تمهيد:
كلمة الشيعة في اللغة يراد بها: الاتباع، والأنصار، والأعوان، والخاصة١.
وفي الاصطلاح هو اسم لكل من فضل عليًّا على الخلفاء الراشدين قبله ﵃ جميعا ورأى أن أهل بيته أحق بالخلافة٢.
وقد ظهر الشيعة بعد معركة صفين حين انشق الخوارج وتحزبوا في النهروان فظهر في مقابلهم اتباع وأنصار علي ﵁ حيث بدأت فكرة التشيع تشتد شيئًا فشيئًا.
وللشيعة أسماء عدة كالرافضة والزيدية إضافة إلى الاسم العلم لهم، الشيعة. هذا بغض النظر عن صدق هذا الاسم عليهم أو عدم صدقه لأنه لا تأثير للأسماء في الحقيقة والواقع.
والشيعة فرق عديدة منهم الغلاة الذين خرجوا عن الإسلام وهم يدعونه ويدعون التشيع، ومنهم دون ذلك ومؤسس مذهبهم هذا هو عبد الله بن سبأ كان يهوديا من اليمن فادعى الإسلام.
وأهم فرقهم هي: الكيسانية، والسبئية، والزيدية، والرافضة.
_________________
(١) ١ انظر تهذيب اللغة ٣/٦١، وتاج العروس ٥/٤٠٥. ٢ انظر مقالات الإسلاميين ص/٦٥ والملل والنحل ١٤٤ - ١٤٥.
[ ٢ / ٧٢٧ ]
والأخيرة هذه - هي الواجهة البارزة في عصرنا الحاضر للتشيع، ومن الطبيعي جدا أن يحصل الخلاف بين الشيعة شأنهم شأن بقية الفرق أهل الأهواء فما داموا قد خرجوا عن النهج الذي ارتضاه الله لعباده، واستندوا إلى عقولهم وأهوائهم فلا بد أن نتوقع الخلاف خصوصا حينما يكون الخلاف مرادا لذاته.
وقد علم عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى فرق الشيعة - كما سيأتي - وقام بزجرهم بخطبه ورسائله محذرا عن الفرقة، والخروج عما كان عليه الصحابة وآمرا بالاعتصام بالكتاب والسنة، ولزوم الجماعة، وترك الابتداع في الدين الذي هو أبرز سمات شعار فرقة الشيعة الرافضة إلى أن أتاه أجله فرحمه الله رحمة واسعة.
٢٨٣/١- الذهبي قال: قال الزبير بن بكار: قال عمر بن عبد العزيز: إني لأعرف صلاح بني هاشم وفسادهم بحب كُثَير١، فمن أحبه منهم فهو فاسد، ومن أبغضه فهو صالح لأنه كان خشبيا يؤمن بالرجعة٢.
_________________
(١) ١ هو أبو صخر كثير بن عبد الرحمن الخزاعي من فحول الشعراء كان شيعيا خشبيا يقول بالتناسخ ويؤمن بالرجعة تيم بعزة وشبب بها توفى سنة ١٠٧ انظر سير أعلام النبلاء /٥/١٥٢. ٢ الذهبي تاريخ الإسلام ٧/٢٢٩، تحقيق الدكتور عبد السلام تدمري ط. دار الكتاب العربي، والأغاني ج ٩ / ١٩ وابن عساكر ٥٠/١٠٩-١١٠.والخشبية اسم لفرقة من الشيعة سموا بذلك لقولهم: إنا لا نقاتل بالسيف إلا مع إمام معصوم فقاتلوا بالخشب. انظر منهاج السنة ج ١/٣٦.
[ ٢ / ٧٢٨ ]
٢٨٤/٢- ابن عبد ربه في العقد الفريد: قال أتى عمر بن عبد العزيز كتاب من عامله على الكوفة يخبره بسوء طاعة أهلها فوقع عليها عمر "لا تطلب طاعة من خذل عليا ﵁ وكان إماما مرضيا"١.
٢٨٥/٣- قال الأزدي: قرأت في التاريخ، أن عمر بن عبد العزيز قال: قد ناظرت الناس وكلمتهم وإني لأحب أن أكلم الشيعة فشخص إليه أبو جعفر محمد بن علي ومعه زرارة بن أعين٢، فقال: أخبرني عن مقعدك هذا الذي قعدته أبإرث من رسول الله ﷺ؟ قال: لا. قال: فبوصية منه. قال: لا. فبإجماع من المسلمين أو لأحد ولاية منك. قال: لا. فلما نهض أبو جعفر قال له زرارة ما تقول فيه، قال: هو خير ممن كان قبله وفلان خير منه٣.
_________________
(١) ١ ابن عبد ربه في العقد الفريد /٤ /١٩٨ وانظر: ابن عساكر تاريخ دمشق ج ٤/٥٦-٦٦. ٢ زرارة بن أعين: اسمه عبد ربه وزرارة لقبه وهو شيباني كوفي يترفض قال سفيان الثوري: لم ير أبا جعفر وقيل روى عنه مات سنة ١٥٠ انظر: الضعفاء الكبير للعقيلي/٢/٩٦-٩٧ ولسان الميزان٢ /٥٥١. ٣ الأزدي: تاريخ الموصل ص٥. تحقيق د. علي حبيبة القاهرة ١٣٨٧هـ ومحمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب أبو جعفر الباقر ثقة فاضل. تقريب ٤٩٧ مات سنة بضع عشرة. وذكر ابن عساكر أن عمر بن عبد العزيز أوفده إليه حين تولى الخلافة يستشيره في بعض أموره انظر: ابن عساكر تاريخ دمشق٥٤ /٢٦٨.
[ ٢ / ٧٢٩ ]
٢٨٦/٤- ابن عبد البر قال: حدثنا أحمد بن محمد، نا أحمد بن الفضل، نا محمد بن جرير، نا يونس بن عبد الأعلى، قال: حدثني عبد الله ابن يوسف، عن إسماعيل بن عياش، عن يحيى بن سعيد، عن إسحاق بن طلحة بن أشعث، قال: بعثني عمر بن عبد العزيز إلى العراق فقال: أقرئهم ولا تستقرئهم وحدثهم ولا تسمع منهم، وعلمهم ولا تتعلم منهم١.
٢٨٧/٥- الدارمي قال: أخبرنا محمد بن كثير، عن الأوزاعي، قال: قال عمر بن عبد العزيز إذا رأيت قوما ينتاجون بأمر دون عامتهم فهم على تأسيس الضلالة٢.
التعليق:
إن مما أنعم الله به على عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى بُعد النظر، والإصابة في القول، فأقواله رحمه الله تعالى تنم عن هبة خصه الله بها، فقوله إذا رأيت القوم يتناجون في دينهم بشيء دون العامة فاعلم أنهم على تأسيس ضلالة، يُعتبر قاعدة تدلنا على أخص سمة يتميز بها أهل الأهواء والبدع، وهي التناجي في أمور الدين بخفية، والخروج عن جماعة المسلمين الذين هم سلف هذه الأمة. وقد حاز الشيعة قصب السبق في هذا الجانب حيث وجد عندهم من البدع ما لم يوجد عند غيرهم من الفرق المنتسبة
_________________
(١) ١ ابن عبد البر: جامع بيان العلم ٢/١٠٩٧، وقال المحقق: إسناده ضعيف. ٢ الدارمي في السنن ١/٩١.
[ ٢ / ٧٣٠ ]
إلى الإسلام. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وهؤلاء - يشير إلى الروافض - جمعوا هذه الثلاثة١ وزادوا عليها فإنهم خارجون عن الطاعة يقتلون المؤمن، والمعاهد، ولا يرون لأحد من ولاة المسلمين طاعة، سواء كان عدلًا أو فاسقًا إلا لمن لا وجود له وهم يقاتلون لعصبية شر من عصبية ذوي الأنساب، وهي العصبية للدين الفاسد فإن في قلوبهم من الغل والغيظ على كبار المسلمين من أولياء الله مستقدمهم ومستأخرهم وأمثلهم عندهم الذي لا يلعن ولا يستغفر
وهؤلاء أشد الناس حرصا على تفريق جماعة المسلمين فإنهم لا يقرون لولي أمر بطاعة سواء كان عدلا أو فاسقا، ولا يطيعونه لا في طاعة ولا في غيرها، بل أعظم أصولهم عند التكفير، واللعن، والسب لخيار ولاة الأمور كالخلفاء الراشدين، والعلماء المسلمين، ومشايخهم، لاعتقادهم أن كل من لم يؤمن بالإمام المعصوم الذي لا وجود له فما آمن بالله ورسوله٢.
ولكون الشيعة يؤمنون بالإمام المعصوم وبأن عليًّا ﵁ هو الخليفة بعد النبي ﷺ بالنص نراهم عندما ناظروا عمر بن عبد العزيز - إن صحت ثبوت تلك المناظرة - أصروا على مبادئهم وهي الإشارة بأن الولاية لا
_________________
(١) ١ يشير إلى ما سيأتي ﵀. ٢ الفتاوى ٢٨/٤٨٧- ٤٨٩.
[ ٢ / ٧٣١ ]
تنال إلا بإرث من رسول الله ﷺ أو بوصية منه، أو بإجماع المسلمين. وهذه الدعاوي كلها من اختلاق وافتراء عبد الله بن سبأ اليهودي. قال أبو الحسن الأشعري في المقالات: وأجمعوا على أن النبي ﷺ نص على استخلاف علي بن أبي طالب ﵁ باسمه، وأظهر ذلك، وأعلنه. وأن أكثر الصحابة ضلوا بتركهم الاقتداء به بعد وفاة النبي ﷺ، وأن الإمامة لا تكون إلا بنص وتوقيف، وأنها قرابة، وأنه جائز للإمام في حال التقية أن يقول إنه ليس بإمام وأبطلوا جميعا الاجتهاد في الأحكام، وزعموا أن الإمام لا يكون إلا أفضل الناس. وزعموا أن عليا رضوان الله عليه كان مصيبا في جميع أحواله، وأنه لم يخطئ في شيء من أمور الدين إلا الكاملية أصحاب أبي كامل فإنهم أكفروا الناس بترك الاقتداء به وأكفروا عليّا بترك الطلب "١.
وقد كان عمر بن عبد العزيز ﵀ يعرف معتقدات هذه الفرقة الضالة، التي تكتم عقيدتها بالتقية، حيث تتظاهر بأنها تنقاد للأئمة وتؤدي الواجبات في الظاهر، بينما تعتقد في الباطن خلاف ذلك ومن العجيب أن يوجد بين المسلمين الذين يؤمنون بالقرآن من يرى أن هناك من يرجع من الأموات قبل يوم القيامة كما هو معتقد فرقة من فرق الغلاة الشيعة الذين يرون أنه لا يجوز القتال بالسيوف وغيرها من الأسلحة الفتاكة إلا مع
_________________
(١) ١ انظر المقالات ١/٨٩.
[ ٢ / ٧٣٢ ]
وجود الإمام المعصوم. أما في حال غيبته فيقتصرون على القتال بالخشب فقط. ومن خلال أفراد هذه الفرقة عرف عمر بن عبد العزيز أن من تحبه من بني هاشم فهو فاسد لأن أفرادها وعوامها لا يحبون إلا من يوافقهم في ضلالاتهم وأهوائهم، وأما من تكرهه من بني هاشم فهو صالح لأنه لا يمكن للمسلم العاقل أن يعتقد مثل هذه الاعتقادات الباطلة، وقد بين الأشعري ﵀ أن هذا المعتقد كان يقول به عبد الله بن سبأ مؤسس معتقد الغلاة فقال ﵀ الصنف الرابع عشر من أصناف الغالية وهم السبئية أصحاب عبد الله بن سبأ يزعمون أن عليا لم يمت، وأنه يرجع إلى الدنيا قبل يوم القيامة، فيملأ الأرض عدلًا كما ملئت جورًا. وذكروا عنه أنه قال لعلي رضي الله تعالى عنه: أنت أنت! والسبئية يقولون بالرجعة وأن الأموات يرجعون إلى الدنيا "١.
ومعرفة عمر بن عبد العزيز بعقيدة كُثيرِّ الشاعر يؤيدها ما يروى أن كثيرا عزة له أبيات يثبت فيها عقيدته الفاسدة في الغلو في أهل البيت مثل قوله:
١- ألا إن الأئمة من قريش ولاة الحق أربعة سواء
٢- علي والثلاثة من بنيه هم الأسباط ليس بهم خفاء
٣- فسبط سبط إيمان وبر وسبط غيبته كربلاء.
_________________
(١) ١ المصدر السابق ١/٩٢.
[ ٢ / ٧٣٣ ]
٤- وسبط لا يذوق الموت حتى يقود الخيل يقدمها اللواء
٥- تغيب لا يرى فيهم زمانا برضوى عنده عسل وماء١
ومثل قوله:
١- إلا قل للوصي فدتك نفسي أطلت بذلك الجبل المقاما
٢- أضر بمعشر والوك منا وسموك الخليفة والإماما.
٣- وعادوا فيك أهل الأرض طرا مقامك عندهم ستين عاما
٤- وما ذاق ابن خولة طعم موت ولا وارت له أرض عظاما
٥- لقد أمسى بمجرى شعب رضوى تراجعه الملائكة الكلاما
٦- وإن له لرزقا كل يوم وأشربة يعل بها الطعاما
قال الذهبي - ﵀ - قال الزبير بن بكار عن كُثير: كان شيعيا يقول بتناسخ الأرواح ويقرأ ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ ٣ قال: وكان خشبيا يؤمن بالرجعة، يعني رجعة علي ﵁ إلى الدنيا٤.
ولم يهتم عمر رحمه الله تعالى بالرد على ما كان يراه كُثَير وغيره من الشيعة كما اهتم بالرد على القدرية والخوارج لأن القول بالرجعة لا يقر
_________________
(١) ١ الفرق بين الفرق ص٢٨، وديوانه ص١٨-١٩.وابن عساكر٥٤ /٣٢٢. ٢ الفرق بين الفرق ص٢٩، وديوانه ص٢٥٤، وقيل إن الأبيات للسيد الحميري. انظر الأغاني ٨/٣٠. ٣ سورة الانفطار الآية ٨. ٤ تاريخ الإسلام ٧/٢٢٧.
[ ٢ / ٧٣٤ ]
به جميع العقلاء، ويؤمن المسلمون برجعة واحدة تكون في يوم القيامة حين يجمع الخالق الخلائق لفصل القضاء كما هو معلوم من دين الإسلام بالضرورة فلتفاهة هذا القول ولكون العقل السليم يمج مثل هذه الترهات ولدلالة الكتاب والسنة على بطلان هذه الدعوى، لم يهتم عمر رحمه الله تعالى بالرد على هؤلاء. قال تعالى ردا على من تمنى الرجعة إلى الدنيا: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ١، ومدلول هذه الآية هو اعتقاد جميع المسلمين ولم يقل بخلاف هذا أحد لا سلف الأمة ولا أحد من أهل البيت الذين يزعم الشيعة أنهم له تبع.
وقد ورد في السنة المطهرة ما يوضح معنى هذه الآية ويوضح صراحة أنه لا رجعة إلى الدنيا بعد الموت: فعن طلحة بن خراش قال: سمعت جابرا يقول: لقيني رسول الله ﷺ فقال: "يا جابر، ما لي أراك منكسرا؟ " فقلت: يارسول الله استشهد أبي قتل يوم أحد، وترك عيالا ودينا، قال: "أفلا أبشرك بما لقي الله به أباك؟ " قال: قلت بلى يارسول الله. قال: "ما كلم الله أحدا قط إلا من وراء حجاب، وأحيا أباك وكلمه كفافا٢ فقال:
_________________
(١) ١ الآية ٩٩- ١٠٠ المؤمنون. ٢ أي مواجهة بغير حجاب.
[ ٢ / ٧٣٥ ]
ياعبدي تمن علي أعطك، قال: يارب تحييني فأقتل فيك ثانية، قال الرب ﷿: إنه سبق مني أنهم إليها لا يرجعون"١، فالحديث صريح في منع القول بوقوع الرجعة فضلا عن أن تكون عقيدة إسلامية يجب اعتقادها.
وكذلك لم يرد على كثير كونه خشبيا والسبب في هذه التسمية أن هذه الفرقة كما قيل كانوا يقاتلون بالخشب ولا يجيزون القتال بالسيف وغيره إلا تحت راية إمام معصوم من آل البيت كما سبق بيانه٢.
هذا وللمخالطة والمجالسة تأثير قوي يعرفه كل عاقل وقد كان في زمان عمر شيعة وهم كذبة أصحاب خرافة ودجل كما رأينا فيما سبق فلم ير عمر أن يؤخذ عنهم العلم ويتلمذ عليهم خوفا من تأثير بدعتهم وتمويههم على من تتلمذ عندهم وإنما أمر أن يفتح عليهم ما يكرهونه من العلم الصحيح المبني على الكتاب والسنة حرصا منه على هداية هذه الفرقة الضالة وقطعا للعذر عليهم وقياما بالنصيحة لله ولكتابه ولرسوله فرحمه الله رحمة واسعة. مع سعة معرفته بمبادئ الشيعة الضالة التي كانت منتشرة في عهده وقبل عهده ولهذا كان ﵀ يعالج هذا الجانب ما استطاع إليه سبيلا. مثله مثل غيره من علماء السلف في ذلك الوقت.
_________________
(١) ١ رواه الترمذى ٥ /٢٣٠ -٢٣١ وقال حسن غريب من هذا الوجه وابن ماجة في المقدمة ١ /٦٨ وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجة ١/٣٨. ٢ الفصل في الملل والنحل لابن حزم ٤/ ١٨٥.
[ ٢ / ٧٣٦ ]