الفصل الأول: الآثار عن عمر في الإيمان بالملائكة.
تمهيد:
إن الإيمان بالملائكة والكتب من لوازم الإيمان بالرسل المعبر عنه بالنبوات، فلا يؤمن أحد برسل الله ﵎ إلا ويلزمه الإيمان بالملائكة الذين هم الواسطة بين الله وبين رسله، كما يلزمه الإيمان بالكتب التي يأتي بها هؤلاء الرسل لهداية الناس وتبشيرهم وإنذارهم وتهذيب نفوسهم وإرشادهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له.
ولا شك أن الإيمان بالرسل ركن عظيم ودعامة يبنى عليه أساس كل العبادات التي جاء بها الرسل عليهم الصلاة والسلام.
هذا وقد أثر عن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى آثار تتعلق بالإيمان بالملائكة، والكتب، والرسل، كما ورد عنه آثار في الإيمان بنبينا محمد ﷺ وذكر بعض خصائصه وفضائل أصحابه وأهل بيته يتبين ذلك بما يأتي من الآثار:
[ ١ / ٣٦٣ ]
٩١/١- ابن الجوزي قال: وعن قادم بن مسور قال: قال عمر بن عبد العزيز لما أمر الله ﷿ الملائكة بالسجود لآدم أول من سجد له إسرافيل فأنابه أن كتب القرآن في جبهته١.
٩٢/٢ - ابن عبد الحكم قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى منصور ابن غالب حين بعثه على قتال أهل الحرب رسالة وفيها: "واعلموا أن معكم من الله حفظة عليكم يعلمون ما تفعلون في مسيركم ومنزلكم فاستحيوا منهم وأحسنوا صحابتهم ولا تؤذوهم بمعاصي الله "٢.
٩٣/٣ - ابن الجوزي قال: حدثنا حازم قال: بلغنا أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن في شأن ابنه عبد الملك حين توفي:
_________________
(١) ١ ابن الجوزي سيرة عمر ص٢٧٤، وأبو حفص الملاء ٢/٤٩٤، وابن الجوزي أيضا المنتظم ١ /٢٠٣ ط دار الكتب العلمية. وقادم بن مسور لم أجده. والأثر وإن كان شقه الأول صحيح المعنى لكن شقه الذي دل على كتابة القرآن على جبهة إسرافيل يحتاج إلى نقل عن النبي ﷺ لأنه من الأمور الغيبية ولم أطلع على دليل صحيح يؤيد ما دل عليه الشق الثاني من هذا الأثر. ٢ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٧٦، وابن الجوزي سيرة عمر ص٢٤١، وأبو نعيم في الحلية ٥/٣٠٢- ٣٠٤، وأبو حفص الملاء ١/٢٩٣.
[ ١ / ٣٦٤ ]
أما بعد: فإن الله تبارك اسمه وتعالى جده كتب على خلقه حين خلقهم الموت، وجعل مصيرهم إليه، فقال فيما أنزل من كتابه الصادق الذي حفظه بعلمه وأشهد الملائكة على حقه "١.
٩٤/٤- ابن عبد الحكم قال: قال عمر بن عبد العزيز لمولاه مزاحم حين سأله عن شأن غشيته حين سمع بوفاة ابنه عبد الملك ولكني علمت أن ملك الموت قد دخل منزلي فأخذ بضعة مني فراعني ذلك فأصابني ما قد رأيت٢.
٩٥/٥- أبو نعيم الحافظ قال: حدثنا أبي، ثنا إبراهيم بن محمد بن الحسن، ثنا سفيان بن وكيع، ثنا ابن عيينة، عن عمر بن ذر، قال: قال عمر بن عبد العزيز: لولا أن تكون بدعة لحلفت أن لا أفرح من الدنيا بشيء أبدا حتى أعلم ما في وجوه رسل ربي إلي عند الموت، وما أحب أن يهون علي الموت لأنه آخر ما يؤجر عليه المؤمن٣.
_________________
(١) ١ ابن الجوزي سيرة عمر ص٣٣٠- ٣٣١، وأبو نعيم في الحلية ٥/٣٥٧. ٢ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص١٠٠، وأبو حفص الملاء ٢/٤٣٤. ٣ أبو نعيم في الحلية ٥/٣١٦، وانظر الزهد، وزوائده للإمام أحمد وابنه عبد الله ص٤١٨. إبراهيم بن محمد بن الحسن البخاري مجهول. انظر الجرح والتعديل ٢/١٣٠، وسفيان بن وكيع بن الجراح لين. انظر الجرح والتعديل ٣/٢٣١- ٢٣٢.
[ ١ / ٣٦٥ ]
٩٦/٦- البلاذري قال روى المدائني عن العباس بن محمد عن أبيه أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى بعض عماله: أما بعد فانظر من ادعى الإسلام فشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأنه يؤمن بالله وملائكته ١.
التعليق:
هذه الآثار الواردة عن عمر تدل على الإيمان بالملائكة مع ذكر بعض وظائفهم كحفظ أعمال العباد، وقبض أرواحهم عند انقضاء آجالهم بإذن الله تعالى، وتبشير المؤمنين بالجنة، وكونهم هم الواسطة بين الخلق والخالق عن طريق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولهم وظائف كثيرة جدا، نقتصر على ما ورد عن عمر في ذلك.
والإيمان بالملائكة هو الاعتقاد الجازم بأن الله تعالى خلق عالما سماه الملائكة، "وهم أرواح قائمة في أجسام نورانية قادرة على التمثيل بأنواع مختلفة الشكل بإذنه تعالى مناسبة للحالة التي يأتون فيها"ففي صحيح مسلم عن عائشة - ﵂- قالت: قال رسول الله ﷺ: "خلقت الملائكة من نور وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم٢"٣.
_________________
(١) ١ البلاذري كتاب جمل من أنساب الأشراف ٨/١٦٣. ٢ مسلم ٦/٤١٥ رقم (٢٩٩٦) كتاب الزهد باب أحاديث متنوعة. ٣ انظر منهج القرآن في الدعوة إلى الإيمان ص٢١ للشيخ الدكتور علي بن ناصر الفقيهي. ط. الأولى ١٤١٥هـ.
[ ١ / ٣٦٦ ]
وقد كلف الله العباد الإيمان بهم والتصديق بوجودهم، لأن ذلك من جملة العقائد الإيمانية المذكورة في القرآن والسنة. قال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ ﴾ ١، ومن السنة حديث جبريل المشهور وفيه: " أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر"٢.
وأما ما أثر عن عمر بن عبد العزيز في ذكر بعض وظائف الملائكة فمنها:
أن الملائكة تحفظ أعمال العباد. وهذا ما ورد في الكتاب العزيز وقال به أهل السنة. قال تعالى: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيد مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ ٣، وقال ﷿: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِين يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ ٤، وقوله ﷿: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ
_________________
(١) ١ الآية ٢٨٥ من سورة البقرة. ٢ الحديث متفق عليه صحيح مسلم بشرح النووي ١/١٣١، برقم (١)، والبخاري مع الفتح ١/١١٥، برقم (٥٠) . ٣ الآيتان ١٧- ١٨ من سورة ق. ٤ الآيتان ١٠- ١٢ من سورة الانفطار.
[ ١ / ٣٦٧ ]
سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ ١، فهؤلاء الملائكة مكلفون بمراقبة الإنسان في كل حركاته وسكناته، فإذا تيقن أن جميع أعماله الصادرة عنه مكتوبة عليه علم ماذا ينبغي أن يقوم تجاه مواقف الملائكة معه ووظائفهم المتعلقة به. وهذا ما عناه عمر بقوله فأحسنوا صحابتهم ولا تؤذوهم بمعاصي الله.
ومن وظائف الملائكة المأثورة عن عمر كذلك قبض أرواح بني آدم عند انقضاء آجالهم. وهذا ما جاء في الكتاب العزيز وقال به أهل السنة والجماعة. قال تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُم﴾ ٢.
قال الطحاوي: "ونؤمن بملك الموت الموكل بقبض أرواح العالمين"٣. كما أثر عن عمر أن لملك الموت أعوانا، وهذا ما جاء في الكتاب العزيز أيضا قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾ ٤، والملائكة مخلوقات مربوبة لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وليس لهم من علم الغيب من شيء ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لا
_________________
(١) ١ الآية ٨٠ من سورة الزخرف. ٢ الآية ١١ الم السجدة. ٣ شرح العقيدة الطحاوية ٢/٥٦١. ٤ الآية ٦١ من سورة الأنعام.
[ ١ / ٣٦٨ ]
يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُون. يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ ١، وهم منقطعون دائما لعبادة الله وطاعة أمره. قال تعالى: ﴿وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ ٢، ولا يحصي عدد الملائكة إلا ربهم قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ﴾ ٣، ويجب علينا أن نؤمن بمن سُمي لنا منهم كجبريل وميكائيل، وإسرافيل، وملك الموت، ومالك. وأما من لم يرد ذكرهم في الكتاب والسنة الصحيحة فنؤمن بهم بصورة إجمالية، ونؤمن بما ذكر من أصنافهم وأفعالهم في القرآن والسنة، وهذا كله ما تدل عليه الآثار السابقة الواردة عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى. وكل هذه الأمور مما كان لعمر فيها أثر معتقد أهل السنة والجماعة وسائر من ينتسب إلى الإسلام ولم يخالف في وجودهم إلا الملاحدة الذين يزعمون
_________________
(١) ١ الآيتان ٢٧- ٢٨ من سورة الأنبياء. ٢ الآيتان ١٦٥- ١٦٦ من سورة الصافات. ٣ الآية ٣١ من سورة المدثر.
[ ١ / ٣٦٩ ]
أنهم لا يؤمنون إلا بمحسوسات ولا يؤمنون بما وراء ذلك من المغيبات وهؤلاء خارجون عما قررته الشرائع السماوية، ولا عبرة بما يقولونه١.
_________________
(١) ١ انظر: الإيمان أركانه حقيقته ونواقضه للدكتور محمد نعيم ياسين ص ٣٧ -٤٣.
[ ١ / ٣٧٠ ]