فصل واعلم أن بين التشبه بالكفار والشياطين، وبين التشبه بالأعراب والأعاجم فرقا يجب اعتباره، وإجمالا يحتاج إلى تفسير، وذلك:
أن نفس الكفر والتشيطن مذموم في حكم الله ورسوله وعباده المؤمنين، ونفس الأعرابية والأعجمية ليست مذمومة في نفسها عند الله تعالى وعند رسوله وعند عباده المؤمنين، بل الأعراب منقسمون:
إلى أهل جفاء، قال الله فيهم: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ - وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: ٩٧ - ٩٨] (١) . وقال تعالى فيهم: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا - بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ [الفتح: ١١ - ١٢] (٢) .
وإلى أهل إيمان وبر، قال الله فيهم: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٩٩] (٣) .
_________________
(١) سورة التوبة: الآيتان ٩٧، ٩٨.
(٢) سورة الفتح: الآيتان ١١، ١٢.
(٣) سورة التوبة: الآية ٩٩.
[ ١ / ٤١٠ ]
وقد كان في أصحاب رسول الله ﷺ ممن وفد عليه ومن غيرهم من الأعراب، من هو أفضل من كثير من القرويين (١) .
فهذا كتاب الله يحمد بعض الأعراب، ويذم بعضهم، وكذلك فعل بأهل الأمصار، فقال سبحانه: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ [التوبة: ١٠١] (٢) فبين أن المنافقين في الأعراب وذوي القرى، وعامة سورة التوبة فيها الذم للمنافقين من أهل المدينة ومن الأعراب، كما فيها الثناء على السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان، وعلى الأعراب الذين يتخذون ما ينفقون قربات عند الله وصلوات الرسول.
وكذلك العجم وهم من سوى العرب من الفرس والروم والترك والبربر والحبشة وغيرهم ينقسمون إلى المؤمن والكافر، والبر والفاجر، كانقسام الأعراب (٣) قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: ١٣] (٤) .
وقال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «إن الله قد أذهب عنكم عبية (٥) الجاهلية، وفخرها بالآباء، مؤمن تقي وفاجر شقي، أنتم بنو آدم، وآدم من تراب» (٦) .
_________________
(١) يقصد بالقرويين هنا: الحاضرة سكان المدن والقرى. مقابل البادية.
(٢) سورة التوبة: الآية ١٠١.
(٣) في (أب ط): العرب.
(٤) سورة الحجرات: الآية ١٣.
(٥) في (أط): عيبة. والصحيح ما أثبته. انظر: (١ / ٢٤٧) من هذا الكتاب. وعبية الجاهلية: كبرها وفخرها ونخوتها بغير حق.
(٦) سبق تخريج الحديث. انظر: فهرس الأحاديث.
[ ١ / ٤١١ ]
وفي حديث آخر رويناه بإسناد صحيح من حديث سعيد الجريري (١) عن أبي نضرة (٢) حدثني - أو قال حدثنا - من شهد خطبة النبي ﷺ بمنى في وسط أيام التشريق، وهو على بعير، فقال: «يا أيها الناس، ألا إن ربكم ﷿ واحد، ألا وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي، ألا لا فضل لأسود على أحمر إلا بالتقوى، ألا قد بلغت؟ "، قالوا: نعم. قال: " ليبلغ الشاهد الغائب» (٣) .
وروي هذا الحديث عن أبي نضرة عن جابر.
وفي الصحيحين عن عمرو بن العاص ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن آل فلان ليسوا لي بأولياء، إنما وليي الله وصالحو المؤمنين» (٤) .
_________________
(١) في المطبوعة: سعد. وهو خطأ. وهو: سعيد بن إياس الجريري، البصري، أبو مسعود، قال في التقريب: "ثقة من الخامسة، اختلط قبل موته بثلاث سنين". أخرج له أصحاب الكتب الستة وغيرهم، ومات سنة (١٤٤ هـ) . انظر: تقريب التهذيب (١ / ٢٩١)، (ت ١٢٧) س.
(٢) هو: المنذر بن مالك بن قطعة العبدي العوفي، البصري، أبو نضرة، وثقه النسائي وابن معين وأبو زرعة وابن سعد، توفي سنة (١٠٨ هـ) . انظر: خلاصة التذهيب (ص ٢٨٧) مع الهامش.
(٣) أخرج أحمد بهذا السند نحوا من هذا الحديث في مسنده (٥ / ٤١١) في حديث رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم - ولم يسمه- وذكر الساعاتي في الفتح الرباني في هذا الحديث أن الهيثمي، قال: "رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح". انظر: الفتح الرباني (١٢ / ٢٢٧) . أما إسناده هنا- في المتن- فقد صححه المؤلف.
(٤) صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب تبل الرحم ببلالها، الحديث رقم (٥٩٩٠) من فتح الباري (١٠ / ٤١٩) . وصحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب موالاة المؤمنين ومقاطعة غيرهم والبراء منهم، الحديث رقم (٢١٥)، (١ / ١٩٧) .
[ ١ / ٤١٢ ]
فأخبر ﷺ عن بطن قريب النسب: أنهم ليسوا بمجرد النسب أولياءه، إنما وليه الله وصالحو المؤمنين من جميع الأصناف.
ومثل ذلك كثير بين في الكتاب والسنة، أن العبرة بالأسماء التي (١) حمدها الله وذمها، كالمؤمن والكافر، والبر والفاجر، والعالم والجاهل.
ثم قد جاء الكتاب والسنة بمدح بعض الأعاجم، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ - وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الجمعة: ٢ - ٣] (٢) .
وفي الصحيحين، عن (٣) أبي الغيث (٤) عن أبي هريرة ﵁ قال: «كنا جلوسا عند النبي ﷺ، فأنزلت عليه سورة الجمعة ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ [الجمعة: ٣] قال قائل: من هم يا رسول الله؟ فلم يراجعه حتى سأل ثلاثا، وفينا سلمان الفارسي (٥) فوضع رسول الله ﷺ يده على سلمان ثم قال: " لو كان
_________________
(١) في (أ): الذي.
(٢) سورة الجمعة: الآيتان ٢، ٣.
(٣) في المطبوعة: عن سالم أبي الغيث.
(٤) هو: سالم المدني، أبو الغيث، مولى عبد الله بن مطيع، وثقه معين والنسائي وغيرهما، وأخرج له أصحاب الكتب الستة، من الطبقة الثالثة. انظر: خلاصة التذهيب (ص ١٣٢)؛ وتقريب التهذيب (١ / ٢٨١)، (ت ٣١) س.
(٥) هو الصحابي الجليل: سلمان الخير، الفارسي، أبو عبد الله، أسلم عند قدوم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم المدينة، وشهد الخندق وما بعدها، وتوفي سنة (٣٣ هـ)، ويقال: وعمره (٢٥٠) سنة. انظر: تهذيب التهذيب (٤ / ٢٣٧) .
[ ١ / ٤١٣ ]
الإيمان عند الثريا لناله رجال من هؤلاء» (١) .
وفي صحيح مسلم، عن يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «لو كان الدين عند الثريا لذهب به رجل من فارس - أو قال: من أبناء فارس - حتى يتناوله» (٢) .
وفي رواية ثالثة: «لو كان العلم عند الثريا لتناوله رجال من أبناء فارس» (٣) " (٤) . وقد روى الترمذي عن أبي هريرة، «عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨] " أنهم من أبناء فارس» (٥) إلى غير ذلك من آثار رويت في فضل رجال من أبناء فارس.
ومصداق ذلك ما وجد في التابعين ومن بعدهم، من أبناء فارس الأحرار والموالي، مثل الحسن (٦) وابن سيرين وعكرمة مولى ابن عباس، وغيرهم، إلى من وجد بعد ذلك فيهم من المبرزين في الإيمان والدين والعلم، حتى صار هؤلاء المبرزون (٧) أفضل من أكثر العرب.
_________________
(١) صحيح البخاري، كتاب التفسير (سورة الجمعة) - باب قوله: (وآخرين منهم لما يلحقوا بهم)، الحديث رقم (٤٨٩٧)، (٤٨٩٨) من فتح الباري (٨ / ٦٤١) . وصحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب فضل فارس، تابع الحديث رقم (٢٥٤٦)، (٤ / ١٩٧٢، ١٩٧٣) .
(٢) صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب فضل فارس، الحديث رقم (٢٥٤٦)، (٤ / ١٩٧٢) .
(٣) هذه الجملة، ابتداء من قوله: (حتى يتناوله) قبل سطر، إلى قوله: (وقد روى الترمذي): سقطت من (ج د) .
(٤) هذه الرواية أخرجها أحمد في المسند (٢ / ٢٩٦- ٢٩٧، ٤٢٠، ٤٢٢، ٤٦٩)، وفيه: ناس، بدل: رجال وأسانيده صحاح.
(٥) المؤلف أشار إلى الحديث هنا بمعناه وهو في سنن الترمذي - كتاب تفسير القرآن- باب ومن سورة محمد، الحديث رقم (٣٢٦٠، ٣٢٦١) بأطول مما ذكره فليرجع إليه.
(٦) أي الحسن البصري.
(٧) في (ب): المبرزين.
[ ١ / ٤١٤ ]
وكذلك في سائر أصناف العجم من الحبشة والروم والترك، وبينهم (١) سابقون في الإيمان والدين (٢) لا يحصون كثرة، على ما هو معروف عند العلماء؛ إذ (٣) الفضل الحقيقي: هو اتباع ما بعث الله به محمدا ﷺ من الإيمان والعلم باطنا وظاهرا، فكل من كان فيه أمكن: كان أفضل.
والفضل إنما هو بالأسماء المحمودة في الكتاب والسنة مثل: الإسلام، والإيمان، والبر، والتقوى، والعلم، والعمل الصالح، والإحسان، ونحو ذلك، لا بمجرد كون الإنسان عربيا، أو عجميا، أو أسود، أو أبيض، ولا بكونه قرويا، أو بدويا.
وإنما وجه النهي عن مشابهة الأعراب والأعاجم مع ما ذكرناه من الفضل فيهم، وعدم العبرة بالنسب والمكان مبني على أصل، وذلك: أن الله ﷾ جعل سكنى القرى يقتضي من كمال الإنسان في العلم والدين، ورقة القلوب، ما لا يقتضيه سكنى البادية، كما أن البادية توجب من صلابة البدن والخلق، ومتانة الكلام مالا يكون في القرى، هذا هو الأصل.
وإن جاز تخلف هذا المقتضى لمانع، وكانت البادية أحيانا أنفع من القرى، وكذلك (٤) جعل الله الرسل من أهل القرى، فقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يوسف: ١٠٩] (٥) وذلك لأن الرسل لهم الكمال في عامة الأمور، حتى في النسب، ولهذا قال الله سبحانه: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩٧] (٦) ذكر هذا بعد
_________________
(١) في (أط): أو بينهم. وفي المطبوعة: وغيرهم.
(٢) في (أ): والذين لا يحصون كثرة.
(٣) في (ب): إذا الفضل.
(٤) في (ب ج د): ولذلك.
(٥) سورة يوسف: من الآية ١٠٩.
(٦) سورة التوبة: الآية ٩٧.
[ ١ / ٤١٥ ]
قوله: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ - يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ - سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ - يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ - الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٩٣ - ٩٧] (١) .
فلما ذكر الله المنافقين الذين استأذنوه في (٢) التخلف عن الجهاد في غزوة تبوك، وذمهم وهؤلاء كانوا من أهل المدينة، قال سبحانه: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩٧] (٣) فإن الخير كله - أصله وفصله (٤) - منحصر في العلم والإيمان كما قال سبحانه: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١] (٥) وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ﴾ [الروم: ٥٦] (٦) .
وضد الإيمان: إما الكفر الظاهر، أو النفاق الباطن، ونقيض العلم: عدمه.
فقال سبحانه عن الأعراب: إنهم (٧) أشد كفرا ونفاقا من أهل المدينة
_________________
(١) سورة التوبة: الآيات ٩٣- ٩٧.
(٢) في المطبوعة: استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في التخلف. . إلخ.
(٣) سورة التوبة: الآية ٩٧.
(٤) في (أ): وفضله.
(٥) سورة المجادلة: من الآية ١١.
(٦) سورة الروم: من الآية ٥٦.
(٧) في (ج د): بأنهم.
[ ١ / ٤١٦ ]
وأحرى منهم أن لا يعلموا حدود الكتاب والسنة، والحدود: هي حدود الأسماء المذكورة، فيما أنزل (١) الله من الكتاب والحكمة، مثل: حدود الصلاة والزكاة والصوم والحج، والمؤمن والكافر، والزاني والسارق والشارب، وغير ذلك حتى يعرف من الذي يستحق ذلك الاسم الشرعي ممن لا يستحقه، وما تستحقه مسميات تلك الأسماء: من الأحكام.
ولهذا: روى أبو داود وغيره من حديث الثوري (٢) حدثني أبو موسى (٣) عن وهب بن منبه، عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ - قال سفيان مرة: ولا أعلمه إلا عن النبي ﷺ - قال: «من سكن البادية جفا، ومن اتبع الصيد غفل، ومن أتى السلطان افتتن» (٤) .
ورواه أبو داود أيضا من حديث الحسن بن الحكم النخعي (٥) عن
_________________
(١) في (أط): فيما أنزله الله.
(٢) هو: سفيان. مرت ترجمته. انظر: فهرس الأعلام، وانظر: سنن أبي داود (٣ / ٢٧٨) .
(٣) قال في تقريب التهذيب: "أبو موسى عن وهب بن منبه، مجهول، من السادسة، ووهم من قال: إنه إسرائيل بن موسى"، وقال في تهذيب التهذيب: "شيخ يماني روى عن وهب بن منبه عن ابن عباس حديث: "من اتبع الصيد غفل"، وعن سفيان الثوري، مجهول، قاله ابن القطان". انظر: تقريب التهذيب (٢ / ٤٧٩)، (ت ١٦٧)، مادة (الكنى)؛ وتهذيب التهذيب (١٢ / ٢٥٢)، (ت ١١٦١)، مادة (الكنى) .
(٤) انظر: سنن أبي داود، كتاب الصيد، باب في اتباع الصيد، الحديث رقم (٢٨٥٩)، (٣ / ٢٧٨)؛ والترمذي، كتاب الفتن، باب (٦٩)، الحديث رقم (٢٢٥٦)، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث ابن عباس، لا نعرفه إلا من حديث الثوري" (٤ / ٥٢٤)؛ والنسائي، كتاب الصيد والذبائح، باب اتباع الصيد (٧ / ١٩٥، ١٩٦) . وأخرجه أحمد في المسند (١ / ٣٥٧٠)، وذكره السيوطي في الجامع الصغير وقال: "حديث حسن" (٢ / ٦١٠)، الحديث رقم (٨٧٥٣) .
(٥) هو: الحسن بن الحكم النخعي، أبو الحكم، الكوفي، قال ابن حجر في التقريب: "صدوق يخطئ، من السادسة" وثقه ابن معين، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، ذكره ابن حجر في التهذيب، مات سنة بضع وأربعين ومائة. انظر: تقريب التهذيب (١ / ١٦٥)، (ت ٢٦٥) ح؛ وتهذيب التهذيب (٢ / ٢٧١)، (ت ٤٩٠) .
[ ١ / ٤١٧ ]
عدي بن ثابت (١) عن شيخ من الأنصار، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ - بمعناه - وقال «ومن لزم السلطان افتتن»، وزاد «وما ازداد عبد من السلطان دنوا إلا ازداد من الله ﷿ بعدا» (٢) ولهذا: كانوا يقولون لمن يستغلظونه: إنك لأعرابي جاف، إنك لجلف جاف، يشيرون إلى غلظ عقله وخلقه.
ثم لفظ: (الأعراب) هو في الأصل: اسم لبادية العرب، فإن كل أمة (٣) لها حاضرة وبادية، فبادية العرب: الأعراب، ويقال: إن (٤) بادية الروم: الأرمن ونحوهم (٥) وبادية الفرس: الأكراد ونحوهم (٦) وبادية الترك (٧) التتار.
وهذا - والله أعلم - هو الأصل، وإن كان قد يقع فيه زيادة ونقصان.
_________________
(١) هو: عدي بن ثابت الأنصاري الكوفي، وثقه أحمد والنسائي، وقال أبو حاتم: صدوق، واتهمه بعضهم بالتشيع، قال ابن معين: شيعي مفرط، وقال أحمد: ثقة إلا أنه كان يتشيع، توفي سنة (١١٦) . انظر: تهذيب التهذيب (٧ / ١٦٥، ١٦٦)، (ت ٣٢٩) . وانظر كتاب: يحيى بن معين وكتابه: التاريخ (٢ / ٣٩٧)، تحقيق د. أحمد سيف.
(٢) انظر: سنن أبي داود، كتاب الصيد، باب اتباع الصيد، الحديث رقم (٢٨٦٠)، (٣ / ٢٧٨) .
(٣) أمة: ساقطة من (ط) .
(٤) ويقال إن: ساقطة من (أط) .
(٥) ونحوهم: ساقطة من (أب ط) .
(٦) ونحوهم: ساقطة من (أب ط) .
(٧) في (أ): وبادية التركمان الترك. وفي (ط): وبادية الترك والتركمان.
[ ١ / ٤١٨ ]
والتحقيق: أن سائر (١) سكان البوادي لهم (٢) حكم الأعراب، سواء دخلوا في لفظ الأعراب أو لم يدخلوا، فهذا الأصل يوجب أن يكون جنس الحاضرة أفضل من جنس البادية، وإن كان بعض أعيان البادية أفضل من أكثر الحاضرة، مثلا.
ويقتضي: أن ما انفرد به (٣) البادية عن جميع جنس الحاضرة - أعني في زمن السلف من الصحابة والتابعين - فهو ناقص عن فضل الحاضرة، أو مكروه.
فإذا وقع التشبه بهم فيما ليس من فعل الحاضرة المهاجرين، كان ذلك إما مكروها، أو مفضيا إلى مكروه (٤) وهكذا العرب (٥) والعجم.