تمهيد:
تعريف الإيمان لغة: الإيمان مصدر آمن يؤمن إيمانا فهو مؤمن١، وأصل آمن أأمن بهمزتين لينت الثانية٢، وهو من الأمن ضد الخوف٣. قال الأزهري: "واتفق أهل العلم من اللغويين وغيرهم أن الإيمان معناه: التصديق٤.
والصحيح أنه قد عرف بعدة تعريفات فقيل: هو التصديق٤، وقيل هو الثقة٥، وقيل هو الطمأنينة٦، وقيل هو الإقرار٧.
وقد اختار شيخ الإسلام ابن تيمية في تعريف الإيمان اللغوي أنه بمعنى الإقرار ٨، لأنه رأى لفظة أقرّ أصدق في الدلالة على معنى الإيمان من
غيرها من الألفاظ التي فسر بها الإيمان٩.
تعريف الإيمان اصطلاحا: الإيمان في الاصطلاح: هو قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح يزيد وينقص، وهذا هو الحق الذي يدل عليه نصوص الكتاب والسنة وهو المأثور عن عمر بن عبد العزيز كما يأتي:
_________________
(١) ١ انظر: تهذيب اللغة للأزهري ١٥/٥١٣، ط. دار الكتاب العربي عام ١٩٦٧م. ٢ انظر: الصحاح للجوهري ٥/٢٠٧١. ٣ انظر: المفردات للراغب الاصفهاني ص٣٥، والقاموس المحيط ص١٥١٨. ٤ انظر: تهذيب اللغة ١٥/٥١٥. ٥ انظر: الصحاح للجوهري ٥/٢٠٧١، وتهذيب اللغة ١٥/٥١٦. ٦ انظر: تهذيب اللغة ١٥/٥١٦. ٧ انظر: مجموع الفتاوى ٧/٦٣٨. ٨ انظر: تهذيب اللغة ١٥/٥١٦. ٩ انظر زيادة الإيمان ونقصانه وحكم الاستثناء فيه للشيخ الدكتور عبد الرزاق العباد البدر ص١٧ ط. دار القلم والكتاب الطبعة الأولى عام ١٤٤٦هـ. ١٩٩٦م. الرياض المملكة العربية السعودية.
[ ١ / ٥٤١ ]
المبحث الأول: الآثار عن عمر بن عبد العزيز في تعريف الإيمان.
١٨٠/١- ابن أبي شيبة قال: حدثنا أبو أسامة عن جرير بن حازم حدثني عيسى بن عاصم حدثني عدي بن عدي، قال: كتب إلي عمر بن عبد العزيز أما بعد: فإن الإيمان فرائض، وشرائع، وحدودا، وسننا، فمن استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان، فإن أعش فسأبينها لكم حتى تعملوا بها، وإن أمت فما أنا على صحبتكم بحريص١.
_________________
(١) ١ ابن أبى شيبة في الإيمان ص٤٨، والبخاري مع الفتح ١/٤٥، واللالكائى في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٤/٩٢٦، برقم ١٥٧٢، والبغوي في شرح السنة ١/٤٠، وابن عساكر ٤٥/٢٠٣، وقوَّام السنة في الحجة في بيان المحجة ٢/١٥٠، وابن عبد الحكم سيرة عمر ص٦٠، وابن بطة في الإبانة ٢/٨٥٩، والبيهقي في الشعب ١/١٩٧، وأبو حفص الملاء ١/٣٨، والخلال في السنة ٤/٥٧، وصحح إسناده الشيخ الألباني ومحقق كتاب السنة للخلال. وأبو أسامة هو حماد بن أسامة بن زيد القرشي روى عن الأعمش، وروى عنه عبد الله وعثمان ابنا أبي شيبة، وهو ثقة ثبت. انظر الجرح والتعديل ٣/١٣٢- ١٣٣، وجرير بن حازم بن زيد بن عبد الله الأزدي أبو النضر البصري، والد وهب ثقة. تقريب ص١٣٨. وعيسى بن عاصم الأسدي الكوفي ثقة. تقريب ص٤٣٩. وعدي بن عدي بن عميرة -بفتح المهملة- الكندي أبو فروة الجزري ثقة فقيه عمل لعمر بن عبد العزيز على الموصل من الرابعة مات سنة ١٢٠هـ. تقريب ص٣٨٨. وسيأتي برقم ١٨٢، و٣١٩.
[ ١ / ٥٤٢ ]
١٨١/٢- ابن أبي شيبة أيضا قال: حدثنا عمر بن أيوب عن جعفر بن برقان، قال: كتب إلينا عمر بن عبد العزيز أما بعد: فإن عرى الدين وقوائم الإسلام الإيمان بالله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، فصلوا الصلاة لوقتها١.
التعليق:
يدل ما أثر عن عمر بن عبد العزيز في هذا المبحث على تعريف الإيمان، حيث بين رحمه الله تعالى أن الإيمان فرائض أي: أعمالا مفروضة كالصلاة والحج والصوم، وشرائع أي: عقائد دينية كالإيمان بالله وملائكته، وحدودا أي: منهيات ممنوعة كشرب الخمر والزنا، وسننا أي: مندوبات كإماطة الأذى عن الطريق٢، وغيرها من المندوبات فهذه الأمور كلها من الإيمان.
_________________
(١) ١ ابن أبى شيبة في الإيمان ص٢٣، وابن عبد الحكم سيرة عمر ص٧٢. وعمر بن أيوب العبدي الموصلي صدوق له أوهام. تقريب ص٤١٠. ٢ انظر البخاري مع الفتح ١/٤٧.
[ ١ / ٥٤٣ ]
وهذا المأثور عن عمر هو الحق الذي يدل عليه الكتاب والسنة وأقوال السلف الصالح. فالإيمان عند أهل الحق: قول باللسان وتصديق بالجنان وعمل بالأركان.
فمن الأدلة الدالة على أن الإيمان قول باللسان قوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ ١. وقوله ﷺ في حديث أبي هريرة ﵁: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم مني نفسه وماله إلا بحقه وحسابه على الله"٢.
ومن الأدلة على أن أعمال القلوب من الإيمان قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ ٣، والوجل من أعمال القلوب. وقد سمى في الآية إيمانا.
ومن الأدلة على أن أعمال الجوارح من الإيمان قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُم ﴾ ٤، يبين ذلك سبب نزول الآية حين سئل
_________________
(١) ١ الآية ١٣٦ من سورة البقرة. ٢ البخاري مع الفتح٣/٢٦٢، برقم (١٣٩٩)، ومسلم١/١٦٨- ١٦٩، رقم (٣٢) . ٣ الآية ٢ من سورة الأنفال. ٤ الآية ١٤٣ من سورة البقرة.
[ ١ / ٥٤٤ ]
﵇: أرأيت الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس؟ فأنزل الله ﷿: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُم﴾ وفي هذا دلالة على أنه تعالى سمى صلاتهم إلى بيت المقدس إيمانا فإذا ثبت ذلك في الصلاة ثبت ذلك في سائر الطاعات١.
ومن أقوال سلف الأمة في تعريف الإيمان وأنه يشمل الأعمال، والأقوال، والعقائد، ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى حيث قال: جمهور السلف، وهو مذهب أهل الحديث وهو المنسوب إلى أهل السنة أن الإيمان قول وعمل وربما قال بعضهم قول وعمل ونية، وربما قال آخر: قول وعمل ونية واتباع السنة، وربما قال: قول باللسان واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان أي بالجوارح ".
وقال الآجري: اعلموا رحمنا الله وإياكم أن الذي عليه علماء المسلمين أن الإيمان واجب على جميع الخلق وهو تصديق بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالجوارح.
ثم اعلموا أنه لا تجزئ المعرفة بالقلب والتصديق إلا أن يكون معه الإيمان باللسان نطقا، ولا تجزئ معرفة القلب ونطق اللسان حتى يكون
_________________
(١) ١ انظر الاعتقاد للبيهقي ص٩٥- ٩٦، وتفسير ابن كثير ١/١٩٢، وسنن الترمذي ٥/١٩٢.
[ ١ / ٥٤٥ ]
عمل بالجوارح، فإذا كملت فيه هذه الثلاث الخصال كان مؤمنا دل على ذلك الكتاب والسنة وقول علماء المسلمين١.
ثم روى بأسانيده عن عدد من السلف أن الإيمان قول وعمل٢.
هذا هو القول الصحيح في تعريف الإيمان وقد ضل في هذه المسألة طوائف ويمكن تقسيم قولهم في الإيمان إلى قسمين:
قسم يدخلون العمل في الإيمان ويجعلونه شرطا في صحته، وقسم يخرجون العمل من الإيمان وهم أقسام ويجمعهم وصف الإرجاء٣.
أما أهل القسم الأول فهم الخوارج والمعتزلة، يقولون: إن الإيمان قول واعتقاد وعمل، لكن الإيمان عندهم كل واحد لا يتجزأ إذا ذهب بعضه ذهب كله فمن أخل بالأعمال ذهب إيمانه باتفاق الطائفتين، وهو كافر عند الخوارج وفي منزلة بين المنزلتين عند المعتزلة٤.
وفساد هذا القول ظاهر فإن نصوص الكتاب والسنة وما أثر عن عمر هنا في تعريف الإيمان وزيادته ونقصانه وما نقل عن غيره من السلف كل
_________________
(١) ١ الشريعة للآجري ١/٢٧٤. ٢ الشريعة١/٢٨٨. ٣ انظر زيادة الإيمان ونقصانه وحكم الاستثناء فيه للشيخ الدكتور عبد الرزاق العباد البدر ص٢٦. ٤ انظر مجموع الفتاوى١٣/٤٨،وزيادة الإيمان ونقصانه وحكم الاستثناء فيه ص٢٦.
[ ١ / ٥٤٦ ]
ذلك يدل على تبعض الإيمان وتفاضله وزيادته ونقصانه، وستأتي المسألة في المبحث التالي إن شاء الله تعالى.
وأما أهل القسم الثاني وهم المرجئة فهؤلاء ثلاثة أصناف:
١- صنف يقولون: الإيمان مجرد ما في القلب، ثم من هؤلاء من يدخل فيه أعمال القلوب وهم أكثر المرجئة ومنهم من لا يدخلها في الإيمان كجهم ومن اتبعه.
٢- وصنف يقولون: هو مجرد قول اللسان وهذا لا يعرف لأحد قبل الكرامية.
٣- وصنف يقولون: هو تصديق القلب وقول اللسان. وهذا المشهور عن أهل الفقه والعبادة منهم١.
وهذه الأقوال فاسدة وأشدها فسادا وخبثا قول الجهمية الغلاة فإن لازم قولهم أن فرعون وإبليس -واليهود وأمثالهم مؤمنون كاملي الإيمان.
ثم يلي قول جهم في الفساد قول الكرامية أن الإيمان هو قول اللسان فقط، ثم يلي هذا القول: قول المرجئة الفقهاء: أن الإيمان اعتقاد في القلب وقول باللسان.
_________________
(١) ١ انظر مجموع الفتاوى ٧/١٩٥.
[ ١ / ٥٤٧ ]
وجميع هذه الأقوال بعيدة عن الحق مجانبة للصواب الوارد في الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة. ومنهم عمر بن عبد العزيز ﵀ كما سبق في الآثار.
تبقى الإشارة إلى أن الأثر الوارد عن عمر في تعريف الإيمان قد جاء بروايتين "أن الإيمان" "وأن الإسلام" كما عند ابن عبد الحكم، وابن عساكر، فهل الإسلام والإيمان لفظتان مترادفتان؟
اختلف أهل العلم في ذلك فذهب بعضهم إلى أنهما لفظتان مترادفتان، بينما ذهب الآخرون إلى أنهما متغايرتان، والصحيح أنهما إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا.
وهذا هو المشهور عند العلماء المحققين حين يذكرون حقيقتهما يقررون أنه في الشرع لهما حالتان:
أ- أن يطلق الإسلام على الافراد غير مقترن بذكر الإيمان فهو حينئذ يراد به الدين كله أصوله وفروعه، من اعتقاداته وأقواله وأفعاله كقوله تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ الآية ٣ من سورة المائدة. ٢ الآية ٨٤ من سور آل عمران.
[ ١ / ٥٤٨ ]
ب- أن يطلق الإسلام مقترنا بالإيمان فهو حينئذ يراد به الأعمال والأقوال الظاهرة وذلك كقوله تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ﴾ ١.
ووجه الجمع والتفريق بين الإسلام والإيمان حال الاجتماع والافتراق يتضح بتقرير أصل عظيم وهو "أن من الأسماء ما يكون شاملا لمسميات متعددة عند إفراده وإطلاقه فإذا قرن ذلك الاسم بغيره صار دالا على بعض تلك المسميات والاسم المقرون دال على باقيها.
فإذا يقال: إذا أُفرد كل من الإسلام والإيمان بالذكر فلا فرق بينهما حينئذ وإن قرن بين الاسمين كان بينهما فرق، وعليه فهما إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا. فاجتماعهما في الذكر يقتضي افتراقهما في المعنى، وافتراقهما في الذكر يقتضي اجتماعهما في المعنى٢.
_________________
(١) ١ الآية ١٤ من سورة الحجرات. ٢ انظر جامع العلوم والحكم لابن رجب ص٢٦.
[ ١ / ٥٤٩ ]