فصل فإن قيل: ما ذكرتموه من الأدلة معارض بما يدل على خلافه، وذلك: أن شرع من قبلنا شرع لنا، ما لم يرد شرعنا بخلافه، وقوله تعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠] (١) وقوله: ﴿اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ [النحل: ١٢٣] (٢) وقوله: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ [المائدة: ٤٤] (٣) وغير ذلك من الدلائل المذكورة في غير هذا الموضع، مع أنكم مسلمون لهذه القاعدة، وهي قول عامة السلف وجمهور الفقهاء.
ومعارض بما رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄: «أن رسول الله ﷺ قدم المدينة، فوجد اليهود صياما يوم عاشوراء، فقال لهم ﷺ: " ما هذا اليوم الذي تصومونه؟ " قالوا: هذا يوم عظيم، أنجى الله فيه موسى وقومه، وأغرق (٤) فيه فرعون وقومه، فصامه موسى شكرا لله (٥) فنحن نصومه تعظيما له، فقال رسول الله ﷺ: " فنحن أحق وأولى بموسى منكم " فصامه رسول الله ﷺ، وأمر بصيامه» متفق عليه (٦) .
_________________
(١) سورة الأنعام: من الآية ٩٠.
(٢) سورة النحل: من الآية ١٢٣.
(٣) سورة المائدة: من الآية ٤٤.
(٤) في مسلم: وغرق. وكذا في (ب ط) .
(٥) قوله: (لله) لا توجد في مسلم. وكذلك في (ج د) .
(٦) انظر: صحيح البخاري: كتاب الصوم، باب صيام يوم عاشوراء، الحديث رقم (٢٠٠٤) من فتح الباري (٤ / ٢٤٤)، وفي لفظه اختلاف يسير؛ وصحيح مسلم، كتاب الصيام، باب صوم يوم عاشوراء، الحديث رقم (١١٣٠)، الرقم الخاص (١٢٨)، (٢ / ٧٩٦)، واللفظ لمسلم.
[ ١ / ٤٦٢ ]
وعن أبي موسى ﵁، قال: «كان يوم عاشوراء تعده اليهود عيدا، قال النبي ﷺ: " فصوموه أنتم» (١) متفق عليه، وهذا اللفظ للبخاري، ولفظ مسلم (٢) «تعظمه اليهود وتتخذه عيدا» (٣) وفي لفظ له: " كان أهل خيبر يصومون يوم عاشوراء ويتخذونه عيدا، ويلبسون نساءهم فيه حليهم وشاراتهم " (٤) .
وعن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة (٥) عن ابن عباس ﵄، قال: «كان أهل الكتاب يسدلون أشعارهم، وكان المشركون يفرقون رؤوسهم، وكان رسول الله ﷺ يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء، فسدل رسول الله ﷺ ناصيته، ثم فرق بعد»، متفق عليه (٦) .
_________________
(١) صحيح البخاري، في الكتاب والباب السابقين، الحديث رقم (٢٠٠٥) من فتح الباري (٤ / ٢٤٤) .
(٢) في المطبوعة: عكس فقال: وهذا لفظ مسلم. ولفظ البخاري. . إلخ. بينما الصحيح ما أثبته كما في جميع النسخ المخطوطة، وكما هو في البخاري ومسلم أيضا.
(٣) صحيح مسلم، كتاب الصيام، باب صوم يوم عاشوراء، الحديث رقم (١١٣١)، (٢ / ٧٩٦) .
(٤) المصدر السابق، تابع الحديث رقم (١١٣١)، (٢ / ٧٩٦) .
(٥) هو: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي، أبو عبد الله، المدني من الفقهاء والثقات الأثبات، من الطبقة الثالثة، أخرج له الستة وغيرهم، توفي سنة (٩٤هـ) . انظر: تقريب التهذيب (١ / ٥٣٥)، (ت ١٤٦٩) ع.
(٦) صحيح البخاري، كتاب اللباس، باب الفرق، الحديث رقم (٥٩١٧) من فتح الباري (١٠ / ٣٦١)؛ وصحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب في سدل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم شعره وفرقه، الحديث رقم (٢٣٣٦)، (٤ / ١٨١٦) .
[ ١ / ٤٦٣ ]
قيل: أما المعارضة بكون شرع (١) من قبلنا شرع لنا، ما لم يرد شرعنا بخلافه، فذاك مبني على مقدمتين، كلتاهما منفية في مسألة التشبه بهم:
إحداهما: أن يثبت أن ذلك شرع لهم، بنقل موثوق به، مثل أن يخبرنا الله في كتابه، أو على لسان رسوله، أو ينقل بالتواتر، ونحو ذلك، فأما مجرد الرجوع إلى قولهم، أو إلى ما في كتبهم، فلا يجوز بالاتفاق، والنبي ﷺ، وإن كان قد استخبرهم فأخبروه، ووقف على ما في التوراة؛ فإنما ذلك لأنه لا يروج عليه باطلهم، بل الله سبحانه يعرفه ما يكذبون مما يصدقون، كما قد أخبره بكذبهم غير مرة. وأما نحن فلا نأمن أن يحدثونا بالكذب، فيكون فاسق، بل كافر قد جاءنا بنبأ فاتبعناه، وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم، ولا تكذبوهم» (٢) .
المقدمة الثانية: أن لا يكون في شرعنا بيان خاص لذلك، فأما إذا كان فيه بيان خاص: إما بالموافقة، أو بالمخالفة، استغني عن ذلك فيما ينهى عنه من موافقته، ولم (٣) يثبت أنه شرع لمن كان قبلنا، وإن ثبت فقد كان هدي نبينا ﷺ بخلافه، وبهم أمرنا نحن أن نتبع ونقتدي، وقد أمرنا نبينا ﷺ: أن يكون هدينا مخالفا لهدي اليهود والنصارى، وإنما تجيء الموافقة في بعض الأحكام العارضة، لا في الهدي الراتب، والشعار الدائم.
ثم ذلك بشرط: أن لا يكون قد جاء عن نبينا وأصحابه خلافه، أو ثبت أصل شرعه في ديننا، وقد ثبت عن نبي من الأنبياء
_________________
(١) شرع: ساقطة من (أ) .
(٢) أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا، الحديث رقم (٤٤٨٥) من فتح الباري (٨ / ١٧٠)، ولفظه: " لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم. . " الحديث.
(٣) في (ج د ط): لم. بدون الواو.
[ ١ / ٤٦٤ ]
أصله، أو وصفه (١) مثل: فداء من نذر أو يذبح ولده بشاة، ومثل: الختان المأمور به في ملة إبراهيم ﵇، ونحو ذلك. وليس الكلام فيه.
وأما حديث عاشوراء: فقد ثبت (٢) أن رسول الله ﷺ كان يصومه قبل استخباره لليهود (٣) وكانت قريش تصومه، ففي الصحيحين، من حديث الزهري عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: «كانت قريش تصوم يوم عاشوراء في الجاهلية، وكان رسول الله ﷺ يصومه (٤) فلما هاجر إلى المدينة صامه، وأمر بصيامه، فلما فرض (٥) شهر رمضان قال: " من شاء صامه، ومن شاء تركه» (٦) وفي رواية: " وكان يوما تستر فيه الكعبة " (٧) .
وأخرجاه من حديث هشام عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: «كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية، وكان (٨) رسول الله ﷺ يصومه في الجاهلية، فلما قدم المدينة صامه، وأمر بصيامه، فلما فرض رمضان ترك
_________________
(١) في (ج د): أو وضعه.
(٢) في (ج د): وقد ثبت أيضا.
(٣) في (ج د): اليهود.
(٤) في (ج د) زيادة: (في الجاهلية)، وهي كذلك في رواية البخاري عن هشام بن عروة الآتية، لكنها لا توجد في رواية الزهري.
(٥) في المطبوعة: صوم شهر رمضان.
(٦) صحيح مسلم، كتاب الصيام، باب صوم يوم عاشوراء، الحديث رقم (١١٢٥)، (٢ / ٧٩٢)؛ وصحيح البخاري، كتاب الصوم، باب صيام يوم عاشوراء، الحديث رقم (٢٠٠١) و(٤ / ٢٢٤) من فتح الباري.
(٧) جاءت هذه الرواية في صحيح البخاري، كتاب الحج، باب قول الله تعالى: " جعل الله الكعبة. . " إلخ، الحديث رقم (١٥٩٢) من فتح الباري، (٣ / ٤٥٤)؛ ومسند أحمد (٦ / ٢٤٤) .
(٨) في (ج د): فكان.
[ ١ / ٤٦٥ ]
يوم عاشوراء (١) " فمن شاء صامه، ومن شاء تركه» (٢) .
وفيهما عن عبد الله (٣) بن عمر ﵄: «أن أهل الجاهلية كانوا يصومون عاشوراء، وأن رسول الله ﷺ صامه والمسلمون قبل أن يفترض رمضان، فلما افترض رمضان قال رسول الله ﷺ: " إن عاشوراء يوم من أيام الله، فمن شاء صامه، ومن شاء تركه» (٤) .
فإذا كان أصل صومه لم يكن موافقا لأهل الكتاب، فيكون قوله: «فنحن أحق بموسى منكم» توكيدا لصومه، وبيانا لليهود: أن الذي يفعلونه من موافقة موسى نحن أيضا نفعله، فنكون أولى بموسى منكم.
ثم الجواب عن هذا، وعن قوله: «كان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء» من وجوه:
أحدها: أن هذا كان متقدما، ثم نسخ الله ذلك، وشرع له مخالفة أهل الكتاب، وأمره بذلك، وفي متن الحديث: " أنه سدل شعره موافقة لهم، ثم فرق شعره بعد " ولهذا صار الفرق شعار المسلمين، وكان من الشروط على أهل الذمة " أن لا يفرقوا شعورهم " وهذا كما أن الله شرع له في أول الأمر استقبال بيت المقدس موافقة لأهل الكتاب، ثم نسخ ذلك، وأمر باستقبال الكعبة، وأخبر عن اليهود وغيرهم من السفهاء أنهم سيقولون: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ [البقرة: ١٤٢] (٥) .
_________________
(١) قوله: (ترك يوم عاشوراء): لا يوجد في المطبوعة. وقال بدلها: (قال) .
(٢) صحيح البخاري، وفي الكتاب والباب السابقين، والحديث رقم (٢٠٠٢) من فتح الباري (٤ / ٢٤٤)؛ وصحيح مسلم، الكتاب والباب ورقم الحديث السابق.
(٣) في المطبوعة: عبيد الله. وهو تحريف.
(٤) صحيح مسلم، في الكتاب والباب السابقين، الحديث رقم (١١٢٦)، (٢ / ٧٩٢، ٧٩٣) .
(٥) سورة البقرة: من الآية ١٤٢.
[ ١ / ٤٦٦ ]
وأخبر أنهم لا يرضون عنه حتى يتبع قبلتهم، وأخبره أنه: إن اتبع أهواءهم (١) من بعد ما جاءه من العلم ما له من الله من ولي، ولا نصير، وأخبره (٢) أن: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ [البقرة: ١٤٨] (٣) وكذلك أخبره في موضع آخر (٤) أنه جعل لكل شرعة ومنهاجا (٥) فالشعار من جملة الشرعة.
والذي يوضح ذلك: أن هذا اليوم - عاشوراء - الذي صامه وقال: «نحن أحق بموسى منكم» قد شرع - قبيل موته - مخالفة اليهود في صومه، وأمر ﷺ بذلك (٦) ولهذا كان ابن عباس ﵄، وهو الذي يقول: «وكان يعجبه موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء»، وهو الذي روى قوله: «نحن أحق بموسى منكم» أشد الصحابة ﵃ أمرا بمخالفة اليهود في صوم يوم عاشوراء، وقد ذكرنا أنه هو الذي روى شرع المخالفة.
وروى - أيضا - مسلم في صحيحه عن الحكم بن الأعرج (٧) قال: «انتهيت إلى ابن عباس، وهو متوسد رداءه في زمزم، فقلت له: أخبرني عن صوم يوم عاشوراء؟ فقال: " إذا رأيت هلال المحرم فاعدد، وأصبح يوم التاسع
_________________
(١) كما جاء في سورة البقرة: الآية ١٢٠.
(٢) في المطبوعة زاد: (أنه إن اتبع أهواءهم بعد الذي جاءه من العلم إنه إذا لمن الظالمين، وأخبر) . . إلخ، وهذا خلاف جميع النسخ المخطوطة.
(٣) سورة البقرة: الآية ١٤٨.
(٤) في المطبوعة: في غير موضع أنه. . إلخ.
(٥) كما جاء في سورة المائدة: الآية ٤٨.
(٦) في (ج د): بذاك.
(٧) هو: الحكم بن عبد الله بن إسحاق بن الأعرج البصري، قال ابن حجر في التقريب: " ثقة ربما وهم "، ومن الطبقة الثالثة، أخرج له مسلم وغيره. انظر: تقريب التهذيب (١ / ١٩١)، (ت ٤٨٦) ح.
[ ١ / ٤٦٧ ]
صائما. قلت: هكذا كان (١) محمد ﷺ يصومه؟ قال: نعم» (٢) .
وروى مسلم عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع»، يعني (٣) يوم عاشوراء (٤) .
ومعنى (٥) قول ابن عباس: " صم التاسع "، يعني: والعاشر (٦) . هكذا ثبت عنه، وعلله بمخالفة اليهود، قال سعيد (٧) بن منصور: حدثنا سفيان بن عمرو بن دينار أنه سمع عطاء، سمع ابن عباس ﵄، يقول: " صوموا التاسع والعاشر، خالفوا اليهود " (٨) .
وروينا في فوائد داود بن عمرو (٩) عن إسماعيل بن علية قال: ذكروا عند ابن أبي نجيح، أن ابن عباس كان يقول " يوم عاشوراء يوم التاسع "، فقال ابن
_________________
(١) في المطبوعة: كان يصوم محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أي بتقديم: يصومه، وهو خلاف ما في مسلم وخلاف النسخ الأخرى أيضا.
(٢) صحيح مسلم، كتاب الصيام، باب أي يوم يصام في عاشوراء، الحديث رقم (١١٣٣)، (٢ / ٧٩٧) .
(٣) في المطبوعة زاد: " مع "، وهي ليست في مسلم ولا في النسخ الأخرى.
(٤) صحيح مسلم، الكتاب والباب السابقين، تابع الحديث رقم (١١٣٤)، (٢ / ٧٩٨) .
(٥) في المطبوعة: وقد مضى.
(٦) في المطبوعة زاد: خالفوا اليهود.
(٧) في المطبوعة: يحيى بن منصور، وقد خالفت جميع النسخ المخطوطة.
(٨) وأخرجه البيهقي بسند آخر، وذكر سندا ثالثا عن ابن عباس: انظر: السنن الكبرى للبيهقي (٤ / ٢٨٧)؛ وعبد الرزاق في المصنف (٤ / ٢٨٧)، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، وإسناده صحيح.
(٩) هو: داود بن عمرو بن زهير الضبي، أبو سليمان، البغدادي، محدث ثقة، توفي سنة (٢٢٨هـ) . انظر: تذكرة الحفاظ (١ / ٤٥٧)، (ت ٤٦٥) الجزء الثاني؛ وتهذيب التهذيب (٣ / ٢٩٥)، (ت ٣٦٩) .
[ ١ / ٤٦٨ ]
أبي نجيح: إنما قال ابن عباس: " أكره أن أصوم فاردا، ولكن صوموا قبله يوما، أو بعده يوما " (١) . ٥٠ ويحقق ذلك: ما رواه الترمذي عن ابن عباس ﵄ قال: «أمر رسول الله ﷺ بصوم يوم عاشوراء العاشر من المحرم»، قال الترمذي: " هذا حديث (٢) حسن صحيح " (٣) .
وروى سعيد في سننه عن هشيم، عن ابن أبي ليلى (٤) عن داود بن علي، عن أبيه، عن جده ابن (٥) عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «صوموا يوم عاشوراء، وخالفوا فيه اليهود، صوموا يوما قبله، أو (٦) يوما بعده» (٧) . ورواه أحمد، ولفظه: «صوموا قبله يوما، أو (٨) بعده يوما» (٩) .
_________________
(١) لم أجد فوائد داود بن عمرو هذه، كما لم أجد كلام ابن أبي نجيح في المصادر التي اطلعت عليها.
(٢) " حديث ": سقطت من (ب) . وهي في الترمذي: " حديث ابن عباس حسن صحيح " (٣ / ١٢٨) .
(٣) أخرجه الترمذي في كتاب الصوم، باب ما جاء في عاشوراء أي يوم هو، الحديث رقم (٧٥٤)، (٣ / ١٢٨)، ولفظه: " أمر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بصوم عاشوراء، يوم العاشر ".
(٤) هو: محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري الكوفي. مرت ترجمته. انظر: فهرس الأعلام.
(٥) في (ب): عن ابن عباس: والمثبت أصح.
(٦) في (ب): يوما بعده. والصحيح: أو.
(٧) وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه (٣ / ٢٩٠، ٢٩١)؛ والبيهقي في سننه (٤ / ٢٨٧)؛ وأحمد في المسند (١ / ٢٤١) باللفظ الذي أشار إليه المؤلف بعد، وفي سنده عندهم كلهم: ابن أبي ليلى، ثقة، لكنه سيئ الحفظ. مرت ترجمته. انظر: فهرس الأعلام.
(٨) في (ب): ويوما. . والصحيح: أو.
(٩) مسند أحمد (١ / ٢٤١) .
[ ١ / ٤٦٩ ]
ولهذا نص أحمد على مثل ما رواه ابن عباس وأفتى به، فقال في رواية الأثرم (١) " أنا أذهب في عاشوراء: إلى أن يصام يوم التاسع والعاشر؛ لحديث (٢) ابن عباس: «صوموا التاسع والعاشر» (٣) .
وقال حرب: سألت أحمد عن صوم يوم عاشوراء، فقال: " يصوم التاسع والعاشر " (٤) .
وقال في رواية الميموني (٥) وأبي الحارث (٦) " من أراد أن يصوم عاشوراء صام التاسع والعاشر، إلا أن تشكل الشهور فيصوم ثلاثة أيام؛ ابن سيرين يقول ذلك " (٧) .
وقد قال بعض أصحابنا: إن الأفضل: صوم التاسع والعاشر، وإن اقتصر على العاشر لم يكره.
ومقتضى كلام أحمد: أنه يكره الاقتصار على العاشر؛ لأنه سئل عنه فأفتى بصوم اليومين، وأمر بذلك، وجعل هذا هو السنة لمن أراد صوم (٨) عاشوراء،
_________________
(١) في المطبوعة: الأثر. ولعل الميم سقطت سهوا.
(٢) في (ج د): اللام من (الحديث) سقطت.
(٣) أخرجه عبد الرزاق في المصنف، كتاب الصيام، باب صيام يوم عاشوراء، حديث رقم (٧٨٣٩)، (٤ / ٢٨٧) موقوفا على ابن عباس بإسناد صحيح؛ والبيهقي عن عبد الرزاق أيضا (٤ / ٢٨٧) بإسناد عبد الرزاق في مصنفه.
(٤) انظر: المغني والشرح الكبير (٣ / ١٠٤) في المغني.
(٥) هو: عبد الملك بن عبد الحميد بن مهران الميموني الرقي، مرت ترجمته. انظر: فهرس الأعلام.
(٦) هو: أحمد بن محمد، أبو الحارث، الصائغ، كان الإمام أحمد يأنس به ويقدمه ويكرمه، وروى عن الإمام مسائل كثيرة وجود الرواية عنه. انظر: طبقات الحنابلة (١ / ٧٤ـ ٧٥)، (ت ٥٩) .
(٧) انظر: المغني والشرح الكبير (٣ / ١٠٤) في المغني.
(٨) في (د): صوم يوم عاشوراء.
[ ١ / ٤٧٠ ]
واتبع في ذلك حديث ابن عباس، وابن عباس كان يكره إفراد العاشر على ما هو مشهور عنه.
ومما يوضح ذلك: أن كل ما جاء من التشبه بهم، إنما كان في صدر الهجرة، ثم نسخ؛ ذلك أن (١) اليهود إذ ذاك، كانوا لا يتميزون عن المسلمين لا في شعور، ولا في لباس، لا بعلامة، ولا غيرها.
ثم إنه ثبت بعد ذلك في الكتاب والسنة والإجماع، الذي كمل ظهوره في زمن عمر بن الخطاب ﵁، ما شرعه الله من مخالفة الكافرين ومفارقتهم في الشعار والهدي.
وسبب ذلك: أن المخالفة لهم لا تكون إلا مع ظهور الدين وعلوه كالجهاد، وإلزامهم بالجزية (٢) والصغار، فلما كان المسلمون في أول الأمر ضعفاء؛ لم تشرع المخالفة لهم، فلما كمل الدين وظهر وعلا؛ شرع بذلك.
ومثل ذلك اليوم: لو أن المسلم بدار حرب، أو دار كفر غير حرب؛ لم يكن مأمورا بالمخالفة لهم في الهدي الظاهر، لما عليه في ذلك من الضرر (٣) بل قد يستحب للرجل، أو يجب عليه، أن يشاركهم أحيانا في هديهم الظاهر، إذا كان في ذلك مصلحة دينية: من (٤) دعوتهم إلى الدين، والاطلاع على باطن أمرهم لإخبار المسلمين بذلك، أو دفع ضررهم عن المسلمين، ونحو ذلك من المقاصد الصالحة.
_________________
(١) في المطبوعة: لأن.
(٢) في (ج د): الجزية.
(٣) في (ب): لما عليه من الضرر في ذلك.
(٤) في (ب): متى دعوتهم.
[ ١ / ٤٧١ ]
فأما في دار الإسلام والهجرة، التي أعز الله فيها دينه، وجعل على الكافرين بها الصغار والجزية، ففيها شرعت المخالفة. وإذا ظهر أن (١) الموافقة والمخالفة تختلف لهم (٢) باختلاف الزمان والمكان (٣)؛ ظهرت حقيقية الأحاديث في هذا.
الوجه الثاني: لو فرضنا أن ذلك لم ينسخ، فالنبي ﷺ وهو الذي كان له أن يوافقهم؛ لأنه يعلم حقهم من باطلهم؛ بما يعلمه الله إياه، ونحن نتبعه، فأما نحن فلا يجوز لنا أن نأخذ شيئا من الدين عنهم: لا من أقوالهم، ولا من أفعالهم، بإجماع المسلمين المعلوم بالاضطرار من دين الرسول ﷺ، ولو قال رجل: يستحب لنا موافقة أهل الكتاب، الموجودين في زماننا؛ لكان قد خرج عن دين الأمة.
الثالث (٤) أن نقول بموجبه: كان يعجبه موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء، ثم إنه أمر بمخالفتهم، وأمرنا نحن أن نتبع هديه وهدي أصحابه السابقين الأولين، من المهاجرين والأنصار.
والكلام إنما هو في أنا منهيون عن التشبه بهم فيما لم يكن سلف الأمة عليه، فأما ما كان سلف الأمة عليه، فلا ريب فيه؛ سواء فعلوه، أو تركوه؛ فإنا لا نترك ما أمر الله به لأجل أن الكفار تفعله مع أن الله لم يأمرنا بشيء يوافقونا عليه إلا ولا بد فيه من نوع مغايرة يتميز بها دين الله المحكم مما قد نسخ، أو بدل.
_________________
(١) أن: ساقطة من المطبوعة.
(٢) تختلف: ساقطة من المطبوعة.
(٣) المكان: ساقطة من المطبوعة.
(٤) أي: الوجه الثالث من وجوه الجواب على الاعتراض المفترض (ص ٤٦٢) .
[ ١ / ٤٧٢ ]