وأيضا، فإنه سبحانه حرم (٥) ما ذبح على النصب، وهي كل ما ينصب ليعبد من دون الله تعالى.
وأما احتجاج أحمد على هذه المسألة بقوله تعالى ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] (٦) فحيث اشترطت التسمية في ذبيحة المسلم؛ هل تشترط في ذبيحة الكتابي؟ على روايتين: وإن كان الخلال هنا قد ذكر عدم الاشتراط، فاحتجاجه بهذه الآية يخرج على إحدى الروايتين. فلما تعارض العموم الحاظر، وهو قول (٧) الله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٣] (٨) والعموم المبيح، وهو قوله:
_________________
(١) سورة الأنعام: الآية ١٦٢.
(٢) (٢، ٣) ما بين الرقمين سقط من (د) .
(٣) (٢، ٣) ما بين الرقمين سقط من (د) .
(٤) في (د): كذا.
(٥) في (ط): كل ما ذبح.
(٦) سورة الأنعام: من الآية ١٢١.
(٧) وهو قول: سقطت من (ط) .
(٨) سورة البقرة: الآية ١٧٣. وفي (أب د): " وما أهل لغير الله به " سورة المائدة: الآية ٣.
[ ٢ / ٥٩ ]
﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] (١) اختلف العلماء في ذلك.
والأشبه بالكتاب والسنة: ما دل عليه أكثر كلام أحمد من الحظر، وإن كان من متأخري أصحابنا من لم يذكر هذه الرواية بحال؛ وذلك لأن عموم قوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣] (٢) عموم محفوظ لم تخص منه صورة، بخلاف طعام الذين أوتوا الكتاب، فإنه يشترط له الذكاة المبيحة (٣) فلو ذكى الكتابي في غير المحل المشروع لم تبح ذكاته، ولأن غاية الكتابي: أن تكون ذكاته كالمسلم، والمسلم لو ذبح لغير الله، أو ذبح باسم غير الله (٤) لم يبح، وإن كان يكفر بذلك، فكذلك الذمي؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥] (٥) سواء، وهم وإن كانوا يستحلون هذا، ونحن لا نستحله فليس كل ما استحلوه حل (٦) ولأنه قد تعارض دليلان، حاظر ومبيح، فالحاظر: أولى (٧) . ولأن الذبح لغير الله، وباسم غيره، قد علمنا يقينا أنه ليس من دين الأنبياء ﵈، فهو من الشرك الذي أحدثوه، فالمعنى الذي لأجله حلت ذبائحهم، منتف في هذا. والله أعلم.
فإن قيل: أما إذا سموا عليه غير الله بأن يقولوا: باسم المسيح ونحوه، فتحريمه ظاهر، أما إذا لم يسموا أحدا، ولكن قصدوا الذبح للمسيح،
_________________
(١) حل لكم: سقطت من (أ) . سورة المائدة: من الآية ٥.
(٢) سورة المائدة: من الآية ٣.
(٣) في (ب): بالمبيحة.
(٤) في (ب): زاد: أو في غير محل الذكاة.
(٥) سورة المائدة: من الآية ٥.
(٦) في المطبوعة: يحل لنا.
(٧) في المطبوعة زاد: أن يقدم.
[ ٢ / ٦٠ ]
أو للكوكب (١) ونحوها، فما وجه تحريمه؟
قيل: قد (٢) تقدمت الإشارة إلى ذلك. وهو أن الله سبحانه قد حرم ما ذبح على النصب، وذلك يقتضي تحريمه، وإن كان ذابحه كتابيا، لأنه لو كان التحريم لكونه وثنيا، لم يكن فرق بين ذبحه على النصب وغيرها، ولأنه لما أباح لنا طعام أهل الكتاب، دل على أن طعام المشركين حرام، فتخصيص ما ذبح على الوثن يقتضي فائدة جديدة.
وأيضا: فإنه ذكر تحريم ما ذبح على النصب، وما أهل به لغير الله؛ وقد دخل فيما أهل به لغير الله ما (٣) أهل به أهل الكتاب لغير الله فكذلك كل ما ذبح على النصب، فإذا ذبح الكتابي على ما قد نصبوه من التماثيل في الكنائس، فهو مذبوح على النصب، ومعلوم أن حكم ذلك لا يختلف بحضور الوثن وغيبته، فإنما حرم لأنه قصد بذبحه عبادة الوثن وتعظيمه، وهذه الأنصاب قد قيل: هي من الأصنام، وقيل: هي غير الأصنام.
قالوا: كان حول البيت ثلاثمائة وستون حجرا، كان أهل الجاهلية يذبحون عليها، ويشرحون اللحم عليها، وكانوا يعظمون هذه الحجارة، ويعبدونها، ويذبحون عليها، وكانوا إذا شاءوا بدلوا هذه الحجارة بحجارة هي أعجب إليهم منها.
ويدل على ذلك قول أبي ذر في حديث إسلامه: "حتى صرت كالنصب الأحمر " (٤) يريد أنه كان يصير أحمر من تلوثه بالدم.
_________________
(١) في (ب): أو الكواكب.
(٢) قد: سقطت من (ب) .
(٣) في (ط): بما.
(٤) أخرجه مسلم من حديث طويل في قصة إسلام أبي ذر، ونص هذه العبارة في مسلم " كأني نصب أحمر "، صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل أبي ذر، الحديث رقم (٢٤٧٣)، (٤ / ١٩٢٠) . وأخرجه أحمد في المسند (٥ / ١٧٥) بنحوه.
[ ٢ / ٦١ ]
وفي قوله: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣] قولان:
أحدهما: أن نفس الذبح كان يكون عليها، كما ذكرناه، فيكون ذبحهم عليها تقربا إلى الأصنام، وهذا على قول من يجعلها غير الأصنام، فيكون الذبح عليها لأجل أن المذبوح عليها مذبوح للأصنام، أو مذبوح لها، وذلك يقتضي تحريم كل ما ذبح لغير الله، ولأن الذبح في البقعة لا تأثير له إلا من جهة الذبح لغير الله، كما كرهه النبي ﷺ من الذبح في مواضع أصنام المشركين، وموضع أعيادهم، وإنما يكره المذبوح في البقعة المعينة؛ لكونها محل شرك، فإذا وقع الذبح حقيقة لغير الله؛ كانت حقيقة التحريم قد وجدت فيه.
والقول الثاني: أن الذبح على النصب، أي: لأجل النصب، كما قيل: أولم (١) على زينب بخبز ولحم (٢) وأطعم فلان على ولده، وذبح فلان على ولده، ونحو ذلك، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥] (٣) وهذا ظاهر على قول من يجعل النصب نفس الأصنام، ولا منافاة بين كون الذبح لها، وبين كونها كانت تلوث بالدم، وعلى هذا القول فالدلالة ظاهرة.
واختلاف هذين القولين في قوله تعالى ﴿عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣] (٤) نظير
_________________
(١) في المطبوعة: كما قيل: أولم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلَّم على زينب. لكنه خلاف جميع النسخ المخطوطة.
(٢) ورد في الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلَّم أولم حين تزوج زينب بنت جحش بخبز ولحم، جاء ذلك في حديث أخرجه البخاري في كتاب التفسير، الحديث رقم (٤٧٩٣) من فتح الباري (٨ / ٥٢٧)، وأخرجه مسلم في كتاب النكاح، باب زواج زينب، الحديث رقم (١٤٢٨)، (٢ / ١٠٤٨) .
(٣) سورة البقرة: من الآية ١٨٥.
(٤) في (ط): على الأنصاب. وهو خطأ. انظر: أقوال بعض السلف في ذلك في: تفسير ابن جرير، (٦ / ٤٨، ٤٩) .
[ ٢ / ٦٢ ]
الاختلاف في قوله: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٣٤] (١) وقوله تعالى ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٨] (٢) .
فإنه قد قيل: المراد بذكر اسم الله عليها، إذا كانت حاضرة.
وقيل: بل يعم ذكره لأجلها في مغيبها وشهودها، بمنزلة قوله تعالى ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥] (٣) .
وفي الحقيقة: مآل القولين إلى شيء واحد في قوله تعالى: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣] كما قد أومأنا إليه.
وفيها قول ثالث ضعيف: أن المعنى على اسم النصب. وهذا ضعيف؛ لأن هذا المعنى حاصل من قوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: ٣] فيكون تكريرا. لكن اللفظ يحتمله، كما روى البخاري في صحيحه عن موسى بن عقبة (٤) عن سالم (٥) «عن ابن عمر -﵄- أنه كان يحدث عن رسول الله ﷺ أنه لقي زيد بن عمرو بن نفيل (٦) بأسفل
_________________
(١) سورة الحج: من الآية ٣٤.
(٢) سورة الحج: من الآية ٢٨.
(٣) سورة البقرة: من الآية ١٨٥.
(٤) هو: موسى بن عقبة بن أبي عياش الأسدي، مولى آل الزبير، ثقة فقيه، إمام في المغازي، أخرج له الستة، توفي سنة (١٤١هـ) . انظر: تقريب التهذيب (٢ / ٢٨٦)، (ت١٤٨٦) .
(٥) هو: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، المدني الفقيه، من أئمة التابعين علمًا وفقهًا وورعًا وعبادة وتقى، وكان يشبه أباه في السمت والهدي، ومن الرواة الثقات المكثرين للحديث. توفي سنة (١٠٦هـ) . انظر: تهذيب التهذيب (٣ / ٤٣٨) .
(٦) هو: زيد بن عمرو بن نفيل العدوي، والد سعيد بن زيد، وابن عم عمر بن الخطاب. قال ابن حجر في الإصابة: " ذكره البغوي وابن منده وغيرهما من الصحابة، وفيه نظر؛ لأنه مات قبل البعثة بخمس سنين "، وهو ممن كان على دين الحنيفية في الجاهلية. انظر: الإصابة (١ / ٥٦٩)، (ت٢٩٢٣) .
[ ٢ / ٦٣ ]
بلدح (١) وذلك (٢) قبل أن ينزل على رسول الله ﷺ الوحي، فقدم (٣) إليه رسول الله ﷺ سفرة في لحم. فأبى أن يأكل منها، ثم قال زيد: إني لا (٤) آكل مما تذبحون على أنصابكم (٥) ولا آكل إلا مما ذكر اسم الله عليه» (٦) . وفي رواية له: " وإن زيد بن عمرو بن نفيل كان يعيب على قريش ذبائحهم، ويقول: " الشاة خلقها الله، وأنزل لها من السماء الماء، وأنبت لها من الأرض الكلأ، ثم أنتم تذبحونها على غير اسم الله؟! (٧) إنكارا لذلك وإعظاما له.
وأيضا فإن قوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: ٣] ظاهره: أنه ما ذبح لغير الله، مثل أن يقال: هذا ذبيحة لكذا، وإذا كان هذا هو المقصود: فسواء لفظ به أو لم يلفظ. وتحريم هذا أظهر من تحريم ما ذبحه للحم، وقال فيه: باسم المسيح، ونحوه، كما أن ما ذبحناه نحن متقربين به إلى الله سبحانه كان أزكى وأعظم مما ذبحناه للحم، وقلنا عليه: باسم الله، فإن عبادة الله سبحانه بالصلاة له والنسك له أعظم من الاستعانة باسمه في فواتح الأمور، فكذلك الشرك بالصلاة لغيره والنسك لغيره أعظم (٨) من الاستعانة
_________________
(١) بلدح: واد غرب مكة. انظر: معجم البلدان (١ / ٤٨٠) .
(٢) في البخاري: وذاك.
(٣) في المطبوعة: (فقدمت إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلَّم)، وهي من ألفاظ الحديث. وفي (ب): فقدم إلى رسول الله.
(٤) في المطبوعة: لست. وهي من ألفاظ الحديث الواردة.
(٥) في (ب د): على أصنامكم. والصحيح ما أثبته من بقية النسخ كما في البخاري.
(٦) صحيح البخاري، كتاب الذبائح والصيد، باب ما ذبح على النصب والأصنام، الحديث رقم (٥٤٩٩) من فتح الباري (٩ / ٦٣٠)، وكتاب مناقب الأنصار، باب حديث زيد بن عمرو بن نفيل، الحديث رقم (٣٨٢٦)، (٧ / ١٤٢) .
(٧) هذه من بقية الحديث السابق رقم (٣٨٢٦) من فتح الباري.
(٨) في المطبوعة زاد هنا: شركًا.
[ ٢ / ٦٤ ]
باسمه (١) في فواتح الأمور. فإذا حرم ما قيل فيه: باسم المسيح، أو الزهرة؛ فلأن يحرم ما قيل فيه: لأجل المسيح والزهرة (٢) أو قصد به ذلك، أولى.
وهذا يبين لك ضعف قول من حرم ما ذبح باسم غير الله، ولم يحرم ما ذبح لغير الله، كما قاله طائفة من أصحابنا وغيرهم، بل لو قيل بالعكس لكان أوجه، فإن العبادة لغير الله أعظم كفرا من الاستعانة بغير الله.
وعلى هذا: فلو ذبح لغير الله متقربا به (٣) إليه لحرم (٤) وإن قال فيه: (٥) بسم الله، كما يفعله طائفة من منافقي هذه الأمة الذين يتقربون إلى (٦) والكواكب بالذبح والبخور ونحو ذلك، وإن كان هؤلاء مرتدين لا تباح ذبيحتهم بحال، لكن يجتمع في الذبيحة مانعان.