فصل
حال الناس قبل الإسلام اعلم أن الله ﷾ بعث (١) محمدا ﷺ إلى الخلق على فترة من الرسل (٢) وقد مقت أهل الأرض: عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب (٣) ماتوا - أو أكثرهم - قبل مبعثه.
والناس إذ ذاك أحد رجلين: إما كتابي معتصم (٤) بكتاب: إما مبدل، وإما مبدل منسوخ (٥) ودين (٦) دارس، بعضه مجهول، وبعضه متروك، وإمّا أميّ من عربي وعجمي، مقبل على عبادة ما استحسنه، وظن أنه ينفعه: من نجم، أو وثن، أو قبر، أو تمثال، أو غير ذلك.
_________________
(١) في (ب ج د) والمطبوعة: أرسل.
(٢) قوله: على فترة من الرسل: سقطت من (أ) والمطبوعة.
(٣) ورد ذلك في حديث أخرجه مسلم في صحيحه من حديث طويل جاء فيه: "وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم، عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب. . " إلخ الحديث. انظر: صحيح مسلم، كتاب الجنة، باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار، الحديث رقم (٢٨٦٥) (٤ / ٢١٩٧) .
(٤) في (ج د) يعتصم.
(٥) في (أج د): إما مبدل منسوخ. والمطبوعة: إما مبدل وإما منسوخ.
(٦) في (ب) والمطبوعة: أو بدين.
[ ١ / ٧٤ ]
والناس في جاهلية جهلاء، من مقالات يظنونها علما وهي جهل، وأعمال يحسبونها صلاحا وهي فساد. وغاية البارع منهم علما وعملا، أن يحصل قليلا من العلم الموروث عن الأنبياء المتقدمين، قد اشتبه عليهم حقه بباطله.
أو يشتغل بعمل القليل منه مشروع، وأكثره مبتدع لا يكاد يؤثر في صلاحه إلا قليلا، أو أن يكدح بنظره كدح المتفلسفة، فتذوب مهجته في الأمور الطبيعية والرياضية (١) وإصلاح الأخلاق، حتى يصل - إن وصل - بعد الجهد الذي لا يوصف، إلى نزر (٢) قليل مضطرب، لا يروي ولا يشفي (٣) من العلم الإلهي، باطله أضعاف حقه - إن حصل - وأنَّى له ذلك مع كثرة الاختلاف بين أهله، والاضطراب وتعذر الأدلة عليه، والأسباب؟
فهدى الله الناس ببركة نبوة محمد ﷺ، وبما جاء به من البينات والهدى، هداية جلت عن وصف الواصفين، وفاقت معرفة العارفين، حتى حصل لأمته المؤمنين (٤) عموما، ولأولي العلم منهم خصوصا، من العلم النافع، والعمل الصالح، والأخلاق العظيمة، والسنن المستقيمة، ما لو جمعت حكمة سائر الأمم، علما وعملا، الخالصة من كل شوب، إلى الحكمة التي بعث بها، لتفاوتا تفاوتا يمنع معرفة قدر النسبة بينهما، فلله الحمد كما يحب ربنا ويرضى (٥) ودلائل (٦) هذا وشواهده ليس هذا موضعها.
_________________
(١) في (ط): والرياضة.
(٢) في (أ): إلى نور.
(٣) في المطبوعة: لا يروي غليلا، ولا يشفي عليلا، ولا يغني من العلم الإلهي شيئا.
(٤) في المطبوعة: المؤمنين به.
(٥) في (ج د): كما يحب ويرضى.
(٦) في (د): ودليل.
[ ١ / ٧٥ ]
ثم إنه سبحانه بعثه بدين الإسلام، الذي هو الصراط المستقيم، وفرض على الخلق أن يسألوه هدايته كل يوم (١) في صلاتهم (٢) ووصفه بأنه صراط الذين أنعم (٣) عليهم، من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، غير المغضوب عليهم ولا الضالين (٤) .
قال عدي بن حاتم (٥) ﵁: «أتيت رسول (٦) الله ﷺ وهو جالس في المسجد، فقال القوم: هذا عدي بن حاتم. وجئت بغير أمان ولا كتاب، فلما دفعت إليه أخذ بيدي، وقد كان (٧) قال قبل ذلك: " إني لأرجو أن يجعل الله يده بيدي " قال: فلقيته امرأة وصبي معها فقالا: إن لنا إليك حاجة. فقام معهما حتى قضى حاجتهما، ثم أخذ بيدي، حتى أتى بي داره، فألقت له الوليدة (٨) وسادة، فجلس عليها، وجلست بين يديه. فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: " ما يفرّك (٩) . أيفرّك (١٠) أن تقول لا إله إلا الله؟ فهل تعلم من إله سوى الله؟ قال:
_________________
(١) في المطبوعة: كل يوم مرارا.
(٢) في (ب) في صلواتهم.
(٣) في (ج د): أنعم الله عليهم.
(٤) في (د): زاد: آمين.
(٥) هو الصحابي الجليل: عدي بن حاتم بن عبد الله بن سعد الطائي، ابن حاتم الجواد المشهور بالكرم في الجاهلية، أسلم عدي سنة (٩هـ)، وكان رئيس قومه في الجاهلية والإسلام، وممن ثبتوا على الإسلام يوم الردة، وشهد فتوح العراق وغيرها، ثم سكن الكوفة، وشهد صفين مع علي ﵄. ومات سنة (٦٨ هـ)، وعمره (١٢٠) سنة. انظر: الإصابة في تمييز الصحابة (٢ / ٤٦٨، ٤٦٩)، (ت ٥٤٧٥) .
(٦) في (ب): أتيت النبي صلي الله عليه وعلى آله وسلم.
(٧) كان: سقطت من المطبوعة.
(٨) الوليدة: الصبية أو الأمة، والجمع ولائد. انظر: مختار الصحاح باب الواو (ولد) .
(٩) أي ما يحملك على الفرار.
(١٠) أيفرك: لا توجد في نسخة الترمذي التي بين يدي.
[ ١ / ٧٦ ]
قلت: لا. ثم تكلم ساعة (١) ثم قال: " إنما يفرّك (٢) أن تقول: الله أكبر، وتعلم (٣) شيئا أكبر من الله؟ " قال: قلت: لا. قال: " فإن اليهود مغضوب عليهم، وإن النصارى (٤) ضلّال "، قال: فقلت: فإني حنيف (٥) مسلم. قال: فرأيت وجهه ينبسط (٦) فرحا» وذكر حديثا طويلا. رواه الترمذي وقال: " هذا حديث حسن غريب " (٧) .
وقد دل كتاب الله على معنى هذا الحديث، قال الله سبحانه:
﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [المائدة: ٦٠] (٨) والضمير عائد إلى اليهود، والخطاب معهم كما دل عليه سياق الكلام. وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ﴾ [المجادلة: ١٤] (٩) وهم المنافقون الذين تولوا اليهود (١٠) باتفاق
_________________
(١) من قوله: ثم تكلم ساعة، إلى قوله: فإن اليهود. . الحديث (ما يقارب السطر) سقط من المخطوطة (ط) . ولعله سهو من الناسخ.
(٢) في (أب): تفر. وهي كذلك في الترمذي: تفر.
(٣) في الترمذي: وتعلم شيئا. . إلخ.
(٤) "إن" سقطت من (أب ج) والمطبوعة. وفي الترمذي كما أثبت في النص.
(٥) كذا في جميع النسخ: فإني حنيف. وكذا أورده ابن الأثير في جامع الأصول (٩ / ١١١) في تحقيق عبد القادر وشعيب الأرناؤوط، ولكن عبارة الترمذي: فإني جئت مسلما.
(٦) في (ب) والترمذي: تبسط.
(٧) سنن الترمذي، كتاب تفسير القرآن، باب تفسير سورة الفاتحة، تابع الحديث رقم (٢٩٥٣)، (٥ / ٢٠٢، ٢٠٣، ٢٠٤) . وقال فيه الترمذي: " هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث سماك بن حرب". وللحديث طرق وشواهد أخرى أكثرها مختصرة. انظر: مسند أحمد (٤ / ٣٧٨) .
(٨) سورة المائدة: من الآية ٦٠.
(٩) سورة المجادلة: من الآية ١٤.
(١٠) في (أ): يهود. وقد سقطت من (ط) .
[ ١ / ٧٧ ]
أهل التفسير، وسياق الآية يدل عليه.
وقال تعالى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٢] (١) وذكر في آل عمران (٢) قوله تعالى: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٢] (٣) وهذا بيان أن اليهود مغضوب عليهم.
وقال في النصارى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣] إلى قوله: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ (٤) وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧] (٥) .
وهذا خطاب للنصارى كما دل عليه السياق، ولهذا نهاهم عن الغلو، وهو مجاوزة الحد، كما نهاهم عنه في قوله: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [المائدة: ٧٧] (٦) ﴿وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ﴾ [النساء: ١٧١] (٧) الآية.
واليهود مقصرون عن الحق، والنصارى غالون فيه، فأما وسم (٨) اليهود بالغضب، والنصارى بالضلال، فله أسباب ظاهرة وباطنة، ليس هذا موضعها.
_________________
(١) سورة آل عمران: من الآية ١١٢.
(٢) في المطبوعة: قال: وذكر في البقرة. ولكنها في جميع النسخ المخطوطة: آل عمران. كما أثبت، وهي في سورة البقرة: من الآية ٩٠.
(٣) سورة آل عمران: من الآية السابقة ١١٢.
(٤) غير الحق أسقطت من النسختين: (ج د) . وهو سهو من الناسخين.
(٥) سورة المائدة: من الآيات ٧٣ - ٧٧.
(٦) في (أط): ابتدأ الآية من قوله: لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ. . الآية.
(٧) سورة النساء: من الآية ١٧١.
(٨) في (ج د): وصف.
[ ١ / ٧٨ ]
وجماع ذلك: أن كفر اليهود أصله من جهة عدم العمل بعلمهم فهم يعلمون الحق ولا يتبعونه عملا أو لا قولا ولا عملا (١) وكفر النصارى من جهة عملهم بلا علم، فهم يجتهدون في أصناف العبادات بلا شريعة من الله، ويقولون على الله ما لا يعلمون.
ولهذا كان (٢) السلف (٣) سفيان بن عيينة (٤) وغيره، يقولون: إن (٥) من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود! ومن فسد من عبّادنا ففيه شبه من النصارى. وليس هذا موضع شرح ذلك.
ومع أن (٦) الله قد حذرنا سبيلهم، فقضاؤه نافذ بما أخبر به رسوله، مما سبق في علمه، حيث قال فيما خرجاه في الصحيحين: عن أبي سعيد الخدري (٧) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لتتبعن سنن من كان (٨)
_________________
(١) في (أ): أو قولا ولا عملا. وفي المطبوعة و(ج): ولا يتبعونه قولا، أو عملا، أو لا قولا ولا عملا.
(٢) في (ب): ولقد كان سفيان بن عيينة وغيره من السلف.
(٣) في المطبوعة: كسفيان.
(٤) هو الإمام سفيان بن عيينة بن أبي عمران، مولى بني هلال، كنيته أبو محمد، ولد سنة (١٠٧ هـ) بالكوفة، وكان ثقة ثبتا كثير الحديث حجة، وكان محدث الحجاز في زمانه في مكة، حتى قال فيه الشافعي: "لولا مالك وسفيان لذهب علم الحجاز". سكن مكة وتوفي بها عام (١٩٨هـ) وعمره (٩١) سنة. انظر: الطبقات الكبرى لان سعد (٥ / ٤٩٧) وانظر: الأعلام للزركلي (٣ / ١٠٥) .
(٥) في (ب ج) والمطبوعة: يقولون من فسد. أي بسقوط: إن.
(٦) في (ط): ومع ذلك أن الله.
(٧) أبو سعيد الخدري تأتي ترجمته. انظر: فهرس الأعلام.
(٨) كان: سقطت من (ب) .
[ ١ / ٧٩ ]
قبلكم حذو القذة (١) بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه ". قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: " فمن» (٢) .
وروى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة (٣) ﵁ عن النبي ﷺ قال (٤) «لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي مأخذ القرون، شبرا بشبر، وذراعا بذراع ". فقيل: يا رسول الله، كفارس والروم؟ قال: ومَن الناس إلا
_________________
(١) القذة: بالضم: ريشة السهم. وقوله: "حذو القذة بالقذة". كناية عن التشابه والتتابع، ويضرب مثلا للشيئين يستويان ولا يتفاوتان لسان العرب (٤ / ٥٠٣) قذذ.
(٢) هذا الحديث من الأحاديث الصحيحة المستفيضة في الصحاح والسنن والمسانيد، وقد أخرجاه في الصحيحين من طرق وألفاظ متعددة، ولكن لم أجد فيه عبارة: "حذو القذة بالقذة"، ولفظ الصحيحين المتفق عليه عن أبي سعيد الخدري هو: لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع. . " الحديث بتمامه مع اختلاف يسير في الألفاظ. انظر: صحيح البخاري، كتاب الاعتصام، باب قول النبي صلي الله عليه وعلى آله وسلم: لتتبعن سنن من كان قبلكم"، الحديث رقم (٧٣٢٠) من فتح الباري (١٣ / ٣٠٠) . وصحيح مسلم، كتاب العلم، باب اتباع سنن اليهود والنصارى. . الحديث رقم (٢٦٦٩)، (٤ / ٢٠٥٤)، أما لفظ: "حذو القذة بالقذة"، فقد أخرجه أحمد في المسند (٤ / ١٢٥)، وذكره ابن الأثير في جامع الأصول عن رزين. انظر: جامع الأصول (١٠ / ٣٤) .
(٣) هو الصحابي الجليل: عبد الرحمن بن صخر الدوسي، أسلم في السنة السابعة للهجرة، فلزم النبي صلي الله عليه وعلى آله وسلم وخدمه، لذلك صار أكثر الصحابة رواية للحديث، حيث روى ٥٣٧٤ حديثا، وكان من أصحاب الصفة، شكا إلى رسول الله صلي الله عليه وعلى آله وسلم النسيان فأمره أن يبسط ردائه فبسطه ثم ضمه، يقول: فما نسيت حديثا بعد. استعمله عمر على البحرين، ثم سكن المدينة وتوفي بها ﵁ سنة (٥٩هـ) على الأشهر. انظر: البداية والنهاية لابن كثير (٨ / ١٠٣ - ١١٤)؛ وأسد الغابة (٥ / ٣١٥، ٣١٦) .
(٤) قال: سقطت في (ب ج د) والمطبوعة.
[ ١ / ٨٠ ]
أولئك؟» (١) .
فأخبر أنه سيكون في أمته مضاهاة لليهود والنصارى، وهم أهل الكتاب، ومضاهاة لفارس والروم، وهم الأعاجم.
وقد كان ﷺ ينهى عن التشبه بهؤلاء وهؤلاء، وليس هذا إخبارا عن جميع الأمة، بل قد تواتر عنه: " أنه قال «لا تزال (٢) طائفة من أمته (٣) ظاهرة على الحق حتى تقوم الساعة» (٤) .
وأخبر ﷺ: «أن الله لا يجمع هذه الأمة على ضلالة (٥) وأن الله لا يزال
_________________
(١) صحيح البخاري، كتاب الاعتصام، باب قول النبي صلي الله عليه وعلى آله وسلم: "لتتبعن سنن من كان قبلكم"، الحديث رقم (٧٣١٩) من فتح الباري (١٣ / ٣٠٠) .
(٢) في (ب أ): لا يزال.
(٣) في المطبوعة: بل قد تواتر عنه أنه قال: "لا تزال طائفة من أمتي. . " إلخ.
(٤) جاء ذلك في أحاديث صحيحة ومستفيضة عن رسول الله صلي الله عليه وعلى آله وسلم أخرجها البخاري ومسلم، وابن ماجه، والحاكم في مستدركه، وأحمد في المسند، والترمذي وغيرهم كثير. وأكتفي بالإشارة إلى الأحاديث في الصحيحين، فقد أخرجها البخاري في كتاب المناقب الباب (٢٧)، الحديث رقم (٣٦٤٠) من فتح الباري (٦ / ٦٣٢)، ورقم (٧٣١١)، (٧٤٥٩) عن المغيرة بن شعبة، كما أخرجها عن معاوية بلفظ آخر، الحديث رقم (٣٦٤١) في فتح الباري أيضا. وأخرجها مسلم في كتاب الإمارة، باب قوله صلي الله عليه وعلى آله وسلم: " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين. . " الأحاديث رقم (١٩٢٠)، عن ثوبان ورقم (١٩٢١)، عن المغيرة ورقم (١٠٣٧)، عن معاوية.
(٥) جاء ذلك في حديث أخرجه الترمذي عن ابن عمر ﵄، أن رسول الله صلي الله عليه وعلى آله وسلم قال: "إن الله لا يجمع أمتي - أو قال: أمة محمد صلي الله عليه وعلى آله وسلم - على ضلالة، ويد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار". أخرجه الترمذي في كتاب الفتن، باب ما جاء في لزوم الجماعة الحديث رقم (٢١٦٧)، (٤ / ٤٦٦)، وقال: "هذا حديث غريب من هذا الوجه"، وللحديث شواهد في مستدرك الحاكم (١ / ١١٥ - ١١٦)؛ والسنة لابن أبي عاصم، الأحاديث رقم (٨٠، ٨٢، ٨٣، ٨٤، ٨٥)، (ص ٣٩، ٤١، ٤٢)، وذكره السيوطي في الجامع الصغير وزاد فيه: "ويد الله على الجماعة ومن شذ شذ إلى النار"، وقال: "حديث حسن" الجامع الصغير (١ / ٢٧٨) رقم (١٨١٨)، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته رقم (١٨٤٤)، وله شاهد أيضا في المسند (٥ / ١٤٥)، عن أبي ذر ومنه: "فإن الله ﷿ لن يجمع أمتي إلا على هدى"، وفي سنن الدار مي (١ / ٢٩) في المقدمة، باب ما أعطى النبي صلي الله عليه وعلى آله وسلم من الفضل وفيه: "ولا يجمعهم على ضلالة".
[ ١ / ٨١ ]
يغرس في هذا الدين غرسا يستعملهم فيه بطاعته» (١) " (٢) .
فعلم بخبره الصدق أنه (٣) في أمته قوم متمسكون بهديه، الذي هو دين الإسلام محضا، وقوم منحرفون (٤) إلى شعبة من شعب (٥) اليهود، أو إلى شعبة من شعب (٦) النصارى، وإن كان الرجل لا يكفر بكل (٧) انحراف، بل وقد لا يفسق أيضا، بل قد يكون الانحراف كفرا، وقد يكون فسقا، وقد يكون معصية (٨) وقد يكون خطأ.
_________________
(١) في (أط): بطاعة الله.
(٢) جاء ذلك في حديث أخرجه ابن ماجه في المقدمة، باب اتباع سنة رسول الله - الحديث رقم (٨)، (١/ ٥)، عن أبي عنبة الخولاني ﵁ قال: سمعت رسول الله صلي الله عليه وعلى آله وسلم يقول: "لا يزال الله يغرس في هذا الدين غرسا يستعملهم في طاعته"، وفي مسند أحمد بنحوه أيضا عن أبي عنبة الخولاني. المسند (٤/ ٢٠٠)، ولم أجد من تكلم عن الحديث من الأئمة، لكن رجاله ليس فيهم ضعيف يترك حديثه.
(٣) في المطبوعة: أن لا بد أن يكون في أمته قوم متمسكين بهديه. . إلخ.
(٤) في المطبوعة: منحرفين.
(٥) في المطبوعة: من شعب دين اليهود.
(٦) في المطبوعة: من شعب دين النصارى.
(٧) في المطبوعة: لا يكفر بهذا الانحراف.
(٨) في المطبوعة: سيئة.
[ ١ / ٨٢ ]
وهذا الانحراف أمر تتقاضاه الطباع ويزينه الشيطان، فلذلك أمر العبد بدوام دعاء الله سبحانه بالهداية إلى الاستقامة التي لا يهودية فيها ولا نصرانية أصلا.