فصل ومما يشبه الأمر بمخالفة الكفار: الأمر بمخالفة الشياطين، كما رواه مسلم في صحيحه، عن ابن عمر ﵄: أن النبي ﷺ قال: «لا يأكلن أحدكم بشماله، ولا يشربن بها، فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بها» (١) .
وفي لفظ: «إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه، وإذا شرب فليشرب بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله» (٢) ورواه مسلم أيضا عن الليث عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ﷺ قال: «لا تأكلوا بالشمال، فإن الشيطان يأكل بالشمال» (٣) فإنه علل النهي عن الأكل والشرب بالشمال: بأن الشيطان يفعل ذلك؛ فعلم أن مخالفة الشيطان أمر مقصود مأمور به، ونظائره كثيرة.
وقريب من هذا: مخالفة من لم يكمل دينه من الأعراب ونحوهم؛ لأن كمال الدين: الهجرة (٤) فكان من آمن ولم يهاجر من الأعراب ونحوهم - ناقصا، قال الله ﷾: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩٧] (٥) .
_________________
(١) صحيح مسلم، كتاب الأشربة، باب آداب الطعام والشراب وأحكامهما، الحديث رقم (٢٠١٩)، والحديث رقم (٢٠٢٠)، (٣ / ١٥٩٨، ١٥٩٩) .
(٢) نفس المرجع السابق.
(٣) نفس المرجع السابق.
(٤) في المطبوعة: بالهجرة.
(٥) في المطبوعة أكمل الآية، سورة التوبة: الآية ٩٧.
[ ١ / ٤٠٧ ]
وذلك مثل (١) ما رواه مسلم في صحيحه عن ابن عمر، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تغلبنكم (٢) الأعراب على اسم صلاتكم، ألا إنها العشاء، وهم يعتمون بالإبل» . وفي لفظ: أن النبي ﷺ قال: «لا يغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم العشاء، فإنها في كتاب الله: العشاء، فإنها تعتم بحلاب الإبل» (٣) .
وروى البخاري، عن عبد الله بن مغفل (٤) عن النبي ﷺ قال: «لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم المغرب " قال (٥) " والأعراب تقول: هي: العشاء» (٦) .
فقد كره موافقة الأعراب في اسم (٧) المغرب والعشاء، بالعشاء والعتمة، وهذه الكراهة عند بعض علمائنا تقتضي كراهة هذا الاسم مطلقا، وعند بعضهم
_________________
(١) في المطبوعة: ومثل ذلك.
(٢) في (ب ج د) والمطبوعة: يغلبنكم. وفي مسلم: تغلبنكم، كما هو مثبت. وكذلك البخاري.
(٣) صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب وقت العشاء وتأخيرها، الحديث رقم (٦٤٤)، (١ / ٤٤٥) .
(٤) في (ب): ابن معقل. والصحيح: ابن مغفل، كما هو مثبت. هو: عبد الله بن مغفل بن عبد غنم بن عفيف المزني، أبو سعيد - أو أبو زياد- صحابي جليل، شهد بيعة الشجرة، وهو أحد البكائين في غزوة تبوك، وأحد العشرة الذين أرسلهم عمر إلى البصرة ليفقهوا الناس، سكن البصرة، ومات بها سنة (٦١ هـ) ﵁. انظر: الإصابة (٢ / ٣٧٢)، (٤٩٧٢) .
(٥) قال: ساقطة من (ب) .
(٦) صحيح البخاري، كتاب مواقيت الصلاة، باب من كره أن يقال للمغرب العشاء، الحديث رقم (٥٦٣) من فتح الباري (١ / ٤٣) .
(٧) في (أب ط): اسمي.
[ ١ / ٤٠٨ ]
إنما تقتضي (١) كراهة الإكثار منه، حتى يغلب على الاسم الآخر، وهو المشهور عندنا.
وعلى التقديرين: ففي الحديث النهي عن موافقة الأعراب في ذلك، كما نهى عن موافقة الأعاجم.
_________________
(١) الجملة: (هذا الاسم مطلقا وعند بعضهم إنما تقتضي): ساقطة من (ج د) .
[ ١ / ٤٠٩ ]