي التمسك بهذه الآية أقوى من التمسك بغيرها٥.
وقال الآلوسي: قيل هو النظر إلى الله عز وجل٦.
فعلى القراءة المذكورة تكون دلالة الآية على الرؤية ظاهرة.
ومنها قوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ [الأنعام:١٠٦] وجه الاستدلال من هذه الآية هو أن الله ﷾ إنما ذكرها في سياق التمدح، ومعلوم أن المدح إنما يكون بالأوصاف الثبوتية وأما العدم المحض فليس بكمال ولا يمدح به، وإنما يمدح الرب ﵎ بالعدم إذا تضمن أمرًا وجوديًا لتمدحه بنفي السنة والنوم المتضمن كمال القيومية ونفي الموت المتضمن كمال الحياة ولهذا لم يتمدح بعدم محض الذي لا يتضمن أمرًا ثبوتيًا، فإن المعدوم يشارك الموصوف في ذلك العدم ولا يوصف الكامل بأمر
_________________
(١) ١ الشريعة. ص ١٥٢. ٢ حادي الأرواح: ص ٢٤٥. ٣ حادي الأرواح: ص ٢٠٤. ٤ الإنسان: ٢٠. ٥ التفسير الكبير للرازي: ١٣/ ١٣١. ٦ روح المعاني:٢٩/١٦١.
[ ١٦٠ ]
يشترك هو والمعدوم فيه، فلو كان المراد بقوله ﴿لا تدركه الأبصار﴾ أنه لا يرى بحال لم يكن في ذلك مدح ولا كمال لمشاركة المعدوم له في تلك، فإن العدم الصرف لا يرى ولا تدركه الأبصار، والرب جلا جلاله يتعالى أن يمدح بما يشاركه فيه العدم المحض. فإذا المعنى أنه يرى ولا يدرك ولا يحاط به، لأن الإدراك هو الإحاطة بالشيء وهو قدر زائد على الرؤية١.
قال ابن خزيمة: ولو كان معنى قوله: لا تدركه الأبصار ما تتوهمه الجهمية المعطلة، الذين يجهلون لغة العرب فلا يفرقون بين النظر وبين الإدراك، لكان معنى قوله لا تدركه الأبصار: أي أبصار أهل الدنيا قبل الممات٢.
منها قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ ٣.
والاستدلال بالآية من عدة وجوه:
* الوجه الأول: أن موسى ﵇ سأل الرؤية، ولو امتنع كونه تعالى مرئيًا لما سأل لأنه حينئذ إما أن يعلم امتناعها أو يجهله، فإن علمه فالعاقل لا يطلب المحال الممتنع لأنه عبث والأنبياء منزهون عنه، وإن جهله فالجاهل بما لا يجوز على الله ويمتنع لا يكون نبيًا كليمًا، قد قال تعالى ﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ ٤.
* قال ابن قتيبة: وفي قوله موسى ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ أبين الدلالة بأنه يرى في القيامة ولو كان الله لا يرى في حال من الأحوال ولا يجوز عليه
_________________
(١) ١ حادي الأرواح: ٢٠٨. ٢ التوحيد لابن خزيمة: ص ١٨٥. ٣ الأعراف: ١٤٣. ٤ سورة الأعراف: آية ١٤٤، ضوء الساري: ٣٨ ق.
[ ١٦١ ]
النظر، لكان موسى قد خفي عليه من صفة الله ما علموه١.
الوجه الثاني: أن الله لم ينكر عليه لما طلب الرؤية ولو كانت محالة لأنكر عليه كما أنكر على نوح لما سأل نجاة ابنه من الغرق حيث قال ﴿إني أعظك أن تكون من الجاهلين﴾ ففي إنكاره تعالى على نوح دليل عدم جواز ما طلب وعدم الإنكار على موسى دليل الجواز وعدم الامتناع٢.
الوجه الثالث: أنه تعالى علق الرؤية على أمر جائز، وهو استقرار الجبل والمعلق على الجائز جائز، فيلزم كون الرؤية في نفسها جائزة٣.
* قال عثمان بن سعيد الدارمي: ألا ترى أنه يقول فإن استقر مكانه فسوف تراني، ولو شاء لاستقر الجبل ورآه موسى. ولكن سبقت منه الكلمة أنه لا يراه أحد في الدنيا فلذلك قال ﴿لن تراني﴾ فأما في الآخرة فإن الله تعالى ينشر خلقه فيركب أسماعهم وأبصارهم للبقاء، فيراه أولياؤه جهرًا كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم٤.
ومنها قوله تعالى: ﴿كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] والاستدلال بهذه الآية على إثبات رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة استدلال بالمفهوم حيث قال سبحانه عن اللقاء ﴿إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ فجعل عقوبتهم كونهم محجوبين عن رؤيته سبحانه وهذا يدل على أن المؤمنين لا يحجبون، وإلا لا يكون فضل للمؤمنين على الكفار٥.
* قال الإمام الشافعي: لما حجب هؤلاء في السخط، كان في هذا دليل على أن أولياءه يرونه في الرضا٦.
_________________
(١) ١ الاختلاف في اللفظ: ص ٢٣٨. ٢ حادي الأرواح: ص ٢٠٣. ٣ الإنصاف ص ١٧٩، المحصل: ص ١٩١، حادي الأرواح ص ٢٠٣. ٤ الرد على الجهمية: ص ٦٥. ٥ إغاثة اللهفان: ١/٣٢. ٦ حادي الأرواح ١/٣٢.
[ ١٦٢ ]
قال عثمان بن سعيد الدارمي: ففي هذا دليل أن الكفار كلهم محجوبون عن النظر إلى الرحمن عز وعلا، وأن أهل الجنة غير محجوبين عنه١.
* قال البيهقي: فلما عاقب الكفار بحجبهم عن رؤيته دل على أنه يثيب المؤمنين برفع الحجاب لهم عن أعينهم حتى يروه٢.
ولذا قال الإمام أحمد: إنا لنرجوا أن يكون الجهم وشيعته ممن لا ينظرون إلى ربهم، ويحجبون عن الله، لأن الله تعالى قال للكفار: ﴿كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] فإذا كان الكافر يحجب عن الله، والمؤمن يحجب عن الله، فما فضل المؤمن على الكافر٣.
وأما الأحاديث عن النبي ﷺ الدالة على الرؤية فمتواترة، رواها عنه ﷺ- أكثر من خمسة وعشرين صحابيًا:
* قال ابن تيمية: إنه قد ثبت بالسنة المتواترة وباتفاق سلف الأمة وأئمتها من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أئمة أهل الإسلام الذين ائتموا بهم من دينهم، أن الله ﷾ يرى في الدار الآخرة بالأبصار عيانًا، وقد دل على ذلك القرآن في مواضع كما ذلك مذكور في مواضعه، والأحاديث الصحيحة في ذلك كثيرة متواترة في الصحاح والسنن والمسانيد وقد أعتنى بجمعها أئمة٤.
* وقال ابن كثير في النهاية: وأحاديث الرؤية لله يوم القيامة متواترة رواها جماعة الصحابة٥.
منها: حديث جرير بن عبد الله البجلي قال: كنا عند رسول الله ﷺ
_________________
(١) ١ الرد على الجهمية: ص ٥٣. ٢ الاعتقاد: ص ٤٦، ٤٧. ٣ الرد على الزنادقة ص ٣٤. ٤ بيان تلبيس الجهمية: ١/٣٤٨. ٥ النهاية لابن كثير: ٢/٢٨٥.
[ ١٦٣ ]
ليلة البدر فقال هل ترون هذا القمر؟ قلنا: نعم قال: "هكذا ترون ربكم يوم القيامة لا تضارون في رؤيته"١.
منها حديث أبي سعيد الخدري قال: قلنا يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال هل تضارون في رؤية الشمس والقمر إذا كانت صحوا؟ قلنا: لا. قال: فإنكم لا تضارون في رؤية ربكم يومئذ إلا كما تضارون في رؤيتهما. متفق عليه٢.
ومنها حديث أبي هريرة قال: قالوا يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر وليس دونه حجاب؟ قالوا: لا. قال: هل تضارون في رؤية الشمس في الظهيرة ليس دونها حجاب؟ قالوا: لا. قال: فلا تضارون في رؤيته إلا كما تضارون في رؤية أحدهما٣.
* ومنها حديث عدي بن حاتم قال: قال رسول الله ﷺ ما منكم من أحد إلا سيكلمه الله ليس بينه وبينه ترجمان٤.
فهذه الأحاديث وغيرها من الأحاديث الكثيرة تدل على ما ذهب إليه أهل السنة وهو أن المؤمنين يرون ربهم في الآخرة بأبصارهم وأن الكفار والمشركين يحجبون عنه- سبحانه- رواها جماعة من الصحابة عن الرسول ﷺ حتى بلغت حد التواتر.
قال ابن قتيبة: والخبر في الرؤية ليس من الأخبار التي يدفعها إلا جاهل أو معاند ظالم لتتابع الروايات به من الجهات الكثيرة عن الثقات٥.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري (٥٧٣- ٧٤٣٥) ومسلم (٢١٢) كتاب المساجد. ٢ البخاري كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى ﴿وجوه يومئذ ناضرة﴾ الآية: ٩/١٥٨. مسلم، كتاب الإيمان، باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم ﷾ ١/١١٣. ٣ أخرجه البخاري (٦٥٧٣) ومسلم (٣٠٥) كتاب الإيمان. ٤ أخرجه البخاري (٧٥١٢) ومسلم (٦٧) كتاب الزكاة. ٥ الاختلاف في اللفظ: ص ٢٣٨.
[ ١٦٤ ]
قال عثمان بن سعيد الدارمي: بعد ذكر الأحاديث الدالة على الرؤية: فهذه الأحاديث كلها أو أكثر منها قد رويت في الرؤية على تصديقها والإيمان بها، أدركنا أهل الفقه والبصر من مشايخنا ولم يزل المسلمون قديمًا وحديثًا يرونها ويؤمنون بها، لا يستنكرونها ولا ينكرونها ومن أنكرها من أهل الزيغ نسبوه إلى الضلال بل كان من أكبر رجائهم وأجزل ثواب الله ﵎ في أنفسهم النظر إلى وجه الله الكريم، خالقهم يوم القيامة حتى ما يعدلون به شيئًا من نعيم الجنة١.
الخلاصة:
١- أجمع أهل السنة على أن المؤمنين يرون ربهم ﷿ يوم القيامة بأبصارهم عيانًا من غير توهم ولا تشبيه، وهذا أكبر نعيم أهل الجنة.
٢- خالفت الجهمية وغيرهم في ذلك وأنكروا إثبات الرؤية.
المناقشة:
١- ما هي عقيدة السلف في مسألة رؤية الله تعالى يوم القيامة؟
٢- اذكر ثلاثة أدلة على أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة.
٣- اذكر أربعة من النصوص عن السلف في إثبات الرؤية.
_________________
(١) ١ الرد على الجهمية للدارمي ص ٦٣.
[ ١٦٥ ]
باب ذكر الدليل على أن الإيمان في القلب
١- أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي ببغداد، حدثنا سويد بن سعيد، حدثنا علي بن مسهر، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يدخل الجنة أحد في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر. ولا يدخل النار أحد في قلبه مثقال ذرة من إيمان"١.
_________________
(١) الشرح: قوله ﷺ: "لا يدخل الجنة أحد في قلبه مثال حبة من خردل من كبر، هذا الحديث يوضح خطورة الكبر، ويغلظ من شأنه، وذلك لأن الكبر يدفع الإنسان إلى رد الحق، واحتقار الناس، لكنه إن لم يكن عن استحلال كبيرة لا يكفر بها المرء ومعنى: "لا يدخل الجنة" لا يدخلها ابتداء، لكنه قد يكتب له دخولها بعد أن يعذب في النار لتكبره. وأما قوله ﷺ: "ولا يدخل النار أحد في قلبه مثقال ذرة من إيمان". وهذا الشطر من الحديث فيه دليل لما ترجم عليه المصنف من كون الإيمان في القلب، وإن كانت الأعمال جزءًا من الإيمان، والمقصود من نفي دخوله النار، أنه لا يخلد فيها، وإلا فإن ناسًا من أهل التوحيد يدخلون النار بذنوبهم رغم وجود التوحيد في قلوبهم، ثم يخرجون منها بسبب توحيدهم، كما قال ﷺ: "يخرج من النار من كان في قلبه جزء من شعيرة من خير ويخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه وزن برة من خير ويخرج من النار من قال: "لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ذرة من خير"٢. ١ أخرجه مسلم (٩١) كتاب الإيمان حديث (١٤٨) والترمذي (١٩٩٨) وابن ماجة (٥٩) . ٢ أخرجه البخاري كتاب الإيمان باب زيادة الإيمان ونقصانه (١/١٠٣) ح (٤٤) ومسلم كتاب الإيمان باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها (١/١٨٢) ح، (٣٢٥) كلاهما من طريق قتادة عن أنس بن مالك.
[ ١٦٦ ]
باب ذكر الدليل على أن الإيمان يزيد وينقص [وأنه قول وعمل] ١
٢- الإمام العالم الثقة مجد الدين شيخ الإسلام أبو علي النيسابوري المعروف بابن الصغير فيما كتبه قال إن المشايخ أبو محمد عبد الله بن سهل ابن عمر وأبو عبد الله محمد بن الفضل بن أحمد الفراوي وأبو القاسم زاهر بن طاهر بن محمد الشحامي وأبو القاسم سهل بن إبراهيم السبيعي قراءة عليهم في يوم الاثنين الحادي والعشرين من شهر رمضان سنة سبع عشرة وخمسمائة، وأجاز فيه أيضًا الشيخ الفقيه أبو روح عبد المضر بن محمد بن أبي الفضل البازاز الهروي قال: أخبرني أبو القاسم زاهر من طاهر بن محمد بن الشحامي سماعًا عليه قال: أنا أبو سعد محمد بن عبد الرحمن الكنجروذي، أنا أبو أحمد محمد بن محمد بن أحمد بن إسحاق الحافظ فيما قريء عليه فأقر به قال:
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله أجمعين.
[باب زيادة الإيمان ونقصانه]
قال الله ﷿: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ٢.
وقال سبحانه ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ العنوان زيادة مني. ٢ سورة الأنفال: الآية ٢. ٣ سورة الفتح: الآية ٤.
[ ١٦٧ ]
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ ١.
الشرح: الآيات التي ساقها المصنف ﵀، وغيرها كثير هي مما يدل دلالة واضحة على أن الإيمان يزيد وينقص، ففيها: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا﴾ وفيها ﴿زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ وفيها ﴿زَادَهُمْ هُدىً﴾ فهي صريحة جدًا في إثبات زيادة الإيمان وما كان قابلًا للزيادة فهو قابل للنقص، وزيادته تكون بالطاعات، ونقصانه يكون بالمعاصي وما ذكرناه من أن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي، هو قول أهل السنة والجماعة رحمهم الله تعالى، وهذا من المسائل التي خالف فيها طوائف من المبتدعة، ونصوص الكتاب والسنة متضافرة لإثبات صحة هذا القول، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ٢.
وهذا أمر يعرفه كل عاقل، بل إن الإيمان قد يزيد وينقص عند نفس الشخص من حين لآخر، على حسب حاله، وعلى قدر طاعته أو معصيته. وفي هذا كله عبرة للماتريدية المخالفين لمذهب السلف.
الخلاصة:
الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، وزيادته بالطاعات، ونقصه بالمعاصي.
المناقشة:
س ١- ما هو مذهب أهل السنة في مسألة زيادة الإيمان؟
س ٢- هات ثلاثة أدلة على إثبات زيادة الإيمان.
_________________
(١) ١ سورة محمد، الآية ١٧. ٢ سورة التوبة، الآية ١٢٤.
[ ١٦٨ ]
٢- أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن محمد بن عبد العزبز البغوي ببغداد، () النسائي، نا حماد يعني ابن سلمة، عن أبي جعفر الخطمي، عن أبيه، عن جده محمد بن حبيب قال: الإيمان يزيد وينقص. قيل: ما زيادته ونقصانه؟ قال: إذا ذكرنا بالله فحمدناه فتلك زيادته، وإذا غفلنا ونسينا فذاك نقصانه. قال: وسمعت أبا نصر التمار يقول: الإيمان يزيد وينقص.
أخبرنا أبو العباس محمد بن إسحاق الثقفي، نا هارون بن عبد الله، نا يزيد بن هاورن، عن حماد بن سلمة، عن أبي جعفر الخطمي، أن جده عمير بن حبيب وكانت له صحبة.
٣- وأخبرنا أبو العباس محمد بن إسحاق الثقفى قال: سمعت محمد بن علي بن يعني ابن الحسن بن شفيق قال: سألت أحمد بن حنبل عن الإيمان في معنى الزيادة والنقصان فقال: حدثنا الحسن بن موسى، نا حماد بن سلمة، عن أبي جعفر الخطمي، عن أبيه، عن جده، عن عمير بن حبيب قال: الإيمان يزيد وينقص. فقيل له: وما زيادته وما نقصانه؟ فقال: إذا ذكرنا الله فحمدناه وسبحانه فذلك زيادته، وإذا غفلنا ونسينا فذلك نقصانه.
هذا لفظ حديث أحمد بن حنبل عن الحسن بن موسى.
٤- أخبرنا أبو الحسن بن أحمد بن زهير القيس بطوس، نا عمرو بن شميل المروزي، أنا بقية يعني ابن الوليد، عن معاوية بن يحيى، عن أبي مجاهد يعني عبد الوهاب، عن أبيه، عن ابن عباس قال: الإيمان يزداد وبنقص.
٥- أخبرنا أبو العباس محمد بن إسحاق بن إبراهيم الثقفي، حدثنا هارون بن عبد الله، نا حجاج بن محمد، نا إسماعيل بن عباس، عن صفوان بن عمرو السكسكي، عن عبد الله بن لهيعة الحضرمي، عن أبي هريرة قال: الإيمان يزيد وينقص.
٦- أخبرنا أبو العباس محمد بن إسحاق الثقفي، نا محمد بن يحيى، نا أبو معمر، نا إسماعيل بن عياش، عن حريز بن عثمان، عن الحارث بن محمد، عن أبي الدرداء قال: الإيمان يزداد وينقص.
[ ١٦٩ ]
٧- أخبرنا أبو العباس محمد بن إسحاق الثقفي قال: سمعت محمد بن سهل بن عسكر، نا عبد الرزاق قال: سمعت مالكًا والأوزاعي وابن جريج والثوري ومعمرا يقولون: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص.
٨- أخبرنا أبو عمران موسى بن العباس الجوني، نا أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل الترمذي، نا إسحاق يعني الفروي، قال: جئت عند مالك قال: الإيمان يزيد وبنقص.
قال الله ﷿: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ ١ وقال إبراهيم: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ ٢. قال فطمأنينة قلبه زيادة في إيمانه.
٩- أخبرنا أبو بكر محمد بن محمد بن سليمان الواسطي ببغداد، نا هشام يعني ابن عمار، نا يحيى بن سليم، نا ابن جريج ومالك ومحمد بن مسلم ومحمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان والمثنى وسفيان الثوري قالوا: الإيمان قول وعمل.
_________________
(١) الشرح: أجمع السلف على الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان بعدما أجمعوا على أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، نظرًا إلى التفاوت الموجود في أعمال أفراد المكلفين. فمنهم من أتى بما أمر الله وانتهى عما نهى عنه على أكمل وجه مصدقًا بقلبه تصديقًا جازمًا. ومنهم من قام بتنفيذ الأوامر واجتناب النواهي إلا أنه اكتفى بالإتيان بالواجبات ولم يتطرق إلى ما سواها من النوافل والسنن. وصدق الآخر بكل ما جاء من الله ورسوله غير أنه كان متهاونًا ومقصرًا في أداء الواجبات، وقد تصدر منه المخالفات. فلا يمكن التسوية فيما بينهم لأن التفاوت بينهم موجود ودرجاتهم متباينة وبناء على هذا الفرق الواضح، قال علماء السلف إن الإيمان قابل للزيادة والنقصان. ١ الفتح (٤) .. ٢ البقرة (٢٦٠) .
[ ١٧٠ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: مذهب أهل السنة والحديث على أن الإيمان يتفاضل وجمهورهم يقولون يزيد وينقص.
ثم قال: زيادة الإيمان الذي أمر الله به والذي يكون من عباده المؤمنين من وجوه. ثم ذكر عدة وجوه على زيادة الإيمان من جهة التصديق وبالتالي من جهة الأعمال١.
وهذا هو قول جميع السلف من الصحابة والتابعين وأئمة الدين وسيذكر المؤلف ﵀ بعض الآثار التي تدل على ذلك،
وإليه ذهب مالك والشافعي وأحمد والليث بن سعد وإسحق بن راهويه والثوري والأوزاعي، وابن عيينة، والحسن البصري، وابن المبارك، وأبو عبيد القاسم بن سلام، ووكيع بن الجراح، وحماد بن سلمة، وغيرهم كثير من السلف الذين قالوا بأن الأعمال من الإيمان٢.
وهذا هو رأي جماعة من المتكلمين كالبغدادي والغزالي، والامدي والأيجي وكثير من الأشاعرة الذين قالوا إن الإيمان الذي هو التصديق يزيد وينقص٣.
فهؤلاء يوافقون السلف في الزيادة والنقصان من هذه الجهة وأما الخلاف بينهم وبين السلف فهو من جهة أخرى وهي الأعمال. فخالفوا السلف في هذه الجهة وقالوا الأعمال ليست من الإيمان وهذا قول باطل
_________________
(١) ١ الإيمان لابن تيمية ص ٢١٩. ٢ انظر الإيمان لابن أبي شيبة ص ٣٥، لأبي عبيد القاسم بن سلام ص ٧٢، الإيمان لأبي عمرو العدني. السنة لعبد الله بن الإمام أحمد ص ٧٦. الشريعة للآجري ص ١١٧، السنة لأبي القاسم اللالكائي ٤/٩١١ الإيمان لأبي يعلى البغدادي به قال أبو الحسن الأشعري في قوله الجديد بعد العودة إلى مذهب السلف ١/ ٣٢٢. ٣ أصول الدين للبغدادي، ص٢٥٢، الاقتصاد ص ٢٠٨، المواقف ص ٣٨٨، إتحاف المريد ص ٤٩.
[ ١٧١ ]
مصادم للنصوص وعقيدة السلف. وذهب قوم إلى أن الإيمان يقبل الزيادة ولا يقبل النقصان وهو قول بعض الأشاعرة١.
وقد روي عن الإمام مالك في إحدى الروايات أنه قال بزيادة الإيمان وأما النقصان فتوقف فيه فلم يجزم بنفي ولا بإثبات٢
وذكر النووي سبب توقفه فقال: ولذلك توقف مالك ﵀ في بعض الروايات عن القول بالنقصان إذ لا يجوز نقصان التصديق لأنه إذا نقص صار شكًا وخرج عن اسم الإيمان.
وقيل إنما توقف مالك خشية أن يتأول عليه موافقة الخوارج الذين يكفرون أهل المعاصي، من المؤمنين بالذنوب٣.
لكن هذه الرواية لم تصح عن الإمام مالك.
ولعل السبب الذي دفع هؤلاء القائلين بهذا الرأي وهم قليل جدًا وهو قول شاذ والدافع. إلى هذا الرأي هو عدم ورود آية في القرآن، تدل بالصراحة على نقصان الإيمان.
وقالت المعتزلة والخوارج إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص أبدًا، لأن الإيمان عندهم شيء واحد لا يتجزأ إذ لا يمكن ذهاب بعضه وبقاء بعضه الآخر فإذا ذهب شيء منه لم يبق مع صاحبه من الإيمان شيء فيخلد في النار.
ونرى منهم على هذا الباطل الماتريدية وقد وافقهم أكثر الأشعرية،
وبناء على هذا قالوا: بعدم زيادة الإيمان ونقصانه وأولوا تلك الآيات والأحاديث التي وردت في الزيادة وقالوا بأن الزيادة والنقصان في الإيمان
_________________
(١) ١ أصول الدين للبغدادي ص ٢٥٢، تحفة المريد ص ٥١، وبه قال الحسين النجار من المتكلمين كما ذكره البزدوي في أصول الدين ص ١٥٣. ٢ ترتيب المدارك ١/ ١٧٤. الإيمان لابن تيمية ص ٢١٠. ٣ شرح مسلم للنووي ١/١٤٦.
[ ١٧٢ ]
تعتبر من ناحية التكاليف وهو شيء نسبي بين المكلفين فذاك الشخص إيمانه أكثر من إيمان هذا، لأن ذلك كلف بشيء زائد لم يكلف به الآخر، والآخر غير مؤاخذ على تركه لأنه لم يكلف به لعدم قدرته عليه، فالغني عندهم أكثر إيمانًا من الفقير لأنه مكلف بأمر زائد وهو الزكاة١.
وإن المعصية لا اعتبار لها في زيادة الإيمان ونقصه، لأن الإيمان عندهم لا يتجزأ فالزيادة والنقصان في الكم الذي يكون بطاعات الجوارح وأما الكيف فلا زيادة فيه ولا نقصان لاستواء المكلفين في وجوب التصديق القلبي٢.
وبه قالت المرجئة والجهمية والكرامية بأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، لأنه عبارة عن شيء واحد وهو التصديق والمعرفة والإقرار، إذ لو ذهب شيء منه لم يبق منه شيء فيكون شيئًا واحدًا يستوي فيه البر والفاجر٣. فالتصديق لا يقبل التفاوت عندهم لأن التفاوت فيه إنما هو لاحتمال النقيض وهو الشك وهو غير مفيد، وكذلك الإقرار غير قابل للتفاوت. وبه جزم الأشعري في قوله القديم٤.
وإليه ذهب أبو حنيفة وجمهور الحنفية كالطحاوي والماتريدية وكالنسفي والتفتازاني وملا علي القاري وغيرهم٥.
قال أبو حنيفة: فالإيمان لا يزيد ولا ينقص لأنه لا يتصور نقصانه إلا بزيادة الكفر ولا يتصور زيادته إلا بنقصان الكفر، وكيف يجوز أن يكون الشخص الواحد في حالة واحدة مؤمنًا وكافرًا، والمؤمن مؤمن حقًا والكافر
_________________
(١) ١ شرح الأصول الخمسة ص ٧٠٧، متشابه القرآن ١/ ٣١٢، ٠٣١٣ الإيمان لابن تيمية ص ٢١٠. ٢ الإيمان لابن تيمية: ص ٢١٠. ٣ مقالات الإسلاميين ١/ ١٩٨، أصول الدين للبغدادي ٢٥٢، شرح السنة للبغوي ١/٤١، الملل والنحل: ١/٨٨، لوامع الأنوار: ١/ ٤٢٤. ٤ أصول الدين ص ٣٤٨. ٥ انظر الماتريدية ١/ ٤٠٤ لشمس الدين السلفي الأفغاني﵀- وأسكنه فسيح جناته.
[ ١٧٣ ]
كافر حقًا، وليس في الإيمان شك كما أنه ليس في الكفر شك١.
وفي الفقه الأكبر: وإيمان أهل السماء لا يزيد ولا ينقص والمؤمنون مستوون في الإيمان والتوحيد، متفاضلون في الأعمال٢.
قال أبو جعفر الطحاوي في عقيدته: والإيمان واحد، وأهله في أصله سواء، والتفاضل بينهم بالخشية والتقى، ومخالفة الهوى، وملازمة الأولى٣.
ويقول أبو حفص النسفي في عقيدته: والإيمان لا يزيد ولا ينقص. وشرح التفتازاني هذا القول فقال: "إن حقيقة الإيمان لا تزيد ولا تنقص لما مر من أنه التصديق القلبي الذي بلغ حد الجزم والإذعان وهذا لا يتصور فيه زيادة ولا نقصان، حتى إن من حصل له حقيقة التصديق فسواء أتى بالطاعات أو ارتكب المعاصي فتصديقه باق على حاله لا تغير فيه أصلا"٤.
وقال ملا علي القاري: فالتحقيق أن الإيمان- كما قال الإمام الرازي لا يقبل الزيادة والنقصان من حيثية أصل التصديق لا من جهة اليقين٥.
وهو قول الأشعرية الكلابية
قال الباقلاني: وإن كان الزيادة والنقصان فهو من حيث الحكم لا من حيث الصورة ويكون المراد: زيادة في الثواب والجزاء والمدح والثناء دون نقص وزيادة في تصديق من حيث الصورة٦.
_________________
(١) ١ الوصية: ص ١٨. ٢ الفقه الأكبر مع شرحه ص ٨٧. ٣ العقيدة الطحاوية شرح وتعليق ص ٤٣، ٤٤. ٤ شرح العقائد النسفية: ص ١٥٧. ٥ شرح الفقه الأكبر ص ٧٠. ٦ الإنصاف: ص ٥٨.
[ ١٧٤ ]
وبه قال الرازي في المحصل وأقره الطوسي الوثني الساحر الكافر١.
وحاصل الكلام أن الخوارج والمعتزلة والمرجئة والجهمية والكرامية وجمهور الأشعرية من الماتريدية وبعض الأشاعرة وجماعة من المتكلمين ذهبوا إلى أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص وكل منهم استدل بأدلة مختلفة ولكل منهم وجهة وكلهم هدفهم واحد، وهو أن الإيمان غير قابل للزيادة والنقصان. والحق هو ما قاله السلف والأدلة على زيادة الإيمان ونقصانه من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة كثيرة جدًا، وقد ذكر المؤلف ﵀ منها مجموعه لا بأس بها، وسنذكر أدلة أخرى تدل على صحة ما ذهب إليه السلف.
فمن الكتاب: قوله تعالى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ٢.
فهذه الزيادة عند تلاوة القرآن هي حصول رغبة ورهبة في القلب المؤمن فزاد علمه بالله ومحبته لطاعته، وهذا زيادة الإيمان.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ ٣.
فهذه الزيادة عند تخويفهم بالعدو فازدادوا يقينًا وطمأنينة وتوكلًا على الله وثباتًا على الجهاد.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ نعم كان ساحرًا وثنيًا كافرًا منكرًا للمعاد يعبد الأصنام وقد جر ويلات على المسلمين وناصر التتار انظر إغاثة اللهفان ٢/ ٣٨٠- ٣٨١ وانظر الصواعق المرسلة ٢/٩٠، ٣/ ١٠٧٧- ١٠٧٨، القصيدة النونية مع شرحها للهراس ١/١٥٨، ١٥٩، وتوضيح المقاصد ١/٣٥٨- ٣٦٤. ٢ الأنفال آية ٢. ٣ آل عمران: آية ١٧٣. ٤ التوبة: آية ١٢٤.
[ ١٧٥ ]
فهذه الزيادة في الإيمان هي حسب مقتضى الآية التي أنزلت. وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ ١.
فالسكينة والطمأنينة جعلت موجبة لزيادة الإيمان. وقوله تعالى: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ ٢، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً﴾ ٣، وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدىً﴾ ٤. فالمقصود من زيادة الهدى في الآيتين هو زيادة الإيمان كما دل عليه قول ابن مسعود في تفسير الآية٥.
وأما الأحاديث: فقوله في حديث شعب الإيمان: "الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة أفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان" ٦.
وقوله ﷺ: "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان"٧.
وقوله ﷺ في حديث الشفاعة: "يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ثم يقول الله: أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان فيخرجون منها" ٨ الحديث.
_________________
(١) ١ الفتح:٤. ٢ المدثر:٣١. ٣ محمد:١٧. ٤ الكهف:١٣. ٥ تفسير الطبري: ١٥/ ٢٠٧. ٦ أخرجه البخاري (٩) ومسلم (٣٦) وغيرهما. ٧ أحمد في المسند ٣/ ٢٠، ٤٩. وأخرجه مسلم في صحيحه (١/ ٦٩/ ح ٤٩) من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا. والترمذي: وقال: هذا حديث حسن صحيح. كتاب الفتن: باب ما جاء في تغيير المنكر باليد أو باللسان أو بالقلب ٤/٤٦٩- ٤٧٠ ح: ٢١٧٢. والنسائي: كتاب الإيمان، تفاضل أهل الإيمان ٢/٢٦٥. ٨ البخاري كتاب الإيمان، باب تفاضل أهل الإيمان في الأعمال: (١/١٢) .
[ ١٧٦ ]
فهذه الأحاديث كلها على أن أهل الإيمان ليسوا في أصله سواء بل بينهم تفاضل واضح، وأنه يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي وهو المقصود.
قال عمير بن حبيب الخطمي، الإيمان يزيد وينقص، قيل له ما زيادته ونقصانه، قال: إذا ذكرنا الله ﷿ وحمدناه وخشيناه فذلك زيادته، فإذا عقلنا وضيفاه فذلك نقصانه.
وكان عمر ﵁ يقول لأصحابه: هلموا نزدد إيمانا. فيذكرون الله١.
وكان ابن مسعود ﵁ يقول في دعائه "اللهم زدنا إيمانًا ويقينًا وفقهًا"٢.
وكان معاذ بن جبل ﵁ يقول لرجل: اجلس بنا نؤمن ساعة فيجلسان فيذكران الله ويحمدانه٣.
قال أبو عبيد القاسم بن سلام "فالأمر الذي عليه السنة عندنا ما نص عليه علماؤنا كما اقتصصناه في كتابنا هذا، إن الإيمان بالنية والقول والعمل جميعا وأنه درجات بعضها فوق بعض إلا إن أولها وأعلاها الشهادة باللسان كما قال ﷺ في الحديث الذي جعله بضعة وسبعين جزءًا. فإذا نطق بها القائل وأقر بما جاء من عند الله لزمه اسم الإيمان بالدخول فيه بالاستكمال عند الله ولا على تزكية النفوس وكلما ازداد لله طاعة وتقوى ازداد إيمانا٤.
فهذه الآيات والأحاديث والآثار كلها تدل على زياد الإيمان وأنها تزيد في قلب المؤمن طمأنينة وطاعة، وتصديقًا وخضوعًا ويقينًا وأنه ينقص حتى يكون مثل ذرة ومثقال حبة وأنقص من ذلك.
_________________
(١) ١ الإيمان لابن أبي شيبة ص ٣٦، الشريعة: ص ١١٢. ٢ كتاب الإيمان لأحمد: ١١١/ ١. ٣ الإيمان لأحمد: ١١١/ ٤ الإيمان لابن أبي شيبة ص ٣٥، الإيمان لأبي عبيد ص ٧٢. وكذلك أورده البخاري في صحيحه تعليقًا: كتاب الإيمان، باب الإيمان وقول النبي ﷺ بني الإسلام على خمس ١/٩. ٤ الإيمان لأبي عبيد: ص ٦٦.
[ ١٧٧ ]
الخلاصة:
١- مذهب السلف الصالح أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد، كما أنه ينقص وزيادته بالطاعات، ونقصانه بالمعاصي.
٢- النصوص الشرعية في الباب تؤيد كلها ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة.
٣- خالف في هذا الباب طوائف منهم: المرجئة، والجهمية، والكرامية، وجمهور الماتريدية، وكثير من الأشعرية، فقالوا بأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص.
المناقشة:
١- اذكر مذهب أهل السنة والجماعة في مسألة زيادة الإيمان ونقصانه.
٢- ما هي أهم الفرق التي خالفت هذا الباب؟
٣- اذكر ثلاثة نصوص في هذا الباب من القرآن تؤيد ما ذهب إليه السلف.
[ ١٧٨ ]
في الجهاد والإمارة ومرتكب الكبيرة١
* "والمسح على الخفين والجهاد مع كل خليفة جهاد الكفار لك جهاده وعليه شره".
_________________
(١) الشرح: إن أهل الحديث والسنة يرون المسح على الخفين بالشروط الواردة في كتب الفقه، ثلاثة أيام بليالهن للمسافر، ويومًا وليلة للمقيم وكذلك المسح على الجوربين والنعلين، وقد خالفت الرافضة في ذلك، غير أن المسح على الخفين متواتر عن رسول الله ﷺ. كما خالفت الحنفية في المسح على الجوربين والنعلين بقيود لا دليل عليها٢. ويرون الحج والجهاد باقيين مستمرين مع أمراء المسلمين، البر والفاجر، لا يبطلهما شيء ولا ينقصهما، ولا يرفع حكم وجوبهما وذلك إلى قيام الساعة، كل ذلك مع الأئمة العدول والجورة، فالجائر قوته للمسلمين وجوره على نفسه، ما داموا باقين في حظيرة الإسلام، أما إن خرجوا من الإسلام فذلك شيء آخر. ١ هذا التبويب كذلك من عندي بما يجمع شتات المسائل المتفرقة في الباب. ٢ كقولهم لا بد من أن يكون الجوربان بحيث يمكن فيهما المشي ثلاثة أيام، ولا يشفان، ويتماسكان على القدم بدون ربط ونحوها.
[ ١٧٩ ]
* والجماعة مع كل بر وفاجر- يعني الجمعة والعيدين- والصلاة على من مات من أهل القبلة سُنَّة.
_________________
(١) الشرح: يرى أهل السنة الصلاة خلف كل مسلم برًا كان أم فاجرًا، مع تقديم البر إلا أن يكون في الصلاة خلفه مشقة، أو يكون هناك فتنة إن تركت الصلاة خلف الفاجر كما لو كان السلطان قد عينه، وذلك ما لم يكن صاحب بدعة مكفرة، وكذلك يرون الصلاة على المسلم الميت، برًا أو فاجرًا، إلا أن يكون قد مات على غير الملة.
[ ١٨٠ ]
* ولا نكفر بذنب إلا ترك الصلاة:
_________________
(١) الشرح: ولا يحكم أهل القبلة بجنة ولا نار على سبيل اليقين والقطع، لأحد من المسلمين بل من أحسن منهم رجونا له الجنة ولم نأمن عليه مكر الله، ومن أساء أشفقنا عليه ولم نقنطه من رحمة الله- تعالى- ولا نشهد على مسلم بكفر ولا بشرك ولا بنفاق، مما يخرج من الملة الإسلامية، إلا أن يكون قد ظهر منهم شيء من ذلك مع تحقق الشروط وانتفاء الموانع، ويذرون السرائر إلى الله تعالى- حيث أنه العليم بها ويآخذون الناس بما ظهر منهم.
[ ١٨١ ]
* لا يكفر أحد بذنب إلا ترك الصلاة وإن عمل الكبائر.
_________________
(١) الشرح: أهل السنة من السلف الصالح يقولون بأن المسلم لا يكفر بارتكابه للمعصية، صغيرة أو كبيرة، ما دام مقرًا بحرمتها ويقولون بأنه إن استحلها كفر باستحلاله لها، لجحده معلومًا من الدين حرمته وليس كفره بالمعصية نفسها، وقد ضلت طوائف في هذا الباب كالخوارج الذين كفروا مرتكب الكبيرة، بل إن الغلاة منهم كفروا عموم العصاة، وهذا ضلال بيّن وقد جر إلى كثير من المفاسد، والحق ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة ﵃ من أن العاصي يفسق بمعصيته لكنه ليس كافرًا إلا باستحلالها، والله - تعالى- لم ينف الإيمان عن العصاة، وانظر إلى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ ١، فلم ينف عنهم الإيمان رغم اقتتالهم، والشواهد على ذلك كثيرة فتأمل. ١ سورة الحجرات، الآيتان ٩، ١٠.
[ ١٨٢ ]
* ولا نخرج على الأمراء بالسيف وإن حاربوا ونتبرأ من كل من يرى السيف في المسلمين كائنا من كان.
_________________
(١) * الشرح ويرى أهل السنة حرمة الخروج على الأئمة وولاة الأمور، لو ظلموا الناس، وحتى إذا ظهر منهم فسوق في أنفسهم، وذلك لما للخروج من آثار سيئة: كإراقة الدماء، ونشر الفوضى، وذلك ما دام الأمراء باقين في حظيرة الإسلام، ولم يبدلوا دين الله، ولم يظهر منهم الكفر ولا يدعون عليهم، ولا يعصونهم، ويرون طاعتهم واجبة ما داموا يأمرون بمعروف أما إذا أمروا بمعصية فلا يسمع لهم ولا يطاع، لقوله، ﷺ: "على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب. وكره ما لم يؤمر بمعصية"١. وقوله: "إنما الطاعة في المعروف" ٢ وغير ذلك، ويدعون للأمراء بالصلاح في دينهم والمعافاة، فإن صلاحهم صلاح للأمة وفسادهم فساد وإفساد لها- والله أعلم. ١ أخرجه البخاري كتاب باب السمع والطاعة للإمام (١٣/١٢١ ح (٤٤/٧) . ومسلم كتاب الإمارة باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية ٣/١٤٦٩ ح (١٨٣٩) من حديث عبد الله بن عمر. ٢ أخرجه مسلم كتاب الإمارة باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية (٣/١٤٦٩) ح (١٨٤٠) من حديث علي ﵁.
[ ١٨٣ ]
باب في الإيمان بالقدر١
١٢- سمعت محمد بن إسحاق الثقفي قال: سمعت الثقفي قال: سمعت أبا رجاء قتيبة بن سعيد قال: المأخوذ في الإسلام والسنة والرضا بقضاء الله والإسلام لأمره، والصبر على حكمه الإيمان بالقدر خيره وشره، والأخذ بما أمر الله ﷿ والنهي عما نهى الله عنه، إخلاص العمل لله.
_________________
(١) الشرح: (الإيمان بالقدر) وهذا من أصول أهل السنة والجماعة، ومن أصول الإيمان الستة كما قال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ ٢، وقال ﷿: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ ٣، وقال ﷾: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ ٤، فكل شيء كائن في هذا الكون إنما قدره الله وقضاه، (خيره وشره، حلوه ومره) . كما قال- تعالى – ﴿قُل كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ ٥، فالخير والشر مقدران وكل ذلك قدره الله ربنا ومقادير الأمور بيده ومصدرها عن قضائه فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ولا يمكن أن يحدث شيء في هذا الكون إلا إذا أراده الله- تعالى- وكون الشيء أو وجوده- في حد ذاته دليل على أن الله قدره وقضاه، هذا وإن الإيمان بالقدر على أربع درجات: الأولى: في الإيمان بأن الله علم كل شيء وذلك قبل أن يخلق السموات والأرض. ١ وهذا التبويب من عندي كذلك حيث إن الباب هنا يتعلق بإثبات القدر. ٢ سورة القمر، الآية ٤٩. ٣ سورة الفرقان، الآية: ٢. ٤ سورة الأحزاب، الآية: (٣٨) . ٥ سورة النساء، الآية: (٧٨) .
[ ١٨٤ ]
الثانية: الكتابة وهي الإيمان بأن الله تعالى- كتب كل ما هو كائن من خير أو شر، صغير أو كبير، كتبه في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، كما ثبت في الحديث: "أول ما خلق الله القلم، قال: اكتب. قال يا رب وماذا اكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة"١.
والمرتبة الثالثة: للإيمان بالقدر هي الإيمان بالإرادة المقتضية لكون الشيء، فالله تعالى أراد أن توجد الأشياء فوجدت كما أراد لا خروج لأحد عن إرادته ومشيئته، فالخير بقضائه، والشر بقضائه، ولا يكون شيء إلا بإذنه، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وقد قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ ٢ وقال﷿-: ﴿مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٣ والآيات في هذا المقام كثيرة لا تحصى.
* والمرتبة الرابعة من مراتب الإيمان بالقدر هي الإيمان بأن- تعالى- خلق كل شيء وأوجده طبق ما سبق علم وكتب وأراد، وهي رتبة التنفيذ فإذا حصل خير فالله- تعالى- هو الذي خلقه وأوجده طبق ما سبق علم وكتب وأراد، وإذا وجد شر فالله- تعالى- هو الذي خلقه وأوجده لحكمة بالغة لكن لا يكون شيء بغير إذنه وخلقه، وقد نفت الطوائف من المنحرفين أن يكون الله- تعالى- قد أراد الشر أو خلقه، وقالوا الإنسان هو الموجد للشر، فجعلوا الإنسان خالقًا مع الله- تعالى- في نهاية الأمر. ومنهم المعتزلة وغيرهم.
_________________
(١) ١ أخرجه أبو داود في السنة باب في القدر (٤٧٠٠) والترمذي في القدر (١٢٥٦) وفي التفسير (٣٣١٦) . وهو حديث صحيح. ٢ سورة البقرة، الآية: ٢٥٣. ٣ سورة الأنعام، الآية: ٣٩.
[ ١٨٥ ]
* فهذه أربع مراتب للإيمان بالقدر، من كفر بواحدة منها كان كافرًا بالقدر، ومن كفر بالقدر كان كافرًا بالله العظيم، وهذا من كمال الاعتقاد الحسن في الله العظيم، أن يعتقد الإنسان بأنه ليس هناك شيءخارج عن إرادة الله تعالى ومشيئته،من اهتدى فا الله هداه بفضله، ومن ضل فا الله أضله بعدله وكل شيء جار على ما أراد الله-تعالى-وقدر. ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ ١.
وفي الإيمان بالقدر الرضى بكل ما قدر وفعل من خير وشر بدون الاعتراض على الله تعالى.
_________________
(١) ١ سورة الأنبياء، الآية: ٢٣.
[ ١٨٦ ]
باب في مسائل الإيمان باليوم الآخر١
"وعذاب القبر حق "
_________________
(١) الشرح: ومن أصول أهل السنة الإيمان بسؤال القبر ويباشره ملكان هما منكر ونكير وقد ثبت في حقهما عدة أحاديث صحيحة. منها قوله ﷺ: "إذا قبر الميت أتاه ملكان أسودان أزرقان يقال لأحدهما المنكر وللآخر النكير، فيقولان ما كنت تقول في هذا الرجل"٢. الحديث. وهكذا فإن أهل السنة يؤمنون بأن الروح ترجع إلى الجسد في القبر للسؤال، وهذا حق ثبتت به الأحاديث الصحيحة، وكذلك ضغطه القبر وعذابه حق، كما ثبت في الأحاديث الصحيحة ومنها الحديث السابق، وهذا كله حق كائن للكفار لا شك فيه، وقد وردت فيه النصوص الكثيرة من القرآن والسنة، فلا سبيل لإنكاره، وأثبتت النصوص كذلك أن عصاة المؤمنين يجوز أن يعذب الله من يشاء منهم في القبر بذنوبه حتى يقضي ما عليه. ١ وهذا التبويب كذلك من عندي بما يناسب مضمون الباب. ٢ الترمذي (ب/٣٨٣/ ح ١٠٧١) في الجنائز باب ما جاء في عذاب القبر من حديث المقبري عن أبي هريرة مرفوعًا وقال الترمذي: حسن غريب، وحسنه الألباني في (صحيح الجامع ١/ ١٨٦/ ح ٧٢٤) .
[ ١٨٧ ]
* والميزان حق والحوض حق والشفاعة حق وقوم يخرجون من النار حق.
_________________
(١) الشرح: شفاعة الأنبياء ﵈ يوم القيامة ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع، قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ﴾ ١ فشفاعتهم ثابتة لكنها إنما تكون بإذن الله تعالى، وشفاعة النبي ﷺ لأهل الكبائر من المسلمين الذين استوجبوا العقاب بذنوبهم، هذه الشفاعة حق ثابت، كما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي" ٢ شفاعته ﷺ للمؤمنين حق إن شاء الله تعالى. ووزن الأعمال بالميزان يوم القيامة حق ثابت بالكتاب والسنة والإجماع، عنه، وكذلك حوض النبي ﷺ حق ثابت، وهو حوض عظيم، ماؤه أبيض من اللبن، وأحلى من العسل، ورائحته كريح المسك، وكيزانه كنجوم السماء من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدًا يرده المؤمنون يوم القيامة، ويصد عنه أهل البدع والمحدثات، وهو حوض عظيم الاتساع قال في حقه النبي ﷺ: "حوضي مسيرة شهر، ماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السماء، من شرب منها فلا يظمأ أبدًا "٣ وهذا الحوض المورود مما يكرم به نبينا ﷺ. ١ سورة البقرة الآية ٢٥٥. ٢ أحمد (٣/٢١٣) وأبو داود (٥/١٠٦/ ح/ ٤٧٣٩) في السنة باب في الشفاعة والترمذي ٤ (٦٢٥ ح ٢٤٣٥) في صفة القيامة كلهم من حديث أنس مرفوعًا وورد من حديث جابر وابن عباس وابن عمر وكعب بن عجرة وقال الترمذي: حسن صحيح غريب، وصححه الألباني في (صحيح الجامع ١/ ٦٩١/ رقم ٣٧١٤) . ٣ البخاري (١١/ ٤٧٢/ ح ٦٥٧٩) في الرقاق باب صفة الحوض من حديث ابن أبي مليكة عن ابن عمرو مرفوعًا.
[ ١٨٨ ]
* وخروج الدجال حق:
_________________
(١) الشرح: ومما يؤمن به أهل السنة والجماعة ما وردت به النصوص من أشراط الساعة وعلاماتها ومنها خروج الدجال ويأجوج ومأجوج وطلوع الشمس من مغربها ونزول عيسى ﵇ من السماء وغيرها، وقد جمعها النبي ﷺ في قوله في الساعة: "إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات: الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى بن مريم، ويأجوج ومأجوج" ١ الحديث فكل هذه العلامات وغيرها مما وردت به الأخبار الصحيحة كله حق كائن ولا بد وذلك بمقتضى تصديقنا الخبر، والله تعالى يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. الخلاصة:
(٢) يؤمن أهل السنة باليوم الآخر وما وردت به الآثار مما يتعلق به كأشراط الساعة ومنها الدجال، وفتنة القبر وعذابه، والحساب، والميزان، وحوض النبي ﷺ، والشفاعة، وغير ذلك. المناقشة:
(٣) اذكر ثلاثا من مسائل الإيمان باليوم الآخر عند أهل السنة مع الاستدلال لكل منها. ١ أخرجه مسلم (٤/ ٢٢٢٦) ح ٢٩٠١ في الفتن باب الآيات التي تكون قبل الساعة، وأحمد (٦١٤) وغيرهما من حديث أبي الطفيل عن حذيفة بن أسيد الغفاري.
[ ١٨٩ ]
باب الجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان١
_________________
(١) الشرح: مما يعتقد أهل السنة أن الجنة والنار مخلوقتان الآن وموجودتان لا تفنيان أبدًا، خلافًا لقول من قال غير ذلك من أهل البدع، والحور العين خالدات لا يمتن أبدًا بل خالدات بخلود الجنات، وكذلك فإن النار لا تفنى، ولا يفنى عذابها، فعقاب الله دائم لا ينقطع، وثوابه تعالى دائم لا ينقطع. وقد قال الله تعالى في كتابه ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ * وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٦-١٠٨] ومما يدل على أن الجنة والنار مخلوقتان الآن قول النبي ﷺ: "لما خلق الله الجنة قال لجبريل اذهب فانظر إليها فنظر إليها ثم قال وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها فأمر بها فحفت بالمكارة" ٢. وقال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣] وقال تعالى: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ٨٩] . الخلاصة:
(٢) مما يعتقده أهل السنة والجماعة أن الجنة والنار مخلوقتان لله تعالى، وأنهما موجودتان الآن وباقيتان لا تفنيان. المناقشة:
(٣) هل الجنة والنار مخلوقتان الآن؟ وهل تفنيان؟
(٤) اذكر دليلين من القرآن يوضحان أن الجنة والنار موجودتان الآن. ١ وهذا الترتيب من عندي. ٢ حسن. رواه أبو داود (٤٧٤٤) والنسائي (٧/ ٣- ٤) والترمذي (٢٥٦٠) وغيرهم.
[ ١٩٠ ]
القول في الصحابة١
* [وأفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي]
_________________
(١) الشرح:
(٢) أهل السنة يرون أن أفضل الصحابة هم الخلفاء الأربعة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي- رضوان الله عليهم- ويقدرونهم قدرهم ويثنون عليهم بالثناء الجميل. وينزلون كل واحد منهم منزلته فأبو بكر أفضل الأمة بعد نبيها ﷺ ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي ﵃ أجمعين. فهم يقدمون أبا بكر وعمر، على عثمان وعلي- رضوان الله عليهم أجمعين- لقيام الأدلة: الصريحة على أفضليتهما وتقديمهما على غيرهما. قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى- خير الأمة بعد النبي ﷺ أبو بكر، وعمر بعد أبي بكر وعثمان بعد عمر، وعلي بعد عثمان. ووقف قوم على عثمان، وهم خلفاء راشدون مهديون ثم أصحاب رسول الله ﷺ بعد هؤلاء الأربعة خير الناس، لا يجوز لأحد أن يذكر شيئًا من مساوئهم ولا يطعن على أحد منهم بعيب، ولا بنقص فمن فعل ذلك فقد وجب على السلطان تأديبه وعقوبته٢. وذكر الأشعري في مقالاته: مذهب أهل السنة فقال: ويعرفون حق السلف الذين اختارهم الله ﷾ بصحبة نبيه ﷺ ويأخذون بفضائلهم ويمسكون عما شجر بينهم صغيرهم وكبيرهم ويقدمون أبا بكر ثم عمر ثم عثمان ثم عليًا رضوان الله عليهم أجمعين، ويقرون أنهم الخلفاء الراشدون المهديون أفضل الناس كلهم بعد النبي صلى الله عليه وسلم٣. ١ وهذا التبويب كذلك من عندي بما يناسب مضمون الباب. ٢ السنة للإمام أحمد بن حنبل ص ٧٨. ٣ مقالات الإسلاميين ١/ ٣٢٣.
[ ١٩١ ]
وقال ابن بطة: ثم الإيمان والمعرفة بأن خير الخلق وأفضلهم وأعظمهم منزلة- عند الله ﷿- بعد النبيين والمرسلين وأحقهم بخلافة رسول الله ﷺ أبو بكر الصديق عبد الله بن عثمان وهو عتيق بن أبي قحافة ونعلم أنه يوم مات رسول الله ﷺ لم يكن على وجه الأرض أحد بالوصف الذي قدمنا ذكره ثم من بعده على هذا الترتيب والصفة أبو حفص عمر بن الخطاب ﵁ وهو الفاروق ثم من بعدهما على الترتيب والنعت عثمان بن عفان ﵁ وهو أبو عبد الله أبو عمرو ذو النورين ثم على هذا النعت والصفة من بعدهم أبو الحسن علي بن أبي طالب رضي الله عنه١.
وقال الحافظ عبد الغني المقدسي في عقيدته: ونعتقد أن خير هذه الأمة وأفضلها بعد رسول الله ﷺ صاحبه الأخص وأخوه في الإسلام ورفيقه في الهجرة والغار، أبو بكر الصديق وزيره في حياته، وخليفته بعد وفاته عبد الله بن عثمان عتيق بن أبي قحافة ثم من بعده الفاروق أبو حفص عمر بن الخطاب، الذي أعز الله به الإسلام وأظهر الدين، ثم من بعده ذو النورين أبو عبد الله عثمان بن عفان الذي جمع القرآن، وأظهر العدل والإحسان، ثم ابن عم رسول الله ﷺ وختنه علي بن أبي طالب رضوان الله عليهم أجمعين فهؤلاء الخلفاء الراشدون والأئمة المهتدون٢.
فالسلف اتفقوا على تقديم الشيخين أبي بكر وعمر- على غيرهما من الصحابة- وسجلوا ذلك في كتبهم حتى جعلوه من أصولهم. قال ابن تيمية: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر كما تواتر ذلك عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب موقوفًا ومرفوعًا كما دل على ذلك الكتاب والسنة واتفق عليه سلف الأمة وأئمة العلم٣.
* ثم إننا لم نجد أن أحدًا من علماء السلف خالف في تقديم أبي بكر
_________________
(١) ١ الإبانة الصغرى ص ٦١. ٢ عقيدة الحافظ عبد الغني المقدسي ص٤٠. ٣ الرسائل والمسائل: ٣٧١.
[ ١٩٢ ]
وعمر على عثمان وعلي إلا ما ذكره الأشعري في مقالاته حيث قال: وشذ قوم منهم فقال أن عليًا أفضل من الشيخين- أبي بكر وعمر- رضي الله عنهما١.
وقال ابن حزم: ذهب بعض أهل السنة وبعض المعتزلة وبعض المرجئة وجميع الشيعة إلى أن أفضل الأمة بعد رسول الله ﷺ علي رضي الله عنه٢.
لكن هذا الشذوذ الذي ذكره الأشعري وابن حزم لا قيمة له نظرًا إلى وجود نصوص صريحة وكثيرة على تقديمهما، ثم إن الأشعري لم يذكر أسماء القائلين بهذا القول وكذا ابن حزم.
* وأما ما قاله ابن عبد البر في الاستيعاب بأن السلف اختلفوا في تفضيل أبي بكر وعلي.
فقد أجاب عنه ابن حجر الهيتمي، فقال: أما ما حكاه أولًا أن السلف اختلفوا في تفضيلهما فهو شيء غريب انفرد عن غيره ممن هو أجل منه حفظًا وإطلاعًا فلا يعول عليه فكيف والحاكي لإجماع الصحابة والتابعين على تفضيل أبي بكر وعمر وتقديمهما على سائر الصحابة جماعة من أكابر العلماء ثم سرد الهيتمي أسماءهم٣.
*قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ويقرون بما تواتر به النقل عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وعن غيره من أن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ويثلثون بعثمان ويربعون بعلي كما دلت عليه الآثار٤.
* وأما الذي اختلف فيه أهل السنة وعلماء السلف فهو تقديم عثمان على علي في الفضل فذهب الجمهور منهم أن عثمان أفضل الأئمة بعد الشيخين فهو الثالث في الترتيب في الخلافة والفضيلة واستدلوا على هذا بما
_________________
(١) ١ مقالات الإسلاميين ٢/ ١٣١. ٢ الفصل: ٤/ ١١١. ٣ الصواعق المحرقة ص ٦٣. ٤ العقيدة الواسطية ص ٦٤- ٦٥.
[ ١٩٣ ]
حصل من إجماع الصحابة على تقديمه في الخلافة وما ورد من الآثار الدالة على تفضيله.
وقال قوم من أهل السنة أن عليًا أفضل من عثمان وهو مذهب أكثر أهل الكوفة وإليه ذهب الثوري، وأبو حنيفة في روايته عنه. وتوقف قوم في عثمان وعلي ولم يفضل أحدهما على الآخر وإليه ذهب يحيى القطان، وابن معين، وابن حزم والإمام مالك في أحد قوليه١.
* قال ابن حجر الهيتمي في الصواعق المحرقة: إن الذي أطبق عليه عظماء الملة وعلماء الأمة أن أفضل هذه الأمة أبو بكر الصديق ثم عمر ثم اختلفوا فالأكثرون ومنهم الشافعي، وأحمد وهو المشهور عن مالك أن الأفضل بعدهما عثمان ثم علي. وجزم الكوفيون ومنهم الثوري بتفضيل علي على عثمان.
* وقيل بالوقوف عن التفاضل بينهما وهو رواية عن مالك فقد حكى أبو عبد الله المازري في المدونة أن مالكًا ﵀ سئل أي الناس أفضل بعد نبيهم فقال أبو بكر ثم عمر ثم قال أو في ذلك شك؟ فقيل له وعلي وعثمان فقال: ما أدركت أحدًا ممن اقتدى به يفضل أحدهما على الآخر.
* ثم قال الهيتمي: وتوقفه هذا رجع عنه. فقد حكى القاضي عياض أنه رجع عن التوقف إلى تفضيل عثمان٢.
* وقال الخطابي في معالم السنن: وقد ثبت عن سفيان أنه قال في آخر قوليه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم٣.
* قال الحافظ بن حجر في الفتح: ونقل البيهقي بسنده إلى ثور بن
_________________
(١) ١ مقالات الإسلاميين ٢/١٣١، الفصل: ٤/١١١، معالم السنن ٥/ ٢٥، الإرشاد: ص ٤٣١، أصول الدين للبغدادي ص ٢٩٣، فتح الباري ٧/١٦، الصواعق المحرقة ص ٥٨، شرح العقيد ة الطحاوية: ص ٥٤٨. ٢ الصواعق المحرقة ص ٥٧. ٣ معالم السنن ٥/٣٥.
[ ١٩٤ ]
يزيد عن الشافعي أنه قال أجمع الصحابة وأتباعهم على أفضلية أبي بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي١.
فأهل السنة اتفقوا على تعظيم هؤلاء الخلفاء الأربعة وتقديمهم على غيرهم لما اشتهر من فضائلهم ومناقبهم كما إنهم يرون أن ترتيبهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة فأبو بكر أول الخلفاء وأفضلهم ثم عمر ثم عثمان ثم علي ﵃.
قال شارح الطحاوية: وترتيب الخلفاء الراشدين ﵃ في الفضل لترتيبهم في الخلافة ولأبي بكر وعمر ﵄ من المزية أن النبي ﷺ أمرنا بإتباع سنة الخلفاء الراشدين، ولم يأمرنا في الإقتداء بالأفعال إلا بأبي بكر وعمر فقال: اقتدوا باللذين من بعدي، أبي بكر وعمر". وفرق بين اتباع سنتهم والإقتداء بهم فحال أبي بكر وعمر فوق حال عثمان وعلي رضي الله عنهما٢.
_________________
(١) ١ فتح الباري: ٧/ ١٧. ٢ شرح العقيدة الطحاوية: ص ٥٤٨.
[ ١٩٥ ]
* والكف عن مساوىء أ! حاب محمد ﷺ ولا يذكر أحد منهم بسوء ولا ينقص أحد منهم.
_________________
(١) الشرح: أجمع أهل السنة والجماعة على أنه يجب على كل مسلم تزكية جميع الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين بإثبات العدالة لهم والكف عن الطعن فيهم والثناء عليهم، فقد أثنى الله ﷾ عليهم في آيات من كتابه وهي واضحة وصريحة في أن الصحابة هم خيار الناس بعد الأنبياء مطلقًا، ولا يجوز أحد من المسلمين أن يطعن فيهم أو يسب أحدًا منهم، ومن فعل هذا فهو مبتدع ضال وقد يؤدي هذا العمل إلى الكفر والخروج عن الملة. * قال الإمام أحمد: ومن السنة ذكر محاسن أصحاب رسول الله ﷺ كلهم أجمعين والكف عن ذكر مساوئهم والخلاف الذي شجر بينهم، فمن سب أصحاب رسول الله ﷺ أو أحدًا منهم فهو مبتدع رافضي خبيث مخالف لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا. * بل حبهم سنة والدعاء لهم قربة والإقتداء بهم وسيلة والأخذ بآثارهم فضيلة١. * وذكر ابن بطة مذهب السلف في الصحابة فقال: ونحب جميع أصحاب رسول الله ﷺ على مراتبهم ومنازلهم أولًا فأول من أهل بدر والحديبية وبيعة الرضوان، وأحد، فهؤلاء أهل الفضائل الشريفة والمنازل المنيفة سبقت لهم السوابق ﵏ أجمعين٢. قال أبو جعفر الطحاوي في عقيدته: ونحب أصحاب رسول الله ﷺ ولا نفرط في حب أحد منهم ولا نتبرأ من أحد منهم. ١ السنة: ص ٧٨. ٢ الإبانة الصغرى: ص ٦٥.
[ ١٩٦ ]
* ونبغض من يبغضهم وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان.
* وتثبت الخلافة بعد رسول الله ﷺ أولًا لأبي بكر الصديق ﵁ تفضيلًا له وتقديمًا على جميع الأمة ثم لعمر بن الخطاب ﵁ ثم لعثمان بن عفان ﵁ ثم لعلي بن أبي طالب ﵁ وهم الخلفاء الراشدون والأئمة المهتدون١.
وقال ابن قدامة: "ومن السنة تولي أصحاب رسول الله ﷺ ومحبتهم وذكر محاسنهم والترحم عليهم والاستغفار لهم، والكف عن ذكر مساوئهم وما شجر بينهم واعتقاد فضلهم ومعرفة سابقتهم، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ ٢.
* قال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ ٣.
وقال النبي ﷺ: "لا تسبوا أصحابي فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه" ٤.
فأهل السنة يعرفون حق السلف الذين اختارهم الله سبحانه لصحبة نبيه ﷺ ويأخذون بفضائلهم ويمسكون عما شجر بينهم ويقدمون أبا بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضوان الله عليهم جميعًا، ويقرون أنهم الخلفاء الراشدون المهديون أفضل الناس كلهم بعد النبي ﷺ.
قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ
_________________
(١) ١ الطحاوية شرح وتعليق ص ٥٧. ٢ سورة الحشر: ١١. ٣ الفتح: ٢٩. ٤ رواه البخاري (٣٦٧٣) ومسلم (٢٥٤١) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
[ ١٩٧ ]
بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ ١. فأثبت الخيرية لهم على سائر الأمم ولا شيء يعادل شهادة الله لهم بذلك.
* وقال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ ٢.
* قال ابن حجر الهيتمي: والصحابة في هذه الآية والتي قبلها هم المشافهون بهذا الخطاب٣.
* وقال ﷿: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ﴾ ٤. وقال: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ ٥.
وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ ٦.
وقال: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ
_________________
(١) ١ آل عمران: ١١٠. ٢ البقرة: ١٤٣. ٣ الصواعق المحرقة: ص ٢٠٩. ٤ التوبة: ١٠٠. ٥ الفتح:١٨. ٦ الأنفال: ٧٢.
[ ١٩٨ ]
سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ١.
* قال البيهقي بعد ذكر بعض الآيات الدالة على فضائل الصحابة: فأثنى عليهم ربهم وأحسن الثناء عليهم ورفع ذكرهم في التوراة والإنجيل- والقرآن الكريم ثم وعدهم المغفرة والأجر العظيم فقال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ ٢ وأخبر في آية أخرى برضاه عنهم ورضاهم عنه فقال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ ٣ ٤.
فهذه الآيات تتضمن الثناء على الصحابة من المهاجرين والأنصار وتذكر حسناتهم وتدل على أن الله رضي عنهم وأنهم رضوا عنه، وهو دليل واضح على إثبات عدالتهم وعظمة قدرهم عند الله وعلو مراتبهم.
وجاء في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعًا "لا تسبوا أصحابي فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبًا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه"٥.
وعن عبد الله مرفوعًا: "خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يجيىء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته" متفق عليه.
وفي صحيح مسلم عن أم مبشر مرفوعًا: "لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد من الذين بايعوا تحتها" الحديث٦.
_________________
(١) ١ الحشر:٨-١٠. ٢ سورة الفتح: الآية (٢٩) . ٣ التوبة: الآية١٠. ٤ الاعتقاد: ص ١٥٩. ٥ متفق عليه وسبق ص ١٩٧. ٦ كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أصحاب الشجرة ٧/ ١٦٩.
[ ١٩٩ ]
* فهذه النصوص من الكتاب والسنة تدل على عدالة الصحابة ﵃ فأهل السنة يقدرون قدرهم ويثنون عليهم بالثناء الجميل وينزلون كل واحد منهم منزلته، والتزموا بذكرهم في أصولهم خلافًا للخوارج والرافضة والنواصب.
قال ابن تيميه:
ومن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله ﷺ كما وصفهم الله في قوله ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠] .
وطاعة النبي ﷺ في قوله "لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه" متفق عليه.
ويقبلون ما جاء به الكتاب والسنة والإجماع من فضائلهم ومراتبهم، ويفضلون من انفق من قبل الفتح- وهو صلح الحديبية- وقاتل على من أنفق من بعده وقاتل ويقدمون المهاجرين والأنصار، ويؤمنون بأن الله قال لأهل بدر "اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم " "وبأنه لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة" كما أخبر به النبي ﷺ بل قد رضي الله عنهم ورضوا عنه.
ويشهدن بالجنة لمن شهد له رسول الله ﷺ بالجنة كالعشرة وثابت بن قيس بن شماس وغيرهم من الصحابة١.
* كما أنهم يرون أن علي بن أبي طالب ﵁ كان أفضل وأقرب إلى الحق من معاوية وممن قاتله معه لما ثبت في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا: (تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين يقتلها أولى
_________________
(١) ١ العقيدة الواسطية ص ٦٣.
[ ٢٠٠ ]
الطائفتين بالحق) متفق عليه واللفظ لمسلم١.
* ويعتقدون ما جرى بمن الصحابة هم فيه مجتهدون إما مصيبون ولهم أجر الاجتهاد والإصابة وإما مخطئون ولهم أجر الاجتهاد وخطأهم مغفور.
* قال الأشعري في الإبانة: فأما ما جرى بين علي والزبير وعائشة ﵃ فإنما كان على تأويل واجتهاد، وكلهم من أهل الاجتهاد وقد شهد لهم النبي ﷺ بالجنة والشهادة فدل على أنهم كلهم كانوا على حق في اجتهادهم.
* كذلك ما جرى بين علي ومعاوية ﵄ كان على تأويل واجتهاد وكل الصحابة أئمة مأمونون غير متهمين في الدين وقد أثنى الله ورسوله على جميعهم ويقيدنا بتوقيرهم وتعظيمهم وموالاتهم والتبري من كل من ينقص أحدا منهم رضي الله عن جميعهم٢.
فيجب على المسلم السكوت والإمساك عما شجر بينهم وصيانة لسانه عن ذكر مصائبهم مع إثبات الخلافة لعلي ﵁ والإقرار بأنه أقرب إلى الحق من غيره.
* قال الصابوني: ويرون الكف عما شجر بين أصحاب رسول الله ﷺ وتطهير الألسنة عن ذكر ما يتضمن عيبًا لهم ونقصًا فيهم ويرون قدر أزواجه ﵅ والدعاء لهن ومعرفة فضلهن والإقرار بأنهن أمهات المؤمنين٣.
* وقال شارح الطحاوية: والفتن التي كانت في أيامه قد صان الله عنها أيدينا فنسأل الله أن يصون عنها ألسنتنا بمنه وكرمه٤.
_________________
(١) ١ البخاري كتاب الأدب ما جاء في قول الرجل ويلك ٨/ ٤٧، كتاب التوحيد باب قول الله تعالى تعرج الملائكة إلخ ٩/١٥٤. مسلم: كتاب الزكاة، باب ذكر الخوارج وصفاتهم ٣/ ١٠٦. باب التحريض على قتل الخوارج: ٣/١١٣. ٢ الإبانة: ص ١٩٠. ٣ عقيدة السلف أصحاب الحديث ١٣٠. ٤ شرح العقيدة الطحاوية: ص ٥٤٧.
[ ٢٠١ ]
وذهب الخوارج إلى أن عثمان وعليًا كانا إمامين عادلين وهما على حق في أوائل أمرهما ولكنهما أخطآ في الأخير كفرا بذلك.
* أما عثمان فإنه أحدث بدعًا وجب بها خلعه وإكفاره.
* وأما علي فإنه حكم الرجال مع أنه لا حكم إلا لله فكفر بذلك التحكم واعتلوا بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] . قالوا: إن الله أمر بقتال أهل البغي وترك علي قتالهم لما حكم فكان تاركًا لحكم الله ﷿ مستوجبا للكفر لقوله فأولئك هم الكافرون وكذلك كفروا الحكمين أبا موسى الأشعري وعمرو بن العاص ﵄ ومن وافقهما في تحكيمهما١.
وذكر البغدادي اتفاق الخوارج على تكفير عثمان وعلي والحكمين فقال: إن الذي يجمع الخوارج على افتراق مذاهبها إكفار علي، وعثمان والحكمين وأصحاب الجمل وكل من رضي بتحكيم الحكمين٢.
وقال الشهرستاني في الملل والنحل: اجتمعوا على تكفير عثمان وعلي والتبرؤ منهما٣.
وذكر المقريزي قول الخوارج في الخلفاء فقال: وهم الغلاة في حب أبي بكر وعمر وبغض علي بن أبي طالب رضوان الله عليهم أجمعين، ولا أجهل منهم فإنهم القاسطون المارقون خرجوا على علي ﵁ وانفصلوا بالجملة وتبرؤوا منه٤.
* وقال الرازي في اعتقادات فرق المسلمين: إن سائر فرق الخوارج متفقون على تكفير عثمان وعلي وطلحة والزبير وعائشة كما أنهم يعظمون
_________________
(١) ١ مقالات الإسلاميين ٢/ ٢٦، ١٢٨، الفصل: ٤/ ١٥٣. أصول الدين ص ٢٨٦-٢٨٧، ٢٩٢، مجموع الفتاوى ٣/ ٣٥٥. ٢ الفرق بين الفرق ص ٥٥. ٣ الملل والنحل: ١/ ١١٥. ٤ الخطط والآثار ٢/ ٣٥٤.
[ ٢٠٢ ]
أبا بكر وعمر رضي الله عنهما١.
فالخوارج متفقون على تكفير عثمان وعلي والحكمين- أبي موسى الأشعري وعمرو بن العاص- رضوان الله عليهم أجمعين كما ذكره الأشعري في مقالاته٢.
ثم إنهم اختلوا في كفرهم هل هو كفر شرك أو كفر النعمة فقال قوم: هو كفر شرك، وهم الأزارقة. وقال الآخرون: هو كفر نعمة وليس بكفر شرك، وهم الأباضية٣.
ولكن الخوارج لم يقفوا عند هذا الحد من تكفير عليّ بل جعلوا لعنه -﵁- من شعارهم وعاداتهم، حتى إن قومًا منهم جاوزت سخافة عقولهم الحد فزعموا أن الله تعالى أنزل في حق علي ﵁ ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ ٤.
وهؤلاء صوبوا فعل عبد الرحمن بن ملجم- قاتل علي- وزعموا أن الله تعالى أنزل في حق ابن ملجم- قبحه الله- قوله تعالى ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ ٥.
وفي ذلك يقول عمران بن حطان أحد شيوخ الخوارج وزهادهم في ضربة ابن ملجم لعلي ﵁
يا ضربة من تقى ما أراد بها إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانًا
إني لأذكره يوما فأحبه أوفى البرية عند الله ميزانًا ٦
_________________
(١) ١ اعتقادات فرق المسلمين: ص ٥١. ٢ مقالات الإسلاميين ١/١٥٦. ٣ المرجع السابق ٢/ ١٢٦. ٤ البقرة: ٢٠٤. ٥ البقرة: ٢٠٧. ٦ الاستيعاب ٣/ ١١٢٨، مروج الذهب: ٢/ ٤٢٧. والملل والنحل: ١/١٢٠.
[ ٢٠٣ ]
* وهناك طائفة أخرى- وهم النواصب- الذين بالغوا في حب عثمان ومعاوية ويزيد وقالوا إنهم كانوا أئمة حق وهم أفضل من علي كما أنهم ناصبوا العداء والبغض لأهل البيت عامة ولعلي ﵁ خاصة وقالوا إن عليا لم يكن إمامًا لأنه لم يجتمع عليه الأمة، وإن معاوية كان إمامًا بعد عثمان وبعد معاوية ابنه يزيد، لأن المسلمين اجتمعوا على إمامتهما في وقتهما١.
* قال ابن قتيبة وقد رأيت هؤلاء أيضًا حين رأوا غلو الرافضة في حب علي، وتقديمه على من قدمه رسول الله ﷺ وصحابته عليه وادعائهم له شركة النبي ﷺ في نبوته، وعلم الغيب للأئمة من ولده، تلك الأقاويل والأمور السرية التي جمعت إلى الكذب والكفر إفراط الجهل والغباوة ورأوا شتمهم خيار السلف وبغضهم وتبرأهم منه قابلوا ذلك أيضًا بالغلو في تأخير علي كرم الله وجهه وبخسه حقه ولحنوا في القول وإن لم يصرحوا إلى ظلمه واعتدوا عليه بسفك الدماء بغير حق، ونسبوه إلى الممالأة على قتل عثمان ﵁ وأخرجوه بجهلهم عن أئمة الهدى إلى جملة أئمة الفتن، ولم يوجبوا اسم الخلافة لاختلاف الناس عليه وأوجبوها ليزيد بن معاوية لإجماع الناس عليه واتهموا من ذكره بغير خير٢.
* أما الرافضة فإنها غالت في حب علي ﵁ وأهل البيت كما أنها غالت في بغض الخلفاء الثلاثة -أبي بكر وعمر وعثمان فسبوهم ولعنوهم ثم كفروهم.
* كما أنهم لعنوا وكفروا أم المؤمنين عائشة والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله وجماعة من الصحابة جميعًا سوى عدد قليل وقالوا إنهم- الصحابة- تركوا بيعة علي وبايعوا أبا بكر ثم عمر لأنهم يرون أن عليًا كان
_________________
(١) ١ مقالات الإسلاميين ١/ ١٥٦، ومجموع الفتاوى ٣/ ٤١١، وبه قال الأصم من المعتزلة وبعض أهل الشام. أصول الدين: ص ٢٨٧. ٢ الاختلاف في اللفظ: ص ٢٤٤.
[ ٢٠٤ ]
أحق بالخلافة من الشيخين- أبي بكر وعمر١.
* وقال الشهرستاني في الملل والنحل: ثم إن الإمامية تخطت عن هذه الدرجة إلى الوقيعة في كبار الصحابة طعنًا وتكفيرا وأقله ظلما وعدوانا٢.
* وقال البغدادي في الفرق: أجمع أهل السنة على إيمان المهاجرين والأنصار من الصحابة وهذا خلاف قول من زعم من الرافضة أن الصحابة كفرت بتركها بيعة علي رضي الله عنه٣.
وقال في أصول الدين: "وزعمت الروافض أن طلحة والزبير وعائشة وأتباعهم يوم الجمل كفروا في قتالهم عليًا وكذلك قالوا في معاوية وأصحابه بصفين٤.
وأما جميع طوائف الشيعة بما فيهم من الرافضة فإنهم أجمعوا على أنه لا ولاء إلا ببراء- أي لا يتولى أهل البيت حتى يتبرأ من أبي بكر وعمر وعثمان وغيرهم من كبار الصحابة.
قال الشهرستاني: "أجمعوا على القول بالتولي والتبرؤ قولًا وفعلًا وعقدًا إلا في حالة التقية"٥.
كما اتفقت جميع طوائف الشيعة على لعن الشيخين- أبي بكر وعمر- وجعلوه من شعارهم وعاداتهم، حتى جعلوا هذا اللعن دعاء يدعون به في صلاتهم ويقولون: اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد والعن صنمي قريش وجبتيهما وطاغوتيهما وابنتيهما الخ.
_________________
(١) ١ الفرق ص ٢٢ الوافي للصفدي: ٢/ ٤٧. مختصر التحفة الأثني عشرية ص ٠٢٨٤ الوشية في نقد عقائد الشيعة. ٢ الملل والنحل: ١/ ١٦٤. ٣ الفرق: ص ٣٥٢. ٤ أصول الدين ص. ٢٩. ٥ الملل والنحل: ١/ ١٤٦.
[ ٢٠٥ ]
ويريدون بالجبت والطاغوت أبا بكر وعمر ﵄- وبابنتيهما أم المؤمنين عائشة وأم المؤمنين حفصة رضي الله عنهما١.
* فقد جاء في كتاب أوائل المقالات في المذاهب والمختارات ما نصه: واتفقت الإمامية والزيدية والخوارج على أن الناكثين والقاسطين من أهل البصرة والشام أجمعين كفار ضلال ملعونون بحربهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ وأنهم بذلك في النار مخلدون٢.
* فأهل السنة وسط بين الطرفين الخوارج والنواصب من جهة وبين الرافضة من جهة فإنهم يحبون عثمان وعليا ويؤمنون بأنهما على حق كما أنهم يرون أن الشيخين- أبا بكر وعمر- أفضل منهما لما خصهما الله له من الفضائل فيوالونهم كلهم وينزلونهم منازلهم التي يستحقونها بالعدل والإنصاف.
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وقد كانت الفتنة لما وقعت بقتل عثمان وافتراق الأمة بعده وصار قوم ممن يحب عثمان ويغلو فيه ينحرف عن علي ﵁ مثل كثير من أهل الشام ممن كان إذ ذاك يسب عليًا ﵁ ويبغضه وقوم ممن يحب عليًا ﵁ ويغلو فيه ينحرف عن عثمان ﵁ مثل كثير من أهل العراق ممن كان يبغض عثمان ﵁ ويسبه ثم تغلظت بدعتهم بعد ذلك حتى سبوا أبا بكر ﵁ وعمر ﵁ وزاد البلاء بهم حينئذ والسنة محبة عثمان وعلي جميعًا وتقديم أبا بكر وعمر عليهما لما خصهما الله من الفضائل التي سبقا بها عثمان وعليا جميعا فهذا موضع يجب على المؤمن أن يتثبت فيه ويعتصم بحبل الله فإن السنة مبناها على العلم والعدل والاتباع لكتاب الله وسنة رسوله٣.
_________________
(١) ١ مفتاح الجنان ص ١١٤. عن الخطوط العريضة ص ١٨، مختصر التحفة الاثني عشرية ص ٢٨٥. ٢ أوائل المقالات ص١٠ عن الخطوط العريضة ص ٤٦. ٣ رسالة الوصية الكبرى ص ٥٩-٦٠.
[ ٢٠٦ ]
* كما أن السلف يعظمون جميع الصحابة ولا يسبون أحدًا منهم ولا يطعنون فيهم ويتبرؤون من طريقة الخوارج، والنواصب الذين يكفرون عليًا ويلعنون أهل البيت.
* ومن طريقة الروافض الذين يبغضون الصحابة ويسبونهم بل ويكفرونهم.
الخلاصة:
- أهل السنة يحبون جميع الصحابة وأمهات المؤمنين، ويوالونهم، وينزلونهم منازلهم، ويعرفون لهم قدرهم.
٢- وهم يقدمون في الفضل أبا بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي على ترتيبهم في الخلافة.
٣- يتبرأ أهل السنة من طريقة النواصب والروافض والخوارج وغيرهم في شأن الصحابة.
المناقشة:
١- ما موقف أهل السنة والجماعة من أصحاب النبي ﷺ؟
٢- ماذا تعرف عن الناصبة والرافضة؟
٣- ماذا يجب تجاه من يسب أصحاب النبي ﷺ أو يكفر أحدًا منهم؟
[ ٢٠٧ ]
باب (القول في الخلافة بعد رسوله ﷺ)
١١- وسمعت أبا عروبة الحسين بن أبي معشر السلمي (بحران) قال:
سمعت الميموني يعني عبد الملك بن عبد الحميد يقول: سمعت أحمد بن حنبل وقيل له إلى ما تذهب في الخلافة؟ قال: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي: قال فقيل له: كأنك تذهب إلى حديث سفينة؟ قال: أذهب إلى حديث سفينة وإلى شيء آخر رأيت عليًا في زمن أبي بكر وعمر وعثمان لم يَتَسَمّ بأمير المؤمنين ولم يقم الجمع والحدود، ثم رأيته بعد قتل عثمان قد فعل ذلك فعلمت أنه قد وجب له في ذلك الوقت ما لم يكن قبل ذلك.
_________________
(١) الشرح: ونثبت الخلافة بعد رسول الله ﷺ، لأبي بكر الصديق تفضيلًا له وتقديمًا على سائر الأمة، إذ فضله الرسول ﷺ، وقدمه وألمح إلى خلافته في عدة أحاديث، وهو أولى الأمة بالفضل والتقديم، وقد اتفق المسلمون على بيعته يوم السقيفة ومن بعده عمر بن الخطاب ﵁- حيث استخلفه أبو بكر على الناس، وهما صاحبا رسول الله ﷺ، ومن بعده عثمان بن عفان ذو النورين﵁- زوج ابنتي رسول الله ﷺ، ومن بعده علي بن أبي طالب﵁- ابن عمه﵁- وزوج فاطمة بنت الرسول ﷺ، وهؤلاء الأربعة هم أفضل الصحابة، وهم الخلفاء الراشدون، والأئمة المهتدون، الذين أوصى رسول ﷺ، بإتباع سنتهم. ١ هذا التبويب وضعته بما يلائم فحوى الفصل، وإلا فهو موجود في الكتاب أصلًا بعنوان (باب) دون أي زيادة.
[ ٢٠٨ ]
الخلاصة:
١- يثبت أهل السنة والجماعة الخلافة بعد رسول الله ﷺ لأبي بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي.
٢- يفضل أهل السنة هؤلاء الأربعة على غيرهم من الأمة، ويجعلون فضلهم على حسب ترتيبهم في الخلافة.
المناقشة:
١- من هم الخلفاء الراشدون بعد رسول الله ﷺ؟
من هو أفضل الأمة بعد رسول الله ﷺ؟ ومن الذي يليه؟
[ ٢٠٩ ]
باب محبة أئمة السلف١
وإذا رأيت الرجل يحب سفيان الثوري ومالك بن أنس وأيوب السختياني وعبد الله بن عوف ويونس بن عبيد وسليمان التيمي وشريكًا وأبا الأحوص والفضيل بن عياض وسفيان بن عيينة والليث بن سعد وابن المبارك ووكيع بن الجراح ويحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي ويحيى بن يحيى وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه فاعلم أنه على الطريق.
_________________
(١) الشرح: * العلماء السابقون، من الصحابة والتابعين، أهل الصلاح وأتباع السنن وأهل الفقه، ولا نذكرهم إلا بالجميل والثناء ومن ذكرهم بسوء فهو على سبيل الضلالة، فإن محبتهم واجبة، ولحومهم مسمومة لمن ذكرهم بسوء، ومحبتهم من علامات كون الرجل صاحب حق وسنة. وقد قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر: ١٠] وهؤلاء المذكورون من أئمة السنة والهدى، ومحبتهم دليل على محبة الهدى، وبغضهم دليل على بغضه، والواجب على المؤمن أن يحبهم، فإنه من الحب في الله، وهو أوثق عرى الإيمان. ١ هذا التبويب من عندي بما يعبر عن مضمون الباب.
[ ٢١٠ ]
باب علامات أهل البدع وحكم الصلاة خلفهم١
إذا رأيت الرجل يقول هؤلاء الشكاك فاحذروه فإنه على غير الطريق.
وإذا قال المشبهة فاحذروه فإنه جهمي، وإذا قال المجبرة فاحذروه فإنه قدري. والإيمان يتفاضل، والإيمان قول وعمل ونية والصلاة من الإيمان، والزكاة من الإيمان، ونقول الناس عندنا مؤمنون بالاسم الذي سماهم الله والإقرار والحدود والمواريث والعدل ولا نقول ولا يقول عبد الله ولا بقوله كإيمان جبريل وميكائيل لأن إيمانهما متقبل. ولا يصلى خلف القدري ولا الرافضي ولا الجهمي ومن قال إن هذه الآية مخلوقة فهو كافر ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ ٢ وما كان الله ليأمر موسى أن يعبد مخلوقًا.
_________________
(١) الشرح: من علامات أهل البدع أنهم يكرهون السنة وأهلها وأئمتها، ويرمونهم بالألقاب السيئة تنفيرًا للناس منهم، كما هو دأب الجهمية المعطلة والقدرية والمرجئة والأشعرية والماتريدية والقبوربة والصوفية وغيرهم من أصناف المبتدعة. والإيمان تصديق بالجنان وإقرار باللسان وعمل بالأركان والصلاة والزكاة والحج وجميع الأعمال حتى إماطة الأذى عن الطريق. كل ذلك داخل في مسمى الإيمان. ولا بد من إقامة الحدود والمواريث والعدل، ولا يصلى خلف القدرية والروافض والجهمية، فمن قال إن قوله تعالى: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ مخلوق فهو كافر لأنه ظن أن هذا القول خرج من الشجرة ولأنه تعالى لم يأمر موسى أن يعبد مخلوقا. ١ هذا التبويب كذلك وضعته بما يناسب مضمون الباب. ٢ سورة طه: ١٤.
[ ٢١١ ]
باب (في ترك الجدال في الدين)
* وترك الجدال والمراء والخصومات في الدين.
_________________
(١) الشرح: قال النبي ﷺ: "ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه، إلا أوتوا الجدل" ٢ ثم قرأ قوله تعالى: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ ٣، ولكن يجوز للمسلم أن يجادل أهل الباطل بالحسنى إن رجا منهم الاستجابة للحق والرجوع إليه وترك كل ما أحدثه المحدثون، فإنه قد ثبت في الحديث أن كل محدثة بدعة، وقد لعن النبي ﷺ من أحدث حدثًا أو آوى محدثًا، والإحداث في الدين بغير إذن الله تبديل للشريعة، وفي الكتاب: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ ٤، فلا يجوز الابتداع في دين الله- تعالى- بحال، بل يجب على الإنسان هجران البدع ولزوم السنن فإن الرد على أهل البدع وقمع شبهاتهم وكسر جموعهم وبغضهم وعداوتهم، ومناصرة السنن وأهلها من أعظم الجهاد في سبيل الله ومن أجل الطاعات لله ﷿، ولذلك فسوف درسًا وتدريسًا وتأليفًا لأن اللين على أهل البدع يسبب تقوية شوكتهم، وظهور أمرهم ورفع رؤوسهم فضلًا عن موالاتهم ومناصرتهم. ١ وهذا التبويب كذلك من عندي بما يناسب فحوى الكتاب. ٢ الحديث أخرجه أحمد (٥/ ٢٥٢، ٢٥٦) والترمذي وابن ماجة والحاكم وغيرهم من حديث أبي أمامة مرفوعًا وحسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير (٢/ ٩٨٤/٥٦٣٣) . وتخريج المشكاة ١/٦٤. ٣ سورة الزخرف، الآية: ٥٨. ٤ سورة الشورى، الآية: ٢١.
[ ٢١٢ ]