وأما الطريق الثاني (٣) الخاص في نفس أعياد الكفار: فالكتاب والسنة والإجماع والاعتبار (٤) .
أما الكتاب: فمما تأوله غير واحد من التابعين وغيرهم، في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢] (٥) فروى أبو بكر الخلال في "الجامع" (٦) بإسناده عن محمد بن سيرين في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: ٧٢] قال: " هو الشعانين " (٧) .
_________________
(١) الانعطاف هو: الانثناء والميل، ومعنى العبارة هنا: أن من رجع إلى الأدلة ومال إليها تبين له الحق منها. انظر: القاموس المحيط، فصل العين، باب الفاء (٣ / ١٨١، ١٨٢) .
(٢) في (ج د): لهم.
(٣) أي: الطريق الثاني في بيان أن موافقة الكفار في أعيادهم لا تجوز.
(٤) في (ج د): والاعتياد.
(٥) سورة الفرقان: الآية ٧٢.
(٦) " الجامع " كتاب ألفه (الخلال) جمع فيه مسائل الإمام أحمد وعلومه وأقواله وآثاره. انظر: مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي (٦١٨) .
(٧) الشعانين: عيد للنصارى يقيمونه يوم الأحد السابق لعيد الفصح، ويحتفلون فيه بحمل السعف، ويزعمون أن ذلك ذكرى لدخول المسيح بيت المقدس. انظر: المعجم الوسيط (١ / ٤٤٨)، وانظر: (ص ٥٣٧) من هذا الجزء.
[ ١ / ٤٧٩ ]
وكذلك ذكر عن مجاهد قال: " هو (١) أعياد المشركين " وكذلك عن الربيع بن أنس (٢) قال: أعياد المشركين (٣) .
وفي معنى هذا: ما روي عن عكرمة قال: " لعب كان لهم في الجاهلية (٤) .
وقال القاضي أبو يعلى: مسألة: في النهي عن حضور أعياد المشركين:
روى أبو الشيخ الأصبهاني بإسناده في شروط أهل الذمة، عن الضحاك في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: ٧٢] قال: " عيد المشركين " (٥) .
وبإسناده عن أبي سنان عن الضحاك ": ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: ٧٢] كلام الشرك " (٦) . وبإسناده عن جويبر (٧) عن الضحاك ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: ٧٢]
_________________
(١) الضمير يعود على الزور.
(٢) هو: الربيع بن أنس البكري - ويقال: الحنفي - البصري، ثم الخراساني، قال العجلي وأبو حاتم: صدوق، وقال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في الثقات، ورماه بعضهم بالتشيع، وقال ابن حجر في التقريب: صدوق، له أوهام، أخرج له الستة سوى البخاري ومسلم، ومات سنة (١٤٠هـ) . انظر: تهذيب التهذيب (٣ / ٢٣٨، ٢٣٩)، (ت ٤٦١)؛ وتقريب التهذيب (١ / ٢٤٣)، (ت ٣١) ر.
(٣) انظر: تفسير ابن كثير (٣ / ٣٢٨، ٣٢٩) .
(٤) انظر: تفسير القرطبي (١٣ / ٧٩، ٨٠) .
(٥) وذكره السيوطي في الدر المنثور عن ابن عباس (٥ / ٨٠) .
(٦) انظر: تفسير ابن جرير (١٩ / ٣١) .
(٧) هو: جويبر بن سعيد الأزدي، أبو القاسم، البلخي، عداده في الكوفيين، قال ابن معين: ليس بشيء، وقال النسائي والدارقطني: متروك، وضعفه الأئمة في الحديث، أما في التفسير فقالوا: روايته مقبولة، مات بين سنة (١٤٠ و١٥٠هـ) . انظر: تهذيب التهذيب (٢ / ١٢٣، ١٢٤)، (ت ٢٠٠) .
[ ١ / ٤٨٠ ]
قال: " أعياد المشركين " وروى بإسناده، عن عمرو بن مرة: ﴿لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: ٧٢] " لا يمالئون (١) أهل الشرك على شركهم ولا يخالطونهم " (٢) .
وبإسناده عن عطاء بن يسار (٣) قال: قال عمر: " إياكم ورطانة الأعاجم، وأن تدخلوا على المشركين يوم عيدهم في كنائسهم " (٤) .
وقول هؤلاء التابعين: " إنه أعياد الكفار " ليس مخالفا لقول بعضهم: " إنه الشرك "، أو صنم (٥) كان في الجاهلية، ولقول بعضهم: إنه مجالس الخنا، وقول بعضهم: إنه الغناء؛ لأن عادة السلف في تفسيرهم هكذا: يذكر الرجل نوعا من أنواع المسمى لحاجة المستمع إليه، أو لينبه به على الجنس، كما لو قال العجمي: ما الخبز؟ فيعطى رغيفا ويقال له: هذا، بالإشارة إلى الجنس، لا إلى عين الرغيف.
_________________
(١) في (ب): لا يماثلون.
(٢) في (ب): ولا يخالطوهم.
(٣) هو: عطاء بن يسار الهلالي المدني القاضي، مولى ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أبو محمد، وثقه ابن معين والنسائي وابن سعد وأبو زرعة وغيرهم، وأخرج له الستة وغيرهم، وكان صاحب قصص، وعبادة وفضل، توفي بالإسكندرية سنة (١٠٣هـ) وعمره (٨٤) سنة. انظر: طبقات ابن سعد (٥ / ١٧٣، ١٧٤)؛ وتهذيب التهذيب (٧ / ٢١٧، ٢١٨)، (ت ٤٠٣) ع.
(٤) أخرجه عبد الرزاق في المصنف بإسناده عن عمر. انظر: المصنف (١ / ٤١١)، رقم (١٦٠٨)، باب الصلاة في البيعة، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٩ / ٢٣٤)، وانظر: كنز العمال (٣ / ٨٨٦)، رقم (٩٠٣٤١)، وكنز العمال أيضا (١ / ٤٠٥)، رقم (١٧٣٢) بلفظ آخر عزاه إلى البخاري في تاريخه، والبيهقي في شعب الإيمان.
(٥) في (د): صتم، ولا معنى لها، فلعله تحريف من الناسخ.
[ ١ / ٤٨١ ]
لكن قد قال قوم: إن المراد: شهادة الزور التي هي الكذب، وهذا فيه نظر، فإنه تعالى قال: ﴿لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: ٧٢] ولم يقل: لا يشهدون بالزور.
والعرب تقول: شهدت كذا: إذا حضرته، كقول ابن عباس: " شهدت العيد (١) مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم " (٢) وقول عمر: " الغنيمة لمن شهد الوقعة " (٣) وهذا كثير في كلامهم، وأما: شهدت بكذا، فمعناه: أخبرت به.
ووجه تفسير التابعين المذكورين: أن الزور هو المحَسَّن المموه، حتى يظهر بخلاف ما هو عليه في الحقيقة، ومنه قوله ﷺ: «المتشبع (٤) بما لم يعط كلابس ثوبي زور» (٥) لما كان يظهر مما يعظم به مما ليس عنده، فالشاهد بالزور (٦) يظهر كلاما يخالف الباطن، ولهذا فسره السلف تارة بما يظهر حسنه لشبهة، أو لشهوة، وهو قبيح في الباطن، فالشرك ونحوه: يظهر حسنه للشبهة، والغناء ونحوه: يظهر حسنه للشهوة.
_________________
(١) في (ج): العبد، والعيد هو الصواب.
(٢) وبقية الحديث (وأبي بكر وعمر وعثمان ﵃، فكلهم كانوا يصلون قبل الخطبة ". أخرجه البخاري، كتاب العيدين، باب الخطبة بعد العيد، حديث رقم (٩٦٢) من فتح الباري، (٢ / ٤٥٣) .
(٣) أخرجه عبد الرزاق في المصنف، باب لمن الغنيمة برقم (٩٦٨٩)، (٥ / ٣٠٣) .
(٤) في (ج): المتشيع. والمتشبع هو: المتزين بأكثر مما عنده يتكثر به ويتزين بالباطل. انظر: مختار الصحاح (ص ٣٢٧)، مادة (ش ب ع) .
(٥) الحديث متفق عليه. انظر: صحيح البخاري، كتاب النكاح، باب المتشبع لما لم ينل، حديث رقم (٥٢١٩) من فتح الباري، (٩ / ٣١٧)؛ وصحيح مسلم، كتاب اللباس، باب النهي عن التزوير في اللباس وغيره، حديث رقم (٢١٢٩) و(٢١٣٠)، (٣ / ١٦٨١) .
(٦) في (ب): مظهر.
[ ١ / ٤٨٢ ]
وأما أعياد المشركين: فجمعت الشبهة والشهوة، وهي باطل (١)؛ إذ لا منفعة فيها في الدين، وما فيها من اللذة العاجلة: فعاقبتها إلى ألم، فصارت زورا، وحضورها: شهودها، وإذا كان الله قد مدح ترك شهودها، الذي هو مجرد الحضور برؤية أو سماع، فكيف بالموافقة بما يزيد على ذلك، من العمل الذي هو عمل الزور، لا مجرد شهوده؟
ثم (٢) مجرد هذه الآية، فيها الحمد لهؤلاء والثناء عليهم، وذلك وحده يفيد الترغيب في ترك شهود أعيادهم، وغيرها من الزور، ويقتضي الندب إلى ترك حضورها وقد يفيد كراهية حضورها لتسمية الله لها زورا.
فأما تحريم شهودها من هذه الآية ففيه نظر، ودلالتها على تحريم فعلها أوجه؛ لأن الله تعالى سماها زورا، وقد ذم من يقول الزور، وإن لم (٣) يضر غيره لقوله في المتظاهرين (٤) ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة: ٢] (٥) وقال تعالى: (٦) ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: ٣٠] (٧) ففاعل الزور كذلك.
وقد يقال: قول الزور أبلغ من فعله، ولأنهم إذا مدحهم على مجرد تركهم شهوده، دل على أن فعله مذموم عنده معيب؛ إذ لو كان فعله جائزا والأفضل تركه: لم يكن في مجرد شهوده أو ترك شهوده كبير مدح، إذ شهود المباحات التي (٨) لا منفعة فيها، وعدم شهودها، قليل التأثير.
_________________
(١) في (ب): وهي باطلة، وفي المطبوعة: والباطل.
(٢) قوله: (مجرد شهوده) ثم: سقط من (ج د) .
(٣) لم: سقطت من (ج د) .
(٤) في (أ): المناظرين.
(٥) سورة المجادلة: من الآية ٢.
(٦) في المطبوعة: ذكر صدر الآية: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ) .
(٧) سورة الحج: من الآية ٣٠.
(٨) التي: سقطت من المطبوعة.
[ ١ / ٤٨٣ ]
وقد (١) يقال: هذا مبالغة في مدحهم؛ إذ كانوا لا يحضرون مجالس البطالة، وإن كانوا لا يفعلون الباطل، ولأن (٢) الله تعالى قال: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣] (٣) .
فجعل هؤلاء المنعوتين هم عباد الرحمن، وعبودية الرحمن واجبة، فتكون هذه الصفات واجبة.
وفيه نظر؛ إذ قد يقال: في هذه الصفات ما لا يجب، ولأن المنعوتين هم المستحقون لهذا الوصف على وجه الحقيقة والكمال، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢] (٤) وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] (٥) .
وقال ﷺ: «ليس المسكين الذي ترده اللقمة واللقمتان» . . (٦) الحديث.
وقال: «ما تعدون (٧) المفلس فيكم (٨)» (٩) «ما تعدون
_________________
(١) في (أ): ويقال.
(٢) في المطبوعة: قال: " لا يفعلون هم الباطل والله تعالى. . " إلخ، أي بزيادة " هم "، وإسقاط " لأن ".
(٣) سورة الفرقان: من الآية ٦٣، وقوله (عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا)، لم يذكره في (ط) .
(٤) سورة الأنفال: من الآية ٢.
(٥) سورة فاطر: من الآية ٢٨.
(٦) أخرجه البخاري في كتاب الزكاة، باب قول الله تعالى: (لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا)، حديث رقم (١٤٧٩) من فتح الباري (٣ / ٣٤١)، ولفظه: " ليس المسكين الذي يطوف على الناس ترده اللقمة واللقمتان. . " الحديث.
(٧) في المطبوعة: (ما تدعون) في الموضعين، وهو خطأ.
(٨) فيكم: ساقطة من (أط) والمطبوعة.
(٩) ذكره بهذا اللفظ ابن الأثير في جامع الأصول، وقال بأنه من زيادة رزين. انظر: جامع الأصول (١١ / ٧٩٧)، حديث رقم (٩٥١٣)، وأخرجه مسلم بلفظ: " أتدرون ما المفلس؟ " الحديث، في كتاب البر، باب تحريم الظلم، حديث رقم (٢٥٨١)، (٤ / ١٩٩٧) .
[ ١ / ٤٨٤ ]
الرقوب» (١) ونظائره كثيرة.
فسواء كانت الآية دالة على تحريم ذلك، أو كراهته أو استحباب تركه: حصل أصل المقصود؛ إذ من المقصود: بيان استحباب ترك موافقتهم أيضا؛ فإن بعض الناس قد يظن استحباب فعل ما فيه موافقة لهم؛ لما فيه من التوسيع على العيال، أو من إقرار الناس على اكتسابهم، ومصالح دنياهم، فإذا علم استحباب ترك ذلك: كان أول (٢) المقصود.