وأما في حديث أنس المتقدم من قول (٤) النبي ﷺ: «لا تشددوا على أنفسكم، فيشدد الله عليكم، فإن قوما شددوا على أنفسهم، فشدد الله عليهم فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات (٥) رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم» (٦) . ففيه نهي النبي ﷺ عن التشدد في الدين بالزيادة على المشروع.
والتشديد: تارة يكون باتخاذ ما ليس بواجب، ولا مستحب: بمنزلة الواجب والمستحب في العبادات (٧) وتارة باتخاذ ما ليس بمحرم، ولا مكروه بمنزلة المحرم والمكروه، في الطيبات. وعلل ذلك بأن الذين شددوا على أنفسهم من النصارى، شدد الله عليهم لذلك، حتى آل الأمر إلى ما هم عليه من الرهبانية المبتدعة.
وفي هذا تنبيه على كراهة النبي ﷺ مثل ما عليه النصارى من الرهبانية
_________________
(١) في المطبوعة: غيرها.
(٢) في المطبوعة: التفسير.
(٣) في المطبوعة: أو يتمسك.
(٤) في (ب): من قوله.
(٥) في (أط): والديار.
(٦) الحديث مر تخريجه (ص ٢٩٦) .
(٧) في (ط): في العادات.
[ ١ / ٣٢٢ ]
المبتدعة، وإن كان كثير من عبادنا، قد وقعوا في بعض ذلك متأولين معذورين، أو غير متأولين (١) .
وفيه أيضا تنبيه على أن التشديد على النفس ابتداء، يكون سببا لتشديد آخر، يفعله الله: إما بالشرع وإما بالقدر.
فأما بالشرع: فمثل ما كان النبي ﷺ يخافه في زمانه من زيادة إيجاب أو تحريم، كنحو ما خافه لما اجتمعوا لصلاة (٢) التراويح معه (٣) ولما كانوا يسألون عن أشياء لم تحرم، ومثل: أن من نذر شيئا من الطاعات وجب عليه فعله، وهو منهي عن نفس عقد النذر، وكذلك الكفارات الواجبة بأسباب.
وأما بالقدر: فكثير (٤) قد رأينا وسمعنا من كان يتنطع في أشياء، فيبتلى أيضا بأسباب تشدد الأمور (٥) عليه، في الإيجاب والتحريم، مثل كثير من الموسوسين في الطهارة (٦) إذا زادوا على المشروع، ابتلوا بأسباب توجب حقيقة عليهم أشياء (٧) مشقة ومضرة.
_________________
(١) في المطبوعة زاد: ولا معذورين.
(٢) في (أ): للصلاة للتراويح.
(٣) وذلك أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم صلَّى التراويح وصلى الصحابة خلفه، فلما صلى الفجر قال لهم: " أما بعد، فإنه لم يخف علي مكانكم، ولكني خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها "، الحديث في صحيح البخاري، كتاب صلاة التراويح، باب فضل من قام رمضان، حديث (٢٠١٢)، (٤ / ٢٥٠- ٢٥١) من فتح الباري.
(٤) في المطبوعة قال: فكثيرا ما.
(٥) في (أب ط): الأمر.
(٦) في المطبوعة: الطهارات.
(٧) في المطبوعة: أشياء فيها عظيم مشقة.
[ ١ / ٣٢٣ ]
وهذا المعنى الذي دل عليه الحديث، موافق لما قدمناه في قوله تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧] (١) من أن ذلك يقتضي كراهة موافقتهم في الآصار والأغلال.
والآصار: ترجع إلى الإيجابات الشديدة.
والأغلال: هي التحريمات الشديدة.
فان الإصر: هو الثقل والشدة، وهذا شأن ما وجب.
والغل: يمنع المغلول من الانطلاق، وهذا شأن المحظور.
وعلى هذا دل قوله سبحانه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [المائدة: ٨٧] (٢) . وسبب نزولها مشهور.
وعلى هذا ما في الصحيحين عن أنس بن مالك قال: «جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي (٣) ﷺ فلما أخبروا (٤) كأنهم تقالوها، فقالوا: وأين نحن من النبي ﷺ (٥) وقد غفر له الله ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟
فقال أحدهم (٦) أما أنا فأصلي الليل أبدا.
وقال (٧) الآخر: أنا أصوم الدهر أبدا.
_________________
(١) سورة الأعراف: الآية ١٥٧.
(٢) سورة المائدة: الآية ٨٧.
(٣) في (ب ج د): عن عبادته، والمطبوعة: عن عبادة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وفي البخاري كما أثبته.
(٤) في المطبوعة: فلما أخبروا بها. وفي البخاري كما أثبته.
(٥) في المطبوعة: وقد، وفي البخاري كما أثبته.
(٦) في (ج د): أحدهما، وفي البخاري كما أثبته.
(٧) في (ب ج د): قال الآخر، وفي البخاري كما أثبته.
[ ١ / ٣٢٤ ]
وقال الآخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا.
فجاء رسول الله ﷺ إليهم فقال: " أنتم الذين (١) قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، ولكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني»، رواه البخاري، وهذا لفظه (٢) ومسلم، ولفظه: عن أنس: «أن نفرا من أصحاب النبي ﷺ سألوا أزواج النبي ﷺ عن عمله في السر فقال بعضهم: لا أتزوج النساء. وقال بعضهم: لا آكل اللحم. وقال بعضهم: لا أنام على فراش (٣) . فحمد الله وأثنى فقال: " ما بال أقوام قالوا كذا وكذا (٤)؟ لكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» (٥) .
والأحاديث الموافقة لهذا كثيرة في بيان أن سنته التي هي الاقتصاد: في العبادة، وفي ترك الشهوات؛ خير من رهبانية النصارى، التي هي: ترك عامة الشهوات من النكاح وغيره، والغلو في العبادات صوما وصلاة.
وقد خالف هذا - بالتأويل ولعدم العلم - طائفة من الفقهاء والعباد، ومثل هذا ما رواه أبو داود في سننه، عن العلاء بن عبد الرحمن (٦) عن
_________________
(١) الذين: ساقطة من (أط) .
(٢) صحيح البخاري، كتاب النكاح، باب الترغيب في النكاح، حديث رقم (٥٠٦٣) من فتح الباري، (٩ / ١٠٤) .
(٣) في (ب ج د): على فراشي، وفي المطبوعة: فرش، وفي مسلم كما أثبته.
(٤) في المطبوعة زاد: وكذا.
(٥) صحيح مسلم، كتاب النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه. . إلخ، حديث رقم (١٤٠١)، (٢ / ١٠٢٠) .
(٦) كذا في جميع النسخ: العلاء بن عبد الرحمن، لكنه في أبي داود (٣ / ١٢): العلاء بن الحارث، أما العلاء بن عبد الرحمن فقد مرت ترجمته. والعلاء بن الحارث هو: العلاء بن الحارث بن عبد الوارث الحضرمي، أبو وهب، الدمشقي، وثقه ابن المديني وابن معين وغيرهما، وهو أعلم أصحاب مكحول وأفقههم، ورمي بالقدر، وخلط في آخر أمره، توفي سنة (١٣٦ هـ) وعمره (٧٠) سنة. انظر: تهذيب (٨ / ١٧٧، ١٧٨)، ترجمة رقم (٣١٨) .
[ ١ / ٣٢٥ ]
القاسم بن عبد الرحمن (١) عن أبي أمامة: «أن رجلا قال: يا رسول الله ائذن لي بالسياحة (٢) قال: رسول الله ﷺ: " إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله» (٣) فأخبر النبي ﷺ بأن أمته (٤) سياحتهم الجهاد في سبيل الله.
وفي حديث آخر: «إن السياحة هي الصيام» (٥) أو «السائحون هم الصائمون» (٦) أو نحو ذلك (٧) . وذلك تفسير لما ذكره الله تعالى في القرآن (٨)
_________________
(١) هو: القاسم بن عبد الرحمن الدمشقي، أبو عبد الرحمن، الشامي، مولى آل أبي بن حرب الأموي، وثقه بعض الأئمة، وتكلم فيه آخرون، وخلاصة القول فيه: أنه صدوق ثقة فيما يرويه عن الثقات، ومنكر الحديث في الضعفاء، كما أنه كثير الإرسال، مات سنة (١١٢ هـ) . انظر: تهذيب التهذيب (٨ / ٣٢٢- ٣٢٤)، ترجمة رقم (٥٨١) ق.
(٢) كذا: (بالسياحة) في كل النسخ المخطوطة. أما في المطبوعة وأبي داود: في السياحة.
(٣) سنن أبي داود، كتاب الجهاد، باب في النهي عن السياحة، حديث رقم (٢٤٨٦)، (٣ / ١٢) . وأخرجه الحاكم في المستدرك (٢ / ٧٣)، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
(٤) أمته: ساقطة من (أط) .
(٥) أخرج ابن جرير بسنده عن عبيد بن عمير، قال: سئل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن السائحين فقال: " هم الصائمون ". وأخرج ابن جرير أيضا بسنده عن أبي هريرة قال: قال لي رسول الله ﷺ: " السائحون هم الصائمون ". كما أورد أقوال الصحابة والسلف كابن عباس وابن مسعود، وسعيد بن جبير ومجاهد والضحاك والحسن وغيرهم. انظر: تفسير ابن جرير الطبري (١١ / ٢٨، ٢٩)، عند تفسير قوله تعالى: " التائبون العابدون " سورة التوبة: الآية ١١٢.
(٦) نفس التعليق السابق.
(٧) نفس التعليق السابق.
(٨) في القرآن: سقطت من (ب) .
[ ١ / ٣٢٦ ]
من قوله: ﴿السَّائِحُونَ﴾ [التوبة: ١١٢] (١) . وقوله ﴿سَائِحَاتٍ﴾ [التحريم: ٥] (٢) .
وأما السياحة التي هي الخروج في البرية لغير (٣) مقصد معين فليست من عمل هذه الأمة. ولهذا قال الإمام أحمد: " ليست السياحة من الإسلام في شيء، ولا من فعل النبيين ولا الصالحين " (٤) مع أن جماعة من إخواننا قد ساحوا السياحة المنهي عنها (٥) متأولين في ذلك، أو غير عالمين بالنهي عنه، وهي من الرهبانية المبتدعة التي قيل فيها (٦) «لا رهبانية في الإسلام» (٧) .
والغرض هنا: بيان ما جاءت به الحنيفية: من مخالفة (٨) اليهود فيما أصابهم من القسوة عن ذكر الله، وعما أنزل (٩) ومخالفة النصارى فيما هم عليه من الرهبانية المبتدعة، وإن كان قد ابتلي بعض المنتسبين منا إلى علم أو دين بنصيب من هذا، أو من هذا (١٠) .
ومثل هذا ما رواه ابن عباس ﵄ (١١) قال: قال رسول الله ﷺ
_________________
(١) سورة التوبة: من الآية ١١٢.
(٢) سورة التحريم: من الآية ٥.
(٣) في (ج د): بغير.
(٤) مسائل الإمام أحمد للنيسابوري (٢ / ١٧٦) .
(٥) وهي كما فسرها المؤلف: الخروج في البرية لغير مقصد معين، وذلك على وجه الترهبن والتصوف كما يفعل الدراويش.
(٦) في المطبوعة: التي قال فيها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
(٧) جاء ذلك في حديث مر تخريجه (ص ١٨٠) .
(٨) في (أ): لمخالفة اليهود.
(٩) في المطبوعة زاد: من الهدى الذي به حياة القلوب. وهو تفسير للكلمة، الأَوْلى أن يكون في الحاشية.
(١٠) في المطبوعة زاد أيضا: ففيهم شبهة بهؤلاء وهؤلاء.
(١١) ﵄: سقطت من (أج د ط) .
[ ١ / ٣٢٧ ]
غداة (١) العقبة وهو على ناقته: «القط لي حصى» فلقطت له سبع حصيات، من (٢) حصى الخذف، فجعل ينفضهن في كفه ويقول: «أمثال هؤلاء فارموا»، ثم قال: «أيها الناس إياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين»، رواه أحمد والنسائي وابن ماجه (٣) من حديث عوف بن أبي جميلة (٤) عن زياد بن حصين (٥) عن أبي العالية عنه (٦) وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم.
وقوله: «إياكم (٧) والغلو في الدين» عام في جميع أنواع الغلو، في الاعتقاد والأعمال.
والغلو: مجاوزة الحد بأن يزاد الشيء في حمده (٨) أو ذمه على ما يستحق، ونحو ذلك.
_________________
(١) في (أ): غدا، ولعل الهاء سقطت سهوا.
(٢) في المطبوعة: مثل، وهو خلاف ما ورد في روايات الحديث وهي: (من) في رواية لأحمد، و(هن) في أحمد والنسائي وابن ماجه.
(٣) انظر: مسند أحمد (١ / ٢١٥) و(٣٤٧) في مسند عبد الله بن عباس. وسنن ابن ماجه، كتاب المناسك، باب قدر حصى الرمي، حديث رقم (٣٠٢٩)، (٢ / ١٠٠٨)؛ وسنن النسائي، كتاب المناسك، باب التقاط الحصى (٥ / ٢٦٨) .
(٤) هو: عوف بن أبي جميلة الأعرابي العبدي البصري، قال عنه ابن حجر في التقريب: " ثقة رمي بالقدر والتشيع "، توفي سنة (١٤٧ هـ) وعمره ست وثمانون، أخرج له كل أصحاب الكتب الستة. انظر: تقريب التهذيب (٢ / ٨٩)، ترجمة (٧٩٣) ع.
(٥) هو: زياد بن الحصين بن قيس الحنظلي، أو الرياحي، البصري، أبو خزيمة، قال عنه ابن حجر في التقريب: " ثقة يرسل، من الطبقة الرابعة "، أخرج له مسلم والنسائي وابن ماجه وأحمد. انظر: تقريب التهذيب (١ / ٢٦٧)، (ت ١٠١) .
(٦) يعني ابن عباس.
(٧) في (أ): وإياكم.
(٨) في المطبوعة: يزاد في حمد الشيء.
[ ١ / ٣٢٨ ]
والنصارى أكثر غلوا في الاعتقادات والأعمال (١) من سائر الطوائف، وإياهم نهى الله عن الغلو في القرآن، في قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء: ١٧١] (٢) .
وسبب هذا اللفظ العام: رمي الجمار، وهو داخل فيه، فالغلو فيه: مثل الرمي بالحجارة (٣) الكبار، ونحو ذلك. بناء على أنه قد أبلغ من الحصى الصغار (٤) .
ثم علل ذلك: بأن ما أهلك من (٥) قبلنا إلا (٦) الغلو في الدين، كما تراه في النصارى، وذلك يقتضي: أن مجانبة هديهم مطلقا أبعد عن (٧) الوقوع فيما به هلكوا، وأن المشارك لهم في بعض هديهم، يخاف عليه أن يكون هالكا.
ومن ذلك: أنه ﷺ حذرنا من مشابهة من قبلنا، في أنهم كانوا يفرقون في الحدود بين الأشراف والضعفاء، وأمر أن يسوى (٨) بين الناس في ذلك، وإن كان كثير من ذوي الرأي والسياسة قد يظن أن إعفاء الرؤساء أجود في السياسة.
ففي الصحيحين عن عائشة ﵂، في شأن المخزومية التي سرقت (٩) لما كلم أسامة (١٠) . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) في (أط): في الاعتقاد والعمل.
(٢) سورة النساء: من الآية ١٧١.
(٣) في المطبوعة: مثل رمي الحجارة الكبار.
(٤) في المطبوعة: على أنه قد بالغ في الحصى الصغار. وبه يتغير معنى العبارة.
(٥) في المطبوعة: من كان.
(٦) إلا: ساقطة من (أط) .
(٧) في (أ): من.
(٨) في (أ): نسوي.
(٩) وهي: فاطمة بنت الأسود بن عبد الأسد، وقيل: أم عمرو بنت سفيان بن عبد الأسد. انظر: فتح الباري (١٢ / ٨٨) .
(١٠) هو الصحابي الجليل: أسامة بن زيد بن حارثة الكلبي، حِبُّ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وابن حبه، ولد في الإسلام، وأَمَّره رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم على جيش عظيم، فلما مات صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنفذه أبو بكر، وكان أسامة ممن اعتزل الفتنة بعد مقتل عثمان. توفي في خلافة معاوية سنة (٥٤) . انظر: الإصابة (١ / ٣١)، (ت ٨٩) .
[ ١ / ٣٢٩ ]
فيها (١) رسول الله ﷺ قال: «يا أسامة أتشفع في حد من حدود الله؟ ! إنما هلك بنو إسرائيل أنهم كانوا: إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» (٢) .
وكان بنو مجزوم من أشرف (٣) بطون قريش، واشتد عليهم أن تقطع يد امرأة منهم، فبين النبي ﷺ: أن هلاك بني إسرائيل، إنما كان في تخصيص رؤساء الناس بالعفو عن العقوبات، وأخبر أن فاطمة ابنته - التي هي أشرف النساء - لو سرقت، وقد أعاذها الله من ذلك، لقطع يدها؛ ليبين: أن وجوب العدل والتعميم في الحدود، لا يستثنى منه بنت (٤) الرسول، فضلا عن بنت غيره.
وهذا يوافق ما في الصحيحين، عن عبد الله بن مرة (٥) عن البراء بن عازب قال: «مر على النبي ﷺ بيهودي، محمم مجلود، فدعاهم، فقال:
_________________
(١) فيها: ساقطة من (ب ج د) والمطبوعة.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء وكتاب الحدود. انظر: كتاب الحدود، باب رقم (٥٤)، الحديث رقم (٣٤٧٥) من فتح الباري (٦ / ٥١٣) . وأخرجه مسلم في كتاب الحدود، باب قطع السارق الشريف وغيره، حديث رقم (١٦٨٨)، (٣ / ١٣١٥) .
(٣) في (أ): أشراف.
(٤) في (أ): بنت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
(٥) هو: عبد الله بن مرة الهمداني الخارفي الكوفي، وثقه ابن معين والنسائي وأبو زرعة والعجلي وابن سعد، وأخرج له الستة، توفي سنة (١٠٠ هـ) . انظر: تهذيب التهذيب (٦ / ٢٤، ٢٥)، ترجمة رقم (٣٥) ع. في (أ): عبد الله بن سمرة. وهو تحريف، فالصحيح ما أثبته كما في صحيح مسلم.
[ ١ / ٣٣٠ ]
" هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ " قالوا: نعم. فدعا رجلا من علمائهم قال: " أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى، أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ " قال: لا، ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك، نجده: الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، فقلنا: تعالوا فلنجتمع (١) على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، فجعلنا التحميم والجلد مكان (٢) الرجم فقال ﷺ: " اللهم إني أول من أحيا أمرك، إذ (٣) أماتوه» فأمر به فرجم، فأنزل الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ [المائدة: ٤١] إلى قوله (٤) ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾ [المائدة: ٤١] (٥) .
يقول: ائتوا محمدا فإن أمركم بالتحميم (٦) والجلد فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] (٧) ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥] (٨) ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧] (٩) في الكفار كلها " (١٠) .
_________________
(١) في (ط): فلنجمع. وفي مسلم كما أثبته.
(٢) في (أ): وكان الرجم. وفي مسلم كما أثبته.
(٣) في (أ): إذا أماتوه. وفي مسلم كما أثبته.
(٤) في المطبوعة سرد الآية. لكنه في صحيح مسلم كما أثبته من النسخ المخطوطة.
(٥) سورة المائدة: الآية ٤١.
(٦) التحميم هو: تسويد الوجه بالفحم ونحوه. انظر: مختار الصحاح، مادة (ح م م)، (ص ١٥٧) .
(٧) سورة المائدة: من الآية ٤٤.
(٨) سورة المائدة: من الآية ٤٥.
(٩) سورة المائدة: من الآية ٤٧.
(١٠) صحيح مسلم، كتاب الحدود، باب رجم اليهود أهل الذمة في الزنى، حديث رقم (١٧٠٠)، (٣ / ١٣٢٧)، وله شواهد في صحيح البخاري. انظر: الأرقام (٦٨١٩)، (٦٨٤١) فتح الباري.
[ ١ / ٣٣١ ]
وأيضا ما روى مسلم في صحيحه عن جندب بن عبد الله البجلي (١) قال: سمعت النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس، وهو يقول: «إني أبرأ إلى الله أن يكون لي (٢) منكم خليل، فإن الله قد اتخذني خليلا، كما اتخذ إبراهيم خليلا، ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني (٣) أنهاكم عن ذلك» (٤) .
وصف ﷺ أن الذين كانوا قبلنا كانوا يتخذون قبور الأنبياء (٥) والصالحين مساجد وعقّب (٦) هذا الوصف بالأمر بحرف الفاء، أن لا يتخذوا القبور مساجد، وقال إنه ﷺ ينهانا (٧) عن ذلك. ففيه دلالة على أن اتخاذ من قبلنا سبب لنهينا؛ إما مظهر للنهي، وإما (٨) موجب للنهي، وذلك يقتضي: أن أعمالهم دلالة (٩) وعلامة على أن الله ينهانا (١٠) عنها، أو أنها علة مقتضية للنهي.
_________________
(١) هو: جندب بن عبد الله بن سفيان البجلي، له صحبة ليست بالقديمة، سكن الكوفة ثم البصرة. انظر: أسد الغابة (١ / ٣٠٤، ٣٠٥) .
(٢) لي: ساقطة من (أ) .
(٣) في (ب ط): فإني.
(٤) صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن بناء المساجد على القبور، حديث رقم (٥٣٢)، (١ / ٣٧٧- ٣٧٨) .
(٥) في (ب): أنبيائهم.
(٦) في المطبوعة: وعدى.
(٧) في (أ): نهانا.
(٨) في (أط): أو موجب.
(٩) في (ط): دالة.
(١٠) في (ط): نهانا.
[ ١ / ٣٣٢ ]
وعلى التقديرين: يعلم أن مخالفتهم أمر مطلوب للشارع في الجملة، والنهي عن هذا العمل بلعنة اليهود والنصارى مستفيض عنه ﷺ، ففي الصحيحين، عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «قاتل الله اليهود (١)؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (٢) .
وفي لفظ (٣) لمسلم: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (٤) .
وفي الصحيحين عن عائشة، وابن عباس (٥) قالا: " لما نزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة له على وجهه فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه فقال وهو كذلك: «لعنة الله على اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» يحذر ما صنعوا " (٦) .
وفي الصحيحين أيضا عن عائشة: " أن أم سلمة وأم حبيبة (٧) ذكرتا
_________________
(١) في المطبوعة زاد: والنصارى. وهو خلاف جميع النسخ المخطوطة، وخلاف ما اطلعت عليه من رواية الصحيحين فهي كما أثبته.
(٢) صحيح البخاري، كتاب الصلاة، الباب (٥٥)، الحديث (٤٣٧) من فتح الباري (١ / ٥٣٢)؛ وصحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن بناء المساجد على القبور. .، حديث رقم (٥٣٠)، (١ / ٣٧٦) .
(٣) في (ب): وفي لفظ مسلم.
(٤) صحيح مسلم، كتاب المساجد، باب النهي عن بناء المساجد على القبور، تابع الحديث السابق (٥٣٠)، (١ / ٣٧٧) .
(٥) في (ب): ﵃.
(٦) صحيح البخاري، كتاب الصلاة، الباب (٥٥)، الحديث (٤٣٥، ٤٣٦) من فتح الباري (١ / ٥٣٢)؛ وصحيح مسلم، كتاب المساجد، باب النهي عن بناء المساجد على القبور. .، الحديث (٥٣١)، (١ / ٣٧٧) .
(٧) هي: أم المؤمنين، أم حبيبة، واسمها: رملة بنت أبي سفيان بن حرب، أسلمت قديما وهاجرت إلى الحبشة، فلما تنصر زوجها عبيد الله بن جحش تزوجها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، توفيت بالمدينة سنة (٤٤ هـ) . انظر: الإصابة (٤ / ٣٠٥- ٣٠٧)، (ت ٤٣٢) .
[ ١ / ٣٣٣ ]
لرسول الله ﷺ كنيسة رأينها (١) بأرض الحبشة، يقال لها: مارية. وذكرتا (٢) من حسنها (٣) وتصاوير فيها. فقال رسول الله ﷺ: «أولئك قوم إذا مات فيهم العبد الصالح، أو الرجل الصالح، بنوا على قبره مسجدا، وصوروا فيه تلك الصور (٤) أولئك شرار الخلق عند الله ﷿» (٥) .
وعن ابن عباس ﵄ قال: «لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج» رواه أهل السنن الأربعة (٦) وقال الترمذي: " حديث حسن " (٧) وفي بعض نسخه: " صحيح " (٨) .
_________________
(١) في المطبوعة: رأتاها. وفي الصحيحين والنسخ كما أثبته.
(٢) في (ب): ذكرتها حسنها.
(٣) في (ج): جنسها. ولعله خطأ من الناسخ.
(٤) في (ب): الصورة.
(٥) صحيح البخاري، كتاب الصلاة، باب هل تنبش قبور مشركي الجاهلية ويتخذ مكانها مساجد، الحديث رقم (٤٢٦) من فتح الباري (١ / ٥٢٣)، ورقم (٤٣٤، ١٣٤١، ٣٨٧٨) . وصحيح مسلم، كتاب المساجد، باب النهي عن بناء المساجد على القبور، الحديث رقم (٥٢٨)، (١ / ٣٧٥) .
(٦) أبو داود، كتاب الجنائز، باب في زيارة النساء القبور، الحديث (٣٢٣٦)، (٣ / ٥٥٨)؛ والترمذي، أبواب الصلاة، باب ما جاء في كراهية أن يتخذ على القبر مسجدا، حديث رقم (٣٢٠)، (٢ / ١٣٦)؛ وابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في النهي عن زيارة النساء القبور، حديث (١٥٧٤، ١٥٧٥، ١٥٧٦)؛ والنسائي، الجنائز، باب التغليظ في اتخاذ السرج على القبور (٤ / ٩٤، ٩٥) .
(٧) انظر: سنن الترمذي (٢ / ١٣٧) .
(٨) انظر: تعليق أحمد محمد شاكر على الحديث في الترمذي (٢ / ١٣٧)، حيث أفاد أن للحديث شواهد ترفعه لدرجة الصحيح لغيره.
[ ١ / ٣٣٤ ]
فهذا التحذير منه واللعن عن مشابهة أهل الكتاب في بناء المسجد على قبر الرجل الصالح (١) صريح في النهي عن المشابهة في هذا (٢) ودليل على الحذر من (٣) جنس أعمالهم، حيث لا يؤمن في سائر أعمالهم أن تكون من (٤) هذا الجنس.
ثم من المعلوم ما قد ابتلي به كثير من هذه الأمة، من بناء المساجد على القبور (٥) واتخاذ القبور مساجد بلا بناء، وكلا الأمرين محرم ملعون فاعله بالمستفيض من السنة، وليس هذا موضع استقصاء ما في ذلك من سائر الأحاديث والآثار؛ إذ الغرض القاعدة الكلية، وإن كان تحريم ذلك قد ذكره غير واحد من علماء الطوائف من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم؛ ولهذا كان السلف من الصحابة والتابعين يبالغون في المنع مما يجر إلى مثل هذا.
_________________
(١) الصالح: ساقطة من (أ) .
(٢) في (ب): في هذا الدليل، ودليل. . إلخ.
(٣) في (أ): على جنس. وفي (ب) والمطبوعة: عن جنس.
(٤) في (ط): في هذا الجنس.
(٥) من أكبر المصائب التي دهت المسلمين في عصورهم المتأخرة تساهل فريق منهم في بناء المساجد والقباب على القبور، ثم إصرارهم على هذه البلية، وهم الآن يستزيدون منها رغم نصح الناصحين، وتبصير المستبصرين لهم، وأنت ترى توافر النصوص وثبوتها في التحذير والنهي عن ذلك، بل إن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما اهتم بشيء في مرض موته كاهتمامه بهذا الأمر الخطير أن تقع فيه أمته، ومع هذا لا نزال نرى لهذه البدعة قبولا وانتشارا ونسمع لها أئمة ودعاة ومنافحين، ولم يقتصر الأمر على مجرد البناء على القبور، بل لقد اتخذت هذه القبور مزارات ومعابد وقبلات، يطاف بها ويدعى فيها المخلوقون من دون الخالق، فنسأل الله أن يطهر بلاد المسلمين وقلوب من ابتلي منهم من هذا الرجس.
[ ١ / ٣٣٥ ]
وفيه من الآثار ما لا يليق (١) ذكره هنا، حتى روى أبو يعلى الموصلي (٢) في مسنده: (٣) حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة (٤) حدثنا زيد (٥) بن الحباب (٦) حدثنا جعفر بن إبراهيم (٧) - من ولد ذي الجناحين - حدثنا علي بن عمر (٨)
_________________
(١) لا يليق ذكره: أي لا يتأتى ولا يمكن، لكثرته وطوله.
(٢) هو: أحمد بن علي بن المثنى التميمي الموصلي، أبو يعلى، الحافظ، من أشهر علماء الحديث في عصره، نعته الذهبي بمحدث الموصل، وله مصنفات، منها: المعجم، ومسندان؛ صغير وكبير، وكان ثقة صالحا متقنا، توفي سنة (٣٠٧ هـ) وعمره (٩٩) . انظر: شذرات الذهب (٢ / ٢٥٠)؛ والأعلام للزركلي (١ / ١٧١) .
(٣) في المطبوعة: بسنده.
(٤) هو: عبد الله بن محمد بن إبراهيم - وإبراهيم هو أبو شيبة - بن عثمان، أبو بكر بن شيبة الكوفي، الواسطي الأصل، صاحب التصانيف المشهورة، من الثقات الحفاظ المشاهير، من الطبقة العاشرة، توفي سنة (٢٣٥ هـ) . انظر: تقريب التهذيب (١ / ٤٤٥)، ترجمة رقم (٥٨٩) ع.
(٥) في المطبوعة: يزيد، وهو خطأ، وفي جميع النسخ زيد.
(٦) هو: زيد بن الحباب، أبو الحسين، العكلي، كان بالكوفة، وأصله من خراسان، قال ابن حجر في التقريب: " صدوق يخطئ في حديث الثوري ". أخرج له مسلم وأصحاب الكتب الستة عدا البخاري، توفي سنة (٢٠٣ هـ) . انظر: تقريب التهذيب (١ / ٢٧٣)، (ت ١٧٨) ز.
(٧) هو: جعفر بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، قال ابن حجر في لسان الميزان: " قال ابن حبان: يعتبر بحديثه من غير روايته عن أبيه ". انظر: الجرح والتعديل (٢ / ٤٧٤)، (ت ١٩٢٨)؛ ولسان الميزان (٢ / ١٠٦- ١٠٧)، (ت ٤٣٢) ج.
(٨) هو: علي بن عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ذكره ابن أبي حاتم وسكت عنه، وكذلك ذكره البخاري في التاريخ الكبير، وقال: روى عنه جعفر بن إبراهيم، ولم يذكر عنه شيئا أيضا. انظر: الجرح والتعديل (٦ / ١٩٦)، (ت ١٠٧٨)؛ والتاريخ الكبير (٦ / ٢٨٩)، (ت ٢٤٣١) .
[ ١ / ٣٣٦ ]
عن أبيه (١) عن علي بن حسين (٢) أنه رأى رجلا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي ﷺ فيدخل فيها، فيدعو، فنهاه، فقال: " ألا أحدثكم حديثا سمعته من أبي عن جدي (٣) عن النبي (٤) ﷺ؟ قال: «لا تتخذوا قبري عيدا، ولا بيوتكم قبورا، فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم» . وأخرجه محمد بن عبد الواحد المقدسي الحافظ (٥) في مستخرجه (٦) .
_________________
(١) هو: عمر بن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب، ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل وسكت عنه، وكذلك البخاري في التاريخ الكبير. انظر: الجرح والتعديل (٦ / ١٢٤)، (ت ٦٧٧)؛ والتاريخ الكبير (٦ / ١٧٩)، (ت ٢٠٩٧) .
(٢) كذا في (أ)، وهو الأصح، وفي المطبوعة والنسخ الأخرى: ابن الحسن. وهو: علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، زين العابدين. قال ابن حجر: " ثقة ثبت عابد فقيه فاضل مشهور "، قال ابن عيينة: عن الزهري: " ما رأيت قرشيا أفضل منه ". من الثالثة. مات سنة (٩٣ هـ)، أخرج له الستة. انظر: تقريب التهذيب (٢ / ٣٥)، (ت ٣٢١) ع.
(٣) أبوه الحسين بن علي، وجده علي بن أبي طالب، ﵄.
(٤) في (أط): عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
(٥) هو: ضياء الدين محمد بن عبد الواحد بن أحمد بن عبد الرحمن السعدي المقدسي الصالحي، الحافظ الإمام، محدث عصره، ولد سنة (٥٦٩ هـ)، وله مصنفات كثيرة في الفقه والحديث والتوحيد. لم أجد مستخرجه الذي أشار إليه المؤلف هذا ذكرا إلا أن يكون كتابه (الأحاديث المختارة)، لأنه في الأحاديث التي يصلح أن يحتج بها سوى ما في الصحيحين، ويرجح هذا ما سيذكره المؤلف في هذا الكتاب. انظر (٢ / ١٤١) . توفي سنة (٦٤٣ هـ) . انظر: الذيل على طبقات الحنابلة لابن رجب (٢ / ٢٣٦- ٢٤١) .
(٦) أشار ابن حجر في لسان الميزان إلى هذا الحديث عند ترجمة جعفر بن إبراهيم، وخرجه من أكثر من طريق: الأولى: أشار إليها المؤلف هنا عن أبي يعلى الموصلي وذكرها مختصرة. الثانية: عن إسماعيل بن إسحاق القاضي في كتابه فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. الثالثة: عن ابن أبي عاصم في كتاب فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وذكر في الأخيرة آخر الحديث فقط، وفصل الأولى. انظر: لسان الميزان (٢ / ١٠٦، ١٠٧) في ترجمة جعفر بن إبراهيم (٤٣٢) ج. وللحديث شاهد جيد أيضا سيشير إليه المؤلف في الصفحة التالية، كما ذكره السيوطي في الجامع الصغير بلفظ: " صلوا في بيوتكم، ولا تتخذوها قبورا، ولا تتخذوا بيتي عيدا، وصلوا علي وسلموا، فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم "، وقال السيوطي: حديث صحيح (٢ / ٩٧) . كما أخرجه الإمام إسماعيل بن إسحاق القاضي في كتاب فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بإسناد آخر عن علي بن حسين وبألفاظ مقاربة لما ذكره المؤلف هنا، الحديث رقم (٢٠)، (ص ١٠، ١١)، والحديث بمجموع طرقه وشواهده يصل لدرجة الصحيح إن شاء الله.
[ ١ / ٣٣٧ ]
وروى سعيد بن منصور في سننه: حدثنا عبد العزيز بن محمد (١) أخبرني سهيل بن أبي سهيل (٢) قال: " رآني الحسن بن الحسن (٣) بن علي بن أبي طالب (٤) ﵁ عند القبر فناداني، وهو في بيت
_________________
(١) هو: عبد العزيز بن محمد بن عبيد الدراوردي المدني، أبو محمد، صدوق سيئ الحفظ يخطئ، مات سنة (١٨٦ هـ) . انظر: تهذيب التهذيب (٦ / ٣٥٣- ٣٥٥)، (ت ٦٧٧) ع.
(٢) في (ب ج د): سهل. ولعل (سهيل) أصح، ولم أجد له ترجمة وافية، لكن أشار إليه البخاري في التاريخ الكبير، وقال: " سهيل عن حسن بن حسن، روى عنه محمد بن عجلان، منقطع "، كما أشار إليه ابن أبي حاتم الرازي في الجرح والتعديل وسكت عنه. انظر: التاريخ الكبير (٤ / ١٠٥)، (ت ٢١٢٢) و. انظر: الجرح والتعديل (٤ / ٢٤٩)، (ت ١٠٧١) .
(٣) في المطبوعة: رآني علي الحسن بن علي. وهو خطأ. وفي (ط): رأى الحسن بن علي. وهو خطأ كذلك.
(٤) قال ابن حجر عنه: " صدوق من الرابعة "، مات سنة (٩٧ هـ)، وعمره بضع وخمسون سنة. انظر: تقريب التهذيب (١ / ١٦٥)، ترجمة (٢٦٢) ح.
[ ١ / ٣٣٨ ]
فاطمة (١) يتعشى، فقال: هلم إلى العشاء، فقلت: لا أريده، فقال: مالي رأيتك عند القبر؟ قلت: سلمت على النبي ﷺ، فقال: " إذا دخلت المسجد فسلم. ثم قال: إن رسول الله ﷺ قال: «لا تتخذوا قبري عيدا، ولا تتخذوا بيوتكم مقابر، لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم»، ما أنت ومن بالأندلس إلا سواء " (٢) .
ولهذا ذكر الأئمة - أحمد وغيره، من أصحاب مالك وغيرهم -: إذا سلم على النبي ﷺ وقال ما ينبغي له أن يقول، ثم أراد أن يدعو، فإنه يستقبل القبلة (٣) ويجعل الحجرة عن يساره.
_________________
(١) هي فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وتأتي ترجمتها ﵂ (ص ٤٣٤) .
(٢) أخرجه بهذا الإسناد الإمام إسماعيل بن إسحاق القاضي، في فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، الحديث رقم (٣٠)، وليس فيه قوله: " وما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء "، وأخرجه بإسناد آخر في الحديث رقم (٢٠)، وفي ألفاظه اختلاف يسير، وقد أشرت إليه في هامش الحديث السابق، وقوله: " ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء "، من كلام الحسن لا من كلام الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم. والله أعلم. وأخرجه البزار بمسنده عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: " لا تجعلوا قبري عيدا ولا بيوتكم قبورا، وصلوا عليَّ وسلموا فإن صلاتكم تبلغني "، وقال البزار عن هذا: وهذا غير منكر وقد روي من غير وجه: " لا تجعلوا قبري عيدا ولا بيوتكم قبورا ". كشف الأستار عن زوائد البزار (١ / ٣٣٩، ٣٤٠)، رقم (٧٠٧) . انظر: التوسل والوسيلة للمؤلف (ص ٧٣) .
(٣) انظر: إعانة الطالبين (٢ / ١٤٣) للسيد البكري.
[ ١ / ٣٣٩ ]