٩٧/١- روى البلاذري قال: قال أبو الحسن المدائني: كتب عمر إلى الخوارج رسالة قال فيها: إلى العصابة الذين خرجوا بزعمهم التماس الحق أما بعد: فإن الله تعالى لم يلبس على العباد أمورهم، ولم يتركهم سدى، ولم يجعلهم في عمياء، فبعث إليهم النذر، وأرسل إليهم الكتب، وبعث محمدا ﷺ بشيرًا ونذيرًا، وأنزل عليه كتابا حفيظا١.
٩٨/٢ ابن عبد الحكم قال: واعملوا بمحكمه واصبروا أنفسكم عليه، وآمنوا بمتشابهه " ٢.
٩٩/٣- ابن عبد الحكم أن عمر قال: " فإن الله قد بين لكم ما تأتون وما تتقون، وأعذر إليكم في الوصية، وأخذ عليكم الحجة حين أنزل كتابه الحفيظ الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد " ٣.
_________________
(١) ١ البلاذرى: كتاب جمل من أنساب الأشراف ٨/٢٠٩-٢١١والعيون والحدائق في أخبار الحقائق ص٤١ لمؤلف مجهول ط مكتبة المثنى بغداد. ٢ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٦٥، وأبو حفص الملاء ١/٢٨٤. ٣ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٦٤، وأبو حفص الملاء ١/٢٨٤، والآية ١٥ من سورة فصلت.
[ ١ / ٣٧١ ]
١٠٠/٤- ابن عبد الحكم قال: قال عمر في شأن القرآن: " وأحكم الله في كتابه ما رضي من الأمور، فما جعل من ذلك حلالا فهو حلال إلى يوم القيامة، وما جعل من ذلك حراما فهو حرام إلى يوم القيامة"١.
١٠١/٥ - ابن عبد الحكم قال: قال عمر: "وإن دين الله الذي بعث به محمد كتابه الذي أنزل عليه أن يطاع الله فيه ويتبع أمره، ويجتنب ما نهى عنه، وتقام حدوده، ويعمل بفرائضه، ويحل حلاله، ويحرم حرامه، ويعترف بحقه، ويحكم بما أنزل فيه، فمن تبع هدى الله فقد اهتدى، ومن صد عنه فقد ضل سواء السبيل "٢.
١٠٢/٦ - عبد الله بن الإمام أحمد قال: حدثنا الحسين بن الجنيد، حدثنا أبو نعيم، حدثنا عمرو بن عثمان بن عبد الله بن موهب، قال: سمعت عمر بن عبد العزيز قال: انتهى علم الراسخين في العلم بتأويل القرآن إلى أن قالوا: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ ٣.
_________________
(١) ١ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٦٦، وانظر ابن سعد الطبقات الكبرى ٥/٣٤٠، والفسوى المعرفة والتاريخ ١/٥٧٥. ٢ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٨٣، وأبو حفص الملاء ١/٢٧٢. ٣ الزهد وزوائده للإمام أحمد وابنه عبد الله ص٤١٢، وانظر تفسير ابن جرير الطبري ٣/١٨٣، وانظر كذلك تفسير القرطبي ٣/١٦. الحسين بن الجنيد الدامغاني القومسي لا بأس به. تقريب ص١٦٥، وذكره ابن حبان في الثقات ج ٨ ص ١٩٣. وأبو نعيم هو الفضل بن دكين الكوفي الملائي مشهور بكنيته ثقة ثبت تقريب ص٤٤٦، وعمرو بن عثمان بن عبد الله ابن موهب التيمي مولاهم أبو سعيد الكوفي ثقة من السادسة وسماه شعبة محمدًا، تقريب ص٤٢٤.
[ ١ / ٣٧٢ ]
التعليق:
إن مما ورد عن عمر في هذه الآثار السابقة ليدل على وجوب الإيمان بالكتب جملة وبالقرآن تفصيلا.
والإيمان بالكتب المنزلة على الأنبياء ركن من أركان الإيمان، ولا يتم إيمان المسلم إلا بالإيمان بها وبالكتاب المنزل على نبينا محمد ﷺ وهو القرآن الكريم، وقد بين ذلك عمر رحمه الله تعالى كما في الأثر الأول حيث قال: "وأرسل إليهم الكتب"، والكتب المنزلة على الأنبياء كثيرة ويجب علينا الإيمان بما ذكر منها في القرآن الكريم كالتوراة المنزلة على موسى، والإنجيل المنزل على عيسى، والزبور المنزل على داود، وصحف إبراهيم، وإيماننا إنما هو على أصولها المنزلة على هؤلاء الأنبياء. أما ما يوجد عند أهل الكتاب الآن فإنه محرف مبدل بنص القرآن الكريم، وتدل الآثار كما سبق على أنه يجب علينا الإيمان بالقرآن الكريم على التفصيل. وقد أولى عمر بن عبد العزيز فيما أثر عنه القرآن عناية بالغة حيث أمر بالعمل بمحكم القرآن والإيمان بمتشابهه.
[ ١ / ٣٧٣ ]
وقبل بيان هذا النص الموجز لا بد من التوقف قليلا عند معنى المحكم والمتشابه في اللغة والاصطلاح، لما لهذين اللفظين من صلة بموضوع الإيمان بالقرآن.
فالمحكم في اللغة يطلق إطلاقات متعددة، منها ما ذكره ابن منظور حين قال: " والعرب تقول: حكمت وأحكمت وحكّمت بمعنى منعت ورددت، ومن هذا قيل للحاكم بين الناس حاكما، لأنه يمنع الظالم. قال الأصمعي: أصل الحكومة رد الرجل عن الظلم. قال: ومنه سميت حكمة اللجام، لأنها ترد الدابة، وقال الأزهري: وحكم الشيء وأحكمه كلاهما منعه من الفساد١، إلى غير ذلك من المعاني التي تتفق جميعها في معنى عام - هو المنع.
أما المتشابه: فيطلق في اللغة على المماثلة بين شيئين، والعبارات الواردة في معنى المتشابه لا تعنى أكثر من ذلك.
يقول ابن منظور: "الشبْه والشبه والشبيه المثل والجمع أشباه، وأشبه الشيء ماثله" ٢.
أما في اصطلاح العلماء: فقد وقع بينهم اختلاف كبير، ذكر إمام المفسرين ابن جرير ما لا يقل عن سبعة أقوال، منها:
_________________
(١) ١ لسان العرب ١٢/١٤١- ١٤٣. ٢ المصدر السابق ١٣/٥٠٣.
[ ١ / ٣٧٤ ]
-١المحكم: المعمول بهن وهن الناسخات أو المثبتات الأحكام، والمتشابهات من الآيات المتروك العمل بهن المنسوخات١.
-٢المحكمات من آي الكتاب: ما أحكم الله فيه بيان حلاله وحرامه، والمتشابه منها ما أشبه بعضه بعضا في المعاني وإن اختلف ألفاظه.
-٣المحكمات من آي الكتاب ما لم يحتمل من التأويل غير وجه واحد، والمتشابه منها ما احتمل من التأويل أوجها.
-٤المحكم ما أحكم الله فيه من آي القرآن وقصص الأمم ورسلهم الذين أرسلوا إليهم ففصله ببيان ذلك لمحمد وأمته، والمتشابه هو ما اشتبهت الألفاظ واتفق المعاني٢.
-٥المحكم: ما عرف العلماء تأويله وفهموا معناه وتفسيره، والمتشابه ما لم يكن لأحد إلى علمه سبيل مما استأثر الله بعلمه دون خلقه، وذلك نحو الخبر عن وقت خروج عيسى بن مريم والدجال، وحقيقة نعيم الجنة وغير ذلك٣.
إلى غير هذه الأقوال التي ذكرها ابن جرير رحمه الله تعالى.
_________________
(١) ١ جامع البيان في تأويل القرآن ٣/١١٤. ٢ المصدر السابق ٣/١١٦. ٣ انظر المصدر السابق ٣/١١٦.
[ ١ / ٣٧٥ ]
والمقصود: أن المحكم عند عمر بن عبد العزيز في القرآن هو الناسخ لغيره، بدليل قوله: فما جعل من ذلك حلالا فهو حلال إلى يوم القيامة، وما جعل من ذلك حراما فهو حرام إلى يوم القيامة، وهو الذي أمرنا بالعمل به. ولا شك أن العمل بالمأمورات يستلزم الصبر عليها، فلذا قال عمر: واصبروا أنفسكم عليه. ثم قال: وآمنوا بمتشابهه، فما هو المتشابه؟
المتشابه الذي أمرنا بالإيمان به هو المتشابه الحقيقي الذي استأثر الله بعلمه والذي يستوي فيه الراسخون في العلم وغير الراسخين في عدم معرفته، وذلك كحقيقة نعيم الجنة التي تخالف حقيقة نعيم الدنيا، فلا نعلمها نحن في الدنيا كما لا نعلم وقت الساعة، وحقيقة ما سيقع فيها من الحساب والصراط والميزان والحوض والثواب والعقاب، وحقيقة ذات الرب وصفاته سبحانه كاستوائه على عرشه وسمعه وبصره وكلامه، وغير ذلك من الحقائق الغيبية التي أثبتناها له تعالى حقيقة وآمنا بها دون معرفة حقائقها وكيفياتها، ولسنا مكلفين بمعرفة ذلك شرعا. وهذه المعاني هي المقصودة لعمر بقوله: وآمنوا بمتشابهه١.
تبقى الإشارة إلى أنه قد ورد عن عمر تفصيلات عن الإيمان بالقرآن، منها أن القرآن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، والقرآن فيه تفصيل كل شيء وهو كتاب حفيظ لا يتبدل ولا يتغير
_________________
(١) ١ انظر مجموع الفتاوى من ٤/٣٧٢-٤٠٠، فقد أجاد وأفاد.
[ ١ / ٣٧٦ ]
ولا يحرف كما حرفت غيره من الكتب السابقة، وأن من الإيمان به أن يطاع الله فيه، ويتبع أمره، ويجتنب ما نهى عنه، وتقام حدوده، ويعمل بفرائضه، ويحل حلاله، ويحرم حرامه، ويعترف بحقه، ويحكم بما أنزل فيه.
وبهذا يتبين أن عمر بن عبد العزيز ﵀ قد أتى على جل ما يتعلق بالإيمان بالكتب، ومن ضمن ذلك الإيمان بالقرآن الكريم الذي هو ناسخ الكتب المتقدمة، وأنه أنزل للأمة المحمدية التي هي آخر الأمم، كما أن نبيها آخر الأنبياء، فلم يترك صغيرة ولا كبيرة من النواحي العقدية والشرعية إلا وبينها وأوضحها، وفصلها. قال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ١. ولهذا حث عمر الأمة بأن يطاع الله في القرآن ويتبع أمره، ويجتنب نهيه، وتقام حدوده، ويعمل بفرائضه، فمن عمل بذلك فقد اهتدى بهدي الله.
وعلى ضوء ما ذكره عمر في الإيمان بكتاب الله ﷿ فإننا نجد فئاما كثيرة ضلت في الإيمان بكتاب الله، كالرافضة الذين يدعون أن القرآن ناقص ومحرف، وأن القرآن الكامل مع الغائب الذي سيخرج في آخر الزمان من سرداب سامراء "٢. وكغلاة الصوفية عموما ومنهم
_________________
(١) ١ الآية ٣٨ من سورة الأنعام. ٢ انظر: الأصول من الكافى١ \٢٢٨-٢٣٠ للكلينى ط طهران.
[ ١ / ٣٧٧ ]
التيجانية، وذلك بتفضيلهم أورادهم وأذكارهم - كصلاة الفاتح على القرآن الكريم - حيث قالوا: إن قراءة صلاة الفاتح أفضل من قراءة القرآن ستة آلاف مرة١. وكذلك الفرق الباطنية كلها، وذلك بانحرافهم في تأويل القرآن وإغراقهم في التأويل الباطني وإخراج القرآن عن معانيه وحقائق الصحيحة٢.
_________________
(١) ١ انظر: جواهر المعاني ٢ /١٣٥-١٣٦ ط الحلبى القاهرة ١٩٦٣ /م. ٢ انظر: رسائل إخوان الصفا ٣ /٣٠١ ط دار صادر.
[ ١ / ٣٧٨ ]
الفصل الثالث: الآثار عن عمر بن عبد العزيز في الإيمان بالرسل.
١٠٣/١- ابن أبي الدنيا قال: أخبرنا إسحاق بن إسماعيل "الطالقاني" قال أخبرنا سفيان١، قال: أخبرنا جعفر بن برقان، قال: كتب إلينا عمر ابن عبد العزيز أما بعد:
فإن هذا الرجف شيء يعاقب الله تعالى به العباد، وقد كتبت إلى الأمصار أن يخرجوا من يوم كذا من شهر كذا فمن كان عنده شيء فليصدق فإن الله ﷿ قال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ ٢، وقولوا كما قال أبوكم آدم: ﴿قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ٣، وقولوا كما قال نوح ﵇: ﴿وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي
_________________
(١) ١ هو سفيان بن عيينة. ٢ الآيتان ١٤- ١٥ من سورة الأعلى. ٣ الآية ٢٣ من سورة الأعراف.
[ ١ / ٣٧٩ ]
أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ١، وقولوا كما قال يونس ﵇: ﴿لا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ٢،٣.
١٠٤/٢- ابن أبي الدنيا قال: حدثني أبو بكر محمد بن هانئ قال: حدثني أحمد بن شبور، قال: حدثني سليمان بن صالح، قال: حدثني عبد الله بن المبارك، عن رجل، عن ابن أبي عبلة، قال: سمعت عمر بن عبد العزيز يقول في خطبته: إن كان النبي ﷺ ليخطئ الخطيئة فيقذف في بطن الحوت ولا ينجيه منها إلا التوبة٤.
_________________
(١) ١ الآية ٤٧ من سور هود. ٢ الآية ٨٧ من سورة الأنبياء. ٣ ابن أبى الدنيا: العقوبات ص٣٢-٣٣، وقد مر في الدعاء برقم (٨)، ورواه أبو نعيم في الحلية ٥/٣٠٤- ٣٠٥، وابن عبد الحكم سيرة عمر ص٦٤، وابن الجوزي سيرة عمر ص١٢٨، وأبو حفص الملاء ١/٢٦٢. ٤ ابن أبى الدنيا: العقوبات ص١٢٣. أبو بكر محمد بن هانئ الطائي أبو عمرو، وهو والد أبي بكر الأثرم. انظر تاريخ بغداد ٣/٣٧٠، والجرح والتعديل ٨/١١٧، وأحمد بن شبور لم أجده وإنما وجدت أحمد بن شبويه المروزي أبو الحسن روى عن وكيع وعبد الرزاق. انظر الجرح والتعديل ٢/٥٥. وسليمان بن صالح، ويعرف بسلمويه بن صالح المروزي روى عن عبد الله بن المبارك إمام حافظ، وابن أبي عبلة هو إبراهيم بن أبي عبلة واسمه شمر بن يقظان المرقل العقيلي ثقة. تهذيب الكمال ٢/١٤٠.
[ ١ / ٣٨٠ ]
١٠٥/٣- قال البلاذري: روى المدائني عن العباس بن محمد عن أبيه أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى بعض عماله: أما بعد فانظر من ادعى الإسلام فشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأنه يؤمن بالله وملائكته ورسله وأن عيسى عبد الله وكلمته ورسوله إذا كان نصرانيا وأن عزيرا عبد الله إذا كان يهوديا فضع عنه الجزية "١.
١٠٦/٤- أبو نعيم في الحلية في رسالة عمر في الرد على القدرية وفيها ولقد حرصت الرسل على هدي الناس جميعا فما اهتدى منهم إلا من هداه الله "٢، ولقد سمى الله رجالا من الرسل بأسمائهم وأعمالهم في سابق علمه فما استطاع آباؤهم لتلك الأسماء تغييرا، وما استطاع إبليس بما سبق لهم في علمه من الفضل تبديلا، فقال: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا
_________________
(١) ١ كتاب جمل من أنساب الأشراف ٨/١٦٣. والمدائني هو: علي بن محمد أبو الحسن المدائني الإخباري صاحب التصانيف، وثقه يحيى بن معين انظر ميزان الاعتدال ٣/١٥٣. وأما العباس بن محمد وأبوه فلم أجدهما. ٢ أبو نعيم في الحلية ٥/٣٤٧.
[ ١ / ٣٨١ ]
إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾ ١"٢.
١٠٧/٥- أبو نعيم في رسالة عمر أيضا قال: وابتلى آدم فعصى فرحم، وهم آدم بالخطيئة فنسي، وهم يوسف بالخطيئة فعصم "٣.
التعليق:
يظهر من الآثار السابقة إيمان عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى بالرسل الكرام، وقد تناولت الآثار الواردة عنه مسائل في الإيمان بهم كحرصهم على هدي الناس جميعا، وكونهم رجالا. ومشروعية الاقتداء بهم فيما لم يخالف شرعهم شرعنا، كما تتضمن بيان موقفه من عصمتهم من الذنوب.
وأما حرصهم على هدي الناس جميعا فالرسل عليهم الصلاة والسلام كلهم هداة مهمتهم إخراج الناس من الظلمات إلى النور، ومن عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام. فأول
_________________
(١) ١ الآية ٤٥- ٤٦ من سورة ص. ٢ أبو نعيم في الحلية ٥/٣٤٧. ٣ المصدر نفسه ٥/٣٥٠.
[ ١ / ٣٨٢ ]
الرسل ﵈ نوح، دعا قومه جهارا ثم أسر إليهم الدعوة إسرارا ومكث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى التوحيد ولم يتوان ولم ييئس إلا بعد أن أوحي إليه أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن. وهكذا تتابع الرسل في مهمة الدعوة إلى التوحيد ونبذ الشرك إلى نبينا ﷺ فقد دعى إلى ربه حتى أتاه اليقين، والقرآن مملوء بذكر مواقف الأنبياء من الدعوة إلى الله والحرص على هدي الناس ودعوتهم إلى العقيدة السليمة بدون مجاملة ولا تردد، وقد بين عمر بن عبد العزيز ﵀ في الآثار السابقة الفرق بين هديين هما:
هدي دلالة وبيان: وهو الذي يملكه الرسل وأتباعهم.
وهدي توفيق وإلهام: وهو الذي لا يقدر عليه إلا الله ﵎. فقال: ولقد حرص الرسل على هدى الناس جميعا فما اهتدى منهم إلا من هداه الله، وهذا الفرق هو الذي تدل عليه الآيات. قال تعالى في هدي الدلالة والبيان الذي يملكه الرسل وأتباعهم ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ١، وقال ﷿ في هدي التوفيق والإلهام الذي لا يملكه إلا
_________________
(١) ١ الآية ٥٢ من سورة الشورى.
[ ١ / ٣٨٣ ]
الله ﷿: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاء﴾ ١،٢. وقد بين عمر في تلك الآثار أننا نقتدي بالرسل والأنبياء في الأمور التي لم يخالف فيه شرعهم شرعنا. فأمر رعيته بالدعاء حين ضربت الزلزلة بعض مدنهم اقتداء بالرسل والأنبياء السابقين كآدم ونوح ويونس ﵈، فإن هؤلاء كانوا قد فزعوا إلى ربهم عند نزول الكرب عليهم، وتضرعوا إليه بالدعاء فكشف عنهم ما نزل بهم بدعائهم وتضرعهم وإظهارهم الفاقة والمسكنة لخالقهم العظيم. ولا شك أن شرع من قبلنا شرع لنا إذا لم يخالف شرعنا،٣ ويظهر كذلك من الآثار أن الرسل والأنبياء ﵈ كلهم كانوا رجالا ولا يوجد نبي ولا رسول أنثى. وهذا ما قاله جمهور أهل العلم استدلالا بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِم ﴾ ٤، وهذه الآية نص في المسألة وقد ذهب ابن
_________________
(١) ١ الآية ٥٦ من سورة القصص. ٢ انظر شفاء العليل لابن القيم ص١٦٨. ٣ الصواب أن المسالة خلافية وهذا أحد الأقوال فيها انظر تفصيلها في البحر المحيط للزركشى٦ /٣٩-٤٨ ط الثانية الكويت عام ١٤١٣ هـ. ٤ الآية ٧ من سورة الأنبياء.
[ ١ / ٣٨٤ ]
حزم١ وغيره إلى أن الله تعالى قد أوحى إلى مريم وإلى أم موسى، وذكر أن كل من أوحي إليه فهو نبي، ورد عليهم الجمهور بالآية السابقة، والمقصود أن عمر يرى أن الرسل والأنبياء كلهم رجالا يتبين ذلك من قوله رحمه الله تعالى: "ولقد سمى الله رجالا من الرسل".
وهناك مسألة مهمة تتعلق بالإيمان بالرسل ذكرها عمر في آثاره السابقة وهي عصمتهم من الذنوب. فهل الرسل والأنبياء معصومون عن الكبائر والصغائر قبل نبوتهم وبعدها؟ الذي يظهر من الآثار أنهم ليسوا بمعصومين من الصغائر ولكنهم لا يقرُّون عليها، بل ينبهون بالوحي أو بغيره، فيتوبون فور وقوع المعصية، وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى هذه المسألة في الفتاوى فقال: "العصمة ثابتة للأنبياء والرسل فيما يبلغونه عن الله فلا يستقر في ذلك خطأ باتفاق المسلمين٢، ثم قال: "وأما العصمة في غير ما يتعلق بتبليغ الرسالة فللناس فيه نزاع هل هو ثابت بالعقل أو بالسمع؟ ومتنازعون في العصمة من الكبائر والصغائر أو من بعضها أم هل العصمة إنما هي في الإقرار عليها لا في فعلها؟ أم لا يجب القول بالعصمة إلا في التبليغ فقط ".
_________________
(١) ١ انظر الفصل في الملل والنحل والأهواء ٥/١٧-١٩. ٢ انظر مجموع الفتاوى ١٠/٢٩٠.
[ ١ / ٣٨٥ ]
الأشياء إليه لما ابتلي بالذنب أكرم الخلق عليه، وقد ثبت في الصحاح حديث التوبة: "لله أفرح بتوبة عبده من رجل نزل منزلا الخ "١.
وأما نسيان آدم ﵇ وهَمُّ يوسف بالخطيئة فإنهما ليسا بقادحين في الرسالة والنبوة. فالإنسان لا يؤخذ بما نسيه، ثم إن آدم ﵇ قد تاب من تلك الحوبة فغفر له بنص القرآن. وأما عزم يوسف فلم يكن عزما مصمما وإنما هم همًا تركه لله فأُثيب عليه حسنة وهو لم يفعل ذنبا ذكره الله عنه، وهو سبحانه لا يذكر عن أحد من الأنبياء ذنبا إلا ذكر استغفاره منه، ولم يذكر عن يوسف استغفارا من هذا الهم فعلم أنه لم يفعل ذنبًا"٢.
_________________
(١) ١ انظر مجموع الفتاوى ١٠/٢٩٢- ٢٩٤، والحديث متفق عليه البخاري مع الفتح ١١/١٠٢، برقم (٦٣٠٨)، والنووي على صحيح مسلم ٦/٢١٨-٢٢١، برقم (٢٦٧٥) . ٢ انظر مجموع الفتاوى ١٥/١١٧.
[ ١ / ٣٨٧ ]