ثم هذا الاختلاف الذي أخبر به النبي ﷺ إما في الدين فقط، وإما في
_________________
(١) هو: الحكم بن نافع البهراني، الحمصي، ثقة، ثبت، من الطبقة العاشرة توفي سنة (١٢٢ هـ)، أخرج له الستة انظر: تقريب التهذيب (١ / ١٩٣)، (ت ٥٠٥) .
(٢) هو: بقية بن الوليد بن صائد الحميري، صدوق، كثير التدليس عن الضعفاء، مات سنة (١٩٧ هـ) انظر: تقريب التهذيب (١ / ١٠٥)، (ت ١٠٨) .
(٣) هو: عبد القدوس بن الحجاج الخولاني، الحمصي، ثقة، من الطبقة التاسعة، مات سنة (٢١٢ هـ) أخرج له الستة انظر: تهذيب التهذيب (١ / ٥١٥)، (ت ١٢٧٤) .
(٤) انظر: سنن ابن ماجه، كتاب الفتن، باب افتراق الأمم، الحديث رقم (٣٩٩٢)، (٢ / ١٣٢٢) .
(٥) هو: راشد بن سعد المقرلئي الحميري الحمصي، ثقة، كثير الإرسال، من الطبقة الثالثة، توفي سنة (١٠٨ هـ) . انظر: تهذيب التهذيب (١ / ٢٤٠)، (ت٣) .
(٦) هو الصحابي الجليل: عوف بن مالك بن أبي عوف الأشجعي الغطفاني، أسلم قبل حنين، وشهدها، وشهد الفتح، وكانت معه راية قومه، وشهد خيبر، ثم فتوح الشام، ونزل حمص، وتوفي ﵁ سنة (٧٣ هـ) . انظر: البداية والنهاية (٨ / ٤٤٦)؛ وأسد الغابة (٤ / ١٥٦) .
(٧) في (أط): والثنتان.
[ ١ / ١٣٨ ]
الدين والدنيا ثم قد يؤول إلى الدماء (١) وقد يكون الاختلاف في الدنيا فقط (٢) .
وهذا الاختلاف الذي دلت عليه هذه الأحاديث، هو مما نهي (٣) عنه في قوله سبحانه: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا﴾ [آل عمران: ١٠٥] (٤) (٥) .
وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٩] (٦) وقوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ [الأنعام: ١٥٣] (٧) (٨) وهو موافق لما رواه (٩) مسلم (١٠) في صحيحه، عن عامر بن
_________________
(١) في المطبوعة: إلى الدنيا. والأصح: إلى الدماء، كما هو في جميع النسخ المخطوطة، ومعنى أنه قد يؤول إلى الدماء: أنه قد تحدث منه فتن وخصومات يحمل فيها السلاح، ثم يتقاتل الناس فتسيل الدماء، وهذا ما حدث فعلا من الخوارج، والمعتزلة، والشيعة، والقرامطة، والنصيرية، وأصحاب الاتجاهات والمذاهب المعاصرة من اليساريين، والقوميين، والبعثيين، والاشتراكيين، ونحوهم، فهؤلاء يثيرون الفتن ويستحلون الدماء في سبيل تحقيق مبادئهم وأهوائهم وفرضها على الأمة، والواقع يشهد بذلك.
(٢) الاختلاف في الدنيا فقط كالخصومات على الأموال والعقارات ونحوها التي تقع بين الناس.
(٣) في المطبوعة: نهى الله.
(٤) في المطبوعة: أكمل الآية إلى قوله تعالى (لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) .
(٥) سورة آل عمران: من الآية ١٠٥.
(٦) سورة الأنعام: من الآية ١٥٩.
(٧) في المطبوعة: زاد من الآية قوله تعالى: (فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ) .
(٨) سورة الأنعام: من الآية ١٥٣.
(٩) في (أب ط): لما روى.
(١٠) هو: الإمام مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري، النيسابوري، ولد عام (٢٠٤ هـ)، وقيل: (٢٠٦ هـ)، أحد الأئمة الحفاظ الأعلام، صاحب الصحيح المشهور بصحيح مسلم، ثاني كتب السنة بعد صحيح البخاري، كما أن له مصنفات أخرى في الحديث وعلومه، وكان ﵀ عالما تقيا ورعا، مجمعا على إمامته وفضله، توفي سنة (٢٦١ هـ) . انظر: البداية والهداية (١١ / ٣٣، ٣٤) . وانظر: الترجمة التي كتبها محمد فؤاد عبد الباقي في صحيح مسلم (٥ / ٥٩١) .
[ ١ / ١٣٩ ]
سعد (١) بن أبي وقاص عن أبيه (٢) «أنه أقبل مع رسول الله ﷺ في طائفة من أصحابه، من العالية (٣) حتى إذا مر بمسجد بني معاوية دخل فركع فيه ركعتين وصلينا معه ودعا ربه طويلا، ثم انصرف إلينا فقال: " سألت ربي ثلاثا فأعطاني اثنتين، ومنعني واحدة: (٤) سألت ربي أن لا يهلك أمتي بالسنَة (٥) فأعطانيها وسألت ربي أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها» (٦) .
وروى (٧) أيضا في صحيحه عن ثوبان (٨) قال: قال رسول الله ﷺ:
_________________
(١) هو: عامر بن سعد بن أبي وقاص الليثي، تابعي، جليل، ثقة، كثير الحديث، سمع عن بعض الصحابة، وسمع عنه سعيد بن المسيب، ومجاهد، والزهري، وأشعث بن إسحاق، وغيرهم، توفي بالمدينة عام (١٠٤ هـ) . انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (٥ / ١٦٧)؛ والجرح والتعديل (٦ / ٣٢١) .
(٢) في (ب): ﵁.
(٣) العالية: ما كان من جهة نجد من المدينة. انظر: معجم البلدان لياقوت (٥ / ٧١)، حرف العين.
(٤) في المطبوعة: وسألت، وهو خلاف ما في مسلم والنسخ الأخرى.
(٥) السنة: الجدب والقحط الذي يعم. انظر: القاموس المحيط، فصل السين باب الهاء، (٤ / ٢٨٧، ٢٨٨) .
(٦) الحديث في صحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب هلاك هذه الأمة بعضهم ببعض، حديث رقم (٢٨٩٠)، (٤ / ٢٢١٦) .
(٧) أي: مسلم.
(٨) هو مولى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ثوبان بن بجدد، ويقال: ابن جحدر، من اليمن، أصابه سبي في الجاهلية، فاشتراه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأعتقه وخيره بين قومه والبقاء عنده، فأقام على ولاء الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولم يفارقه أبدا حضرا ولا سفرا، وشهد فتح مصر بعد ذلك، ثم نزل حمص، وابتنى بها دارا، فأقام بها حتى مات، وقيل: إنه مات بمصر، وذلك سنة (٥٤ هـ) ﵁. انظر: البداية والنهاية لابن كثير (٥ / ٣١٤) .
[ ١ / ١٤٠ ]
«إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوى (١) لي منها، وأعطيت الكنزين: الأحمر والأبيض (٢) وإني سألت ربي لأمتي: أن لا يهلكها بسنة (٣) بعامة، وأن لا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم (٤) وإن ربي قال: يا محمد إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك أن (٥) لا أهلكهم بسنة بعامة (٦) وأن لا أسلط عليهم عدوا من سوى (٧) أنفسهم، فيستبيح (٨) بيضتهم، ولو اجتمع عليهم (٩) من بأقطارها
_________________
(١) في المطبوعة: ما روى منها - بالراء المهملة - وبسقوط كلمة لي، وفي صحيح مسلم والنسخ الأخرى كما أثبته.
(٢) الكنزان الأحمر والأبيض هما: الذهب والفضة، وفي ذلك إشارة على ملكي كسرى وقيصر، لأنهما اشتملا على الذهب والفضة، كما فيه إشارة إلى الشام وتوابعها، والعراق وتوابعها، وفي ذلك معجزة كبرى تحققت من معجزات الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
(٣) بسنة ساقطة من (ط) .
(٤) بيضتهم: أي أصلهم، وحوزتهم، وعزهم، ومنعتهم، و(ط) قال: بيضتهم، السنة، وهي زيادة. انظر: مختار الصحاح، مادة (ب ي ض)، (ص ٧١) .
(٥) في (ب): أني.
(٦) في (أ): عامة، ومعنى بعامة: أي جميعها.
(٧) في (أ): عدوي سوى.
(٨) في (ج ط): يستبيح، بدون الفاء.
(٩) في (ج د): عليه.
[ ١ / ١٤١ ]
- أو قال: من بين أقطارها - حتى يكون بعضهم يهلك بعضا، ويسبي (١) بعضهم بعضا» (٢) .
ورواه البرقاني (٣) في صحيحه وزاد: «وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين، وإذا وقع عليهم السيف لم يرفع إلى يوم القيامة، ولا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين، وحتى يعبد (٤) فئام (٥) من أمتي الأوثان، وإنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون، كلهم يزعم أنه نبي وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي، ولا تزال (٦) طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله ﵎» (٧) .
_________________
(١) في (ب): ويستبي.
(٢) أخرجه مسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب هلاك هذه الأمة بعضهم ببعض، حديث رقم (٢٨٨٩)، (٤ / ٢٢١٥) .
(٣) البرقاني، هو الحافظ أحمد بن محمد بن أحمد بن غالب البرقاني أبو بكر، ولد سنة (٣٣٣ هـ)، ورحل في طلب العلم، وجمع الكتب، كان عالما بالقرآن، والحديث والفقه والنحو، وله مصنفات في الحديث حسنة، توفي ﵀ سنة (٤٢٥ هـ) . انظر: البداية والنهاية (١٢ / ٣٦)؛ واللباب في تهذيب الأنساب (١ / ١٤٠) .
(٤) في (أب ج د ط): تعبد.
(٥) الفئام: الجماعات من الناس.
(٦) في (أ): يزال.
(٧) حديث ثوبان هذا - مع الزيادة التي ذكرها المؤلف - رواه بتمامه أبو داود في سننه، كتاب الفتن والملاحم، باب ذكر الفتن ودلائلها، حديث رقم (٤٢٥٢)، (٤ / ٤٥٠، ٤٥١، ٤٥٢) . ورواه الترمذي في مواضع من كتاب الفتن مجزءا، حديث رقم (٢٢٠٢)، ولم يسم الباب، ورقم (٢٢١٩)، باب ما جاء: لا تقوم الساعة حتى يخرج كذابون (٤ / ٤٩٠) و(٤٩٩)، وقال فيهما الترمذي: " حديث حسن صحيح " كلا الحديثين. كما رواه ابن ماجه في سننه - مع اختلاف يسير في ألفاظ الحديث -، كتاب الفتن، باب ما يكون من الفتن، حديث رقم (٣٩٥٢)، (٢ / ١٣٠٤) .
[ ١ / ١٤٢ ]
وهذا المعنى محفوظ عن النبي ﷺ من غير وجه، يشير إلى أن التفرقة والاختلاف لا بد من وقوعهما (١) في الأمة، وكان يحذر أمته (٢)؛ لينجو منه (٣) من شاء الله له السلامة، كما روى النزال بن سبرة (٤) عن عبد الله بن مسعود قال: «سمعت رجلا قرأ آية سمعت النبي ﷺ يقرأ خلافها، فأخذت بيده، فانطلقت به إلى النبي ﷺ فذكرت ذلك له، فعرفت في وجهه الكراهية، وقال: " كلاكما محسن، ولا تختلفوا؛ فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا» رواه مسلم (٥) .
نهى النبي (٦) ﷺ عن الاختلاف الذي فيه جحد (٧) كل واحد من المختلفين ما مع الآخر من الحق؛ لأن كلا القارئين كان محسنا فيما قرأه،
_________________
(١) في (أب ط): وقوعها.
(٢) في (أب ج د): منه.
(٣) في المطبوعة: وكان يحذر أمته منه لينجو من الوقوع فيه من شاء الله.
(٤) هو: النزال بن سبرة الهلالي العامري، معدود في كبار التابعين وفضلائهم، وقيل بأنه رأى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، روى عن علي وعبد الله بن مسعود وغيرهما، وروى عنه الشعبي والضحاك وغيرهما، قال عنه يحيى بن معين وغيره: ثقة. انظر: كتاب الجرح والتعديل (٧ / ٤٩٨)، ترجمة رقم (٢٢٧٩)؛ وأسد الغابة (٥ / ٤٥) .
(٥) الحديث لم أجده في مسلم، إنما وجدته في البخاري ومسند أحمد. انظر: صحيح البخاري، كتاب الخصومات، باب ما يذكر في الأشخاص، والخصومة بين المسلم واليهود، في فتح الباري، حديث رقم (٢٤١٠) (٥ / ٧٠)، وقد أخرجه البخاري في أكثر من موضع، وأطرافه: (٣٤٧٦، ٥٠٦٢) من فتح الباري؛ ومسند أحمد (١ / ٤١٢، ٤٥٦) .
(٦) في (أط): نهى صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
(٧) في (ط): حجة.
[ ١ / ١٤٣ ]
وعلل ذلك: بأن من كان قبلنا اختلفوا فهلكوا.
ولهذا قال حذيفة لعثمان (١) " أدرك هذه الأمة، لا تختلف في الكتاب كما اختلف (٢) فيه الأمم (٣) قبلهم " (٤) لما رأى أهل الشام والعراق (٥) يختلفون في حروف القرآن، الاختلاف الذي نهى عنه النبي (٦) ﷺ.
_________________
(١) هو الخليفة الثالث من الخلفاء الراشدين: عثمان بن عفان بن أبي العاص القرشي، أسلم قديما بمكة، وهاجر إلى الحبشة الهجرتين، وقد تزوج رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهاجرت معه الهجرتين للحبشة، ولما ماتت تزوج بعدها أم كلثوم أختها، فسمي بذي النورين، وهاجر إلى المدينة بعد قدومه من الحبشة، واشتغل بتمريض رقية عن شهود بدر، فأسهم له رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فعده من أهل بدر، وشهد أحدا، وسائر المشاهد، وبايع عنه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يوم الحديبية، فكان من أهل الشجرة، وجهز جيش العسرة من ماله، وجاء بألف دينار حينئذ وضعها في حجر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "ما ضر عثمان ما فعل بعد هذا اليوم " وعده رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من العشرة المبشرين بالجنة، وقد اشتهر ﵁ بالحياء والكرم، ووردت في فضله أحاديث كثيرة، اختاره أهل الشورى للخلافة بعد عمر، ثم قتل مظلوما ﵁ عام (٣٥ للهجرة) . انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (٣ / ٥٣- ٨٤)؛ والبداية والنهاية (٧ / ١٩٩- ٢٢٣) .
(٢) في المطبوعة: اختلفت.
(٣) في (أ): الأمة قبلهم. وفي (ط): الأمم من قبلهم.
(٤) رواه البخاري، ولفظه: " أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا اختلاف اليهود والنصارى " أخرجه البخاري في كتاب فضائل القرآن، باب جمع القرآن، الحديث رقم (٤٩٨٧) من فتح الباري (٨ / ١١) .
(٥) في المطبوعة: وأهل العراق.
(٦) في المطبوعة: رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. في (أط): نهى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عنه.
[ ١ / ١٤٤ ]
فأفاد ذلك بشيئين: أحدهما: تحريم الاختلاف في مثل هذا.
والثاني: الاعتبار بمن كان قبلنا، والحذر من مشابهتهم.
واعلم أن أكثر الاختلاف بين الأمة الذي يورث الأهواء؛ تجده من هذا الضرب، وهو: أن يكون كل واحد من المختلفين مصيبا فيما يثبته، أو في بعضه مخطئا في نفي ما عليه الآخر، كما أن القارئين كل منهما كان مصيبا في القراءة بالحرف الذي علمه، مخطئا في نفي حرف غيره؛ فإن أكثر الجهل إنما يقع في النفي الذي هو الجحود والتكذيب، لا في الإثبات، لأن إحاطة الإنسان بما يثبته أيسر من إحاطته بما ينفيه ولهذا نهيت هذه (١) الأمة أن تضرب آيات الله بعضها ببعض؛ لأن مضمون الضرب: الإيمان بإحدى الآيتين والكفر بالأخرى - إذا اعتقد أن بينهما تضادا - إذ الضدان لا يجتمعان.
ومثل ذلك: ما رواه مسلم - أيضا - عن عبد الله بن رباح الأنصاري (٢) أن عبد الله بن عمرو (٣) قال: «هجرت (٤) إلى رسول الله ﷺ يوما، فسمع (٥) أصوات رجلين اختلفا في آية، فخرج علينا رسول الله ﷺ يعرف في وجهه
_________________
(١) في (أط) سقطت: هذه.
(٢) هو: أبو خالد، عبد الله بن رباح الأنصاري المدني، سكن البصرة، وثقة العجلي وابن سعد والنسائي وغيرهم توفي في حدود سنة (٩٠ هـ) . انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (٧ / ٢١٢)؛ وتهذيب التهذيب (٥ / ٢٠٧)، (ت ٣٥٧) .
(٣) في (ج د): ابن عمر. وهو خطأ فالصحيح: ابن عمرو.
(٤) أي ذهبت في الهاجرة، وهي نصف النهار عند اشتداد الحر. مختار الصحاح، مادة (هـ ج ر)، (٦٩٠) .
(٥) في المطبوعة: فسمعت. لكنه في مسلم (فسمع) كالنسخ الأخرى.
[ ١ / ١٤٥ ]
الغضب، فقال: " إنما هلك من كان قبلكم من الأمم (١) باختلافهم في الكتاب» (٢) .
فعلل غضبه ﷺ (٣) بأن الاختلاف في الكتاب سبب (٤) هلاك من كان قبلنا، وذلك يوجب مجانبة طريقهم في هذا عينا، وفي غيره نوعا (٥) .
والاختلاف على ما ذكره الله في القرآن قسمان:
أحدهما: يذم (٦) الطائفتين جميعا، كما في قوله: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ - إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١١٨ - ١١٩] (٧) فجعل أهل الرحمة مستثنين من الاختلاف، وكذلك قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [البقرة: ١٧٦] (٨) وكذلك قوله: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٩] (٩) وقوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران: ١٠٥] (١٠)
_________________
(١) من الأمم: ساقطة من (أط) . ولعله سهو من الناسخين.
(٢) رواه مسلم في كتاب العلم، باب النهي عن اتباع متشابه القرآن، الحديث رقم (٢٦٦٦)، (٤ / ٢٠٥٣) .
(٣) في (أج د ط): أسقط (ﷺ) .
(٤) في المطبوعة: هو كان سبب هلاك من قبلنا.
(٥) يعني: أنه تجب مجانبة طريقهم في الاختلاف في الكتاب نصا وتعيينا، وغيره تجب مجانبتهم فيه لعموم النهي في نصوص أخرى ولاندراج قاعدة القياس في النهي عما لم يرد فيه نص، مع العلم أنه وردت نصوص في عموم النهي، ونصوص خصصت أشياء، وقد فصلها المؤلف من خلال هذا الكتاب كله، بل هي مدار البحث.
(٦) في المطبوعة: أنه يذم.
(٧) سورة هود: من الآيتين ١١٨، ١١٩.
(٨) سورة البقرة: الآية ١٧٦.
(٩) سورة آل عمران: الآية ١٩.
(١٠) سورة آل عمران: الآية ١٠٥.
[ ١ / ١٤٦ ]
وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٩] (١) .
وكذلك وصف (٢) اختلاف النصارى بقوله: ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة: ١٤] (٣) .
ووصف (٤) اختلاف اليهود بقوله: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ [المائدة: ٦٤] (٥) وقال: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٣] (٦) .
وكذلك النبي ﷺ لما وصف أن الأمة تفترق (٧) على ثلاث وسبعين فرقة؛ قال: «كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة» (٨) وفي الرواية الأخرى: «من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي» (٩) .
_________________
(١) سورة آل عمران: الآية ١٥٩.
(٢) في (ط): خلط الناسخ بين هذه الآية ١٤ من سورة المائدة والتي بعدها من سورة المائدة: الآية ٦٤.
(٣) سورة المائدة: الآية ١٤.
(٤) ووصف: سقطت من (أ) .
(٥) سورة المائدة: الآية ٦٤.
(٦) سورة المؤمنون: الآية ٥٣.
(٧) في (ب) والمطبوعة: ستفترق.
(٨) سبقت الإشارة إلى الحديث، ولمزيد الفائدة راجع ما ذكره الشيخ محمد ناصر الدين الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (ج١)، حديث رقم (٢٠٤) حول الحديث، خاصة قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: " كلها في النار. . " إلخ. والرواية الأخرى التي أشار إليها المؤلف كما أخرج الحاكم هذا الحديث في المستدرك (١ / ١٢٨- ١٢٩) من طرق يعضد بعضها بعضا. وقال الحاكم: " هذه أسانيد تقام بها الحجة في تصحيح الحديث " (١ / ١٢٨) .
(٩) نفس التعليق السابق.
[ ١ / ١٤٧ ]
فبين: أن عامة المختلفين هالكون من الجانبين، إلا فرقة واحدة، وهم أهل السنة والجماعة.
وهذا الاختلاف المذموم من الطرفين يكون سببه تارة: فساد النية؛ لما في النفوس من البغي والحسد وإرادة العلو في الأرض (١) ونحو ذلك، فيجب (٢) لذلك ذم قول غيرها، أو فعله، أو غلبته ليتميز (٣) عليه، أو يحب قول من يوافقه في نسب أو مذهب (٤) أو بلد أو صداقة، ونحو ذلك، لما في قيام قوله من حصول الشرف والرئاسة (٥) وما أكثر هذا من بني آدم، وهذا ظلم.
ويكون سببه - تارة - (٦) جهل المختلفين بحقيقة الأمر الذي يتنازعان فيه، أو الجهل بالدليل الذي يرشد به أحدهما الآخر، أو جهل (٧) أحدهما بما مع الآخر من الحق: في الحكم، أو في الدليل، وإن كان عالما بما مع نفسه من الحق حكما ودليلا.
والجهل والظلم: هما أصل كل شر، كما قال سبحانه: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢] (٨) .