من المعلوم أن لمسألة المعية اتصالها الوثيق بمسألة العلو، فما نشأ من أقوال في مسألة العلو ترتب عليها في المقابل أقوال من جنسها في مسألة المعية.
وقد افترق الناس في هذا المقام على أربعة أقوال هي:
القول الأول: قول أهل السنة والجماعة
يقولون: إن الله فوق سمواته، عالٍ على خلقه، مستوٍ على عرشه، بائن من خلقه؛ كما دل على ذلك الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة.
القول الثاني: قول معطلة الجهمية ونفاتهم.
وهم الذين يقولون: لا هو داخل العالم ولا خارجه، ولا فوقه ولا تحته، ولا مباين له، ولا محايث له؛ وهم بقولهم هذا قد نفوا الوصفين المتقابلين اللذين لا يخلو موجود منهما١، وبالغوا في نفي التشبيه؛ حتى أدى بهم ذلك إلى نفي وجوده بالكلية، وذلك خشية منهم أن يشبهوه، فهم قالوا بهذه المقالة هربًا منهم -على حد زعمهم- من إثبات الجهة، والمكان، والحيِّز؛ فإن فيها كما يدَّعون تجسيمًا، وهو تشبيه، فقالوا: يلزمنا في الوجود ما يلزم مثبتي الصفات، فنحن نسد الباب بالكلية.
وقد استند أصحاب هذا القول في قولهم هذا على حجج، زعموا أنها عقلية، أسسوها وابتدعوها وجعلوها مقدمة على كل نص، وليس لهؤلاء أي دليل من القرآن أو السنة على صحة قولهم هذا، وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: "وجميع أهل البدع قد يتمسكون بنصوص، كالخوارج،
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى ٥ / ١٢٢
[ ٥٩ ]
والشيعة، والقدرية، والمرجئة، وغيرهم، إلا الجهمية، فإنهم ليس معهم عن الأنبياء كلمة واحدة توافق ما يقولونه في النفي"١.
القول الثالث: قول حلولية الجهمية.
وهم الذين يقولون: إن الله بذاته في كل مكان
وهذا قول النجارية٢، وكثير من الجهمية عبَّادهم، وصوفيتهم، وعوامهم.
ويقولون: إنه عين وجود المخلوقات. كما يقوله أهل وحدة الوجود القائلون بأن الوجود واحد، ومن يكون قوله مركبًا من الحلول والاتحاد.
وهم يحتجون بنصوص المعية والقرب ويتأولون نصوص العلو والاستواء، وكل نص يحتجون به حجة عليهم٣.
القول الرابع: قول طوائف من أهل الكلام والتصوف.
ويقولون إن الله بذاته فوق العرش وهو بذاته في كل مكان وهؤلاء يقولون: إنا نقر بهذه النصوص ولا نصرف واحدًا منها عن ظاهره؛ وهذا قول طوائف ذكرهم الأشعري في مقالات الإسلاميين، وهو موجود في كلام طائفة من السَّالمية والصوفية، ويشبه هذا ما في كلام أبي طالب المكي، وابن برجان
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى ٥/١٢٢. ٢ هم أتباع حسين بن محمد بن عبد الله بن النجار، وقد كان أكثر معتزلة الري ومن حولها على مذهبه، وقد نقل الشهرستاني في "الملل والنحل" (١/١١٣، ١١٤) عن الكعبي قوله: (إن النجار كان يقول: إن البارئ بكل مكان وجودًا، لا على معنى العلم والقدرة) . انظر: مقالات الإسلاميين ١/١٣٥-١٣٧، ٢٨٣-٢٨٥، والفرق بين الفرق ص١٢٦، ١٢٧، وأصول الدين للبغدادي ص٣٣٤، والتبصير في الدين ص١٠١، ١٠٢، ١٠٣. ٣ مجموع الفتاوى ٥ / ١
[ ٦٠ ]
وغيرهما، مع ما في كلام أكثرهم من التناقض.
وهذا الصنف وإن كان أقرب إلى التمسك بالنصوص، وأبعد عن مخالفتها من الصنفين الثاني والثالث، فإن الصنف الثاني لم يتبع شيئًا من النصوص بل خالفها كلها. والصنف الثالث ترك النصوص الكثيرة المحكمة المبينة وتعلق بنصوص قليلة اشتبهت عليه معانيها.
وأما هذا الصنف، فيقول أنا اتبعت النصوص كلها؛ لكنه غالط أيضًا؛ فكل من قال: إن الله بذاته في كل مكان، فهو مخالف للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها، مع مخالفته لما فطر الله عليه عباده؛ ولصريح المعقول والأدلة الكثيرة.
وهؤلاء يقولون أقوالًا متناقضة، يقولون: إنه فوق العرش. ويقولون: نصيب العرش منه كنصيب قلب العارف؛ كما يذكر مثل ذلك أبو طالب وغيره ومعلوم أن قلب العارف نصيبه منه المعرفة والإيمان؛ وما يتبع ذلك.
فإن قالوا: إن العرش كذلك، نقضوا قولهم: إنه نفسه فوق العرش. وإن قالوا بحلوله بذاته في قلوب العارفين؛ كان ذلك قولًا بالحلول خاصة.
وقد وقع طائفة من الصوفية -حتى صاحب منازل السائرين في توحيده المذكور في آخر المنازل- في مثل هذا الحلول١.
وبناءً على هذه الأقوال اختلفت مواقف الناس في صفة المعية على النحو التالي:
_________________
(١) ١ انظر: مجموع الفتاوى ٥/١٢٤-١٢٦.
[ ٦١ ]
القول الأول: قول أهل السنة والجماعة.
أثبتوا علو الله على خلقه وأنه مستو على عرشه بائن من خلقه وهم بائنون منه
وقالوا إن معية الله المقصود منها أن الله عالم بخلقه مطلع عليهم لا يخفى عليه شيء من أمرهم.
"وهم بهذا أثبتوا وآمنوا بجميع ما جاء به الكتاب والسنة، من غير تحريف للكلم عن مواضعه، أثبتوا أن الله فوق سمواته على عرشه؛ بائن من خلقه وهم بائنون منه.
وهو أيضًا مع العباد عمومًا بعلمه، ومع أنبيائه وأوليائه بالنصر والتأييد والكفاية، وهو أيضًا قريب مجيب؛ ففي آية النجوى دلالة على أنه عالم بهم"١.
وقد رد أهل السنة على زعم من قال إن المراد بها معية الذات وأبطلوا هذا الزعم من وجوه عديدة منها:
أولًا: أن نصوص المعية الواردة في القرآن والسنة دل سياقها على أن المقصود بها معية العلم والإطلاع أو النصرة والتأييد.
ثانيا: أن كلمة (مع) في حال إطلاقها تفيد مطلق المصاحبة ثم إن سياق الكلام يحدد نوع المصاحبة، ونصوص المعية حددت نوعين من المصاحبة هما:
١ـ معية العلم
٢ـ معية النصرة والتأييد
ثالثًا: إن جميع علماء السلف وأئمة السنة الذين نقل عنهم تفسير آيات المعية لم يفسروها بمعية الذات فهذا التفسير لم ينقل إلا عن المبتدعة من أهل الكلام
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى ٥/١٢٦.
[ ٦٢ ]
رابعًا: النصوص الشرعية في إثبات علو الله واستوائه على عرشه كثيرة جدًا وتشهد بفساد زعم من قال إن المقصود بالمعية معية الذات.
القول الثاني: من نفى عن الله الوصفين المتقابلين:
وهؤلاء يقولون: ليس فوق العالم شيء، ولا فوق العرش شيء، ويقولون: ليس هو داخلا فيه (أي العالم) ولا خارجًا عنه، ولا حالًا فيه، وليس في مكان من الأمكنة.
وهذا قول الجهمية والمعتزلة وطوائف من متأخري الأشعرية، والفلاسفة النفاة، والقرامطة الباطنية١.
وهؤلاء لما نفوا عن الله ﵎ الوصفين جميعًا فقالوا إنه لا داخل العالم ولا خارجه وشبهوه بالتالي بالمعدوم لم يكن لهم قول معين في صفة المعية لأن مذهبهم قائم على نفي جميع الصفات عن الله ﷿
القول الثالث: من فسر المعية بالمعية الذاتية وقال: بأن الله بذاته في كل مكان.
وهم حلولية الجهمية واحتجوا لقولهم هذا بنصوص "المعية" و"القرب" الواردة في القرآن الكريم مثل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا
_________________
(١) ١ انظر: نقض تأسيس الجهمية ١/٦، ٧، مختصر الصواعق ١/٢٣٧، الاقتصاد في الاعتقاد ص٣٤، تأويل مشكل الحديث ص٦٣، ٦٤، مجموع الفتاوى ٢/٢٩٧-٢٩٨ (٥/١٢٢-١٢٤) .
[ ٦٣ ]
عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ١، وقوله تعالى ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ ٢، وقوله تعالى ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ٣، وقوله تعالى ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ ٤، وقوله تعالى ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الأِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ ٥، وقوله تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ ٦، وقوله تعالى ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ﴾ ٧
وقد زعم حلولية الجهمية أن المراد بهذه النصوص معية الذات وقرب الذات، فلذلك قالوا: إن الله بذاته في كل مكان.
الرد عليهم:
قد أبطل علماء السلف زعم هؤلاء الجهمية واستدلالهم بهذه الآيات وبينوا أن كل نص يحتجون به هو في الحقيقة حجة عليهم، فنصوص المعية التي استدلوا بها لا تدل بأي حال من الأحوال على ما زعمه هؤلاء، وذلك لأن كلمة (مع) في لغة العرب لا تقتضي أن يكون أحد الشيئين مختلطًا بالآخر، وهي إذا اطلقت فليس ظاهرها في اللغة إلا المقارنة المطلقة من غير وجوب مماسة أو محاذاة عن يمين أو شمال، فإذا قيدت بمعنى من المعاني دلت على المقارنة في ذلك المعنى.
ولفظ المعية قد استعمل في الكتاب والسنة في مواضع واقتضت في كل
_________________
(١) ١ المجادلة ٧ ٢ النساء ١٠٨ ٣ الحديد ٤ ٤ التوبة ٤٠ ٥ ق ١٦ ٦ الزخرف ٨٤
[ ٦٤ ]
موضع أمورًا لم تقتضها في الموضع الآخر، وذلك بحسب اختلاف دلالتها في كل موضع وهي قد وردت في القرآن بمعنيين هما:
المعنى الأول: المعية العامة.
والمراد بها أن الله معنا بعلمه، فهو مطلع على خلقه شهيد عليهم، ومهيمن وعالم بهم، وهذه المعية هي المرادة بقوله تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾
فالله ﷾ قد افتتح الآية بالعلم وختمها بالعلم ولذلك أجمع علماء الصحابة والتابعين الذين حمل عنهم تفسير القرآن على أن تفسير الآية هو أنه معهم بعلمه، وقد نقل هذا الإجماع ابن عبد البر١، وأبو عمرو الطلمنكي، وابن تيمية٢، وابن القيم٣.
وعلى هذا فلا حجة للمخالفين في ظاهر هذه الآية.
وكذلك أيضًا ما جاء في قوله تعالى ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ .
فظاهر الآية دال على أن المراد بهذه المعية هو علم الله ﵎ واطلاعه
_________________
(١) ١ التمهيد (٧/١٣٨) . ٢ مجموع الفتاوى (٥/١٩٣)، و(٥/٥١٩)، و(١١/٢٤٩-٢٥٠) . ٣ اجتماع الجيوش الإسلامية (ص٤٤) .
[ ٦٥ ]
على خلقه، فقد أخبر الله تعالى في هذه الآية بأنه فوق العرش يعلم كل شيء، وهو معنا أينما كنا، فجمع تعالى في هذه الآية بين العلو والمعية، فليس بين الاثنين تناقض البتة، وهو كقوله ﷺ في حديث الأوعال: "والله فوق العرش يعلم ما أنتم عليه" ١.
_________________
(١) ١أخرجه الإمام أحمد في المسند (١/٢٠٧) . وأبو داود في سننه، كتاب السنة، باب في الجهمية (٥/٩٣، برقم٤٧٢٣) . وأخرجه الترمذي في سننه، كتاب التفسير، باب سورة الحاقة (٥/٤٢٤-٤٢٥، برقم٣٣٢٠) . وأخرجه ابن ماجه في سننه المقدمة، باب فيما أنكرت الجهمية (١/٦٩) . والدارمي في الرد على بشر المريسي (ص٤٤٨) . وابن أبي عاصم في السنة (١/٢٥٣)،. وابن خزيمة في كتاب التوحيد (١/٢٣٤-٢٣٥، ح١٤٤) . والآجري في الشريعة (٣/١٠٨٩-١٠٩٠، ح٦٦٥) . وابن منده في التوحيد (١/١١٧) . واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٣/٣٩٠) . والذهبي في العلو (ص٤٩) . ومدار الحديث من جميع طرقه على "عبد الله بن عميرة"، وعبد الله فيه جهالة، ولذلك قال الألباني في تخريج السنة (١/٢٥٤): (إسناده ضعيف، وعبد الله بن عميرة، قال الذهبي: فيه جهالة، وقال البخاري: لا نعلم له سماعًا من الأحنف بن قيس) . انتهى كلامه. ولكن الجوزقاني صرح في الأباطيل (١/٧٩) بصحة الحديث وكذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى (٣/١٩٢) حيث قال: (إن هذا الحديث قد رواه إمام الأئمة ابن خزيمة في كتاب التوحيد الذي اشترط فيه أنه لا يحتج فيه إلا بما نقله العدل عن العدل موصولا إلى النبي ﷺ، والإثبات مقدم على النفي، والبخاري إنما نفى معرفة سماعه من الأحنف ولم ينف معرفة الناس بهذا، فإذا عرف غيره كإمام الأئمة ابن خزيمة ما ثبت به الإسناد، كانت معرفته وإثباته مقدما على نفي غيره وعدم معرفته) . انتهى كلامه. وكذلك مال تلميذه ابن القيم إلى تصحيحه. انظر تهذيب السنن (٧/٩٢-٩٣) .
[ ٦٦ ]
المعنى الثاني: المعية الخاصة.
وهي معية الاطلاع والنصرة والتأييد، وسميت خاصة لأنها تخص أنبياء الله وأولياءه مثل قوله تعالى ﴿ذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ ١، وقوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ ٢
فهذه المعية على ظاهرها وحكمها في هذه المواطن النصر والتأييد.
ولفظ المعية على كلا الاستعمالين ليس مقتضاه أن تكون ذات الرب عزوجل مختلطة بالخلق، ولو كان معنى المعية أنه بذاته في كل مكان لتناقض الخبر العام والخبر الخاص، ولكن المعنى أنه مع هؤلاء بنصره وتأييده دون أولئك٣.
وأما استدلالهم بقوله تعالى ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الأِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ ٤، فقد أجاب عنه شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: (إن هذه الآية لا تخلو إما أن يراد بها قربه سبحانه أو قرب ملائكته كما قد اختلف الناس في ذلك
فإن أريد بها قرب الملائكة: فدليل ذلك من الآية قوله ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ ففسر ذلك القرب الذي هو حين يتلقى المتلقيان، فيكون الله سبحانه قد أخبر بعلمه هو سبحانه بما في نفس الإنسان، ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ وأخبر بقرب الملائكة الكرام الكاتبين منه، ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ وعلى هذا التفسير تكون هذه الآية مثل قوله تعالى ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ ٥.
أما إذا كان المراد بالقرب في الآية قربه سبحانه، فإن ظاهر السياق في الآية
_________________
(١) ١التوبة ٤٠ ٢ النحل ١٢٨ ٣ مجموع الفتاوى (١١/٢٥٠)، و(٥/١٠٤) . ٤ ق ١٦. ٥ الزخرف ٨٠
[ ٦٧ ]
دل على أن المراد بقربه هنا قربه بعلمه، وذلك لورود لفظ العلم في سياق الآية ﴿وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾) ١.
وأما استدلالهم بقوله تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ﴾ ٢، فمعنى الآية: أي هو إله من في السموات وإله من في الأرض، قال ابن عبد البر: "فوجب حمل هذه الآية على المعنى الصحيح المجتمع عليه، وذلك أنه في السماء إله معبود من أهل السماء، وفي الأرض إله معبود من أهل الأرض، وكذلك قال أهل العلم بالتفسير"٣.
وقال الآجري: "وقوله عزوجل ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ﴾ فمعناه: أنه جل ذكره إله من في السموات وإله من في الأرض، وهو الإله يعبد في السموات، وهو الإله يعبد في الأرض، هكذا فسره العلماء"٤.
وروى الآجري بسنده في تفسيره هذه الآية عن قتادة قوله: "هو إله يعبد في السماء، وإله يعبد في الأرض"٥.
وأما استدلالهم بقوله تعالى ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ﴾ ٦ فقد فسرها أئمة العلم كالإمام أحمد وغيره أنه المعبود في السموات والأرض٧.
وقال الآجري: "وعند أهل العلم من أهل الحق ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ هو كما قال الحق ﴿يَعْلَمُ
_________________
(١) ١الفتاوى (٦/١٩-٢٠) . ٢ الزخرف ٨٤. ٣ التمهيد (٧/١٣٤) . ٤ الشريعة (ص٢٩٧) . ٥ الشريعة (ص٢٩٨) . ٦ الأنعام ٣. ٧ الرد على الزنادقة والجهمية للإمام أحمد (ص٩٢-٩٣)، ومجموع الفتاوى (١١/٢٥٠) .
[ ٦٨ ]
سِرَّكُمْ﴾ فما جاءت به السنن أن الله عزوجل على عرشه، وعلمه محيط بجميع خلقه، يعلم ما يسرون وما يعلنون، ويعلم الجهر من القول ويعلم ما يكتمون"١
مع العلم أن هؤلاء الذين زعموا أن الله في كل مكان يقول أكثرهم بضد ذلك، فهم في حال نظرهم في الشبه الكلامية يقولون إن الله لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوقه ولا تحته. كما هو قول أصحاب المذهب الأول، وفي تعبدهم يقولون هو في كل مكان.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وكثير منهم يجمع بين القولين؛ ففي حال نظره وبحثه يقول بسلب الوصفين المتقابلين كليهما، فيقول: لا هو داخل العالم ولا خارجه، وفي حال تعبده وتألهه يقول: بأنه في كل مكان لا يخلو منه شئ"٢.
وقال أيضًا: "وجماع الأمر في ذلك أن الكتاب والسنة يحصل منهما كمال الهدى والنور لمن تدبر كتاب الله وسنة نبيه، وقصد اتباع الحق، وأعرض عن تحريف الكلم عن مواضعه، والإلحاد في أسماء الله وآياته.
ولا يحسب الحاسب أن شيئًا من ذلك يناقض بعضه بعضًا ألبتة؛ مثل أن يقول قائل: ما في الكتاب والسنة من أن الله فوق العرش يخالفه الظاهر من قوله ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾
وقوله ﷺ: "إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الله قبل وجهه" ٣ ونحو ذلك فإن هذا غلط.
_________________
(١) ١ الشريعة ٢ نقض تأسيس الجهمية ١/٧. ٣ أخرجه البخاري في صحيحه ص ٢٣٨ كتاب العمل في الصلاة باب ما يجوز من البصاق والنفخ في الصلاة رقم ١٢١٣ (ط دار السلام) . ومسلم في صحيحه ٥/٣٨ كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب النهي عن البصاق في المسجدفي الصلاة وغيرها.
[ ٦٩ ]
وذلك أن الله معنا حقيقة، وهو فوق العرش حقيقة، كما جمع الله بينهما في قوله سبحانه ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ .١.
فأخبر أنه فوق العرش يعلم كل شيء، وهو معنا أينما كنا، كما قال النبي ﷺ في حديث الأوعال: "والله فوق العرش ويعلم ما أنتم عليه" ٢٣.
وذلك أن كلمة (مع) في اللغة إذا أطلقت فليس في اللغة ظاهرها إلا المقارنة المطلقة، من غير وجوب مماسةأو محاذاة عن يمين أو شمال؛ فإذا قيدت بمعنى من المعاني دلت على المقارنة في ذلك المعنى. فإنه يقال: ما زلنا نسير والقمر معنا أو والنجم معنا. ويقال: هذا المتاع معي لمجامعته لك؛ وإن كان فوق رأسك. فالله مع خلقه حقيقة، وهو فوق عرشه حقيقة.
ثم هذه (المعية) تختلف أحكامها بحسب الموارد فلما قال: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ إلى قوله ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ دل ظاهر الخطاب على أن حكم هذه المعية ومقتضاها أنه مطلع عليكم؛ شهيد عليكم ومهيمن عالم بكم. وهذا معنى قول السلف: إنه معهم بعلمه، وهذا ظاهر الخطاب وحقيقته.
وكذلك في قوله ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ إلى قوله ﴿هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ ٤ الآية.
_________________
(١) ١ الحديد ٤. ٢ تقدم تخريجه قريبا. ٣انظر مختصر الصواعق ٢/٢٦٦-٢٦٧. ٤ المجادلة ٧.
[ ٧٠ ]
ولما قال النبي ﷺ لصاحبه في الغار ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ ١ كان هذا أيضا حقا على ظاهره، ودلت الحال على أن حكم هذه المعية هنا معية الاطلاع، والنصر والتأييد.
وكذلك قوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ ٢ كذلك قوله لموسى وهارون ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ ٣ هنا المعية على ظاهرها، وحكمها في هذه المواطن النصر والتأييد.
وقد يدخل على الصبي من يخيفه فيبكى فيشرف عليه أبوه من فوق السقف فيقول: لا تخف؛ أنا معك أوأنا هنا، أو أنا حاضر ونحو ذلك. ينبهه على المعية الموجبة بحكم الحال دفع المكروه؛ ففرق بين المعية ومقتضاها؛ وربما صار مقتضاها من معناها؛ فيختلف باختلاف المواضع٤.
فلفظ (المعية) قد استعمل في الكتاب والسنة في مواضع، يقتضي في كل موضع أمورًا لا يقتضيها في الموضع الآخر؛ فإما أن تختلف دلالتها بحسب المواضع، أو تدل على قدر مشترك بين جميع مواردها -وإن امتاز كل موضع بخاصية- فعلى التقدير ليس مقتضاها أن تكون ذات الرب عزوجل مختلطة بالخلق. حتى يقال قد صرفت عن ظاهرها٥.
ونظيرها من بعض الوجوه (الربوبية، والعبودية) فإنهما وإن اشتركتا في أصل الربوبية والعبودية فلما قال ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ ٦ كانت ربوبية موسى وهارون لها اختصاص زائد على الربوبية العامة للخلق، فإن من أعطاه الله من الكمال أكثر مما أعطى غيره فقد ربه ورباه ربوبية وتربية
_________________
(١) ١ التوبة ٤٠. ٢ النحل ١٢٨. ٣ طه ٤٦. ٤ انظر مختصر الصواعق ٢/٢٦٥. ٥انظر مختصر الصواعق ٢/٢٦٦. ٦ الأعراف ١٢١-١٢٢.
[ ٧١ ]
أكمل من غيره.
وكذلك قوله ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ ١ و﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ ٢.
فإن العبد تارة يعنى به المعبد فيعم الخلق، كما في قوله ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ ٣، وتارة يعني به العابد فيخص؛ ثم يختلفون، فمن كان أعبد علما وحالا كانت عبوديته أكمل، فكانت الإضافة في حقه أكمل، مع أنها حقيقة في جميع المواضع.
ومثل هذه الألفاظ يسميها بعض الناس (مشككة) لتشكك المستمع فيها، هل هي من قبيل الأسماء المتواطئة أو من قبيل المشتركة في اللفظ فقط، والمحققون يعلمون أنها ليست خارجة عن جنس المتواطئة؛ إذ واضع اللغة إنما وضع اللفظ بإزاء القدر المشترك، وإن كانت نوعا مختصًا من المتواطئة فلا بأس بتخصيصها بلفظ.
ومن علم أن (المعية) تضاف إلى نوع من أنواع المخلوقات
-كإضافة الربوبية مثلًا- وأن الاستواء على الشيء ليس إلا للعرش، وأن الله يوصف بالعلو والفوقية الحقيقية، ولا يوصف بالسفول ولا بالتحتية قط، لا حقيقة ولا مجازًا علم أن القرآن على ماهو عليه من غير تحريف.
ثم من توهم أن يكون الله في السماء بمعنى أن السماء تحيط به وتحويه فهو كاذب -إن نقله عن غيره- وضال -إن اعتقده في ربه- وما سمعنا أحدًا يفهم هذا من اللفظ، ولا رأينا أحدًا نقله عن واحد، ولو سئل سائر المسلمين هل تفهمون من قول الله ورسوله "إن الله في السماء" أن السماء تحويه لبادر كل أحد منهم إلى أن يقول هذا شيء لعله لم يخطر ببالنا"٤.
_________________
(١) ١ الإنسان ٦. ٢ الإسراء ١. ٣ مريم ٩٣. ٤ مجموع الفتاوى ٥/١٠٢-١٠٦،وانظر أيضا نفس المرجع ٣/١٤٢.
[ ٧٢ ]
القول الرابع: وهو قول من يقول أن الله بذاته فوق العرش وهو بذاته في كل مكان.
وهذا هو قول جماعة من أهل الكلام والتصوف كأبي معاذ التومنى١، وزهير الأثري٢، وأصحابهما٣، وهو موجود في كلام السالمية٤ كأبي طالب المكي٥ وأتباعه كأبي الحكم برجان٦ وأمثاله
_________________
(١) ١ أبو معاذ التومني من أئمة المرجئة ورأس فرقة التومنية منها. انظر ترجمته ومذهبه في مقالات الأشعري (١/٢٠٤، ٣٢٦)، (٢/٢٣٢)، والملل والنحل (١/١٢٨) . ٢ زهير الأثري، ولم أقف على ترجمته، وقد تكلم الأشعري عن آرائه بالتفصيل في المقالات (١/٣٢٦) . ٣ انظر نقض التأسيس الجهمية (١/٦)، والفتاوى (٢/٢٩٩)، ومقالات الإسلاميين (١/٣٢٦) . ٤ هم أتباع أبي عبد الله محمد بن أحمد بن سالم المتوفى سنة (٢٩٧هـ) وابنه الحسن أحمد بن محمد بن سالم المتوفى سنة (٣٥٠هـ)، وقد تتلمذ أحمد بن محمد بن سالم على سهل بن عبد الله التستري، ويجمع السالمية بين كلام أهل السنة وكلام المعتزلة مع ميل إلى التشبيه ونزعة صوفية اتحادية، انظر شذرات الذهب (٣/٣٦)، وطبقات الصوفية (ص٤١٤-٤١٦)، والفرق بين الفرق (ص١٥٧-٢٠٢) . ٥ أبو طالب، محمد بن علي بن عطية الحارثي المكي، صوفي نشأ واشتهر بمكة، وهو صاحب كتاب "قوت القلوب" في التصوف وهو من أكبر رجال السالمية، قال عنه الخطيب البغدادي: (ذكر فيه أشياء مستشنعة في الصفات)، توفي سنة (٣٨٦هـ) . انظر ترجمته في تاريخ بغداد (٣/٨٩)، وميزان الاعتدال (٣/٦٥٥)، ولسان الميزان (٥/٣٠٠) . ٦ أبو الحكم، عبد السلام بن عبد الرحمن بن محمد اللخمي الإشبيلي، متصوف، توفي سنة (٥٣٦هـ) بمراكش. انظر ترجمته في لسان الميزان (٤/١٣-١٤)، فوات الوفيات (١/٥٦٩)، الاعلام (٤/١٢٩) .
[ ٧٣ ]
ما يشير إلى نحو هذا، كما يوجد في كلامهم ما يناقض هذا ١ فهم يقولون بأن الله في كل مكان، وإنه مع ذلك مستو على عرشه وإنه يرى بالأبصار بلا كيف، وإنه موجود الذات بكل مكان، وأنه ليس بجسم ولا محدود ولا يجوز عليه الحلول ولا المماسة، ويزعمون أنه يجيء يوم القيامة كما قال تعالى ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ ٢، وقولهم هذا يشبه قول بعض مثبتة الجسم الذين يقولون إنه لا نهاية له٣.
والفرق بين هذا القول وقول الجهمية: بأن الله في كل مكان هو أن هؤلاء يثبتون العلو ونوعا من الحلول، أما الجهمية فلا يثبتون العلو على مقصود هؤلاء من الاستواء على العرش والمباينة.
ويزعم أصحاب هذا القول أنهم بقولهم هذا قد اتبعوا النصوص كلها سواء كانت نصوص علو أو معية أو قرب.
الرد عليهم:
إنهم بقولهم هذا جمعوا بين كلام أهل السنة وكلام الجهمية، ولذلك كان قولهم ظاهر الخطأ وغاية في التناقض.
أما بيان خطئه فهو يكمن في أن كل من قال بأن الله بذاته في كل مكان فهو مخالف للكتاب والسنة وإجماع سلف الامة وأئمتها مع مخالفته لما فطر الله عليه عباده، ولصريح المعقول وللأدلة الكثيرة، فالقرآن الكريم مملوء بالآيات التي تنص على علو الله بذاته فوق خلقه واستوائه على عرشه وبينونته من خلقه،
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى (٢/٢٩٩) . ٢ الفجر ٢٢ ٣ نقض تأسيس الجهمية (٢/٦) .
[ ٧٤ ]
كما أن السنة قد تحدثت عن هذا المعنى في كثير من الأحاديث، كقصة المعراج وصعود الملائكة ونزولها من عند الله وعروج الروح إليه واستوائه على عرشه، ونزوله إلى السماء الدنيا، فكل هذه الأدلة تبين بطلان هذا القول ومخالفته.
وأما استدلال هؤلاء بنصوص المعية والقرب، فقد بينا خطأ هذا الاستدلال وبطلانه عند الرد على مذهب حلولية الجهمية، وقد بينا أنه ليس للمخالفين أي متمسك في جعلها لمعية الذات أو قرب الذات.
أما بيان تناقض هذا القول: فهو واضح من أقوالهم، فإنهم يجمعون بين أقوال متناقضة، فتارة يقولون إنه بذاته فوق العرش، وتارة يقولون إنه فوق العرش ونصيب العرش فيه كنصيب قلب العارف -كما يذكر ذلك أبو طالب المكي وغيره-، ومعلوم أن قلب العارف نصيبه منه المعرفة والإيمان وما يتبع ذلك، فإن قالوا: إن العرش كذلك فقد نقضوا قولهم بأنه بنفسه فوق العرش.
وإن قالوا بحلول ذاته في قلوب العارفين، كان ذلك قولا بالحلول الخاص، وهذا ما وقع فيه طائفة من الصوفية ومنهم صاحب منازل السائرين١.
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى (٥/١٢٢-١٣١) .
[ ٧٥ ]
الخاتمة:
بعد هذا العرض للآثار الواردة في صفة المعية ولبعض المسائل المتعلقة بها أعرض أهم النتائج التي توصلت إليها من خلال هذا البحث فأقول:
أولًا: اتضح جليًا من خلال استقراء النصوص أن المعية تنقسم إلى قسمين هما:١- المعية العامة: والمراد بها معية العلم والاطلاع، وسميت عامة لأنها تعم الخلق جميعًا مؤمنهم وكافرهم، وبرهم وفاجرهم.
٢- المعية الخاصة: والمراد بها معية النصرة والتأييد وسميت خاصة لأنها خاصة بأهل الإيمان.
ثانيًا: تبين للقاريء الكريم إجماع السلف على تفسير آيات المعية العامة بأن المراد بها أن الله مع جميع الخلق بعلمه فهو مطلع على خلقه شهيد عليهم وعالم بهم، وقد نقل غير واحد من أهل العلم إجماع علماء السلف على تفسيرهم لآيات المعية العامة بذلك كما تقدم ذكره في المطلب الثاني.
ثالثًا: بإجماع السلف على تفسير المعية العامة بمعية العلم، لايبقى حجة لمدع بوجود تعارض بين آيات المعية وآيات العلو، وقد خصصت مطلبًا أوردت فيه عددًا من النقول عن علماء السلف جاء فيها الجمع بين إثبات العلو وإثبات المعية موافقة لما نصت عليه إحدى آيات المعية، وهي الآية الرابعة من سورة الحديد
رابعًا: إن القول بمعية الذات لم يقم عليه دليل من كتاب ولا سنة ولم يقل به أحد من السلف، وأول من عرف عنه القول بذلك هم الجهمية والمعتزلة، وعنهم أخذ المتأخرون من الأشاعرة هذا القول، ومن أراد أن يعرف مصداق هذا فعليه بمطالعة كتاب الرد على بشر المريسي
[ ٧٧ ]
للدارمي المتوفى سنة ثمانين ومأتين، الذي ذكر هذا القول عن بشر وشيوخه، حيث قال: "وزعمت أنت والمضلون من زعمائك أنه في كل مكان " - انظر الرد على بشر المريسي - ضمن عقائد السلف - ص (٤٥٤) وقد كان ذلك قبل أن تظهر الأشعرية والماتريدية.
خامسًا: إن ماينادي به متأخرو الأشاعرة من القول بأن الله في كل مكان واحتجاجهم على ذلك بآيات المعية، يناقض ما كان عليه أوائل الأشاعرة، والذين تقدم ذكر بعض أقوالهم وإقرارهم بعلو الله وتفسيرهم لنصوص المعية بما عليه قول أهل السنة، وردهم لزعم من قال بأن الله في كل مكان ١.
سادسًا: إن استدلال هؤلاء المعطلة بنصوص المعية على زعمهم الباطل، لا يتفق مع أصلهم الذي أصلوه في هذا الباب وهو عدم احتجاجهم بنصوص القرآن والسنة، واعتمادهم على عقولهم، وصنيعهم هنا يصدق عليه قول شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال: "وكثير ممن يكون قد وضع دينه برأيه وذوقه يحتج من القرآن بما يتأوله على غير تأويله، ويجعل ذلك حجة لاعمدة، وعمدته في الباطن على رأيه كالجهمية والمعتزلة في الصفات والأفعال.." النبوات ص [١٢٩]
وفي الختام فهذا جهدي أقدمه لإخواني القراء، فما كان فيه من صواب فمن الله وحده، وما كان فيه من خطأ فمني وأستغفر الله، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
_________________
(١) ١ كأمثال أبي الحسن الأشعري وعلي بن مهدي الطبري والباقلاني والبيهقي وغيرهم.
[ ٧٨ ]