٨ - حدثنا أبو معن (^١) قال: ثنا مؤمل قال: حدثنا سفيان (^٢) في قوله ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] قال: ما أريد به وجهه (^٣).
_________________
(١) = بعض أهل العلم بهذا قاضي القضاة، وقال: ليس قاضي القضاة إلا من يقضي الحق وهو خير الفاصلين، الذي إذا قضى أمرا فإنما يقول له: كن فيكون. ويلي هذا الاسم في الكراهة والقبح والكذب: سيد الناس وسيد الكل، وليس ذلك إلا لرسول اللّه -ﷺ- خاصة كما قال: "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر". فلا يجوز لأحد أن يقول عن غيره إنه سيد الناس وسيد الكل كما لا يجوز أن يقول: إنه سيد ولد آدم".
(٢) هو زيد بن يزيد الثقفي، أبو معن الرقاشي، البصري: ثقة. التقريب (ص ١٦٥).
(٣) هو شيخ الإسلام، إمام الحفاظ، سيد العلماء العاملين في زمانه، سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، أبو عبد اللّه الكوفي، ثقة، حافظ، فقيه، عابد، إمام، حجة، مات سنة (١٦١). السير (٧/ ٢٢٩)، والتقريب (ص ١٨٤).
(٤) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٤٠٧). الإسناد فيه: مؤمل، وهو ابن إسماعيل العدوي البصري، وثقه ابن معين، وقال =
[ ١ / ١١٥ ]
أبو حاتم الرازي: صدوق شديد في السنة كثير الخطأ يكتب حديثه. الجرح والتعديل (٨/ ٣٧٤)، وقال البخاري: منكر الحديث. تهذيب الكمال (٢٩/ ١٧٦)، وقال ابن حجر في التقريب (ص ٤٨٧): صدوق سيء الحفظ.
وأخرجه البيهقي في الشعب (٥/ ٣٥٠) من طريق أبي حذيفة عن الثوري، وأبو حذيفة: هو موسى بن مسعود النهدي، صدوق سيء الحفظ وكان يصحِّف. التقريب (ص ٤٨٥).
وأخرجه أيضا أبو نعيم في الحلية (٧/ ٧٦)، من طريق محمد بن الحسن عن الثوري، ومحمد بن الحسن، هو ابن الزبير الأسدي الكوفي لقبه التَلّ، صدوق فيه لين. التقريب (ص ٤٠٩).
وجاء هذا الأثر أيضا عن ابن عباس ومجاهد كما هو عند السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٤٤٧).
فالأثر يكون بهذه المتابعات والشواهد حسنًا.
وأورده ابن جرير في تفسيره (١٨/ ٣٥٣)، وابن كثير في تفسيره (٦/ ٢٦١ - ٢٦٢) وقال: "وحكاه البخاري في صحيحه كالمقرر له".
التعليق: توحيد الألوهية: هو إفراد اللّه ﷿ بالعبادة، وهو الغاية التي من أجلها خلق اللّه الإنس والجن، وأرسل الرسل، وأنزل الكتب، ومن أجله حصلت الخصومة بين الأنبياء وأممهم، وحاجة الناس إليه أشد من حاجتهم إلى الطعام والشراب، ومن حققه دخل الجنة، ومن صد عنه دخل النار. والأدلة على إثباته =
[ ١ / ١١٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = كثيرة جدًا منها: قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦]. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾ [البقرة: ٢١]. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦] وجاء عن معاذ بن جبل -﵁-، قال: قال رسول اللّه -ﷺ-: يا معاذ!، أتدري ما حق اللّه على العباد؟ قال: اللّه ورسوله أعلم. قال: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، أتدري ما حقهم عليه؟. قال: اللّه ورسوله أعلم. قال: أن لا يعذبهم" أخرجه البخاري في صحيحه (٧٣٧٣)، ومسلم (٣٠). قال شيخ الإسلام: "إن الله خلق الخلق لعبادته الجامعة لمعرفته والإنابة إليه، ومحبته والإخلاص له، فبذكره تطمئن قلوبهم؛ وبرؤيته في الآخرة تقر عيونهم ولا شيء يعطيهم في الآخرة أحب إليهم من النظر إليه؛ ولا شيء يعطيهم في الدنيا أعظم من الإيمان به. وحاجتهم إليه في عبادتهم إياه وتألههم كحاجتهم وأعظم في خلقه لهم وربوبيته إياهم، فإن ذلك هو الغاية المقصودة لهم، وبذلك يصيرون عاملين متحركين، ولا صلاح لهم ولا فلاح ولا نعيم ولا لذة بدون ذلك بحال، بل من أعرض عن ذكر ربه فإن له معيشة ضنكًا ونحشره يوم القيامة أعمى. ولهذا كان اللّه لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، ولهذا كانت "لا إله إلا اللّه" أحسن الحسنات، وكان التوحيد بقول لا إله إلا اللّه رأس الأمر". =
[ ١ / ١١٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) =مجموع الفتاوى (١/ ٢٣). وانظر اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٣٨٦ - ٣٨٧)، وتجريد التوحيد المفيد للمقريزي (ص ٤٣ - ٤٦)، وشرح الطحاوية لابن أبي العز الحنفي (ص ٣٣). أما ما جاء في هذا الأثر عن سفيان الثوري في تفسير هذه الآية بالإخلاص، فلا يعد تأويلًا لصفة الوجه للّه تعالى، ولا ينافي أن الآية تَحمل معنى آخر أيضا وهو: إثبات صفة الوجه لله تعالى، كما يليق بجلاله وكمال صفاته، ومعلوم أن الذات تبع له. فإن معنى الآية: أي أنَّ كل شيء أراد اللّه له الهلاك، وكتب عليه الفناء فإنه يفنى، أما المخلوقات الأخرى التي لم يكتب الله لها الفناء فإنها تبقى، كالجنة والنار والعرش واللوح وغيرها. والأعمال التي أُريد بها وجه اللّه والدار الآخرة هي من هذا القبيل. انظر شرح الطحاوية (ص ٤٢٤)، ومسائل حرب الكرماني (ص ٣٥٩). قال شيخ الإسلام: "وإذا كان المقصود هنا الكلام في تفسير الآية فنقول: تفسير الآية بما هو مأثور ومنقول عن من قاله من السلف والمفسرين، من أن المعنى كل شيء هالك إلا ما أريد به وجهه، فأنه ذَكر ذلك بعد نهيه عن الإشراك، وإن يدعو معه إلها آخر، وقوله لا إله إلا هو يقتضي أظهر الوجهين وهو أن كل شيء هالك إلا ما كان لوجهه من الإيمان والأعمال وغيرهما". بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية (١/ ٥٨٠) (تحقيق: عبد الرحمن بن قاسم). وانظر مجموع =
[ ١ / ١١٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الفتاوى (٢/ ٢٨ - ٣١). ثانيًا: الكلام عن الإخلاص وبيان عظم أهميته، أمر مهمٌ جدًا، لأنه يعتبر الحد الفاصل بين الإيمان والشرك، وهو مقصد دعوة الأنبياء جميعهم، فكلهم دعوا إلى إخلاص العبادة للّه تعالى، وألا يشرك معه أحد في النية والقصد، فالإخلاص هو أساس هذا الدين، وعليه مدار الأعمال، وبه تفسر كلمة التوحيد "لا إله إلا اللّه". قال شيخ الإسلام: "إخلاص الدين للّه هو الدين الذي لا يقبل اللّه سواه، وهو الذي بعث به الأولين والآخرين من الرسل، وأنزل به جميع الكتب، واتفق عليه أئمة أهل الإيمان، وهذا هو خلاصة الدعوة النبوية، وهو قطب القرآن الذي تدور عليه رحاه". مجموع الفتاوى (١٠/ ٤٩). والأدلة على أهمية الإخلاص كثيرة جدًا منها: قال تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ١ - ٣]. وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة:٥]. وقال تعالي ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]. وجاء عن النبي -ﷺ- أنه قال: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى". أخرجه البخاري في أول صحيحه: (كتاب بدء الوحي ح ١)، ومسلم (ح ١٩٠٧). وقال -ﷺ-: "إن اللّه لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصا وابتغي به =
[ ١ / ١١٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وجهه". أخرجه النسائي (٦/ ٢٥ رقم ٣١٤٠) بإسناد صحيح، انظر السلسلة الصحيحة للألباني (٥٢). قال ابن القيم الجوزية: "ومن تأمل الشريعة في مصادرها ومواردها، علم ارتباط أعمال الجوارح بأعمال القلوب، وأنها لا تنفع بدونها، وأن أعمال القلوب أفرضُ على العبد من أعمال الجوارح، وهل يميزُ المؤمن عن المنافق إلا بما في قلب كل واحد منهما من الأعمال التي ميزت بينهما، وهل يمكن أحدٌ الدخولَ في الإسلام إلا بعمل قلبه قبل جوارحه، وعبودية القلب أعظم من عبودية الجوارح وأكبر وأدوم، فهي واجبة في كل وقت، ولهذا كان الإيمان واجبَ القلب على الدوام، والإسلام واجبَ الجوارح في بعض الأحيان". بدائع الفوائد (٣/ ١١٤٨). والإخلاص أحد ركني قبول العبادة، قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]، فأيّ عبادة يريد أن يتقرب بها العبد إلى اللّه، لا بد أن يتوفر فيها شرطان: الأول: الإخلاص للّه تعالى، الثاني: المتابعة للنبي -ﷺ-، فإنْ عُدم الإخلاص كان العمل شركًا، وإن عدمت المتابعة كان العمل بدعة، وقد جاء عن الفضيل بن عياض في قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ﴾ [الملك:]، أنه قال: أخلصه وأصوبه، فإنه إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصًا لم يقبل، حتى يكون خالصًا صوابًا، والخالص إذا كان للّه، والصواب إذا كان على السنة. أخرجه أبو نعيم في الحلية =
[ ١ / ١٢٠ ]