١ - أخرج البيهقي عن الربيع بن سليمان قال: «قال الشافعي: من حلف بالله أو باسم من أسمائه فحنث فعليه الكفارة، ومن حلف بشيء غير الله مثل أن يقول الرجل: والكعبة وأبي وكذا وكذا ما كان، فحنث فلا كفارة عليه، ومثل ذلك قوله لعمري لا كفارة عليه ويمين بغير الله فهي مكروهة منهي عنها من قبل قول الرسول - ﷺ -: «إن الله ﷿ نهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفًا فليحلف بالله أو ليسكت» (١) » (٢).
وعلل الشافعي لذلك بأن أسماء الله غير مخلوقة، فمن حلف
_________________
(١) أخرجه البخاري كتاب الإيمان والنذور، باب لا تحلفوا بآبائكم (١١/ ٥٣٠)، ومسلم كتاب الإيمان باب النهي عن الحلف بغير الله (٣/ ١٢٦٦) ح (١٦٤٦).
(٢) مناقب الشافعي (١/ ٤٠٥).
[ ٣٩ ]
باسم الله فحنث فعليه الكفارة (١).
٢ - وأورد ابن القيم في اجتماع الجيوش عن الشافعي أنه قال: «القول في السنة التي أنا عليها ورأيت أصحابنا عليها أهل الحديث الذين رأيتهم وأخذت عنهم مثل سفيان ومالك وغيرهما الإقرار بشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله وأن الله تعالى على عرشه في سمائه يقرب من خلقه كيف شاء وأن الله تعالى ينزل إلى سماء الدنيا كيف شاء» (٢).
٣ - وأورد الذهبي عن المزني قال: «قلت: إن كان أحد يخرج ما في ضميري وما تعلق به خاطري في أمر التوحيد فالشافعي؛ فصرت إليه وهو في مسجد مصر، فلما جثوتُ بين يديه قلت: هجس في ضميري مسألة في التوحيد فعلمت أن أحدًا لا يعلم علمك فما الذي عندك؟
_________________
(١) رواه أبن أبي حاتم في آداب الشافعي ص١٩٣، وأبو نعيم في الحلية (٩/ ١١٢، ١١٣)، والبيهقي في السنن الكبرى (١٠/ ٢٨)، وفي الأسماء والصفات ص٢٥٥، ٢٥٦، وذكره البغوي في شرح السنة (١/ ١٨٨)، وانظر العلو ص١٢١، ومختصره ص٧٧.
(٢) اجتماع الجيوش الإسلامية ص١٦٥، إثبات صفة العلو ص١٢٤، وانظر مجموع الفتاوى (٤/ ١٨١ - ١٨٣)، والعلو للذهبي ص١٢٠، ومختصره للألباني ص١٧٦.
[ ٤٠ ]
فغضب ثم قال: أتدري أين أنت؟ قلت: نعم. قال: هذا الموضع الذي أغرق الله فيه فرعون، أبلغك أن رسول الله - ﷺ -، أمر بالسؤال عن ذلك؟ قلت: لا. قال: هل تكلم فيه الصحابة؟ قلت: لا، قال: تدري كم نجمًا في السماء؟ قلت: لا، قال: فكوكب منها تعرف جنسه، طلوعه، أفوله، مم خُلق؟ قلت: لا، قال: فشيء تراه يعينك من الخلق لست تعرفه تتكلم في علم خالقه؟
ثم سألني عن مسألة في الوضوء فأخطأت فيها ففرعها على أربعة أوجه فلم أُصِبْ في شيء منه فقال: شيء تحتاج إليه في اليوم خمس مرات تدع علمه وتتكلف علم الخالق إذا هجس في ضميرك ذلك فارجع إلى قول الله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٣، ١٦٤]. فاستدل بالمخلوق على الخالق ولا تتكلف على ما لم يبلغه عقلك (١).
٤ - وأخرج ابن عبد البر عن يونس بن عبد الأعلى (٢) قال:
_________________
(١) سير أعلام النبلاء (١٠/ ٣١).
(٢) هو يونس بن عبد الأعلى بن ميسرة الصدفي الصمري قال عنه ابن حجر: «ثقة من صغار العاشرة مات سنة ٢٦٤هـ»، تقريب التهذيب (٢/ ٣٨٥)، وانظر ترجمته في شذرات الذهب (٢/ ١٤٩)، وطبقات الشافعية لابن هداية الله ص٢٨.
[ ٤١ ]
«سمعت الشافعي يقول: إذا سمعت الرجل يقول الاسم غير المسمى أو الشيء غير الشيء فاشهد عليه بالزندقة» (١).
٥ - وقال الشافعي في كتابه الرسالة: «والحمد لله الذي هو كما وصف به نفسه وفوق ما يصفه به خلقه» (٢).
٦ - وأورد الذهبي في السير عن الشافعي أنه قال: «نثبت هذه الصفات التي جاء بها القرآن ووردت بها السنة وننفي التشبيه عنه كما نفى عن نفسه فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾
[الشورى: ١١]» (٣).
٧ - وأخرج ابن عبد البر عن الربيع بن سليمان قال: «سمعت الشافعي يقول في قول الله ﷿: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥]. أعلمنا بذلك أن ثم قومًا غير
_________________
(١) الانتقاء ص٧٩، ومجموع الفتاوى (٦/ ١٨٧).
(٢) الرسالة ص٧، ٨.
(٣) السير (٢٠/ ٣٤١).
[ ٤٢ ]
محجوبين ينظرون إليه لا يضامون في رؤيته» (١).
٨ - وأخرج اللالكائي عن الربيع بن سليمان قال: «حضرت محمد بن إدريس الشافعي جاءته رقعة من الصعيد فيها: ما تقول في قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ قال الشافعي: فلما حجبوا هؤلاء في السخط كان هذا دليلًا على أنهم يرونه في الرضا قال الربيع: قلت: يا أبا عبد الله وبه تقول؟ قال: نعم به أدين الله» (٢).
٩ - وأخرج ابن عبد البر عن الجارودي (٣) قال: «ذكر عند الشافعي إبراهيم بن إسماعيل ابن علية (٤) فقال: أنا مخالف له في كل شيء وفي قول لا إله إلا الله لست أقول كما يقول،
_________________
(١) الانتقاء ص٧٩.
(٢) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٢/ ٥٠٦).
(٣) لعله موسى بن أبي الجارود قال عنه النووي: «أحد أصحاب الشافعي والآخذين عنه والرواة عنه»، وقال ابن هبة الله: «كان يفتي بمكة على مذهب الشافعي ولا يعلم تاريخ وفاته»، تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ١٢٠)، وطبقات الشافعي لابن هداية الله ص٢٩.
(٤) هو إبراهيم بن إسماعيل ابن علية قال عنه الذهبي: «جهمي هالك كان يناظر ويقول بخلق القرآن مات سنة ٢١٨هـ»، ميزان الاعتدال (١/ ٢٠)، وانظر ترجمته في لسان الميزان (١/ ٣٤، ٣٥).
[ ٤٣ ]
أنا أقول: لا إله إلا الله الذي كلّم موسى ﵇ تكليمًا من وراء حجاب وذلك يقول لا إله إلا الله الذي خلق كلامًا أسمعه موسى من وراء حجاب» (١).
١٠ - وأخرج اللالكائي عن الربيع بن سليمان، قال الشافعي: «من قال القرآن مخلوق فهو كافر» (٢).
١١ - وأخرج البيهقي عن أبي محمد الزبيري قال: «قال رجل للشافعي أخبرني عن القرآن خالق هو؟ قال الشافعي: اللهم لا. قال: فمخلوق؟ قال الشافعي: اللهم لا. قال: فغير مخلوق؟ قال الشافعي: اللهم نعم. قال: فما الدليل على أنه غير مخلوق؟ فرفع الشافعي رأسه وقال: تُقر بأن القرآن كلام الله، قال: نعم. قال الشافعي: سبقت في هذه الكلمة قال الله تعالى ذكره: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦]، ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤].
قال الشافعي: فتقر
_________________
(١) الانتقاء ص٧٩، والقصة ذكرها الحافظ عن مناقب الشافعي للبيهقي، اللسان (١/ ٣٥).
(٢) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (١/ ٢٥٢).
[ ٤٤ ]
بأن الله كان وكان كلامه؟ أو كان الله ولم يكن كلامه؟ فقال الرجل: بل كان الله وكان كلامه. قال: فتبسم الشافعي وقال: يا كوفيون إنكم لتأتوني بعظيم من القول إذا كنتم تقرون بأن الله كان قبل القبل وكان كلامه فمن أين لكم الكلام: إن الكلام الله، أو سوى الله، أو غير الله، أو دون الله؟ قال: فسكت الرجل وخرج» (١).
١٢ - وفي جزء الاعتقاد المنسوب للشافعي - من رواية أبي طالب العشاري (٢) - ما نصّه قال: وقد سُئل عن صفات الله ﷿ وما ينبغي أن يؤمن به، فقال: «لله ﵎ أسماء وصفات جاء بها كتابه وأخبر بها نبيه - ﷺ -، أمته
_________________
(١) مناقب الشافعي (١/ ٤٠٧، ٤٠٨).
(٢) هو محمد بن علي العشاري شيخ صدوق معروف، وقد تفرد برواية هذا الجزء وهو مما أدخل عليه فحدّث به بسلامة باطن قاله الذهبي في الميزان (٣/ ٦٥٦)، لكن اعتمد غير واحد من السلف ما هو مثبت في هذه العقيدة كالموفق بن قدامة في كتاب صفة العلو ص١٢٤، وابن أبي يعلى في الطبقات (١/ ٣٨٢)، وابن القيم في اجتماع الجيوش ص١٦٥، والذهبي نفسه في السير (١٠/ ٧٩)، ثم إن هذه الرسالة التي سأنقلها بنصها قد قرئت على الإمام الحافظ ابن نصر الدمشقي ونقلها جميعها ابن أبي يعلى في الطبقات وسأثبت الفروق بينهما.
[ ٤٥ ]
لا يسع (١) أحدًا من خلق الله ﷿ قامت لديه (٢) الحجة إن القرآن نزل به وصحيح عنده (٣) قول النبي - ﷺ -، فيما روى عنه العدل خلافه (٤) فإن خالف ذلك بعد ثبوت الحجة عليه فهو كافر بالله (٥) ﷿، فأما قبل ثبوت الحجة عليه من جهة الخبر فمعذور بالجهل لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل ولا بالدراية (٦) والفكر.
ونحو ذلك إخبار الله ﷿ أنه سميع وأن له يدين بقوله ﷿: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]، وأن له يمينًا بقوله ﷿: ﴿وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]، وإن له وجهًا بقوله ﷿: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]، وقوله:
_________________
(١) في الطبقات: (لا يسمع).
(٢) في الطبقات: (عليه).
(٣) في الطبقات: (عنه بقوله).
(٤) في الطبقات: (سقطت كلمة خلافة).
(٥) في الطبقات: (فهو بالله كافر).
(٦) في الطبقات: (ولا بالرواية).
[ ٤٦ ]
﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧]، وأن له قدمًا بقوله - ﷺ -: «حتى يضع الرب ﷿ فيها قدمه» (١) يعني جهنم لقوله - ﷺ -، للذي قتل في سبيل الله ﷿ أنه: «لقي الله ﷿ وهو يضحك إليه» (٢) وأنه يهبط كل ليلة إلى السماء الدنيا بخبر رسول الله - ﷺ -، بذلك وأنه ليس بأعور لقول النبي - ﷺ - إذ ذكر الدجال فقال: «إنه أعور وإن ربكم ليس بأعور» (٣).
وإن المؤمنين يرون ربهم
_________________
(١) أخرجه البخاري كتاب التفسير باب: «وتقول هل من مزيد» (٨/ ٥٩٤) ح (٤٨٤٨)، ومسلم كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء (٤/ ٢١٨٧) ح (٢٨٤٨) كلاهما من طريق قتادة عن أنس بن مالك.
(٢) أخرجه البخاري كتاب الجهاد باب الكافر يقتل المسلم (٦/ ٣٩) ح (٢٨٢٦)، ومسلم كتاب الإمارة باب بيان الرجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة (٣/ ١٥٠٤) ح (١٨٩٠) كلاهما من طريق الأعرج عن أبي هريرة.
(٣) أخرجه البخاري كتاب الفتن باب ذكر الدجال (١٣/ ٩١) ح (٧١٣١)، ومسلم كتاب الفتن وأشراط الساعة باب ذكر الدجال وصفته (٤/ ٢٢٤٨) ح (٢٩٣٣) كلاهما من طريق قتادة عن أنس بن مالك.
[ ٤٧ ]
﷿ يوم القيامة بأبصارهم كما يرون القمر ليلة البدر وإن له أصبعًا بقوله - ﷺ -: «ما من قلب إلا هو بين أصبعين من أصابع الرحمن ﷿» (١).
وإن (٢) هذه المعاني التي وصف الله ﷿ بها نفسه ووصفه بها رسوله - ﷺ -، لا يدرك (٣) حقه (٤) ذلك بالفكر والدراية (٥) ولا يكفر بجهلها أحد إلا بعد انتهاء الخبر إليه وإن (٦) كان الوارد بذلك خبرًا يقوم في الفهم مقام
_________________
(١) أخرجه بنحو هذا اللفظ أحمد في المسند (٤/ ١٨٢)، وابن ماجه في المقدمة باب: فيما أنكرت الجهمية (١/ ٧٢) ح (١٩٩) والحاكم في المستدرك (١/ ٥٢٥)، والآجري في الشريعة ص (٣١٧) وابن منده في الرد على الجهمية ص٨٧، جميعهم من حديث النواس بن سمعان قال الحاكم: «صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه»، وأقره الذهبي في التلخيص، وقال عنه ابن منده: «حديث النواس بن سمعان حديث ثابت رواه الأئمة المشاهير ممن لا يمكن الطعن على واحد منهم».
(٢) في الطبقات: (فإن).
(٣) في الطبقات: (مما لا يدرك).
(٤) في الطبقات: (حقيقته).
(٥) في الطبقات: (والروية).
(٦) في الطبقات: (فإن كان).
[ ٤٨ ]
المشاهدة في السماع «وجبت الدينونة» (١) على سامعه بحقيقته والشهادة عليه كما عاين وسمع من رسول الله - ﷺ -، ولكن نثبت (٢) هذه الصفات وننفي (٣) التشبيه كما نفى ذلك عن نفسه تعالى ذكره فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] (٤) آخر الاعتقاد.