٢٨ - قلت: يُكره لعمري ولعمرك؟ قال: ما أعلم به بأسا. قال إسحاق تركه أسلم لما قال إبراهيم (^١): كانوا يكرهون ويقولون: ليقل: لعمر الله (^٢).
_________________
(١) = والثاني: ما كان من نوع الشرك الأصغر، كقول الرجل: ما شاء الله وشئت، ولولا الله وأنت وكيسير الرياء". ثم أوضح -﵀- في (ص ٤٩٢) الفرق بين استخدام حرفي "الواو" و"ثم"، فقال: "وذلك لأن المعطوف بالواو يكون مساويا للمعطوف عليه؛ لكونها إنما وضعت لمطلق الجمع فلا تقتضي ترتيبا ولا تعقيبا بخلاف المعطوف بـ "ثم" فإن المعطوف بها يكون متراخيا عن المعطوف عليه بمهملة. فلا محذور؛ لكونه صار تابعا". وانظر في تعريف "الواو" و"ثم" كتاب "الأصول في النحو" لابن السراج البغدادي (٢/ ٥٥).
(٢) هو النخعي.
(٣) مسائل الإمام أحمد برواية الكوسج (٩/ ٤٨٩٣ - مسألة رقم ٣٥٩٢). وأخرجه عبد الرزاق في المصنف (٨/ ٤٧١) عن معمر عن مغيرة عن إبراهيم أنه كان يكره: "لعمرك" ولا يرى بـ: "لعمري" بأسًا، وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف (١٢٤٢٨) عن وكيع عن الأعمش عن إبراهيم أنه كره أن يقول: =
[ ١ / ١٦٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = لعمري، وأخرج ابن أبي الدنيا في كتابه الصمت (ص ١٩٦): عن مغيرة عن إبراهيم ﵀ قال: كان يكره أن تقول: لعمر الله، لا بحمد الله. التعليق: قال ابن منظور في معنى "لعمري": "العَمْر والعُمُر والعُمْر: الحياة. يقال: قد طال عَمْرُه وعُمْرُه لغتان فصيحتان: فإِذا أَقسموا فقالوا لَعَمْرُك: فتحوا لا غير، والجمع أَعْمار وسُمِّي الرجل عَمْرًا تفاؤلًا أَن يبقى والعرب تقول في القسَم لَعَمْرِي ولَعَمْرُك يرفعونه بالابتداء ويضمرون الخبر كأَنه قال لَعَمْرُك قَسَمِي أَو يميني أَو ما أَحْلِفُ به". لسان العرب (٤/ ٦٠١). وقد اختلف السلف في كلمة "لعمري"، هل هي من الأيمان الشرعية أم لا؟ والظاهر، والله أعلم، أنها ليست من الأيمان الشرعية، وإنما يجيء بها المتكلم لتأكيد الكلام. ودليل ذلك، ورود هذه الكلمة على لسان النبي -ﷺ- وصحابته الكرام ومن تبعهم بإحسان. فقد أخرج أبو داود في السنن (٤/ ١٥٣ رقم ٣٤١٣) عن خارجة بن الصلت عن عمه: أنه مر بقوم فأتوه فقالوا: إنك جئت من عند هذا الرجل بخير، فارق لنا هذا الرجل، فأتوه برجل معتوه في القيود، فرقاه بأم القرآن ثلاثة أيام غدوة وعشية، وكلما ختمها جمع بُزاقه ثم تفل، فكأنما أُنشط من عقال، فأعطوه شيئا فأتى النبي -ﷺ- فذكره له، فقال رسول الله -ﷺ-:"كُل، فلعمري لمَن أكلَ برقْيَةِ باطلٍ لقد أكلت برقيةِ حقٍّ". وإسناده صحيح. انظر السلسلة الصحيحة (٢٠٢٧). =
[ ١ / ١٦١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = فتلفظُ النبي -ﷺ- بهذه الكلمة، دليل على أنها ليست من الحلف بغير الله، وإلا لنهى أمته عن التلفظ بها. وأخرج البخاري في صحيحه (٤٦٩٥) عن عروة بن الزبير عن عائشة ﵂" قالت له: وهو يسألها عن قول الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ [يوسف: ١١٠]. قال: قلت: أكذبوا أم كُذبوا؟ قالت عائشة: كُذبوا، قلت: فقد استيقنوا أن قومهم كذبوهم فما هو بالظن؟ قالت: أجل "لعمري" لقد استيقنوا بذلك " الحديث. وأخرج البخاري أيضا في صحيحه (١٦١٨) عن ابن جريج قال أخبرني عطاء: "إذ منع ابن هشام النساء الطواف مع الرجال، قال: كيف يمنعهن وقد طاف نساء النبي -ﷺ- مع الرجال؟ قلت: أبعدَ الحجاب أو قبل؟ قال: إي "لعمري" لقد أدركته بعد الحجاب". فهذه الآثار تدل على أن السلف كانوا يستعملون هذه اللفظة في كلامهم، ولو كانت من الحلف بغير الله، لكانوا أبعد الناس عنها، لأنهم أحرص الناس على اجتناب ما نهى الشرع عنه. ومما يؤيد أن هذه الكلمة ليست من قبيل اليمين الشرعي، ما أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٨/ ٤٦٩) قال أخبرنا ابن جريج، قال: "سمعت عطاء يقول: كان خالد بن العاص وشيبة بن عثمان يقولان إذا أقسما: "وأبي" فنهاهما أبو هريرة عن ذلك أن يحلفا بآبائهما، قال: فغيّر شيبة، فقال: "لعمري" وذلك أن إنسانا سأل =
[ ١ / ١٦٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = عطاء عن "لعمري" وعن "لا ها الله إذًا" أبهما بأس؟ فقال: لا، ثم حدّث هذا الحديث عن أبي هريرة، وأقول ما لم يكن حلف بغير الله فلا بأس، فليس "لعمري "بقسم". وسَأل سحنون بن سعيد التنوخي الإمامَ مالك فقال: "أرأيت قوله "لعمري" أتكون هذه يمينًا؟ قال: قال مالك: لا تكون يمينا". المدونة الكبرى (١/ ٥٨٢). وقال ابن قدامة في المغني (١٣/ ٤٥٧): «وإن قال: "لعَمْري" أو "لعَمْرُك" أو "عَمْرُك" فليس بيمين في قول أكثرهم". وقال الحسن في قوله "لعمري" عليه الكفارة، ولنا أنه أقسم بحياة مخلوق، فلم تلزمه كفارة، كما لو قال: و"حياتي" وذلك لأن هذا اللفظ يكون قسما بحياة الذي أضيف إليه العَمْرُ، فإن التقدير "لعمرك قسمي" أو "ما أقسم به" والعَمْرُ: الحياة أو البقاء». وهذا مؤيد لما ورد في الباب من سؤال الكوسج للإمام أحمد عن هذه اللفظة. فمما سبق يتبين لنا أن كلمة "لعمري" ليست بيمين شرعي، ولا من الحلف بغير الله، وأما ما ورد عن إبراهيم النخعي والحسن أنهما كانا يكرهان التلفظ بها، فلعل ذلك من باب سد الذريعة، لئلا يظن أنها من الحلف بغير الله، أو لعل هذه النصوص لم تبلغهما. والله أعلم. وللتوسع في هذا الموضوع، يرجع إلى ما كتبه الشيخ حماد الأنصاري -﵀- حول كلمة "لعمري"، وهو بحث منشور ضمن "مجلة الجامعة الإسلامية" عدد ٢٦.
[ ١ / ١٦٣ ]