وقد بعث الله محمدا ﷺ بالحكمة التي هي سنته، وهي الشرعة والمنهاج الذي شرعه له، فكان من هذه الحكمة أن شرع له من الأعمال والأقوال ما يباين سبيل المغضوب عليهم والضالين، فأمر بمخالفتهم في الهدي الظاهر (٣) وإن
_________________
(١) تضارع: أي تشابه، فالمضارعة هي المشابهة. انظر: مختار الصحاح، مادة (ض ر ع)، (ص ٣٨٠) .
(٢) في المطبوعة زاد: لك.
(٣) الهدي الظاهر: هو ما يظهر من سلوك الإنسان وشكله، أو يحسه مَنْ حوله من أنماط السلوك والتصرفات القولية والعملية كالأكل، والشرب، والكلام، واللباس، والتعامل مع الآخرين، وممارسة الحياة العملية، والتعبير عنها. أما الهدي الباطن فهو ما لا يدرك بالحواس: من النوايا والاعتقادات والأفكار ونحوها، ما لم يعبر عنها بقول أو فعل.
[ ١ / ٩٢ ]
لم يظهر لكثير من الخلق في ذلك مفسدة لأمور:
منها: أن المشاركة في الهدي الظاهر تورث تناسبا وتشاكلا بين المتشابهين، يقود (١) إلى موافقة ما (٢) في الأخلاق والأعمال، وهذا أمر محسوس؛ فإن اللابس ثياب أهل العلم يجد من نفسه نوع انضمام إليهم، واللابس لثياب (٣) الجند المقاتلة - مثلا - يجد من نفسه نوع (٤) تخلق بأخلاقهم، ويصير طبعه متقاضيا (٥) لذلك، إلا أن يمنعه (٦) مانع (٧) .
ومنها: أن المخالفة في الهدي الظاهر توجب مباينة ومفارقة توجب الانقطاع عن موجبات الغضب وأسباب الضلال، والانعطاف على أهل الهدى والرضوان، وتحقق ما قطع الله من الموالاة بين جنده المفلحين وأعدائه الخاسرين.
_________________
(١) في (ب): يعود.
(٢) في المطبوعة: إلى الموافقة في الأخلاق.
(٣) في (ب): ثياب.
(٤) في (ب): قال: نوع انضمام إليهم تخلق بأخلاقهم. أي بزيادة: (انضمام إليهم) ولعله سهو من الناسخ.
(٥) في (أ): مقاضيا. وفي المطبوعة: مقتضيا. والتقاضي والاقتضاء هما بمعنى الطلب والرغبة.
(٦) في المطبوعة: إلا أن يمنعه من ذلك مانع.
(٧) ما أشار إليه المؤلف ﵀ هنا من أن المشاركة في الهدي الظاهر تورث تناسبا وتشاكلا بين المتشاركين، ذلك أمر يصدقه علم النفس وعلم الاجتماع اليوم، فضلا عما ورد به الكتاب والسنة، ويشهد به واقع الأمم والشعوب والأفراد؛ فإننا نجد المتفرنجين عندنا اليوم في لباسهم وكلامهم وتصرفاتهم لديهم ميول لسائر طباع الخواجات وسلوكهم، بل وأفكارهم وعقائدهم وتصوراتهم - في الغالب -، ونجد البعض يكن لهم ويظهر الإكبار، والتعظيم والإجلال، وربما احتقر نفسه وأمته ودينه وشعر بالصغار أمام الكافرين.
[ ١ / ٩٣ ]
وكلما كان القلب أتم حياة، وأعرف بالإسلام - الذي هو الإسلام، لست أعني مجرد التوسم (١) به ظاهرا (٢) أو باطنا بمجرد الاعتقادات (٣) (٤) من حيث الجملة - كان إحساسه بمفارقة (٥) اليهود والنصارى باطنا وظاهرا (٦) أتم، وبعده عن أخلاقهم الموجودة في بعض المسلمين أشد.
ومنها: أن مشاركتهم في الهدي الظاهر، توجب (٧) الاختلاط الظاهر، حتى يرتفع التميز ظاهرا، بين المهديين (٨) المرضيين، وبين المغضوب عليهم والضالين (٩) إلى غير ذلك من الأسباب الحكمية.
هذا إذا لم يكن ذلك الهدي الظاهر إلا مباحا محضا لو تجرد عن مشابهتهم، فأما إن كان من موجبات كفرهم؛ كان (١٠) شعبة من شعب الكفر؛ فموافقتهم فيه موافقة في نوع من أنواع معاصيهم (١١) .
فهذا أصل ينبغي أن يتفطن له (١٢) .
_________________
(١) في (أط): الترسم.
(٢) في (ج د): وأعرف بالإسلام في حق الإسلام، لست أعني مجرد الترسم به ظاهرا. . إلخ.
(٣) في (أب ط): بمجرد الاعتقاد.
(٤) في المطبوعة: الاعتقادات التقليدية.
(٥) في (ج د): بمفارقته. وفي (أط): بمفارقته لليهود.
(٦) في (ج د): ظاهرا أو باطنا.
(٧) في (ج د): يوجب.
(٨) في (ج د): المهتدين.
(٩) في (ط): ولا الضالين.
(١٠) في المطبوعة: فإنه يكون شعبة. . إلخ.
(١١) في المطبوعة: ضلالهم ومعاصيهم. وهي زيادة ليست في النسخ المخطوطة.
(١٢) في المطبوعة أيضا زاد: والله أعلم.
[ ١ / ٩٤ ]