ومن هنا يغلط كثير من الناس، فإنهم يبلغهم أن بعض الأعيان من الصالحين عبدوا عبادة، أو دعوا دعاء، ووجدوا أثر تلك العبادة وذلك الدعاء، فيجعلون ذلك دليلا على استحسان تلك العبادة والدعاء، ويجعلون ذلك العمل سنة، كأنه قد فعله نبي، وهذا غلط، لما ذكرناه. خصوصا إذا كان ذلك العمل إنما كان أثره بصدق قام بقلب فاعله حين الفعل، ثم يفعله الأتباع صورة لا صدقا، فيضرون به (٦) لأنه ليس العمل مشروعا فيكون (٧) لهم ثواب
_________________
(١) في (ب): زاد " قد يغفر تلك الكراهية ".
(٢) علم: ساقطة من (أ) .
(٣) في (د): الكراهية.
(٤) في (ب): منهي عنه.
(٥) في (د): للعين.
(٦) في المطبوعة: فيضربون به.
(٧) في المطبوعة: فلا يكون.
[ ٢ / ٢١٥ ]
المتبعين، ولا قام بهم (١) صدق ذلك الفاعل الذي (٢) لعله بصدق الطلب وصحة القصد يكفر عن الفاعل.
ومن هذا الباب ما يحكى من آثار لبعض الشيوخ، حصلت في السماع المبتدع، فإن (٣) تلك الآثار، إنما كانت عن أحوال قامت بقلوب أولئك الرجال، حركها محرك كانوا في سماعه إما مجتهدين، وإما (٤) مقصرين تقصيرا غمره حسنات قصدهم، فيأخذ الأتباع حضور صورة السماع وليس حضور أولئك الرجال سنة تتبع، ولا مع المقتدين (٥) من الصدق والقصد ما لأجله عذروا، أو غفر لهم، فيهلكون بذلك.
وكما يحكى عن بعض الشيوخ، أنه رئي بعد موته، فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: أوقفني بين يديه وقال لي: يا شيخ السوء، أنت الذي كنت تتمثل بسُعدى ولُبنى؟ لولا أني (٦) أعلم أنك صادق لعذبتك.
فإذا سمعت دعاء، أو مناجاة مكروهة في الشرع قد قضيت حاجة صاحبها (٧) فكثير ما يكون من هذا الباب. ولهذا كان الأئمة، العلماء بشريعة الله، يكرهون هذا من أصحابهم وإن وجد أصحابهم أثره، كما يحكى عن سمنون (٨) المحب قال: وقع في قلبي شيء من هذه الآيات، إلى دجلة.
_________________
(١) في (ب): به.
(٢) في جميع النسخ: سقطت (الذي) وما أثبته من المطبوعة، وهو أنسب للسياق.
(٣) في (ج د): فإنما.
(٤) في (ط): أو مقصرين.
(٥) في المطبوعة: وليس مع المقلدين.
(٦) أني: سقطت من المطبوعة.
(٧) في المطبوعة: فاعلم أن كثيرا منها ما يكون.
(٨) في المطبوعة: سحنون. والصحيح (سمنون) كما هو مثبت. وهو: سمنون بن حمزة الخواص، صوفي شاعر، سمى نفسه سمنون الكذاب! سكن بغداد وتوفي بها سنة (٢٩٠هـ) . انظر: حلية الأولياء لأبي نعيم (١٠ / ٣٠٩، ٣١٢)، (ت ٥٨١)؛ والأعلام للزركلي (٣ / ١٤٠)؛ ومجموع الفتاوى للمؤلف (١٠ / ٦٩٠، ٦٩١، ٦٩٣) حيث ذكر طرفا من أحواله.
[ ٢ / ٢١٦ ]
فقلت: وعزتك لا أذهب حتى يخرج لي حوت. فخرج حوت عظيم، أو كما قال. قال: فبلغ ذلك الجنيد، فقال: كنت أحب أن تخرج إليه حية فتقتله.
وكذلك حكي لنا أن بعض المجاورين بالمدينة، جاء إلى عند قبر النبي ﷺ فاشتهى عليه نوعا من الأطعمة، فجاء بعض الهاشميين إليه، فقال: إن النبي ﷺ بعث لك ذلك (١) وقال لك: اخرج من عندنا، فإن من يكون عندنا لا يشتهي مثل هذا. وآخرون قضيت حوائجهم، ولم يقل لهم مثل (٢) هذا، لاجتهادهم أو تقليدهم، أو قصورهم في العلم، فإنه يغفر للجاهل ما لا يغفر لغيره، كما يحكى عن برخ العابد (٣) الذي استسقى في بني إسرائيل.
ولهذا عامة ما يحكى في هذا الباب، إنما هو عن قاصري المعرفة، ولو كان هذا شرعا ودينا لكان أهل المعرفة أولى به. ولا يقال: هؤلاء لما نقصت معرفتهم ساغ لهم ذلك، فإن الله لم يسوغ هذا لأحد، لكن قصور المعرفة قد يرجى معه العفو والمغفرة.
أما استحباب المكروهات، أو إباحة المحرمات، فلا نفرق بين العفو عن
_________________
(١) في المطبوعة: إليك هذا.
(٢) في (أ): من هذا.
(٣) جاء في كتاب التوابين لابن قدامة (ص ٧٩، ٨٠)، أنه: أحد عباد بني إسرائيل، طلب منه موسى ﵇ الاستسقاء، فقال: قدوس قدوس، ما عندك لا يفقد، وخزائنك لا تفنى، وأنت بالبخل لا ترمى، فما هذا الذي لا تعرف به، اسقنا الغيث الساعة الساعة. فانصرفا يخوضان الوحل. نسب ابن قدامة هذه القصة عن ابن البراء في الروضة إلى كعب الأحبار. والله أعلم.
[ ٢ / ٢١٧ ]
الفاعل والمغفرة له، وبين إباحة فعله أو المحبة له (١) سواء كان ذلك متعلقا بنفس الفعل، أو ببعض صفاته.
وقد علمت جماعة ممن سأل حاجته من بعض المقبورين (٢) من الأنبياء والصالحين. فقضيت حاجته، وهو لا يخرج عما ذكرته، وليس ذلك بشرع (٣) فيتبع (٤) ولا سنة وإنما يثبت استحباب الأفعال واتخاذها دينا بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وما كان عليه السابقون الأولون، وما سوى هذه (٥) من الأمور المحدثة فلا يستحب، وإن اشتملت أحيانا على فوائد، لأنا نعلم أن مفاسدها راجحة على فوائدها.
ثم هذا التحريم أو الكراهة المقترنة بالأدعية المكروهة، إما من جهة المطلوب، وإما من جهة نفس الطلب، وكذلك الاستعاذة المحرمة أو المكروهة فكراهتها: إما من جهة المستعاذ منه، وإما من جهة نفس الاستعاذة، فينجون من ذلك (٦) الشر، ويقعون فيما هو أعظم منه.
أما المطلوب المحرم، فمثل أن يسأل ما يضره في (٧) دنياه أو آخرته، وإن كان لا يعلم أنه يضره، فيستجاب له، «كالرجل الذي عاده (٨) النبي ﷺ، فوجده مثل الفرخ فقال: " هل كنت تدعو الله بشيء؟ " قال: كنت أقول: اللهم
_________________
(١) أي أن العفو عن الفاعل والمغفرة له لا تقتضي إباحة فعله ولا محبته، ما لم يكن فعله مباحا بدليل شرعي معتبر.
(٢) في (ط): لبعض.
(٣) في (أ): الشرع.
(٤) في (ط): متبع.
(٥) في المطبوعة: ذلك.
(٦) في (ط): فينجون من الشر.
(٧) من هنا حتى قوله: فيستجاب له (سطر تقريبا): سقط من (أ) .
(٨) في (أ): دعاه.
[ ٢ / ٢١٨ ]
ما كنت معاقبني به في الآخرة فعجله لي (١) في الدنيا. قال: " سبحان الله إنك لا تسطيعه - أو لا تطيقه - هلا قلت: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار؟» (٢) وكأهل جابر بن عتيك (٣) لما مات، فقال النبي ﷺ: «لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون» (٤) .
وقد عاب الله على من يقتصر على طلب الدنيا بقوله: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة: ٢٠٠] (٥) فأخبر أن من لم يطلب إلا الدنيا لم يكن له في الآخرة من (٦) نصيب.
_________________
(١) لي: سقطت من (أ) .
(٢) جاء ذلك في حديث أخرجه مسلم في كتاب الذكر والدعاء، باب كراهية الدعاء بتعجيل العقوبة في الدنيا، الحديث رقم (٢٦٨٨)، (٤ / ٢٠٦٨)، والترمذي في كتاب الدعوات، الباب (٧٢)، الحديث رقم (٣٤٨٧)، (٤ / ٥٢١ - ٥٢٢)، وأحمد في مسنده (٣ / ١٠٧، ٢٨٨) .
(٣) جاء هذا الاسم لثلاثة من الصحابة ذكرهم ابن حجر في الإصابة منهم: جابر بن عتيك بن الحارث بن هيشة وهذا عاش حتى سنة (٦١هـ)، ولم يمت في عهد النبي صلي الله عليه وعلى آله وسلم، والثاني جابر بن عتيك بن النعمان بن عتيك الأنصاري. والثالث جابر بن عتيك بن قيس بن الأسود بن مري بن كعب الأنصاري السلمي. ولست أدري أيهما الثاني أو الثالث - يعني المؤلف - ولم أجد ما يرجح، كما أني لم أجد أن للحديث هذا صلة بجابر بن عتيك، والله أعلم. انظر: الإصابة (١ / ٢١٤ - ٢١٥)، (ت ١٠٣٠، ١٠٣١، ١٠٣٢)؛ وأسد الغابة (١ / ٢٥٨، ٢٥٩) .
(٤) وجدت هذا اللفظ في كثير من كتب السنة، لكن لم أجده مقرونا بموت جابر بن عتيك، وإنما جاء في قصة موت أبي سلمة، وأنه لما مات ضج ناس من أهله فقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: " لا تدعوا على أنفسكم " الحديث. أخرجه مسلم في كتاب الجنائز، باب إغماض الميت والدعاء له إذا حضر، الحديث رقم (٩٢٠)، (٢ / ٦٣٤) .
(٥) سورة البقرة: الآية ٢٠٠.
(٦) من: ساقطة من (ب ط) .
[ ٢ / ٢١٩ ]
ومثل أن يدعو على غيره دعاء منهيا عنه، كدعاء بلعم بن باعور على قوم موسى ﵇، وهذا قد يبتلى به كثير من العباد أرباب القلوب، فإنه قد يغلب على أحدهم ما يجده من حب أو بغض لأشخاص، فيدعو لأقوام وعلى أقوام بما لا يصلح، فيستجاب له، ويستحق العقوبة على ذلك الدعاء، كما يستحقها على سائر الذنوب، فإن لم يحصل له ما يمحوه، من توبة أو حسنات ماحية، أو شفاعة غيره، أو غير ذلك، وإلا فقد يعاقب، إما بأن يسلب ما كان عنده من ذوق طعم الإيمان ووجود حلاوته، فينزل عن درجته، وإما أن يسلب عمل الإيمان، فيصير فاسقا، وإما بأن يسلب أصل الإيمان، فيصير كافرا منافقا، أو غير (١) منافق.
وما أكثر ما يبتلى بمثل هذا (٢) المتأخرون من أرباب الأحوال القلبية، بسبب عدم فقههم في أحوال قلوبهم، وعدم معرفة شريعة الله في أعمال القلوب، وربما غلب على أحدهم حال قلبه، حتى لا يمكنه صرفه عما توجه إليه، فيبقى ما يخرج منه مثل السهم الخارج من القوس. وهذه الغلبة إنما تقع غالبا بسبب التقصير في الأعمال المشروعة، التي تحفظ حال (٣) القلب، فيؤاخذ على ذلك، وقد تقع بسبب اجتهاد يخطئ صاحبه، فتقع معفوا عنها.
ثم من غرور هؤلاء وأشباههم، اعتقادهم أن استجابة مثل هذا الدعاء كرامة من الله تعالى لعبده، وليس في الحقيقة كرامة، وإنما تشبه الكرامة من جهة أنها دعوة نافذة، وسلطان قاهر (٤) . وإنما الكرامة في الحقيقة: ما نفعت في الآخرة، أو نفعت في الدنيا ولم تضر في الآخرة، وإنما هذا
_________________
(١) غير: ساقطة من (أ) .
(٢) في (أط): بهذا.
(٣) حال: ساقطة من (ط) .
(٤) في المطبوعة: من جهة كونها دعوة نافذة وسلطانا قاهرا.
[ ٢ / ٢٢٠ ]
بمنزلة ما ينعم به (١) الكفار والفساق، من الرياسات والأموال في الدنيا، فإنها إنما تصير نعمة حقيقية، إذا لم تضر صاحبها في الآخرة، ولهذا اختلف أصحابنا وغيرهم من العلماء: هل ما ينعم به الكافر، نعمة أو ليس (٢) بنعمة؟ وإن كان الخلاف لفظيا. قال الله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ - نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٥ - ٥٦] (٣) وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤] (٤) .
وفي الحديث: «إذا رأيت الله ينعم على العبد مع إقامته على معصيته، فإنما هو استدراج يستدرجه» (٥) " (٦) .
ومثال هذا في الاستعاذة: «قول المرأة التي جاء (٧) النبي ﷺ ليخطبها فقالت: أعوذ بالله منك، فقال: " لقد عذت بمعاذ ". ثم انصرف عنها، فقيل
_________________
(١) في المطبوعة: ينعم الله به على الكفار.
(٢) في (ط) وفي المطبوعة: أم ليس. وما أثبته أصح، لأن (أم) لا تقع بعد (هل)؛ لأن كلا منهما حرف استفهام، ولا يدخل الاستفهام على الاستفهام. انظر: أوضح المسالك (ص ٥٠٠) .
(٣) سورة المؤمنون: الآيتان ٥٥، ٥٦.
(٤) سورة الأنعام: الآية ٤٤.
(٥) في المطبوعة: يستدرجه به.
(٦) جاء نحو هذا في حديث أخرجه أحمد في المسند عن عقبة بن عامر ولفظه: " إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب. فإنما هو استدراج " الحديث. المسند (٤ / ١٤٥) . وذكره السيوطي في الجامع الصغير (١ / ٩٧)، الحديث رقم (٦٢٩)، وقال: حديث حسن. وأخرجه ابن جرير في تفسير الآية التي ذكرها المؤلف، سورة الأنعام: الآية ٤٤. انظر تفسير ابن جرير (٧ / ١٢٤) .
(٧) في المطبوعة: جاءت ليخطبها.
[ ٢ / ٢٢١ ]
لها: إن هذا النبي ﷺ، فقالت: أنا كنت أشقى من ذلك» (١) ".
وأما التحريم من جهة الطلب: فيكون تارة لأنه دعاء لغير الله، مثل ما يفعله السحرة من مخاطبة الكواكب، وعبادتها ونحو ذلك، فإنه قد يقتضي عقب ذلك أنواعا من القضاء، إذا لم يعارضه معارض، من دعاء أهل الإيمان وعبادتهم، أو غير ذلك ولهذا تنفذ هذه الأمور في أزمان فترة الرسل، وفي بلاد الكفر والنفاق، ما لا تنفذ في دار الإيمان (٢) وزمانه.
ومن هذا: أني أعرف رجالا يستغيثون ببعض الأحياء في شدائد (٣) تنزل بهم، فيفرج عنهم، وربما يعاينون أمورا، وذلك الحي المستغاث به لم يشعر بذلك، ولا علم به البتة، وفيهم من يدعو على أقوام، أو يتوجه في إيذائهم، فيرى بعض الأحياء (٤) أو بعض الأموات يحول بينه وبين إيذاء أولئك، وربما رآه ضاربا له بسيف، وإن كان الحايل (٥) لا شعور له بذلك، وإنما ذلك من فعل الله سبحانه، بسبب يكون بين المقصود وبين الرجل الدافع، من اتباع له، وطاعته فيما يأمره من طاعة الله، ونحو ذلك. فهذا قريب.
وقد يجري لعباد الأصنام أحيانا من الجنس المحرم، (٦) محنة من الله، بما تفعله الشياطين لأعوانهم، فإذا كان الأثر قد يحصل عقب دعاء من قد (٧) تيقن أنه لم يسمع الدعاء، فكيف يتوهم أنه هو الذي تسبب في ذلك، أو أن له فيه فعلا؟ .
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأشربة، باب الشرب من قدح النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وآنيته، الحديث رقم (٥٦٣٧)، (١٠ / ٩٨) من فتح الباري.
(٢) في المطبوعة: الإسلام.
(٣) في (أ): في أمور شدائد.
(٤) في (أ): الأحيال. وهو تحريف.
(٥) في المطبوعة: الحي.
(٦) في المطبوعة زاد: ما يظنون أنه.
(٧) قد: سقطت من (ج) .
[ ٢ / ٢٢٢ ]
وإذا قيل: إن الله يفعله بذلك السبب، فإذا كان السبب محرما لم يجز، كالأمراض التي يحدثها الله عقب أكل السموم، وقد يكون الدعاء المحرم في نفسه دعاء لغير الله، وأن يدعو الله (١) كما تقول النصارى: يا والدة الإله اشفعي لنا إلى الإله. وقد يكون دعاء لله (٢) لكنه توسل إليه بما لا يُحب أن يتوسل به، كالمشركين (٣) الذين يتوسلون إلى الله بأوثانهم، وقد يكون دعاء لله (٤) بكلمات لا تصلح أن يناجى بها الله، ويدعى بها، لما في ذلك من الاعتداء.
فهذه الأدعية ونحوها، وإن كان قد يحصل لصاحبها أحيانا غرضه، لكنها محرمة، لما فيها من الفساد الذي يربي (٥) على منفعتها، كما تقدم. ولهذا كانت هذه فتنة في حق من لم يهده (٦) الله، وينور قلبه، ويفرق بين أمر (٧) التكوين وأمر التشريع، ويفرق بين القدر والشرع (٨) ويعلم أن الأقسام ثلاثة:
* أمور قدرها الله، وهو لا يحبها ولا (٩) يرضاها، فإن الأسباب المحصلة لهذه تكون محرمة موجبة لعقابه.
* وأمور شرعها فهو يحبها من العبد ويرضاها، لكن لم يعنه على
_________________
(١) في المطبوعة زاد: مستشفعا بغيره إليه.
(٢) في (أب ط): دعاء الله.
(٣) في المطبوعة: أن يتوسل إليه كما يفعل المشركون.
(٤) في (أب) والمطبوعة: دعا الله.
(٥) في المطبوعة: يربو.
(٦) في (أ): لمن لم يهد به الله.
(٧) في (ط): أمور.
(٨) في المطبوعة: بين أمر القدر وأمر الشرع.
(٩) في (أب): وهو لا يحبها ويرضاها، وما أثبته أصح، ولعل " لا " أسقطت من الناسخين، ويجوز أن تكون الواو للعطف لا للاستئناف، فيكون النفي للحب والرضا معا، وعلى هذا يكون المعنى صحيحا، لكن تكرار النفي أوضح.
[ ٢ / ٢٢٣ ]
حصولها، فهذه محمودة عنده (١) مرضية، وإن لم توجد.
* والقسم الثالث: أن يعين الله العبد على ما يحبه منه.
فالأول: إعانة الله.
والثاني: عبادة الله.
والثالث: جمع له بين العبادة والإعانة. كما قال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]
فما كان من الدعاء غير المباح إذا أثر: فهو من باب الإعانة لا العبادة (٢) كسائر الكفار والمنافقين والفساق. ولهذا قال تعالى في مريم: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ﴾ [التحريم: ١٢] (٣) «وكان النبي ﷺ يستعيذ " بكلمات الله التامات التي لا يجاوزها بر ولا فاجر» (٤) .
ومن رحمة الله تعالى، أن الدعاء المتضمن شركًا، كدعاء غيره أن يفعل، أو دعائه أن يدعو، ونحو ذلك - لا يحصل غرض صاحبه، ولا يورث حصول الغرض شبهة (٥) إلا في الأمور الحقيرة، فأما الأمور العظيمة، كإنزال الغيث عند القحوط، أو كشف العذاب النازل، فلا ينفع فيه هذا الشرك. كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ - بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٤٠ - ٤١] (٦) .
_________________
(١) عنده: ساقطة من (أ) .
(٢) في المطبوعة: كدعاء سائر الكفار.
(٣) سورة التحريم: من الآية ١٢.
(٤) جاء ذلك في حديث مرسل أخرجه مالك في الموطأ في كتاب الشعر، باب ما يؤمر به من التعوذ، حديث رقم (١٠)، (٢ / ٩٥١)، وله شواهد مرفوعة في الموطأ أيضا، حديث رقم (٩، ١١)، (٢ / ٩٥٠، ٩٥١)، كما أن له شاهد أيضا في مسلم عن أم حكيم وأبي هريرة في كتاب الذكر باب التعوذ من سوء القضاء، حديث رقم (٢٧٠٨، ٢٧٠٩) من طرق، (٤ / ٢٠٨٠، ٢٠٨١) .
(٥) شبهة: سقطت من (ج د) .
(٦) سورة الأنعام: الآيتان ٤٠، ٤١.
[ ٢ / ٢٢٤ ]
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٦٧] (١) .
وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ﴾ [النمل: ٦٢] (٢) .
وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا - أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٦ - ٥٧] (٣) .
وقال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ - قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٣ - ٤٤] (٤) .
فكون (٥) هذه المطالب العظيمة لا يستجيب فيها إلا هو سبحانه، دل على توحيده، وقطع شبهة من أشرك به، وعلم بذلك أن ما دون هذا أيضًا من الإجابات إنما فعلها هو سبحانه (٦) وحده لا شريك له، وإن كانت تجري بأسباب محرمة أو مباحة، كما أن خلقه السماوات والأرض والرياح والسحاب، وغير ذلك من الأجسام العظيمة، دل على وحدانيته، وأنه خالق لكل شيء، وأن
_________________
(١) سورة الإسراء: الآية ٦٧.
(٢) سورة النمل: الآية ٦٢.
(٣) سورة الإسراء: الآيتان ٥٦، ٥٧.
(٤) سورة الزمر: الآيتان ٤٣، ٤٤.
(٥) في (ط): فتكون.
(٦) في المطبوعة: إنما حصولها منه وحده.
[ ٢ / ٢٢٥ ]
ما دون هذا بأن يكون خلقًا له أولى، إذ هو منفعل (١) عن مخلوقاته العظيمة، فخالق السبب التام، خالق للمسبب لا محالة.