فهذه الأقسام الثلاثة: أحدها مكان لا فضل له في الشريعة أصلا، ولا فيه ما يوجب تفضيله، بل هو كسائر الأمكنة، أو دونها، فقصد ذلك المكان، أو قصد (٥) الاجتماع فيه لصلاة أو دعاء، أو ذكر، أو غير ذلك- ضلال بين.
ثم إن كان به بعض آثار الكفار، من اليهود أو النصارى أو غيرهم، صار أقبح وأقبح، ودخل في هذا الباب وفي الباب قبله، في مشابهة الكفار.
_________________
(١) في المطبوعة: إلى ثلاث أقسام.
(٢) في (أ): خوص.
(٣) الحديث مر. انظر: فهرس الأحاديث.
(٤) الحديث مر. انظر: فهرس الأحاديث.
(٥) في (ب): وهذا الاجتماع.
[ ٢ / ١٥٥ ]
وهذه أنواع لا يمكن ضبطها (١) بخلاف الزمان، فإنه محصور. وهذا الضرب أقبح من الذي قبله، فإن هذا يشبه عباده الأوثان أو هو ذريعة إليها، أو نوع من عبادة الأوثان، إذ عباد الأوثان كانوا يقصدون بقعة بعينها لتمثال هناك أو غير تمثال، يعتقدون أن ذلك يقربهم إلى الله تعالى، وكانت الطواغيت الكبار التي تشد إليها الرحال ثلاثة: اللات، والعزى، ومناة الثالثة الأخرى. كما ذكر الله ذلك في كتابه (٢) حيث يقول: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى - وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى - أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى - تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ [النجم: ١٩ - ٢٢] (٣) .
كل واحد من هذه الثلاثة (٤) لمصر من أمصار العرب. والأمصار التي كانت من ناحية الحرم، ومواقيت الحج ثلاثة: مكة، والمدينة، والطائف.
فكانت اللات: لأهل الطائف، ذكروا أنه كان في الأصل رجلا صالحا، يلت السويق للحجيج، فلما مات عكفوا على قبره مدة، ثم اتخذوا تمثاله (٥) ثم بنوا عليه بنية سموها: بيت الربة. وقصتها معروفة، لما بعث النبي ﷺ لهدمها لما (٦) افتتحت الطائف (٧) بعد فتح مكة (٨) سنة تسع من الهجرة.
وأما العزى: فكانت (٩) لأهل مكة قريبا من عرفات، وكانت هناك شجرة
_________________
(١) في (ب): وهذا نوع لا يمكن ضبطه.
(٢) في (ب): في كتابه العزيز.
(٣) سورة النجم: الآيات ١٩- ٢٢.
(٤) الثلاثة: ساقطة من (ط) .
(٥) في (ط): تمثالا له.
(٦) في المطبوعة: لهدمها المغيرة بن شعبة لما افتتح الطائف، وهو زيادة توضيح مكان الهامش.
(٧) انظر: القصة في السيرة النبوية لابن كثير (٤ / ٦١) .
(٨) مكة: ساقطة من (ط) .
(٩) في (ب ط): وكانت.
[ ٢ / ١٥٦ ]
يذبحون عندها ويدعون. فبعث النبي ﷺ إليها خالد بن الوليد، عقب فتح مكة فأزالها، وقسم النبي ﷺ مالها، وخرجت منها (١) شيطانة ناشرة شعرها (٢) فيئست العزى أن تعبد.
وأما مناة: فكانت لأهل المدينة، يهلون لها شركا بالله تعالى، وكانت حذو قديد الجبل الذي بين مكة والمدينة من ناحية الساحل.
ومن أراد أن يعلم كيف كانت أحوال المشركين في عبادة أوثانهم، ويعرف حقيقة الشرك الذي ذمه الله، وأنواعه، حتى يتبين له تأويل القرآن، ويعرف ما كرهه الله ورسوله، فلينظر سيرة النبي ﷺ وأحوال العرب في زمانه، وما ذكره الأزرقي (٣) في أخبار مكة، وغيره من العلماء.
ولما كان للمشركين شجرة يعلقون عليها أسلحتهم، ويسمونها ذات أنواط، فقال بعض الناس: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط، كما لهم ذات أنواط. فقال: «الله أكبر، قلتم كما قال قوم موسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، إنها السنن لتركبن سنن من كان قبلكم» (٤) . فأنكر النبي ﷺ مجرد مشابهتهم للكفار في اتخاذ شجرة يعكفون عليها، معلقين عليها سلاحهم.
_________________
(١) في (ط): منه.
(٢) انظر: القصة في البداية والنهاية (٤ / ٣١٦) .
(٣) هو: محمد بن عبد الله بن أحمد بن الوليد بن عقبة بن الأزرق، أحد الإخباريين وأصحاب السير، قال ابن النديم في الفهرست: (وله من الكتب: كتاب مكة وأخبارها وجبالها وأوديتها)، وهو كتاب أخبار مكة الذي أشار إليه المؤلف هنا. توفي نحو سنة (٢٥٠) . انظر: الأعلام للزركلي (٦ / ٢٢٢)، والفهرست لابن النديم (ص١٦٢) .
(٤) جاء ذلك في حديث أخرجه الترمذي عن أبي واقد الليثي وقال: (هذا حديث حسن) . انظر: سنن الترمذي، كتاب الفتن، باب ما جاء لتركبن سنن من كان قبلكم، الحديث رقم (٢١٨٠)، (٤ / ٤٧٥)، وأحمد في المسند (٥ / ٢١٨) .
[ ٢ / ١٥٧ ]
فكيف بما هو أعظم من ذلك من مشابهتهم المشركين، أو هو الشرك بعينه؟ .
فمن قصد بقعة يرجو الخير بقصدها، ولم تستحب الشريعة ذلك، فهو من المنكرات، وبعضه أشد من بعض، سواء كانت البقعة شجرة أو عين ماء (١) أو قناة جارية، أو جبلا، أو مغارة، وسواء قصدها ليصلي عندها، أو ليدعو عندها، أو ليقرأ عندها، أو ليذكر الله سبحانه عندها، أو ليتنسك (٢) عندها، بحيث يخص تلك البقعة بنوع من العبادة التي لم يشرع تخصيص تلك البقعة به لا عينا ولا نوعا. وأقبح من ذلك أن ينذر لتلك البقعة دهنا لتنور به، ويقال: (٣) إنها تقبل النذر، كما يقول بعض الضالين. فإن هذا النذر نذر معصية باتفاق العلماء، ولا يجوز الوفاء به، بل عليه كفارة (٤) عند كثير من أهل العلم، منهم أحمد في المشهور عنه، وعنه رواية هي قول أبي حنيفة والشافعي وغيرهما: أنه يستغفر الله من هذا النذر، ولا شيء عليه، والمسألة معروفة (٥) .
وكذلك إذا نذر طعاما من الخبز أو غيره للحيتان التي في تلك العين، أو البئر (٦) . وكذلك إذا نذر مالا (٧) من النقد أو غيره للسدنة، أو المجاورين العاكفين بتلك البقعة، فإن هؤلاء السدنة فيهم شبه من السدنة التي كانت (٨)
_________________
(١) في المطبوعة: أو غيرها. بدل: أو عين ماء.
(٢) في (ب ج د): ليستنسك. وفي (ط): ليتبتل.
(٣) في المطبوعة: ويقول.
(٤) في المطبوعة: كفارة يمين. ومعناها صحيح لكنه خلاف النسخ.
(٥) انظر: تفصيل القول في نذر المعصية في الفتاوى للمؤلف (١١ / ٥٠٤، ٥٠٥)، (٢٧ / ٣٣٣ - ٣٣٥)، (٣٣ / ١٢٣، ١٢٥)، (٣٥ / ٣٥٤) . وانظر: المغني والشرح الكبير (١١ / ٣٣٤ - ٣٣٦) .
(٦) في (ب ج): أو النهر.
(٧) في (ب): إذا نذر كلها من النقد.
(٨) في المطبوعة: الذين كانوا.
[ ٢ / ١٥٨ ]
لللات والعزى ومناة، يأكلون أموال الناس بالباطل (١) ويصدون عن سبيل الله، والمجاورون هناك فيهم شبه من العاكفين الذين قال لهم إبراهيم الخليل إمام الحنفاء، ﷺ: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٢] (٢) وقال: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ - أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ - فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٧٥ - ٧٧] (٣) والذين أتى عليهم موسى ﵇ وقومه (٤) كما قال تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٣٨] (٥) .
فالنذر لأولئك السدنة والمجاورين (٦) في هذه البقاع التي لا فضل في الشريعة للمجاور بها، نذر معصية، وفيه شبه من النذر لسدنة الصلبان والمجاورين عندها، أو لسدنة الأبداد (٧) التي بالهند، والمجاورين عندها.
ثم هذا (٨) المال المنذور، إذا صرفه في جنس تلك العبادة من المشروع، مثل أن يصرفه في عمارة المساجد، أو للصالحين من فقراء المسلمين، الذين
_________________
(١) لا يزال كثير من سدنة القبور يتخذون منها تجارة، وبعض الدول اتخذتها مراكز سياحية تدر عليها، وكثير من رجال الطرق الصوفية يعيشون على ذلك.
(٢) سورة الأنبياء: الآية ٥٢.
(٣) سورة الشعراء: الآيات ٧٥- ٧٧.
(٤) في المطبوعة زاد: بعد مجاوزة البحر.
(٥) سورة الأعراف: من الآية ١٣٨.
(٦) في (أ): والمجاورون، وهو خطأ، لأنه معطوف على مجرور بالإضافة.
(٧) في (ب ط): الأنداد. والأنداد جمع ند، وهو المثيل والشريك والنظير، وهي الأصنام. انظر: مختار الصحاح، مادة (ندد)، (ص٦٥٢) . أما الأبداد فهي جمع بد - بالكسر - المثل والنظير. وبالضم: الصنم، والجمع بددة وأبداد، وهي بيوت الأصنام. انظر: القاموس المحيط، فصل الباء، باب الدال (١ / ٢٨٦) .
(٨) هذا: سقطت من (أ) .
[ ٢ / ١٥٩ ]
يستعينون بالمال على عبادة الله وحده لا شريك له- كان حسنا. فمن هذه الأمكنة ما يظن أنه قبر نبي، أو رجل صالح، وليس كذلك، أو يظن أنه مقام له، وليس كذلك. فأما ما كان قبرا له أو مقاما، فهذا من النوع الثاني (١) .