ومما يدل من القرآن على النهي عن مشابهة الكفار قوله سبحانه:
_________________
(١) في (ب): كذلك.
(٢) في (أ): القلوب.
(٣) في (أط): وإذا فقد من القلب.
(٤) للمؤلف ﵀ كلام مفصل عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تجد شيئا منه في مجموع الفتاوى (٢٨ / ١٢١- ١٧١)، وطبع في رسالة مستقلة أيضا.
(٥) في (ب): لا يزال.
[ ١ / ١٧٢ ]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٠٤] (١) قال قتادة (٢) وغيره (٣) " كانت اليهود تقوله استهزاء، فكره (٤) الله للمؤمنين أن يقولوا مثل قولهم " (٥)؛ وقال أيضا: " كانت اليهود تقول للنبي ﷺ: راعنا سمعك، يستهزءون بذلك (٦) وكانت (٧) في اليهود قبيحة ".
وروى أحمد (٨) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) سورة البقرة الآية ١٠٤.
(٢) هو: قتادة بن دعامة بن قتادة السدوسي، أبو الخطاب، البصري الأعمى، أحد علماء التابعين، عده ابن سعد من الطبقة الثالثة من البصريين، وكان من الحفاظ النادرين، قال محمد بن سيرين: هو من أحفظ الناس، وقال أحمد بن حنبل: هو أحفظ أهل البصرة، ومع حفظه كان فقيها، وعالما بالتفسير، قال في تقريب التهذيب: " ثقة ثبت " توفي ﵀ سنة (١١٧هـ) وعمره (٥٧) سنة. انظر: البداية والنهاية لابن كثير (٩ / ٣١٣)؛ وتقريب التهذيب (٢ / ١٢٣)، ترجمة (٨١)، حرف قاف، وطبقات ابن سعد (٧ / ٢٢٩) .
(٣) هذا التفسير هو المشهور عند مفسري الصحابة والسلف كابن عباس، وأبي العالية، وأبي مالك، والربيع بن أنس، وعطية العوفي. انظر: تفسير ابن كثير (١ / ١٤٨، ١٤٩)؛ وتفسير ابن جرير (١ / ٣٧٤) .
(٤) في (ب ج): فكرهه.
(٥) انظر: تفسير ابن جرير (١ / ٣٧٤)؛ وتفسير ابن كثير (١ / ١٤٩)؛ وفتح القدير للشوكاني (١ / ١٢٥) .
(٦) تفسير ابن جرير (١ / ٣٧٤) .
(٧) في (ج): فكانت.
(٨) لا أدري من أحمد هذا؟ فلعله أحمد بن إسحاق، كما أشار إلى ذلك ابن جرير في تفسيره (١ / ٣٧٤)، وهو أحمد بن إسحاق بن عيسى الأهوازي البزار، قال النسائي: صالح، ومات سنة (٢٥٠هـ) . انظر: تهذيب التهذيب (١ / ١٤، ١٥)، (ت ٩) .
[ ١ / ١٧٣ ]
عن عطية (١) قال (٢) " كان يأتي ناس من اليهود فيقولون: راعنا سمعك، حتى قالها ناس من المسلمين، فكره الله لهم ما قالت اليهود ".
وقال عطاء (٣) " كانت لغة في الأنصار في الجاهلية " (٤) .
وقال أبو العالية (٥) " إن مشركي العرب كانوا إذا حدث بعضهم بعضا يقول أحدهم (٦) لصاحبه: أرعني (٧) سمعك؛ فنهوا عن ذلك " (٨) وكذلك قال الضحاك (٩) .
_________________
(١) هو: عطية بن سعد بن جنادة العوفي، من جديلة قيس، أبو الحسن، قال في تقريب التهذيب: " صدوق يخطئ كثيرا، كان شيعيا مدلسا "، وضعفه أحمد، وقال يحيى بن معين: صالح، وقال ابن سعد في الطبقات: " وكان ثقة إن شاء الله، وله أحاديث صالحة، ومن الناس من لا يحتج به "، توفي سنة (١١١هـ) . انظر: الجرح والتعديل (٦ / ٣٨٢)، (ت ٢١٢٥)؛ وطبقات ابن سعد (٦ / ٣٠٤)؛ وتقريب التهذيب (٢ / ٢٤)، (ت٢١٦) . في المطبوعة: عطية العوفي، وبقية النسخ لم تذكر العوفي.
(٢) انظر: تفسير ابن جرير (١ / ٣٧٤)، وانظر: تفسير ابن كثير (١ / ١٤٩) .
(٣) هو: عطاء بن أبي رباح، وأبو رباح أبوه، اسمه: أسلم، الفهري، مولاهم، أحد كبار التابعين المكيين، وكان عالما فاضلا، ثقة، كثير الحديث، فقيها، أدرك كثيرا من الصحابة وروى عنهم، مات سنة (١١٤هـ)، وله من العمر (٨٨) سنة. انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (٥ / ٤٦٧ - ٤٧٠)؛ وتقريب التهذيب (٢ / ٢٢)، (ت ١٩٠)، حرف (ع) .
(٤) انظر: تفسير ابن جرير (١ / ٣٧٤)؛ وتفسير ابن كثير (١ / ٤٩) .
(٥) هو: رفيع بن مهران الرياحي، من بني تميم، بصري، وثقه يحيى بن معين، وأبو زرعة، وقال في تقريب التهذيب: " ثقة كثير الإرسال "، مات ﵀ سنة ٩٠هـ. انظر: تقريب التهذيب (١ / ٢٥٢)، (ت ١٠٥) .
(٦) في (ج د): (أحدهم) سقطت.
(٧) في المطبوعة: راعني.
(٨) انظر: تفسير ابن جرير (١ / ٣٧٤)؛ وتفسير ابن كثير (١ / ١٤٩) .
(٩) هو الضحاك بن مزاحم الهلالي، الخرساني، تابعي، جليل، إمام في التفسير، قال الثوري: " خذوا التفسير عن أربعة: مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، والضحاك " قال في تقريب التهذيب: " صدوق، كثير الإرسال " وثقه ابن حبان وأحمد، وضعفه يحيى بن سعيد القطان، توفي ﵀ سنة (١٠٥هـ) . انظر: البداية والنهاية لابن كثير (٩ / ٢٢٣)؛ وتقريب التهذيب (١ / ٣٧٣)، (ت ١٧) .
[ ١ / ١٧٤ ]
فهذا كله يبين أن هذه الكلمة نُهي المسلمون عن قولها؛ لأن اليهود كانوا يقولونها - وإن كانت من اليهود قبيحة ومن المسلمين لم تكن قبيحة - لما كان (١) في مشابهتهم فيها من مشابهة الكفار، وتطريقهم (٢) إلى بلوغ غرضهم.
وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٩] (٣) .
ومعلوم أن الكفار فرقوا دينهم، وكانوا شيعا (٤) كما قال سبحانه: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران: ١٠٥] (٥) .
وقال: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة: ٤] (٦) .
وقال: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [المائدة: ١٤] (٧) .
_________________
(١) في المطبوعة: لما كانت مشابهتهم.
(٢) في المطبوعة: وطريقهم. التطريق: مأخوذ من الطريق، والمعنى: إفساح الطريق لهم ليبلغوا مرادهم من هذه الكلمة القبيحة. انظر: مختار الصحاح، مادة (طرق)، (ص ٣٩١) .
(٣) سورة الأنعام: الآية ١٥٩.
(٤) في (ب) وقع خلط من الناسخ هنا حيث أعاد الآية وما بعدها مرة أخرى.
(٥) سورة آل عمران: الآية ١٠٥.
(٦) في (ب): البينات، وهو خطأ. سورة البينة: الآية ٤.
(٧) سورة المائدة: الآية ١٤.
[ ١ / ١٧٥ ]
وقال عن اليهود: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [المائدة: ٦٤] (١) .
وقد قال تعالى لنبيه ﵊: ﴿لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٩] وذلك يقتضي تبرؤه منهم في جميع الأشياء.
ومن تابع غيره في بعض أموره فهو منه في ذلك الأمر؛ لأن قول القائل: أنا من هذا، وهذا مني - أي أنا من نوعه، وهو من نوعي - لأن الشخصين لا يتحدان إلا بالنوع، كما في قوله تعالى: ﴿بَعْضُكُمْ (٢) مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران: ١٩٥] (٣) وقوله ﵊ لعلي: «أنت مني وأنا منك» (٤) فقول القائل: لست من هذا في شيء، أي لست مشاركا له في شيء، بل أنا متبرئ من جميع أموره.
وإذا كان الله قد برأ (٥) الله رسوله ﷺ (٦) من جميع أمورهم؛ فمن كان متبعا للرسول ﷺ حقيقة كان متبرئا كتبرئه، ومن كان (٧) موافقا لهم كان مخالفا
_________________
(١) سورة المائدة: الآية ٦٤.
(٢) في (ج د ط): (بعضهم)، فيكون على هذا: قوله تعالى: (بعضهم من بعض)، سورة التوبة: من الآية ٦٧.
(٣) سورة آل عمران: الآية ١٩٥، وسورة النساء: الآية ٢٥.
(٤) هذا جزء من حديث رواه الترمذي عن البراء بن عازب، في كتاب المناقب - في مناقب علي ﵁ -، الباب (٢١)، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح". انظر: سنن الترمذي (٥ / ٦٣٥)، حديث رقم (٣٧١٦) . كما رواه البخاري في كتاب الصلح، الباب السادس، حديث رقم (٢٦٩٩)، (٥ / ٣٠٣، ٣٠٤) من فتح الباري، وكذلك أخرجه في كتاب المغازي، باب عمرة القضاء، حديث رقم (٤٢٥١)، وأحمد في المسند (٥ / ٢٠٤) في مسند أسامة بن زيد ﵁.
(٥) في (د): رسول الله.
(٦) في (ب): لم يذكر ﷺ.
(٧) في المطبوعة: كان متبرئا منهم كتبرئه ﵌ منهم.
[ ١ / ١٧٦ ]
للرسول بقدر موافقته لهم، فإن الشخصين المختلفين من كل وجه في دينهما، كلما شابهت أحدهما؛ خالفت الآخر (١) .
وقال ﷾: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] (٢) إلى آخر السورة (٣) .
وقد روى مسلم في صحيحه عن العلاء بن عبد الرحمن (٤) عن أبيه (٥) عن أبي هريرة ﵁ قال: «لما نزلت على رسول الله ﷺ ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] (٦) . الآية، اشتد (٧) ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ فأتوا رسول الله ﷺ، ثم بركوا على الركب، فقالوا: " أي رسول الله، كلفنا ما نطيق: (٨) الصلاة والصيام والجهاد
_________________
(١) في (ط): الأخرى.
(٢) سورة البقرة: الآية ٢٨٤.
(٣) في المطبوعة: سرد الآيتين إلى آخر السورة.
(٤) هو: العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب، مولى الحرقة من جهينة، وهو مدني من الطبقة الخامسة، قالوا عنه: صدوق ربما يهم، روى عنه الثقات، وربما أنكر بعضهم من حديثه أشياء، وقد وثقه أحمد بن حنبل، مات سنة بضع وثلاثين ومائة هجرية. انظر: تقريب التهذيب (٢ / ٩٢، ٩٣)، (ت ٢٨٦)؛ والجرح والتعديل (٦ / ٣٥٧)، باب العين (ت ١٩٧٤) .
(٥) عبد الرحمن بن يعقوب، أبو العلاء، المذكور آنفا، مدني تابعي روى عن أبي هريرة وابن عمر، قال في تقريب التهذيب: " ثقة من الثالثة ". انظر: الجرح والتعديل (٥ / ٣٠١)، (ت ١٤٢٨)؛ وتقريب التهذيب (١ / ٥٠٣)، (ت ١١٥٩) .
(٦) سورة البقرة: الآية ٢٨٤.
(٧) في مسلم: قال: فاشتد. . إلخ، وكذلك مسند أحمد.
(٨) في المطبوعة: من الصلاة، وفي مسلم ومسند أحمد كما هو مثبت.
[ ١ / ١٧٧ ]
والصدقة، وقد نزلت عليك هذه الآية، (١) ولا نطيقها " قال رسول الله ﷺ: " أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين (٢) من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا وإليك المصير "، فلما اقترأها القوم، وذلت (٣) بها ألسنتهم، أنزل (٤) الله تعالى في إثرها: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥] فلما فعلوا ذلك نسخها الله؛ فأنزل الله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] قال: نعم ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] قال: نعم ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٦] قال: نعم ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٨٦] قال: نعم» (٥) (٦) .
فحذرهم النبي ﷺ أن يتلقوا أمر الله بما تلقاه (٧) . أهل الكتابين (٨) وأمرهم بالسمع والطاعة؛ فشكر الله لهم ذلك، حتى رفع الله عنهم
_________________
(١) في (د ط): لا نطيقها.
(٢) أي اليهود والنصارى، والكتابان: التوراة، والإنجيل.
(٣) كذا في جميع النسخ ومسند أحمد، وفي مسلم: (ذلت)، دون واو العطف.
(٤) في مسلم: فأنزل.
(٥) (نعم): سقطت من (ط) .
(٦) الحديث في صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان أنه ﷾ لم يكلف إلا ما يطاق، حديث رقم (١٢٥)، (١ / ١١٥، ١١٦)؛ وفي مسند أحمد (٢ / ٤١٢) .
(٧) في (أط): بما تلقاه به.
(٨) من هنا حتى قوله: من كان قبلنا (سطر ونصف تقريبا): سقط من (ط) .
[ ١ / ١٧٨ ]
الآصار والأغلال (١) التي كانت على من كان (٢) قبلنا (٣) .
وقال الله في صفته ﷺ: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧] (٤) فأخبر الله سبحانه أن رسوله ﵊ يضع الآصار والأغلال التي كانت على أهل الكتاب.
ولما دعا المؤمنون بذلك أخبر (٥) الرسول أنه (٦) قد استجاب دعاءهم.
وهذا وإن كان رفعا للإيجاب والتحريم فإن الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يكره أن تؤتى معصيته (٧) قد صح ذلك عن النبي ﷺ (٨) .
_________________
(١) الأغلال: سقطت من (أج د) . والآصار: جمع إصر، وهو الذنب والثقل، والأغلال: هي القيود، راجع: مختار الصحاح، مادة (اص ر)، (ص١٨)، ومادة (غ ل ل)، (ص٤٧٨) .
(٢) كان: سقطت من (ب) .
(٣) في المطبوعة: قبلهم.
(٤) سورة الأعراف: من الآية ١٥٧.
(٥) في المطبوعة: أخبرهم الرسول أن الله قد استجاب. . إلخ.
(٦) انظر التعليق السابق.
(٧) ورد ذلك في المسند عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﵌: " إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته " مسند الإمام أحمد (٢ / ١٠٨)، في مسند عبد الله بن عمر ﵁. وذكره السيوطي في الجامع الصغير، وقال: حديث صحيح، وذكر أنه رواه عن ابن عمر أحمد في المسند، وابن حبان في صحيحه والبيهقي في شعب الإيمان. انظر: الجامع الصغير (١ / ٢٨٨)، الحديث رقم (١٨٩٤) . وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه في كتاب الصيام، الحديث رقم (٢٠٢٧)، (١ / ٢٥٩)، ولفظه: " إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تترك معصيته ".
(٨) انظر التعليق السابق.
[ ١ / ١٧٩ ]
كما (١) كان النبي ﵊ يكره مشابهة أهل الكتابين في هذه الآصار والأغلال، وزجر أصحابه عن التبتل (٢) وقال: «لا رهبانية (٣) في الإسلام» (٤) وأمر بالسحور (٥) ونهى عن المواصلة (٦) (٧) وقال فيما
_________________
(١) في (أط) والمطبوعة: وكذلك، وفي (ب): ولذلك.
(٢) التبتل: الانقطاع عن الدنيا لعبادة الله تعالى. انظر: مختار الصحاح (ص٤٠)، مادة (ب ت ل) .
(٣) الرهبانية، والترهب: التعبد، والانقطاع عن الناس للعبادة، والتشديد على النفس في ذلك، كما يفعل الرهبان: وهم النصارى الذين يتعبدون في الصوامع ويعتزلون بها عن الناس، ويتركون ملاذ الدنيا، ومخالطة الناس، ويشددون على أنفسهم في العبادة كالصوم، ويتركون الدعوة والجهاد. انظر: القاموس المحيط، فصل الراء، باب الباء (١ / ٧٩) .
(٤) ورد الحديث بهذا اللفظ في شرح السنة للبغوي (٢ / ٣٧١)، قال بعد أن ذكر حديث: " إن سياحة أمتي الجهاد. . ". إلخ، قال: ويروى: " لا رهبانية في الإسلام "، ولم يذكر سنده، لكن له شواهد في مسند أحمد (٦ / ٢٢٦)، وهو قوله ﵌ لعثمان بن مظعون: " يا عثمان، إن الرهبانية لم تكتب علينا. . " الحديث. ورجاله ثقات، وفي سنن الدارمي وفيه: " إني لم أومر بالرهبانية " انظر سنن الدارمي (٢ / ١٣٣)، وأشار السيوطي إلى حديث جاء فيه: " ولا ترهب في الإسلام " لعبد الرزاق في الجامع عن طاوس مرسلا، وقال: ضعيف (٢ / ٧٤٦)، ح (٩٨٨٠) وانظر: التعليق على هامش شرح السنة للبغوي (٢ / ٣٧١)، وذكره العجلوني في كشف الخفا لكنه لم يذكر عنه شيئا إلا قول ابن حجر: " لم أره بهذا اللفظ ". انظر: كشف الخفا (٢ / ٥٢٨)، رقم (٣١٥٤) .
(٥) فقال ﵌: " تسحروا فإن في السحور بركة " متفق عليه، في البخاري، كتاب الصوم، باب بركة السحور من غير إيجاب، انظر: فتح الباري، حديث رقم (١٩٢٣)، (٤ / ١٣٩) وفي مسلم، كتاب الصيام، باب فضل السحور وتأكيد استحبابه، حديث رقم (١٠٥٩)، (٢ / ٧٧٠) .
(٦) أي مواصلة الصيام ليومين فأكثر بلياليهما.
(٧) روى ابن عمر أن النبي ﵌: " نهى عن الوصال. . " الحديث في صحيح مسلم، كتاب الصيام، باب النهي عن الوصال في الصوم، حديث رقم (١١٠٢)، (٢ / ٧٧٤) . وفي صحيح البخاري، كتاب الصوم، باب الوصال، حديث رقم (١٩٦٢)، من فتح الباري (٤ / ٢٠٣)، وللحديث طرق وشواهد كثيرة في السنن والمسانيد والصحاح وسائر كتب السنة.
[ ١ / ١٨٠ ]
يعيب (١) أهل الكتابين ويحذر موافقتهم (٢) «فتلك بقاياهم في الصوامع» (٣) (٤) وهذا باب واسع جدا.