(القرآن كلام الله على الحقيقة غير مخلوق) * ويقولون إن القرآن كلام الله غير مخلوق.
الشرح: أجمل المؤلف رحمه الله تعالى مذهب أهل الحديث أئمة السنة في هذه المسألة الخطيرة التي ضل فيها طوائف وفرق عديدة، وحُبس الإمام أحمد بن حنبل من أجل أنه امتنع أن يقول إن القرآن مخلوق، كما أوذي غيره من علماء السنة بسببها من المأمون والمعتصم ومن بعده.
وقد بسط الإمام الحافظ أبو بكر الإسماعيلي والصابوني من بعده والتيمي واللالكائي بيان مذهب أصحاب الحديث، فقد قال أبو بكر الإسماعيلي في كتابه اعتقاد أئمة أهل الحديث [ص (٥٧)]: (ويقولون: إن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأنه كيفما يُصرف بقراءة القارئ له بلفظه، ومحفوظا في الصدور، متلوًّا بالألسن، مكتوبا في المصاحف، غير مخلوق، ومن قال بخلق اللفظ بالقرآن يريد به القرآن فهو قد قال بخلق القرآن) .
قال التيمي [١ / ٣٦٨]: (قال أصحاب الحديث وأهل السنة: إن القرآن المكتوب الموجود في المصاحف،
[ ٦٤ ]
والمحفوظ الموجود في القلوب، هو حقيقة كلام الله ﷿ بخلاف ما زعم قوم أنه عبارة عن حقيقة الكلام القائم بذات الله ﷿ ودلالة عليه، والذي هو في المصحف محدث وحروف مخلوقة، ومذهب أهل السنة وفقهائهم أنه الذي تكلم الله به، وسمعه جبريل من الله وأدى جبريل إلى النبي ﷺ وتحدى به النبي ﷺ. . .) .
فالحاصل أن مذهب أهل السنة في القرآن هو أن القرآن بلفظه ومعناه كلام الله حقيقة، تكلم به، وسمع منه جبريل، وسمع من جبريل رسول الله ﷺ، وسمع الصحابة من الرسول ﷺ، وأن الله تعالى تكلم بصوت يسمع، وكما أنه له ذات لا تشبه الذوات، فكذا صفاته لا تشبه الصفات وكذلك صوته لا يشبه صوت أحد من خلقه، ونحن نتكلم بالقرآن بأصواتنا، فأصواتنا مخلوقة ولكن كلام الله تعالى غير مخلوق.
وأما الأشعرية والماتريدية فقالوا: كلام الله كلام نفسي بدون حرف ولا صوت ولا يتجزأ ولا يتبعَّض، وليس فيه أمر ولا نهي، ولا خبر ولا استخبار، أما التوراة والإنجيل والقرآن فليس كلام الله على الحقيقة بل هو مخلوق وهو كلام الله مجازا لأنه دال على كلام الله النفسي.
[ ٦٥ ]
واختلف الماتريدية عن الأشعرية بأن قالوا: كلام الله النفسي لا يسمع، فموسى وغيره من الأنبياء لم يسمعوا كلام الله وإنما سمعوا صوتا مخلوقا في الشجرة، أما الأشعرية فقد قالوا: كلام الله النفسي يسمع، فكلامهم هذا أبعد عن النقل والعقل لذلك قال كثير من الأشعرية إن معنى سمع كلام الله أي فهم كلام الله لعلمهم أن القول بسماع الكلام النفسي سفه وتغفيل.
فالحاصل أن الجهمية الأولى والكلابية والماتريدية والأشعرية كلهم متفقون ومجمعون على أن هذا القرآن العربي مخلوق وليس كلام الله على الحقيقة (١) .
_________________
(١) انظر: كتاب التوحيد للماتريدي (٥٩)، تبصرة الأدلة (١٢٦)، المسايرة (٨٠: ٨١)، وإشارات المرام (٥٥، ١٨١: ١٨٢)، والإرشاد للجويني (١٢٩: ١٣٠)، وانظر: خلق أفعال العباد (١٤٩)، ودرء تعارض العقل والنقل (٤٠، ٩٣)، ومجموع الفتاوى (١٢ / ٣٠٤: ٣٠٥، ٣٦٥، ٥٨٤: ٥٨٦) .
[ ٦٦ ]