لقد اتجه الإمام عبد الله بن أحمد إلى طلب العلم منذ نعومة أظفاره، حيث اعتنى به أبوه الإمام أحمد بن حنبل، ووجهه منذ صغره إلى علم الحديث، فكان ملازما لأبيه الإمام أحمد، فورث منه حب السنة والآثار السلفية، والاعتناء البالغ بجمعها وروايتها من شيوخه وخاصة من والده الإمام أحمد. وجاء في كتب التراجم، أن الإمام أحمد سلك مسلكا فريدا في تربية عبد الله على معرفة صحيح الحديث من سقيمه، فقد حفَّظه خمسة عشر ألف حديث عن ظهر قلب، ثم قال له: لم يقل النبي -ﷺ- شيئًا من هذا! فقال: ولم أذهبت أيامي في حفظ الكذب؟! قال: لتعلم الصحيح، فمِن الآن احفظ الصحيح (^٢).
_________________
(١) طبقات الحنابلة (٢/ ٥). وانظر تذكرة الحفاظ (٢/ ٦٦٥).
(٢) شذرات الذهب (٢/ ٢٠٢).
[ ١ / ٨٤ ]
قال ابن المنادى: "لم يكن في الدنيا أحد أروى عن أبيه منه لأنه سمع المسند وهو ثلاثون ألفا والتفسير وهو مائة ألف وعشرون ألفا سمع منها ثمانين ألفا والباقي وجادة وسمع الناسخ والمنسوخ والتاريخ وحديث شعبة والمقدم والمؤخر في كتاب الله تعالى وجوابات القرآن والمناسك الكبير والصغير وغير ذلك من التصانيف وحديث الشيوخ. قال: وما زلنا نرى أكابر شيوخنا يشهدون له بمعرفة الرجال وعلل الحديث والأسماء والكنى والمواظبة على طلب الحديث في العراق وغير ها ويذكرون عن أسلافهم الإقرار له بذلك" (^١).
قال إسماعيل بن محمد بن حاجب، سمعت مهيب بن سليم يقول: سألت عبد الله بن أحمد قلت: كم سمعت من أبيك؟ قال: مائة ألف وبضعة عشر ألفًا (^٢).
وكان لا يكتب عن أحد إلا من أمره أبوه أن يكتب عنه، فامتنع من الأخذ عن علي بن الجعد لوقفه في مسألة القرآن (^٣).
وكان عبد الله يذاكر أباه في الحديث، فقال مرة: "كنت أعرض
_________________
(١) تاريخ بغداد (٩/ ٣٧٥)، والمصعد الأحمد (ص ٢٠ - ٢١).
(٢) تذكرة الحفاظ (٢/ ٦٦٥).
(٣) سير أعلام النبلاء (١٣/ ٥١٧).
[ ١ / ٨٥ ]
الحديث على أبي -﵁-، فأرى في وجهه التغير، ويقول: كأنك تطلب ما لم أسمعه. فتركتُهُ (^١). وكان كثير السؤال لأبيه الإمام أحمد، فوقع له عن أبيه "مسائل" جياد كثيرة. فقال: "كل شيء أقول" قال أبي "فقد سمعته مرتين وثلاثًا، وأقله مرة" (^٢).