كان الإمام حرب الكرماني حريصًا على لقاء أحمد وإسحاق بن راهويه، ويدل على ذلك أنه حفظ أربعة آلاف مسألة عنهما قبل أن يقدم إليهما (^٥)، ثم سجل عنهما ما وقع له من المسائل، قال الذهبي: مسائل
_________________
(١) انظر كتاب الإرشاد في معرفة علماء الحديث (٢/ ٥٩٧).
(٢) ذكره الحافظ ابن حجر في الفتح (٥/ ٢٢٦).
(٣) تذكرة الحفاظ (٢/ ٦١٣).
(٤) السير (١٣/ ٢٤٥).
(٥) طبقات الحنابلة (١/ ٣٨٩).
[ ١ / ٦٧ ]
حرب من أنفس كتب الحنابلة، وهو كبير في مجلدين (^١). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وهو -أي: مسائل حرب- كتاب كبير صنفه على طريقة الموطأ ونحوه من المصنفات (^٢)، وقال الخليل بن عبد الله القزويني: وكان -أي: الإمام أحمد- يملي الكتب من حفظه على تلامذته، أملى على حرب بن إسماعيل الكرماني تاريخًا ومسائل مائة وثلاثين جزءًا (^٣). فهذا يدل على أن مسائل حرب الكرماني كثيرة جدا، وقد فاقت بعددها المسائل الأخرى التي رويت عن أحمد.
إلا أنَّ قسمًا من هذه المسائل مفقود أو مخطوط، والمطبوع منها قد لا يتعدى النصف، وهي طبعة غير محققة، يكثر فيها السقط والتصحيف (^٤)، وتبدأ هذه المسائل بكتاب النكاح، ثم يتبعه كتاب الطلاق، ثم الخلع، ثم الإيلاء، ثم الظهار واللعان، ثم كتاب الأدوية،
_________________
(١) سير أعلام النبلاء (١٣/ ٢٤٥).
(٢) درء التعارض (١/ ٢٤٩).
(٣) الإرشاد في معرفة علماء الحديث (٢/ ٥٩٧).
(٤) وهي التي اعتمدت عليها في رسالتي. وهي باعتناء الدكتور ناصر بن سعود السلامة. وقد اضطرني ما وقع في هذه الطبعة من التصحيف والسقط إلى الرجوع إلى المخطوط، والإحالة إليه في بعض المواضع، ليتضح النص وتتم الفائدة.
[ ١ / ٦٨ ]
ثم اللباس، ثم كتاب الآداب، ثم ذكر أكثر من ثلاثين بابا في مسائل الاعتقاد، وهذه ميزة تتميز بها مسائل حرب عن غيرها من المسائل، ثم ختمها بكلام الإمام أحمد وغيره في الرجال.
وأهم ما يميز هذه المسائل إيراد الإمام حرب الكرماني فيه: "باب القول بالمذهب" (^١) وهو باب ذكر فيه الإمام حرب عقيدة أهل السنة والجماعة، مأخوذة عن أئمة الإسلام كالإمام أحمد وإسحاق بن راهويه وعبد الله بن الزبير الحميدي وسعيد بن منصور وغيرهم من علماء أهل العراق والحجاز والشام.
فهذا الباب بمثابة حكاية إجماع السلف لما يجب أن يعتقده المرء ويدين به.
وقد أثنى العلماء على ما صنعه حرب الكرماني من إيراد هذا الباب الجامع لمجمل اعتقاد السلف ﵏ ونقلوا منه وارتضوه، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية (^٢).
_________________
(١) انظر مسائل حرب الكرماني (ص ٣٥٥ - ٣٦٦).
(٢) انظر درء التعارض (١/ ٢٤٩)، وشرح العقيدة الأصفهانية (ص ٥١ - ٥٢)، ومجموع الفتاوى (٥/ ٣٩٣)، واقتضاء الصراط المستقيم (١/ ٤٢٠)، والاستقامة (١/ ٧٣) كلها لابن تيمية، واجتماع الجيوش الإسلامية لابن القيم (ص ١٧٦)،=
[ ١ / ٦٩ ]
يقول ابن القيم ﵀ بعد أن نقل جملة كبيرة مما نقله حرب: "قلت: حرب هذا صاحب أحمد وإسحاق، وله عنهما مسائل جليلة، وأخذ عن سعيد بن منصور وعبد الله بن الزبير الحميدي وهذه الطبقة، وقد حكى هذه المذاهب عنهم، واتفاقهم عليها، ومن تأمل المنقول عن
_________________
(١) = وحادي الأرواح له (٢/ ٨٢٦ - ٨٤٢) فقد نقل جملة كبيرة منه. تنبيه: "باب القول بالمذهب" وما جاء فيه من بيان اعتقاد السلف، جاء أيضا منسوبًا إلى الإمام أحمد بن حنبل، وهو ما يعرف برسالة أحمد بن جعفر الاصطخري عن الإمام أحمد، وقد رواها ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة عند ترجمة الاصطخري (١/ ٥٤). وقد بيَّن شيخ الإسلام ابن تيمية عدم صحة نسبة هذه الرسالة إلى الإمام أحمد فقال: "وليست هذه العقيدة ثابتة عن الإمام أحمد بألفاظها، فإني تاملت لها ثلاثة أسانيد مظلمة، برجال مجاهيل، والألفاظ هي ألفاظ حرب بن إسماعيل، لا ألفاظ الإمام أحمد، ولم يذكرها المعنيون بجمع كلام الإمام أحمد، كأبي بكر الخلال في كتاب السنة وغيره من العراقيين العالمين بكتاب أحمد، ولا رواها المعروفون بنقل كلام الإمام لاسيما مثل هذه الرسالة الكبيرة وإن كانت راجت على كثير من المتأخرين". الاستقامة (١/ ٧٣). وقد أنكر الحافظ الذهبي أيضًا نسبة هذه الرسالة إلى الإمام أحمد، انظر السير (١١/ ٢٨٧ - ٢٨٦) وتاريخ الإسلام حوادث ووفيات (٢٤١ - ٢٥٠) ص ١٣٦.
[ ١ / ٧٠ ]
هؤلاء وأضعاف أضعافهم من أئمة السنة والحديث، وجده مطابقًا لما نقله حرب" (^١).